Top
Image Alt

دور الكتب في ضبط الأحاديث وحفظها

  /  دور الكتب في ضبط الأحاديث وحفظها

دور الكتب في ضبط الأحاديث وحفظها

إذن، نقف عند دور الكتاب في ضبط الأحاديث وحفظها؛ ابتداء من عهد التابعين الذي نحن بصدد تبيين مناهجه.

والحقيقة أن الكتاب لعب دورًا مهمًّا في توثيق الأحاديث وإعانة العلماء على حفظ المرويات، من غفلة ذاكرتهم وعلى حفظ مروياتهم أيضًا من أن تتهم عندما يخالفهم فيها غيرُهم؛ ولهذا كان الكتاب هو المرجع والفيصل في كثيرٍ من حالات اختلاف الرواة.

يقول أحمد بن سنان الواسطي: سألت عبد الرحمن بن مهدي، وهو يحدثنا بأحاديث مالك عن أبي الأسود عن عروة، فمن حسنها قلت له: من أبو الأسود هذا يا أبا سعيد؟ قال: هذا محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، ربيب عمرو أخو هشام بن عروة من الرضاعة، وهو الذي يقول: حدثني أخي محمد بن عبد الرحمن بن نوفل عن أبي، قال: لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا حتى نشأ فيهم أبناء سبايا الأمم، فقالوا فيهم بالرأي فضلوا وأضلوا، فقلت: قد كتبته وهو هكذا، قال أحمد بن سنان: وكنت كتبته عن أبي أسامة بالكوفة قبل أن أنحدر إلى البصرة، فلم قدمت واسطًا لم يكن لي همة إلا أن أنظر في كتابي، فنظرت فإذا الحديث قد أُملي علينا عن هشام عن أبيه تامًّا، فلما أتمه قال هشام: أخبرني من سمع أبي يقول: لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلًا، حتى ذكر الحديث بتمامه.

فمن هذه القصة نرى أنَّ الفيصل عند عبد الرحمن بن مهدي وابن السنان إنما هو الكتاب؛ كلٌّ منهما يحتكم إليه.

وهناك قصص أخرى تدل على ذلك، سنقدمها لكم مكتوبة إن شاء الله تعالى.

واكتفى بعضهم بأن يتأكد من أن الكتاب هو كتابه وأن ما فيه من خطه، يقول عبد الرحمن بن مهدي: إن الرقعة تقع في يدي من حديثي، ولولا أنها بخطي لم أحدِّث منها شيئًا، ومن شروط صحة الرواية من الكتاب أن يكون سماع الراوي ثابتًا، وكتابه متقنًا.

وحكى المحاملي هذا عن أكثر الشافعية ومحمد بن الحسن وأبي يوسف، ويبين القاضي عياض أن الخلاف في هذا مبنيٌّ على الخلاف في شهادة الإنسان على خطه بالشهادة إذا لم يذكرها، ويجب على صاحب الكتاب أيضًا أن يحتفظ بكتابه وأن يصونه عنده، كما يصون الحديث في ذاكرته، حتى لا يدخله ريب ولا شك في أنه ليس كما سمعه؛ ولهذا منع حماد بن زيد كتابه عن ابن المبارك، ولم يرضَ إلا بأن ينسخه في حضرته، فإن خرج الكتاب من يد المحدِّث وعاد إليه فقد توقف بعض العلماء في جواز الحديث منه، ورأى بعضهم أنه لا مانع من التحديث إذا لم يرَ فيه أثر تغيير حادث من زيادة أو نقصان أو تبديل، وسكنت نفسُه إلى سلامته، وعلى هذا يحمل قول يحيى بن سعيد وقد سأله أحد الرواة: ضاع مني كتاب يونس والجريري، فوجدتهما بعد أربعين سنة، أحدث بهما؟ أجاب يحيى بن سعيد: وما بأس بذلك.

ولم يعتمد بعضهم كتاب البصير الأمي والضرير اللذين لم يحفظَا من المحدث ما سمعاه منه، لكنه كُتب لهما، وممن رأى ذلك الإمام أحمد، وأبو معاوية الضرير، ويحيى بن معين؛ والعلة في هذا -كما يقول الخطيب البغدادي: أنه لا يسلم من الزيادة لهما في الكتاب أو التحريف فيه، وأجاز ذلك بعضهم إذا وثِق الضرير بالملقن له، وممن أجاز ذلك علي بن المديني.

