Top
Image Alt

دين الحق واحد، وبيان ضلال اليهود والنصارى، وبيان معاني الكلمات

  /  دين الحق واحد، وبيان ضلال اليهود والنصارى، وبيان معاني الكلمات

دين الحق واحد، وبيان ضلال اليهود والنصارى، وبيان معاني الكلمات

أولًا: إعراب الآيات، وبيان معاني الكلمات:

1. الآيات: (136- 141): {قُولُوَاْ آمَنّا بِاللّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىَ وَعِيسَىَ وَمَا أُوتِيَ النّبِيّونَ مِن رّبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وّإِن تَوَلّوْاْ فَإِنّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ (138) قُلْ أَتُحَآجّونَنَا فِي اللّهِ وَهُوَ رَبّنَا وَرَبّكُمْ وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) أَمْ تَقُولُونَ إِنّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىَ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (140) تِلْكَ أُمّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}:

القراءات:  

{أَمْ يَقُولُونَ}: قرأ غير ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص، وروَيس: “أَمْ يَقُولُونَ” -بالياء- إضراب من الخطاب إلى الغيبة، والكلام استئناف غير داخل تحت الأمر السابق في الآية، بل وارد منه تعالى توبيخًا لهم وإنكارًا عليهم.

المناسبة:

لمّا أخبر تعالى عن اليهود والنصارى، أنهم تركوا الاقتداء بالأتقياء من أسلافهم، بيَّن أنهم لم يكتفوا بذلك، بل صاروا دُعاة إلى الكفْر بدعوة الناس إلى ما هم عليه من الباطل. والآية مرتبطة بالآية المتقدّمة: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنّةَ إِلاّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىَ}.

ثم بيّن سبحانه طريق المؤمنين، والإيمان الصحيح، وبكَّتَ هؤلاء على كِتمانهم الحق ودعاواهم الكاذبة، وتَوعَّدَهم على ذلك.

اللغويّات:

{وَالأسْبَاطِ}: جمع: سِبْط، كأحمال وحِمْل، والسِّبْط: الحافد.

وقال القرطبى: “وسُمُّوا: “الأسباط” مِن السَّبَط، وهو: التتابع، فهم جماعة متتابعون. وقيل: أصله مِن السّبَط -بالتحريك- وهو: الشجر كثير الأغصان، أي: هم في الكثرة بمنزلة الشجر، الواحدة: سَبْطة. وقيل: من السّبوطة وهي: الاسترسال، وقيل: إنه مقلوب “البسْط”.

قال القرطبى: والسّبْط: الجماعة والقبيلة الراجعون إلى أصل واحد.

والأسباط: حفدة يعقوب، ذراري أبنائه الاثنَي عشر، وقيل: هم في أولاد إسحاق كالقبائل في أولاد إسماعيل. وقيل للحَسَنيْن: سِبْطا رسول الله صلى الله عليه وسلم لانتشار ذريّتهما. ثم قيل لكلّ ابن بنت: “سِبْط”، وكذا قيل له: حفيد أيضًا”.

{شِقَاقٍ} أي: مخالفة لله تعالى، أو منازعة، ومحاربة، أو عداوة. واختلف في اشتقاقه، فقيل: من الشِّقّ أي: الجانب، وقيل: من الشّقّة. وقيل: مأخوذ مِن قولهم: “شقّ العصا” إذا أظهر العداوة.

{صِبْغَةَ}: -بالكسر- وهي: “فِعْلة” مِن صَبَغ كالجِلسة مِن جَلَس، وهي الحالة التي يقع عليها الصّبغ. والمعنى: تطهير الله لأنّ الإيمان يطهّر النفوس.

