Top
Image Alt

دور المسجد في الدعوة

  /  دور المسجد في الدعوة

دور المسجد في الدعوة

أولًا: المسجد، ورسالته بين المسلمين:

أ. التعريف بالمسجد، وفضل بنائه:

المسجد في الإسلام: هو كل موضع يُتعبد فيه رب العزة والجلال سبحانه وتعالى؛ وذلك لقول رسول الهدى والرحمة صلى الله عليه وسلم: ((وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا))، والمسجد في لغة العرب: اسم لمكان السجود، وعُرفًا: اسم للمكان الذي أعد للصلاة، وعندما تقام صلاة الجمعة في المسجد، يطلق عليه المسجد الجامع، وقد اختصر في الصدر الأول للإسلام على إطلاق كلمة المسجد أو المسجد الجامع عليها، وأرض المسجد لا بد وأن تكون أرض طيبة طاهرة من النجاسات، ومما ينفر من القرار فيه، وألا تكون مغتصبة، ولا يجوز بناء المساجد على القبور.

ويجوز أن تكون أرض المسجد متبرعًا بها من مالك ملكًا صحيحًا شرعيًّا، أو موهوبة أو موقوفة لإقامة المسجد عليها، أو مشتراة كذلك بمال مكتسب من حلال؛ لأنه آنَ إِذْ إنفاقٌ في سبيل الله، وقد حث القرآن الكريم على الإنفاق من طيب الكسب، وذلك في قول الله -تبارك وتعالى-: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُوَاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 267].

وكان المسجد أول ما بادر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بنائه، حتى تظهر فيه شعائرُ الإسلام، وتقام الصلوات التي تجمع المسلمين وتربطهم برب العالمين، وتألف بين قلوبهم.

ففي كتب السيرة وفي الصحيحين وغيرهما: أن الرسول صلى الله عليه وسلم بنى مسجده الجامع بالمدينة؛ حيث بركت ناقته صلى الله عليه وسلم في مكان مملوك لغلامين، يكفلهما أسعد بن زرارة رضي الله عنه ورغب الغلامان في النزول على المكان لله تعالى، فأبَى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ابتياعه بثمنه، وكان في هذا الموضع نخيل وشجر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخيل والشجر، وبُني باللبن وجذوع النخل والشجر، وشارك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه في حمل اللبنات والأحجار.

وأقيم المسجد في حدود البساطة، فراشه الرمال والحصباء، وسقفه الجريد، وأعمدته اللبنات والأحجار، وأقيم المسجد بهذه الهيئة إلا أنه خَرَّجَ رجالًا، ألا وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

وعلى كلٍّ، فما ذكرناه يفيد بعد تعريف المسجد في اللغة والعرف، أن المسجد ينبغي أن يقام على أرض مكتسبة أعدت لهذا الغرض بطريق مشروع، وذلك عن طريق الشراء أو الكراء أو الهبة أو التبرع، وأن يكون الإنفاق عليه من أطيب الكسوب، ولقد ظل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه البساطة مدة حياته، وأيضًا في خلافة أبو بكر رضي الله عنه.

وزاد في بنائه عمر رضي الله عنه ثم زاد فيه زيادة كبيرة وغيره عثمان رضي الله عنه، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والجير، وجعل أعمدته من حجارة منقوشة، وكان رضي الله عنه يحرص على أن يكون أيضًا بناء المسجد بناءً غير متوسع فيه ولا متكلف، وليس في القرآن والسنة شروط محددة لبناء المسجد، ولكن البيان العملي للرسول صلى الله عليه وسلم يفيد أنه لا بد من أرض طاهرة غير مغتصبة على نحو ما سبق من بيان لمصدرها بتصرف شرعي، وأن تكون الأموال التي أنفقت كسوبًا حلالًا مبرأة من المحرمات، ومن أي شبهة.

أما نموذج المسجد، فإنه غير محدد، فقد يكون مسجدًا صغيرًا للقبيلة أو للقرية الصغيرة، وقد يكون مسجدًا جامعًا لقرى أو لقبائل عديدة، ومواد بنائه تختلف من عصر إلى عصر، ومن مصر إلى مصر، أو إلى قرية أو إقليم أو قارة، وما إلى ذلك.