وإذا وجد الرجل سماعَه في كتاب غيره جازَ له أن يأخذه عندما يتأكد أنه لم يزد في هذه الأحاديث ولم يُنقِص، وممن قال بذلك الإمام أحمد بن حنبل، والأهم من هذا كله أن يكون متحققًا بما يُحدث به حتى لا يكون محدثًا بالظنّ، والظن أكذب الحديث.

ومن أجل هذا الدور الكبير في حفظ المرويات رأينا أئمة الحديث يهتمون ببحث كتب الرواة وتوثيقها والحكم بصحتها، أو عدم صحتها، وكانوا يكتفون بذلك عن النص على توثيق الراوي نفسه، ومن أمثلة ذلك ما يقوله علي بن المديني: سألت عبد الرحمن بن مهدي عن يُونس الأيلي؟ قال: كان ابن المبارك يقول: كتابه صحيح، قال عبد الرحمن: وأنا أقول كتابه صحيح، وهذا ما كان يدفع بعضَهم إلى إصلاح كتابه بعد أن يسمع من الشيخ، وإلى الاستعانة بغيره كي يُصلح له كتابه حتى إذا حدّث لم يُتهم بأن كتابه غيرُ صحيح، أو فيه أخطاء، ويؤدي هذا الحكم بطبيعة الحال إلى تضعيفه.

ومن أجل خطورة الكتاب على النحو الذي رأينا وجدنا أن بعض الأئمة لا يُحب أن تسجل إلا الأحاديث المتقنة؛ لأنها ستنقل إلى الأجيال عبر الكتاب، إذن فلا يسجل فيه إلا الأحاديث التي ضبطها الشيخ.

يقول يحيى بن معين: كان سفيان الثوري إذا حدثني بالحديث فلم يتقنه قال: لا تكتبه، وإذا كان الكتاب هو كل زاد المحدث أو معظمه فقد زاد حرصهم عليه حتى لا يضيع، أو تمتد إليه أيدي السوء، فيُذهب ما يضبط به المحدث روايته، خاف سفيان الثوري شيئًا فطرح كتبه، فلما أمِن أرسل إلى بعض تلاميذه فأخرجوا هذه الكتب من بئر عميقة كان قد وضعها فيه.

وحرص بعضهم على توثيق مروياته بأن تنقل في حياتهم نقلا صحيحًا، أما إذا ماتوا فقد تنقل هذه الكتب إلى من يُحرّف فيها أو إلى من ينسبها لنفسه أو يأخذها ممن لم يأذن له في حياته؛ ولهذا فقد رأينا سفيان الثوري وغيره يوصون بحرق كتبهم ومحوها بعد وفاتهم، وكما أعان كتاب المحدثين على ضبط مروياتهم على النحو الذي رأينا فقد أعان الكتاب النقّاد أيضًا على معرفة صدق الراوي أو كذبه، وهل ما خالف فيه الثقات إنما هو شيء من السهو والغلط الذي يعتري معظم الرواة، أو هو الكذب الذي يخفيه بادعائه الظن الطارئ والخطأ غير المتعمد؟.

فعن حسين بن حِبان قال: قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجل حدث بأحاديث منكرة فردها عليه أصحاب الحديث -إن هو رجع عنها، وقال: ظننتها، فأما إذا أنكرتموها ورددتموها عليّ فقد رجعتُ عنها؟ قال: لا يكون صدوقًا أبدًا، إنما ذلك لرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء فيرجع عنه، فأما الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحدٍ فلا، فقلت ليحيى: ما يبرئه؟ قال: يُخرج كتابًا فيه هذه الأحاديث، فإذا أخرجها في كتاب عتيق فهو صدوق، فيكون شُبّه له فيها، وأخطأ كما يخطئ الناس، فيرجع عنها، قلت: فإن كان قد ذهب الأصل وهي في النسخ؟ قال: لا يقبل ذلك منه، قلت له: فإن قال: هي عندي في نسخة عتيقة، وليس أجدها؟ قال: هو كذاب أبدًا حتى يجيء بكتابه العتيق، ثم قال: هذا دين لا يحل فيه غير هذا.

ولعلنا بعد هذا -وهو عن طريق الإجمال بما اتسع له المجال- قد أدركنا أن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يبدو على السطح قد نُقلت سماعًا فقط، إنما كان هذا السماع سواءٌ كان سماعًا أو قراءة على الشيخ، إنما كان مؤسَسًا على كُتُب خلفه تُسند هذه السماعات وتدعمها، وتكون الفيصل بين ما هو صحيح وبين ما هو غير صحيح.

error: النص محمي !!