وقيل: الأصل فيه: أنّ النصارى كانوا يَغمسون أولادهم في ماء أصفر يُسمّونه: “المعموديّة”، يزعمون أنه الماء الذي وُلد فيه عيسى عليه السلام ويعتقدون أنه تطهير للمولود كالختان لغيرهم. وقيل: هو ماء يقدس بما يُتلى من الإنجيل، ثم تُغسل به الحاملات، وإذا فعل الواحد منهم بولده ذلك قال: “الآن صار نصرانيًّا حقًّا. فأُمِر المسلمون بأن يقولوا لهم: {قُولُوَاْ آمَنّا بِاللّهِ}، وصبَغَنا الله بالإيمان صِبْغة لا مثْل صبغتنا، وطهّرنا به تطهيرًا لا مثل تطهيرنا. أو يقول المسلمون: صبغنا الله بالإيمان صِبغته، ولم نُصبغ صِبغتكم. وإنّما جيء بلفظ “الصِّبغة” على طريقة المشاكلة. ويرد على هذا الوجه أنّ الكلام عامّ لليهود، غير مختصّ بالنصارى، اللهمّ إلّا أن يعتبر أن ذلك الفعل كائن فيما بينهم في الجملة.

2. الآية: (142): {سَيَقُولُ السّفَهَآءُ مِنَ النّاسِ مَا وَلاّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل للّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ}:

القراءات:

لا توجد أوجه تتعلّق بالمعنى.

المناسبة:

قال البقاعي ما محصله: أنّ ادعاء بني إسرائيل أنّ أسلافهم كانوا على دِينهم لئلّا تنتقض دعواهم اختصاص الجنة بهم، فيه إنكار للنّسخ في دين الله، وقد رد الله عليهم بما يدلّ على إبطال قولِهم، وأنهم أحدثوا في دينهم وابتدعوا ما لم يأذن به الله، فصدر منهم ما يمنعون منه خالقَهم الذي لا يُسأل عما يفْعَل؛ فأيّ سفه أعظم من ذلك؟ فناسب ذكْر سفاهتهم في إنكار أمْر القبلة بعد ذلك.

قلت: تقدّمت الآيات في فضائح بني إسرائيل وأكاذيبهم، فناسب هنا ذكْر أمر عنهم دالّ على خفّة عقولهم، وهو إنكارهم نسْخ القِبلة.

أيضًا لمّا كان ما تقدّم عن الكعبة وبنائها وشرفِها، ناسَب هنا ذكْر ما يتعلّق بها من قصة تحويل قِبلة المسلمين من بيت المقدس إليها.

اللغويّات:

{وَلاّهُمْ} أي: صرَفهم، وأصله من الولاء والتّوالي، وهو أن يحصل شيئان فصاعدًا حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما. وقولهم: تولّى، إذا عُدِّي بنفسه اقتضى معنى الولاية وحصوله في أقرب المواضع منه، يقال: “ولّيْتُ سمعي كذا، وولّيْت عيني كذا، وولّيْت وجهي كذا: أقبلت عليه. قال الله عز وجل: {فَلَنُوَلّيَنّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}.

وإذا عُدِّي بـ”عن” لفظًا أو تقديرًا اقتضى معنى: الإعراض وترْك قرْبه، وقد يكون بالجسم، وقد يكون بترْك الإصغاء والائتمار.

{قِبْلَتِهِمُ}: القِبلة: “فِعْلَة” من المقابلة كالوِجْهة من المُواجهة، وأصلها الحالة التي كان عليها المقابل، إلّا أنها في العُرف العامّ اسم للمكان المقابل المتوجّه إليه للصلاة.

3. الآية: (143): {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَن يَتّبِعُ الرّسُولَ مِمّن يَنقَلِبُ عَلَىَ عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنّ اللّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رّحِيمٌ}:

القراءات:

قرأ شعبة، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلَف، ويعقوب: بقصر الهمزة من غير واو: {رَءُوفٌ} على وزن “فَعُل”، وقرأ الباقون: بالمدّ {رَءُوفٌ} على وزن “فَعُول”، وكلتاهما من صيغ المبالغة في الفعل التي بعضها أبلغ مِن بعْض في المعنى.