وقد ثبت أن عمر وعثمان رضي الله عنهما أعادَا بناءَ مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وزادَا فيه كل حسبما وسعته القدرة، مع مراعاة ما استحدث من فنون العمارة، وفِقه هذا التطور للسعة في المسجد، وفي تغير مواد البناء في عهد عثمان رضي الله عنه يفيد أنه ينبغي للمسلمين ألا يتخلفوا في عمارة المساجد ومنشآتها، عما اتخذه المسلمون في بيوتهم ومنازلهم من مواد البناء، وفنون إقامتها، ووفائها بمهامها، واستحداث ما استحدث من أنواع الفرش دون سرف أو ترف، فإذا كانت المساجد اليوم تحتاج إلى فراش نظيف فلا بد منه، وإلى دورات مختلفة معدة مهيئة نظيفة، فهو أمر ضروري ومطلوب، وإن كان الناس اليوم يحرصون على أن يكيفوا بيوتهم، فبيوت الله عز وجل أولى بذلك.

والشاهد من كل هذا: أنه لا ينبغي على المسلمين أن يتخلفوا في إنشاء المساجد والاهتمام والعناية بها، عما يقيمونه لأنفسهم في حياتهم الدنيوية.

ويشير إلى تجميل المسجد وتنظيفه وتطهيره وتطيبه، قول الحق – تبارك وتعالى: {يَابَنِيَ آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]؛ إذ في أمر هذا النص بأخذ الزينة عند الذهاب إلى المسجد، إشارة إلى تزيين المساجد وتنظيفها وتطيبها كذلك بما يتعارفه الناس.

ولقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد الفتوحات الإسلامية في خلافته إلى كل من أبي موسى الأشعري والي البصرة، وسعد بن أبي وقاص والي الكوفة، وعمرو بن العاص والي مصر رضي الله عنهم، يأمرهم أن يتخذوا مسجدًا للجماعة، كما يتخذوا مسجدًا للقبائل، فإذا كان يوم الجمعة انضم أهل مساجد القبائل إلى مسجد الجماعة، وكان صلاة الجمعة تُؤدى في المسجد الجامع.

ومن المعلوم: أن المسجد بُني ليعبد الله -تبارك وتعالى- فيه، وأن يعبد وحده دون سواه، وقد نص الله على ذلك فقال: {وَأَنّ الْمَسَاجِدَ لِلّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ اللّهِ أَحَداً} [الجن: 18].

وقد ورد في بناء المساجد وفضل بنائها أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلممنها:

ما أخرجه البخاري ومسلم  وغيرهما، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من بنى مسجدًا لله تعالى، بنَى الله له بيتًا في الجنة)).

ب. المسجد هو المدرسة الأولى في الإسلام:

المسجد أول مدرسة في الإسلام، تبني الأجيال وتصنع الأبطال، وتعدهم خير إعداد، وعن طريقهم يقوم كيان الأمة الروحي، كما أنه الأساس لدعم وجودها المادي، وقد أخبر الله عز وجل أن المسجد يقوم فيه الرجال، قال تعالى: {لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لّمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى التّقْوَىَ مِنْ أَوّلِ يَوْمٍ أَحَقّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبّونَ أَن يَتَطَهّرُواْ وَاللّهُ يُحِبّ الْمُطّهّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ تَقْوَىَ مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مّنْ أَسّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنّمَ} [التوبة: 108، 109].

والمسلم من سِمَاتِهِ الطهارةُ الحسية والمعنوية، فهو مُطالب في صلاته بأن يكون طاهرَ الثوب والبدن والمكان، كما أن الله يحبه طاهرًا على كل حال، وفي كل شيء، ونعني بذلك: النظافة، وحسب المصلي أن يتطهر لكل صلاة، بحيث لا تقبل صلاته إلا إذا كان طاهر الثوب والبدن والمكان، إلى جانب طهارته من الحدث الأصغر للوضوء والأكبر بالغسل، كما يندب الإسلام إلى احترام شعور الغير في المجتمعات، فلا تقع حواسهم على ما يسوؤهم، وذلك بالاغتسال في يوم الجمعة، والتجميل بالثياب الحسنة للمساجد، إلى غير ذلك من الآداب الإسلامية العظيمة.

