Top
Image Alt

دور الوالدين في عملية التوجيه والإرشاد

  /  دور الوالدين في عملية التوجيه والإرشاد

دور الوالدين في عملية التوجيه والإرشاد

أولًا: مقدمة عن دور الوالدين في تلك العملية -أعني: عملية التوجيه والإرشاد:

فالوالدان ينظران إلى التوجيه والإرشاد، كجزءٍ من الحياةِ نفسها، وإلى الولد كجزء منهما، ومن المعروف أن الفرد يميل إلى اللجوء بمشكلاته أولًا إلى الوالدين والأقربين، ويبذل الوالدان عادة كل جهد لتقديم المساعدة لولدهما في كافة الميادين طبيًّا وتربويًّا وإرشاديًّا، إلى غير ذلك، إلى أقصى حدٍّ يستطيعانه، فينبغي التركيز على إيجادِ علاقةِ حبٍّ ووئامٍ بين الأم وأبنائها، وبين الأب وأبنائه، حتى إذا حدثت مشكلةٌ ما، يكون أول من يعرف بها هو الوالدين للقيام بعملية التوجيه السليم، ولاشتراك الوالدين واعتبارهما مسئولين في عملية الإرشاد، فهما مسئولان عن نمو شخصية الولد، وعن عملية تنشئته اجتماعيًّا، وهما اللذان يتوليانِ مسئوليةَ التربيةِ، قبل سن المدرسة، وحتى بعد دخولِ المدرسةِ.

وإذا تعاظم دور الوالدين في عملية التوجيه والإرشاد للأولاد؛ فهنا ينبغي أن يكونا على درجةٍ من العلمِ والثقافةِ في هذا الجانب، حتى يستطيعان مجاراة الأولاد، وتوجيههم التوجيهَ الأمثلَ؛ فينبغي أن يُعَدَّا إعدادًا مناسبًا، وذلك من خلال برامج ووسائل الإعلام المختلفة، كالإذاعة والتليفزيون والصحافة، من أجل توعية الوالدين لهذه المهمة الكبيرة، كما يمكن توفير بعض الكتب المبسطة في هذا الجانب، دون دخول في مصطلحات فنية تدرس للمتخصصين في هذا الباب، كما يمكن إقامة الندوات والمحاضرات والمناقشات العامة حول تربية الأولاد؛ لتزويدهم بالمعلوماتِ حولَ التوجيهِ والإرشادِ، وتنمية اتجاهات موجبة نحو برامج وعملية الإرشاد.

دور الوالدين الإرشادي: يُلاحظ أن الدورَ الإرشاديَ للوالدين دور مزدوج؛ فهو دور المعطي، الذي يشارك في عملية الإرشاد، ودور الآخذ الذي يطلب ويستفيد من خدمات الإرشاد، ومن أوضح نماذج ضرورة مشاركة الوالدين: حالات الشواذ، وضعاف العقول، حيث تقدم لهما المساعدة لتقبل المشكلة، وتغيير الاتجاهات والتوافق، ولا يمكن لأي برنامج سليم للتوجيه والإرشاد أن يغفل الدور الايجابي الذي يمكن ويجب أن يقوم به الوالدان، ودورهما الأساسي هو دور إنمائي وقائي، ويمكنهما أيضًا الإسهام بجهود إرشادية عملية، وذلك على النحو الآتي:

رعاية نمو الأولاد، ومراعاة التطبيقات التربوية والعملية لعلوم التربية وعلم النفس، توفير المناخ الأسري المناسب للنمو النفسي السوي للأولاد في المنزل، وإشباع الحاجات النفسية لهم، وتجنب الأساليب الخاطئة في تربيتهم، ورعايتهم، وتحقيق علاقات أسرية سوية مع الأولاد بعضهم وبعض. التعاون الكامل والتنسيق وتبادل الرأي مع المدرسة حتى لا يبني طرف ويهدم آخر.

إن الأبناء هبة الله للإنسان، وهم زهرة الحياة الدنيا، كما قال الله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً} [الكهف: 46]، فقد رفع الإسلام مكانة الأولاد، وجعل لهم في كل شئونهم ومراحل حياتهم ما يخصهم من الآداب، ومن ذلك ما يختص باستقبالهم عند قدومهم إلى هذه الحياة الدنيا من: عقيقة، وتسمية، وتأذين، وتحنيك، وحلق، وختان. ثم جاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليبين معالم هذه الآداب بأقواله وتوجيهاته وتطبيقاته العملية مع أولاده وأولاد أصحابه؛ ليكون قدوة عملية، ونموذجًا حيًّا أمام كل أب وأم.