المناسبة:

لمّا بيّن سبحانه استقامة القِبلة التي وجّههم إليها، وعرّف أنها وسَط لا جوْر فيها، وأنها هي خيْر قِبلة، أرْدف ذلك ببيان خيريّة هذه الأمّة وبيان بعض الحِكم في تحويل القِبلة.

اللغويّات:

{وَسَطاً}: خِيارًا، وهي صفة بالاسم الذي هو وسَط الشيء، ولذلك استوى فيه الواحد والجمْع والمُذكّر والمؤنّث.

وقيل: للخيار وسط لأنّ الأطراف يتسارع إليها الخَلَل والأعوار، والأوساط محميّة مَحوطة، ومنه قول الطائي:

كانت هي الوسط المحمي فاكتنفتْ

*بها الحوادث حتى أصبحت طرَفَا

أو عدولًا لأنّ الوسط عدْل بين الأطرافـ، ليس إلى بعضها أقرب مِن بعض.

{يَنقَلِبُ}: مِن قلْب الشيء، وهو: تصريفه وصرْفه عن وجْه إلى وجْه، والانقلاب: الانصراف.

{عَقِبَيْهِ}: العقِب: مؤخّر الرِّجْل، وقولهم: رجَع على عقِبيْه إذا انثنى راجعًا، وانقلب على عقِبيْه نحو: رجع على حافرته، ورجع عوْده على بدْئه.

{رَءُوفٌ}: الرأفة مبالغة في رحمة خاصة، وهي: رفْع المكروه وإزالة الضرر، ومنه قوله: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللّهِ} [النور: 2] أي: لا تَرْأفوا بهما فتَرْفعوا الجَلْد عنهما. والرّحمة أعمّ منه.

4. الآيتان: (144، 145): {قَدْ نَرَىَ تَقَلّبَ وَجْهِكَ فِي السّمَآءِ فَلَنُوَلّيَنّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنّ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنّهُ الْحَقّ مِن رّبّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ (144) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ بِكُلّ آيَةٍ مّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنّكَ إِذَاً لّمِنَ الظّالِمِينَ}:

القراءات:

{وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ}: قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو جعفر، وروح: بالخِطاب، فيشمل المؤمنين وغيرَهم. وقيل: هو وعْد للمؤمنِين فقط. وقرأ الباقون بالغَيبة موجّهًا لأهل الكتاب على الوعيد لهم. وقيل: الضمير على القراءتيْن لجميع الناس، فيكون وعْدًا ووعيدًا للْفريقيْن من المؤمنين والكافرين.

المناسبة:

ما زالت الآيات في قصة تحويل القبلة وسابقها ولاحقها، وموقف أهل الكتاب منها.

اللغويّات:

{قَدْ نَرَىَ} أي: ربّما نرى، ومعناه: كثرة الرؤية، كقوله:

قدْ أترك القِرْن مصفرًا أنامِلُهُ

وزعم بعضهم أنّ {قَدْ} هنا للتّقليل لظنّه أنّ قلّة التّقليب أكمل في الأدب، وهذا غير صحيح. والتّكثير دلّ عليه لفظ التّقلّب.

وهل التّكثير معنى مجازيّ لـ{قَدْ} أو حقيقي؟ قولان، نُسب الثاني لسيبويه.

{شَطْرَ الْمَسْجِدِ}: جهته، ونحوه قال الشاعر:

وأظعن بالقوم شطْر الملوكِ

وهو: ظرف زمان. والشطر في الأصل لِما انفصل عن الشيء، ثم استُعمل لجانبه، وقيل: وإن لم ينفصل. وشطر الشيء: وسطه، وأحيانًا يُراد منه: النِّصف، يقال: شاطرْته شطارًا أي: ناصفْته، وليس مرادًا هنا.

{الْحَرَامِ}: المحرّم، أي: المحرّم فيه القتال أو الصيد ونحوه، أو الممْنوع مِن الظَّلمة أن يتغلّبوا عليه.