وإلى جانب ذلك: الطهارة المعنوية التي تتعلق بالجوارح؛ كي لا يقترف المسلم إثمًا، أو يرتكب منكرًا، أو يدنس نفسه بمعصية، كما تتعلق أيضًا بالقلوب، بحيث لا يحمل المسلم المؤمن المصلي لربه غِلًّا ولا حقدًا ولا حسدًا لأحد من خلق الله تعالى.

وفي المسجد يتدارس المسلمون كتاب الله، ويتلونه، ويؤدون الشعائر الدينية بإقامة الصلاة، وذكر الله عز وجل وتبصير المترددين على المسجد في شئون الدين والدنيا، وصبغتهم بالصبغة الإسلامية؛ لتكون لهم سلوكًا في حياتهم، وحتى لا يجرفهم تيار الرزيلة، فيقضي عليهم.

فرسالة المسجد إذن -على كل حال- تعليمية، تخلص الإنسان من عار الجهل، وتخلع عليه لباس الفضيلة، وتنقيه من الرزيلة، وهنا ندرك معنى قول الله -تبارك وتعالى-: {إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت: 45]، فالصلاة تطهر الإنسان الذي يعتادها، ويحب التشرف بأداء هذه الصلاة في المسجد، تطهره من الأنانية وحب الذات، وهذا أيضًا أثر بالغ الخطورة في حياة المجتمع، حين يتخلص من هاتين الرزيلتين.

وقد سبق أن ذكرت لكم أن ربَّ العزة والجلال سبحانه أخبر في كتابه: أن الذين يقومون في المساجد في بيوت الله -تبارك وتعالى- إنما هم الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله -تبارك وتعالى، فهم يذكرون جلال الله وعظمته في كل شأنهم، ويراقبونه في جميع أعمالهم، وذلك مدعاة الإحسان والإتقان، كما أن ذلك أثر على الإنتاج ونجاح الأعمال وانتشار ألوية الحب، التي تظلل المجتمع، لا يخفى على من ألقى السمع وهو شهيد.

وكان للمسجد رسالته وله دوره، الذي يَصِلَ المسلمَ بربه أيضًا، كما كان له دوره الاجتماعي الذي يحقق له حياة عزيزة كريمة، ويصله بكل الحب والود ببني جنسه؛ بل وبالحياة كلها من حوله.

جـ. دور المسجد لا يتعارض مع المؤسسات التربوية الأخرى:

ونقول هذا؛ حتى لا يظن ظانٌ عندما تحدثنا عن دور المسجد، وأنه هو المدرسة الأولى في الإسلام، أن هناك تعارضًا وتناقضًا أو انتقاصًا من دور الجامعات ومعاهد العلم والتعليم الأخرى، فهذا غير صحيح، فالمسجد رُوح قبل كل شيء، ومتى وجدت هذه الروح في الجامعات والمعاهد والمدارس في العالم الإسلامي، فهي قادرة – بحول الله وقوته- على أداء دورها في إحداث النهضة، وبث اليقظة، ومحاربة الانحراف الديني والخلقي والسياسي والتربوي، وغيرها من الانحرافات الأخرى في أوساط المسلمين، وعندما يصبح معلمو المدارس ومديروها والمشرفون عليها على درجة عليا من الخلق والاستقامة والكفاءة، فإنها سوف تؤدي رسالة المسجد على أفضل وجه، مهما كان نوع العلوم التي تدرس بها؛ سواء أكانت هي من علوم الدين أو من علوم الدنيا.

فالعلم على كلٍّ هو أساس العملية التربوية، وفي حديث طويل عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى لم يبعثنِ معنتًا ولا متعنتًا)) ((معنتا)): يعني: شقاءً على العباد. ((ولا متعنتا)): يعني: طالبًا العنت والمشقة عليهم، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا.

والجامعات هي الأخرى مشتقة من الجامع؛ لأن الجامع في الإسلام هو المؤسسة الأولى للتربية والتعليم بعد دار الأرقم بن أبي الأرقم، فدور المساجد الجامعة هو التربية والتعليم والتوجيه الديني والخلقي، وتلك الجوامع هي محور الحياة المدنية الإسلامية.

إذن، فالفارق بين المدرسة وبين المسجد، وبين الجامعة وبين الجامع، هو فارق في الشكل فقط، وإلا فالمدرسة في الإسلام مسجد، والمسجد في الإسلام مدرسة؛ حيث لم تظهر المدارس في تاريخ التربية الإسلامية إلا في حدود القرن الرابع الهجري، وكانت في البداية نشأتها فرعًا من فروع المسجد، ثم تطورت إلى أن أصبحت هي من الأصول، وأصبح في بعض الأحيان المسجد جزءًا منها.