ثانيًا: دور الوالدين في توجيه الأطفال:

نلخص فيما يلي بعض ما ذكره الإمام ابن القيم ~ في كتابه: (تحفة المودود في أحكام المولود) فيما يتعلق بتوجيه الوالدين نحو تربية أطفالهم، وتوجيههم الوجهة الصحيحة والسليمة؛ فمن ذلك ما يلي:

  1. من أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى؛ فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه؛ فأضاعوهم صغارًا فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آبائهم كبارًا.
  2. مما يحتاج إليه غاية الاحتياج الاعتناء بأمر خلقه؛ فإنه ينشأ على ما عوده المربي عليه في صغره؛ فيصعب عليه تلافي ذلك في كبره، وتصير الأخلاق صفات وهيئات راسخة له.
  3. 3.   يجب أن يتجنب الصبي إذا عقل مجالس اللهو والباطل وسماع الفحش والبدع؛ فإنه إذا علق بسمعه عسر عليه مفارقته في الكبر.
  4. ينبغي لولي الطفلِ أن يجنبه الأخذ من غيره غاية التجنب؛ فإنه متى اعتاد الأخذ صار له طبيعة، ونشأ بأن يأخذ لا بأن يعطي، ويعوده البذل والعطاء.
  5. أن يجنبه الكسل والبطالة والدعة والراحة؛ فإن الكسل والبطالة عواقب سوء وندم، والجد والتعب عواقب حميدة، إما في الدنيا، وإما في العقبى، وإما فيهما؛ فأروح الناس أتعب الناس، وأتعب الناس أروح الناس.
  6. أن يعوده الانتباه آخر الليل؛ فإنه وقت قسم الغنائم، وتفريق الجوائز؛ فمستقل ومستكثر، ومحروم كما اعتاد ذلك صغيرًا سهل عليه كبيرًا.
  7. أن يجنبه فضول الطعام والكلام والمنام، ومخالطة الأنام؛ فإن الخسارة في هذه الفضلات، وهي تفوت على العبد خير دنياه وآخرته، ويجنبه مضار الشهوات المتعلقة بالبطن والفرج غاية التجنب؛ فإن تمكينه من أسبابها والسماح له فيها تفسده فسادًا يعز عليه بعده صلاحه.
  8. الحذر كل الحذر من تمكينه من تناول ما يزيل عقله من مسكر وغيره، أو عِشْرَةِ مَن يخشى فساده.
  9. ومن سوء التدبير للأطفال أن يمكنوا من الامتلاء من الطعام، وكثرة الأكل والشرب، ومن أنفع التدبير لهم أن يعطوا دون شبعهم؛ ليجود هضمهم، وتقل الفضول في أبدانهم، وتصح أجسادهم، وتقل أمراضهم لقلة الفضلات الغذائية.
  10. ومما ينبغي أن يقوم الوالدان بتوجيه أولادهم نحو ما هم مستعدون له من الأعمال ومهيئون له؛ فإن الطفل إذا حمل على غير ما هو مستعد له لم يفلح فيه، وفاته ما هو مهيأ له. كما يكفي في بيان أثر الوالدين في تربية وتوجيه الطفل ورعايته ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ».

وقد حرصت السنة النبوية على توجيه الوالدين على حسن الرعاية الجسمية، والصحية والنفسية للطفل.

فمن أبرز المظاهر التي تدل على عناية الإسلام بالطفل منذ مولده؛ ولا سيما فيما يتعلق بالجانب البدني والصحي:

1. أن الإسلام قد وجه إلى ضرورة أن تكون رضاعة الطفل من ثدي أمه: وأن تكون الرضاعة لمدة عامين كاملين، قال تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة: 233]، ولما للرضاعة الطبيعية من ثدي الأم من أثر على صحة الطفل الجسمية والنفسية فقد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يحصل كل طفل على حقه من هذا اللبن خلال فترة الرضاعة.