وبناءً على هذا الارتباط الوثيق بين المسجد وبين التعليم والعلم في الإسلام، ابتداءً  من المدرسة الابتدائية، وانتهاء بالجامعة والمدارس والمعاهد العليا- ينبغي علينا عند تكوين الأجيال الإسلامية وبناء شخصياتهم العلمية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية، ألا تفارقهم روح المسجد في هذا البناء وذلك التكوين، وأن يستحضر العاملون في التعليم أعمال المسجد التربوية، وأنشطته الثقافية؛ لأن الإسلام يدعو إلى العلم والعمل، وإلى معرفة ما ينفع من علوم الدين، وما يحتاج إليه المسلم من العلوم المادية الدنيوية، بما لا يتعارض في ذلك مع الإسلام؛ لأن الإسلام لا يعرف الفصل بين الدين والدنيا، أو بين العبادة وبين التعليم، أو بين مطالب الروح ومطالب الجسم.

ومن هنا ينبغي علينا أن نعيد إلى معاهدنا ومدارسنا وجامعتنا ما فقدته من روح المسجد في أعمالها العلمية والتربوية في وقتنا الحاضر، وقد تأثر بعض الناس بالحضارة الأوربية التي تجعل التعليم في مدارسها تعليمًا مدنيًّا خالصًا، ولا علاقة له بالدين لا من قريب ولا من بعيد، وتحصر تعليم الدين في مدارس خاصة، ومعاهد خاصة، لمن يشاء أو يريد.

أما العالم الإسلامي، فلم يمر بالترجمة التي مرت بها أوربا لسبب بسيط، وهو أنه لا رهبانية في الإسلام، أو أنه لا تعارض بين العلم وبين الدين، حتى ولو كانت هذه العلوم من العلوم المادية الدنيوية النافعة، كما أنه لا يوجد في الإسلام الفصل التام بين التعليم الديني والتعليم المدني؛ لأن الإسلام يعتبر التعليمين متكاملين، يجب على المسلم أن يتعلمهما معًا في وقت واحد، فالعلم في الإسلام علم مطلق، ينطبق على علوم الدين وعلوم الدنيا النافعة في وقت واحد.

لقد أصبحت المدارس في مختلف مراحل التعليم في البلاد العربية وكذلك الجامعات العربية، تضم أعدادًا هائلة من الطلاب، وهذه الأعداد الهائلة من المتعلمين في المدارس والمعاهد والجامعات، وهم في ازدياد مطرد عامًا بعد عام، إذا ما وجدت التوجيه الإسلامي الرشيد في التعليم الذي يتلقونه حسب روح المسجد، فإنه يكون منهم مجتهدون في الدين، والمبدعون في علوم الدنيا، والدعاة إلى الله – تبارك وتعالى- على هدًى وبصيرة.

إذن، فالدعوة إلى إعادة الاعتبار لدور المسجد التربوي في الإسلام، ليس معناه إغلاق الجامعات والمدارس، أو ثانويات التعليم العام أو الفني،وإنما المقصود هو نقل روح المسجد ورسالته التربوية والأخلاقية إلى المعاهد المذكورة؛ حتى تستطيع أداء رسالتها في التربية والتكوين والإعداد لأبناء المسلمين على الوجه الأفضل.

ثانيًا: دور المسجد في المجتمع المسلم:

أ. دور المسجد في الدعوة إلى الله -تبارك تعالى-:

عُمَّارُ المساجد هم -بفضل الله ورحمته- خيرة المسلمين، وأحرصهم على إرضاء الله -تبارك وتعالى، وارتيادهم لبيوت الله دليل خير وصلاح، والله تعالى يقول: {إِنّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَأَقَامَ الصّلاَةَ وَآتَىَ الزّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاّ اللّهَ فَعَسَىَ أُوْلَـَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18]، فهؤلاء صفوة المسلمين، فماذا يجب على الدعاة نحوهم؟

يجب أن يذهب إليهم الدعاة في بيوت الله، وأن يخالطوهم ويصادقوهم ويتحببوا إليهم، ويشجعوهم على الاستزادة من هذا الخير، وللدعاة مع عُمَّار المساجد جهود وأعمال تتنوع إلى ما يلي:

– إلقاء دروس عليهم في تجويد القرآن وأدب تلاوته وتفسيره، وإلقاء دروس عليهم في السُّنَّةِ النبوية، وتحفيظهم ما أمكن من الأحاديث النبوية، مع شرح مبسط لها؛ ليستفيدوا من ذلك، وأيضًا إعطاؤهم دروسًا في السيرة النبوية المطهرة، وفي تاريخ الصحابة والتابعين رضي الله عنهم وفي تاريخ الإسلام، وإعطاؤهم دروسًا وتوعيةً في خدمة البيئة التي تحيط بالمسجد، ومعاونتهم وتشجيعهم على تكوين مكتبة للمسجد، أو تزويد مكتبته إن كانت فيه مكتبة بالكتب النافعة.

كما عليهم عقد محاضرات وندوات على فترات مناسبة، وعليهم أن يصطحبوا رواد المسجد إلى زيارات العلماء والمستقيمين من سكان الحي الذي فيه المسجد؛ حتى يعودوهم على تفقد أحوال الناس، وأحوال رواد المساجد، وعليهم أن يتعاونوا في أن يكون المسجد دائمًا على أحسن صورة، من حيث نظافته ونظامه وأساسه وإنارته  ومكتبته ومرافقه.

كل ذلك يتعاون رواد المسجد على القيام به؛ حسبةً لوجه الله -تبارك وتعالى- وتقربًا إليه، وكل ذلك داخل في إعمار المسجد وتعهده، وهو واجب كل مسلم يتردد عليه، وإن فعل الدعاة ذلك، أصبح للمسجد دور عظيم في الدعوة إلى الله -تبارك وتعالى- واستفاد الذين يترددون على المسجد فائدة عظيمة من هؤلاء الدعاة إلى الله -تبارك وتعالى، وكان بحق المسجد منارة إشعاع في المكان الذي يوجد فيه.

ب. دور المسجد في التوجيه الاجتماعي للمجتمع المسلم:

المسجد يؤدي في المجال الاجتماعي دورًا هامًّا بالنسبة للمجتمع الإسلامي؛ حيث كان -ولا يزال- يعمل على المحافظة على تماسك الأسرة الإسلامية، والأمة الإسلامية كذلك، عن طريق ما يُلقى فيه من محاضرات وخطب تتناول اهتمامات الشعوب الإسلامية في كل شأن من شئون الحياة، ولعل من أبرز المجالات التي ينبغي أن يقوم بها المسجد في العصر الحديث، هو أن يكون محورًا لمجموعة من الخدمات الخيرية؛ لحاجة الناس إلى ذلك، خاصة في البلاد الفقيرة أو التي يوجد فيها قوم دخولهم محدودة.

وعليه يجب على الدعاة أن يحاولوا أن يُوجِدوا إلى جوار المسجد خدمات اجتماعية خيرية، كأن يوجِدوا -مثلًا- مستوصفًا طبيًّا؛ لمعالجة المرضى أو يوجدوا ناديًا للشباب، يمارسون فيه الرياضة البدنية الخفيفة، والنشاطات الثقافية والترفيهية البريئة من المنكرات، وقد أشرت إلى ضرورة وجود مكتبة في المسجد، وعليهم أيضًا أن يحاولوا إيجاد مكان يجتمع فيه رواد المسجد؛ ليعرضوا عليهم الأفلام العلمية والاجتماعية والتربوية الهادفة؛ حتى نستفيد من التقنية الحديثة الموجودة، وإلى غير ذلك من النشاطات الأخرى، وبذلك يَسترجع المسجد دوره التوجيهي الهام في المجتمع، حسب متطلبات العصر الحديث.

ولذلك ينبغي إعادة النظر في هندسة بناء المساجد في وقتنا الحاضر؛ حتى تكون وافية بالأغراض الاجتماعية النافعة للجماعة الإسلامية، بالإضافة إلى وظيفتها الأساسية وهى العبادة والتوجيه الديني.

ونستلفت النظر هنا إلى أمر آخر، وهو: أنه قد انتشر في عصرنا ظاهرة الدروس الخصوصية للطلاب في مختلف المراحل التعليمية، وأولى بالمسجد أن ينشط إلى مساعدة الطلاب، باستقطاب الأساتذة والمدرسين في كافة المراحل حتى الجامعية؛ تيسيرًا على الطلاب، وجمعًا لهم في مكان آمن، يستظهرون فيه دروسهم، ويجدون فيه المرجع من الكتاب في المكتبة، وكذلك الأستاذ المتخصص.  

ويرتبط هؤلاء الطلاب أيضًا بالمسجد، وإذا حان وقت الصلاة صلوا جماعة فيه، فكان في هذا خير وبركة.

ولقد كان المسجد في صدر الإسلام هو المكان الذي يتخرج منه العلماء والفقهاء والقادة الصالحون، كان المسجد هو المركز الذي تُدار فيه حياة المجتمع، وعلى نور رسالته تسير خطى حياة الناس، وقد أجمل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تبارك وتعالى- وظائف المساجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:

“وكانت مواضع الأئمة ومجامع الأمة هي المساجد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أسس مسجده المبارك على التقوى، ففيه الصلاة والقراءة والذكر والتعليم والخطب، وفيه السياسة، وعقد الألوية، وتأمير الأمراء، وتعريف العرفاء، وفيه يجتمع المسلمون لِمَا أهمهم من أمر دينهم ودنياهم”.

ولذلك يجب على الطلاب أداء الصلوات في جماعة؛ لتنمي في الإنسان المسلم صفات وخصائص تقربه من الله -تبارك تعالى، وتقيه ارتكاب المعاصي، وتحي الوازع الديني لديه، وتعينه على أن يصلح نفسه، وأن يصلح ما بينه وبين الناس، والصلاة في جماعة تحقق التآلف والتراحم والمساواة بين المسلمين.

وفي السُّنَّة الشريفة الأحاديث الصحيحة الوفيرة، التي تحث على صلاة الجماعة؛ حيث تفضل صلاة الفرد في بيته وسوقه بسبع وعشرين درجة، وفي المساجد الجامعة تقام صلاةُ الجُمَعِ بما فيها من خطبة يتعلم منها المسلمون ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، ويتداولون فيما يهمهم من الأمور، وتتواصل المجتمعات الصغيرة، ويتعاطفون ويتآزرون، وفي المساجد ذكر الله عز وجل الذي يدخل فيه تلقي العلم، وتعليمه، والدعوة إلى البر، ومزاولته من أجل رضا الله، والتماس رحمته ومغفرته.

ولقد تلقى الصحابة رضي الله عنهم في المسجد القرآنَ وعلومَه، والسُّنَّةُ الشريفة قولًَا وتقريرًا وأفعالًا، فكان المسجد بهذا ميزانًا لشخصية المسلم الكامل والمجتمع الفاضل، الذي وصفه الله -تبارك وتعالى- في وقوله: {لَقَدْ مَنّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مّبِينٍ} [آل عمران: 164].

فكان صلى الله عليه وسلم معلمًا يقرأ القرآن على المسلمين، ويشرح آياته، ويعمل على تطهير نفوسهم، ويعلمهم الحكمة، ويعلمهم صلى الله عليه وسلم أمورًا شتى لم يكونوا على علم بها، والنبي صلى الله عليه وسلم يعرف وظيفته، ويستشعر مهمته ومسئوليته التي حملها إياه ربه -تبارك وتعالى، فيقول: ((إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني)).

وفي كتب السُّنَّةِ الشريفة الأحاديث الصحيحة الوفيرة في الحث على طلب العلم والتعليم، وعلى حضور مجالس العلم في المسجد، من هذا ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تبارك تعالى، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله في من عنده)).

جـ. دور المسجد في القيادة:

كان المسجد في صدر الإسلام مركزًا للقيادة، تصدر عنه الوصايا والعطايا والأوامر والتعليمات، وتنطلق منه السرايا والغزوات، وكان الإمامُ إمامًا في الصلاة والإدارة والقيادة والسياسة، وكان من وظائف المسجد الهامة تنمية المجتمع، وهي وظيفة عامة شاملة، وهو بهذه الوظيفة قائدُ التغيير والتطوير والتقدم، والداعي إلى الصلاح والإصلاح للأحوال الاجتماعية والاقتصادية والصحية والثقافية والسياسية، فهو بهذا ضرورة دينية اجتماعية ودنيوية، وهو منتدى طاهر وظاهر وضاء، لا إثم فيه ولا فجور، ويَسْمُو بكل هذا على منتديات العصر الحاضر.