2. قد ألزمت السنةُ النبويةُ المطهرةُ الوالدَ بالإنفاقِ على الطفل: سواء فيما يلزم طعامه وشرابه، أو فيما يلزم لنفقته العامة كالملبس والمسكن والدواء وغيرها، ولا سيما أن الطفل في سنواته الأولى يكون في حالة من الضعف، أو العجز الكلي عن تلبية حاجاته المادية، غير إن السنة النبوية الشريفة أشارت إلى أن الإنفاق على العيال، مقدم ومفضل على غيره من أوجه الإنفاق الأخرى؛ فقد روي في ذلك أحاديث كثيرة منها ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ». وما روي عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ».

3. راعى الإسلام توجيه الوالدين إلى معاملة الطفل بالحب والرحمة: وتجنب القسوة والعقاب، فالطفل إذا كان محتاجًا إلى الطعام والشراب كحاجات بيولوجية أساسية؛ فإنه في نفس الوقت في حاجة إلى الحب والحنان والعطف والقبول من الآخرين، حتى تنمو شخصيته في الاتجاه السليم نفسيًّا واجتماعيًّا.

ومن أبرز المظاهر التي تعبر عن الحب للأطفال: ضمهم وتقبيلهم ومعانقتهم، وقد روي في ذلك أحاديث عدة منها ما روي عن أبي هريرة قال: «قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ».

4. من المهام الرئيسية للوالدين أن يقوما بالتوجيه السلوكي للطفل: فلا شك أن السلوك الاجتماعي للطفل يتأثر بالبيئة الاجتماعية المحيطة به، ولا سيما الأسرة التي لها دورها الهام في توجيه السلوك لدى الطفل، وإذا كانت معظم الآداب والأخلاق الشخصية تتكون في السنوات الأولى من عمر الإنسان؛ فإن الطفل خاصة في مرحلة ما قبل المدرسة يحتاج إلى التوجيه المباشر وغير المباشر، حتى تتكون لديه الآداب والسلوكيات المحمودة، خاصة وأن الطفل في ممارساته السلوكية الأولى قد يبتعد عن السلوكيات والعادات الصحيحة، والمناسبة لآداب الجماعة والتعامل مع الآخرين.

وقد عدت السنة النبوية المطهرة، توجيه الآباء والأمهات للأطفال فيما يتعلق بالآداب السلوكيات مسئولية دينية يثاب الوالدان على القيام بها، باعتبارها أثمن رصيد يمكن أن يتركه الآباء للأبناء؛ فقد روي في ذلك: «لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ»، وأعطت السنة المطهرة العديد من الأمثلة في كيفية التوجيه السلوكي للطفل، وخاصةً في الآداب والسلوكيات الضرورية، التي تتكرر في حياة الطفل مع الجماعة المحيطة به، كآداب الطعام والشراب والسلام، والمجلس والاستئذان وغيرها، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر؛ ما رواه عمر بن أبي سلمه قال: «كُنْتُ غُلَامًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَا غُلَامُ سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ؛ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ».

وفي توجيه الطفل للابتعاد عن السلوكيات غير المرغوبة، روي عن أبي هريرةرضي الله عنه قال: «أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كِخْ كِخْ، ارْمِ بِهَا، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ». وعلى كيفية توجيه الطفل إلى الصدق، وانتباه الوالدين إلى المواقف التي يمكن أن تؤثر ولو بطريق غير مباشر في تعلم الطفل الخداع أو الكذب والنفاق، يروى عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَالَ لِصَبِيٍّ: تَعَالَ هَاكَ ثُمَّ لَمْ يُعْطِهِ فَهِيَ كَذْبَةٌ».

ففي هذه الأحاديث السابقة يتبدى لنا كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتني بالتوجيه السلوكي المباشر للأطفال؛ ولا سيما فيما يتعلق بالسلوكيات الضرورية، التي تكرر يوميًّا في حياة الطفل، مثل السلوكيات الخاصة بالطعام والشراب، والسلام والاستئذان والصدق وغيرها، وهذه الأحاديث ما هي إلا أمثلة يتعلم منها المربون كيف يكون التوجيه السلوكي اليومي للطفل، بما يتفق مع آداب الاجتماع، ويساعده على التكيف السليم مع من حوله.

error: النص محمي !!