وتنمية المجتمع تُعَدُّ وظيفةٌ متنوعة المسالك، لها مثيل من عمل الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن لم تعرف في عهده الشريف بهذا العنوان السائد الآن في علم الاجتماع، ففي المسجد كانت الأموال تُوزع على المستحقين من الفقراء، وفي المسجد كان يوجد مكان أهل الصُّفَّةِ، وهم الفقراء الذين لا مأوى لهم ولا مورد.

ولقد امتدت مكانة المسجد ووظائفه منذ كان الإسلام، وتتابعت حاجات المسلمين، فاشتهرت بعض المساجد في أقطار مختلفة بأن صارت جامعات الإسلام، فآوى إليها الطلاب؛ رغبةً في العلوم المختلفة في الدين والشريعة واللغة والطب، وغير هذا مما علمه الله الإنسان.

وعلى تعاقب الأجيال، وانعقاد حلقات العلم، ورصد المُحْسِنُون من المسلمين الأوقافَ على طلاب العلم، فكانت المساجد أهم المراكز الثقافية في العالم الإسلامي؛ بل في العالم أجمع.

فهذا الحرم المكي، وهذا الحرم المدني، وهؤلاء شيوخ الحرمَين الذين فاقت شهرتهم في العلم وذاعت، وهذا مسجد عمرو بن العاص بمدينة الفسطاط بمصر، وفيه جلس الإمام الشافعي للعلم، وهذا جامع قرطبة الذي توافد إليه طلاب أوربا وإفريقيا، مسلمون وغير مسلمين.

وإذا كانت وظائف المسجد قد انكمشت في هذا العصر بعد أن زاحمته المؤسسات المعاصرة، وبسبب فتور التدين لدى بعض المسلمين، أو انحرافهم أو قعودهم عن سلوك الطريق المستقيم، والانخداع بزخرف الحياة المادية التي سادت في المجتمعات غير الإسلامية، وبسبب الضعف السياسي والاقتصادي الذي شاب الأقطار الإسلامية، التي وقعت فريسة للاستعمار السياسي بعد الاستعمار العسكري والفكري، ومع الهيمنة الاقتصادية للغير، ثم شيوع البدع والخرافات التي باعدت بين الكثيرين من المسلمين وبين الدين الصحيح.

إذا كان ذلك، كان على أمة الإسلام أن تعود إلى استعادة أعباء ووظائف المساجد، وإبراز العمل بها، فلا تظل مقصورة أو محصورة في أداء الصلوات، وإنما تمتد وتعود إلى التعليم وغيره على نحو ما سبق، وبهذا يظهر دور المسجد في التوجيه الاجتماعي.

ثالثًا: بعض وظائف المسجد:

أ. المسجد دار للإفتاء:

من الأعمال التي يقوم بها المسجد، أنه دار للإفتاء، ذلك أنه يُبِتُّ للناسِ في أمور دينهم ودنياهم مما فيه غموض، فيتوجهون إلى المسجد حيث لا يخلو من عالم يفتيهم في أمور دينهم ودنياهم.

فعن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: ((بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلمفي المسجد، دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد، ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي صلى الله عليه وسلم متكئًا بين ظَهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ؟ فقال له الرجل: ابن عبد المطلب؟ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجبتك.

فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني سائلك فمشددٌ عليك في المسألة، فلا تجد عليَّ في نفسك، فقال صلى الله عليه وسلم له: سَلْ ما بدا لك، فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: اللهم نعم، فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: اللهم نعم، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم نعم، فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأَنَا رسول مَن ورائي مِن قومي، وأنا ضِمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر)).

والشاهد من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس في المسجد، وكان يأتي إليه أصحاب الحاجات ومن يودون أن يتعلمون العلم، فيسألون رسول الهدى والرحمة صلى الله عليه وسلم.

وقد روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه: ((أن رجلًا قام في المسجد فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أين تأمرنا أن نهل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل نجد من قرن)).

ب. المسجد دار للقضاء:

وكما كان المسجد دارًا للإفتاء، فهو أيضًا دار للفصل بين المتخاصمين، وللقضاء العادل بين المتنازعين؛ حيث يأمن فيه كل إنسان على نفسه، ويطمئن إلى أخذ حقه، قال تعالى: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَاُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوّرُواْ الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُواْ عَلَىَ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىَ بَعْضُنَا عَلَىَ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَآ إِلَىَ سَوَآءِ الصّرَاطِ} [ص: 21، 22].

قال الإمام القرطبي -رحمه الله تبارك وتعالى- في تفسيره: ليس في القرآن ما يدل على القضاء في المسجد إلا هذه الآيات، وبها استدل من قال بجواز القضاء في المسجد، ولو كان ذلك لا يجوز -كما قال الشافعي رحمه الله- لَمَا أقرهم داود عليه السلام على ذلك، ويقول: “انصرفا إلى موضع القضاء”.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء يقضون في المسجد، وقد قال مالك -رحمه الله تبارك وتعالى-: القضاء في المسجد من الأمر القديم -أي: في أكثر الأمور- ولا بأس أن يجلس في رحبته؛ ليَصِلَ إليه الضعيفُ والمشركُ والحائضُ، ولا يقيم فيه الحدود، ولا بأس بخفيف الأدب.

وقد قال أشهب: يقضي في منزله، وأين أحبَّ.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((أتى رجلٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فناداه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم فلمَّا شهد على نفسه أربعة، قال: أبِكَ جنون؟ قال: لا، قال: اذهبوا به، فارجموه)) قال ابن شهاب فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله قال: كنت فيمن رجمه بالمصلى.

والشاهد من ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالرجم على هذا الرجل وهو في المسجد لما أتَى إليه وناداه وأخبره بما أخبره به.

ج. المسجد دار للرعاية الاجتماعية والصحية:

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم الأموال الواردة إليه على ذوي الحاجات، فإن لم تكن هناك أموال وكان الناس في حاجة، دعا الأغنياء إلى البذل والإنفاق، وقام بتوزيعها على الفقراء والمحتاجين في المسجد أيضًا، وفي أوقات الحرب يمكن أن يتخذ المسجد مأوًى لمن يلجأ إليه ويحتمي فيه، ودار للإسعاف عند الضرورة.

وعن المنذر بن جرير، عن أبيه رضي الله عنه قال: ((كنا في صدر النهار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه قوم عراة مجتاب النمار -والنمار: كساء من صوف مخطط، أو العباء- متقلدي السيوف، عامتهم بل كلهم من مضر، فتمعَّر وجه النبي صلى الله عليه وسلم لِمَا رأى بهم من الفاقة فدخل، ثم خرج، فأمر بلالًا فأذن وأقام، فصلى، ثم خطب فقال:” {يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَاتّقُواْ اللّهَ الّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء: 1] {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اتّقُواْ اللّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مّا قَدّمَتْ لِغَدٍ وَاتّقُواْ اللّهَ} [الحشر: 18]،ثم قال صلى الله عليه وسلم: تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره -حتى قال صلى الله عليه وسلم: ولو بشق تمرة، فجاء رجل من الأنصار بِصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مُذهبه صلى الله عليه وسلم، وذلك من الصفاء والاستنارة، فقال صلى الله عليه وسلم: مَن سن في الإسلام سُنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن سَنَّ في الإسلام سُنة سيئة، كان عليها وزرها ووزر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا)) وهذا الحديث في مسلم.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ((أصيب سعد بن معاذ رضي الله عنه يوم الخندق، رماه رجلٌ من قريش -يقال له: ابن العرقة- في الأكحل -والأكحل: عرق في اليد- فضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد؛ ليعوده من قريب)).

وهذا يدل على أن المسجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان دارًا للرعاية الاجتماعية والصحية، وهكذا يجب أن تكون مساجد المسلمين اليوم، تشفي وتغلي، وتقدم النافع والمفيد للمسلمين في شتى مجالات الحياة، وعلى أهل الإسلام -وعلى الدعاة منهم بوجه أخص- أن يعتنوا برواد المساجد، وبالأحياء التي تكون حول هذه المساجد، وأن يقدموا لها الخدمات الجليلة النافعة.

وننبه عموم المسلمين إلى ضرورة أن تكون المساجد خالصة لوجه الله وحده دون سواه، فلا يذكر فيها سوى اسم الله -تبارك وتعالى- ولا يتقرب العبد بعمل هناك إلا إذا أراد به وجه الحق -تبارك وتعالى- والدار الآخرة.

error: النص محمي !!