وأصل الحرام: الممنوع منه، إمّا بتسخير إلهي، وإمّا بمنع قهريّ، وإما بمنع من جهة العقل، أو من جهة الشرع، أو من جهة من يرتسم أمره.

ثانيًا: أمر الله لليهود والنصارى أن يتبعوا ما أنزل على الأنبياء والمرسلين:

الآثار:

أخرج أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والبيهقي في (سننه)، عن ابن عباس، قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما يُصلِّي الركعتيْن اللّتيْن قبل الفجر بـ {آمَنّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا}، والأخرى بـ {آمَنّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52]”.

وأخرج الحاكم وصحّحه، عن ابن عباس، قال: “أكثر ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتَيِ الفجر: {قُولُوَاْ آمَنّا بِاللّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ}، وفي الثانية: {قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَىَ كَلَمَةٍ} [آل عمران: 64]”.

وأخرج البخاري وغيره، عن أبى هريرة، قال: “كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، ويفسِّرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تُصدِّقوا أهل الكتاب ولا تُكذِّبوهم، وقولوا: آمنا بالله وما أنزل الله)).

وعن الضحاك، قال: “علِّموا نساءكم وأولادكم وخدَمَكم -أسماء الأنبياء المسلمين في الكتاب، لِيُؤمنوا بهم، فإنّ الله أمَر بذلك، فقال: {قُولُوَاْ آمَنّا بِاللّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا} إلى قوله: {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}”.

وعن ابن عباس، قال: “الأسباط: بنو يعقوب، كانوا اثنَيْ عشر رجُلًا، كلّ واحد منهم ولَد سِبْطًا أمّة من الناس”.

وقال أبو العالية، والربيع، وقتادة، والسدي: “الأسباط: بنو يعقوب، اثنا عشَر رجُلًا. ولَد كلّ رجُل منهم أمّة من الناس، فسُمُّوا: الأسباط”.

وعن ابن عباس، قال: “كلّ الأنبياء من بني إسرائيل إلّا عشرة: نوح، وهود، وصالح، وشُعيْب، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وإسماعيل، ومحمّد -عليهم الصلاة والسلام”.

وقال قتادة: “أمَر الله المؤمنين أن يؤمنوا به، ويُصدِّقوا بكُتبه كلِّها وبرُسله”.

وقال سليمان بن حبيب: “إنّما أُمِرْنا أن نؤمن بالتوراة والإنجيل، ولا نعمل بما فيهما”.

وأخرج الطبري، وأبو نعيم، وابن عساكر، عن عبد الله بن عبد الثمالي: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لو حلفتُ لبررتُ أنه لا يدخل الجنة قبل الرّعيل الأوّل من أمّتي إلا بضعة عشر إنسانًا: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، وموسى، وعيسى بن مريم)).

أقوال المفسِّرين:

{قُولُوَاْ آمَنّا بِاللّهِ}: خطاب للمؤمنين لا للكافرين، وقدّم الإيمان بالله سبحانه لأنه أوّل الواجبات، ولأنه بتقدّم معرفته تصحّ معرفة النّبوّات والشرعيات. {وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا} أي: القرآن، وهو وإن كان في الترتيب النزولي مؤخَّرًا عن غيره، لكنه في الترتيب الإيماني مقدَّم عليه لأنه سبب الإيمان بغيره لِكونه مصدِّقا له، ولذا قدَّمه. {وَمَآ أُنزِلَ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ} يعني: الصّحف، وهي وإن نزلت على إبراهيم صلى الله عليه وسلم لكن لمّا كان ما عُطف عليه مُتعبَّدين بتفاصيلها داخلين تحت أحكامها، صحّ نسبة نزولها إليهم أيضًا، كما صحّ تعبّدنا بتفاصيل القرآن ودخولنا تحت أحكامه نسبة نزوله إلينا.

{وَالأسْبَاطِ} قال الخليل بن أحمد وغيره: “الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل”….

وقال البخارى: “{وَالأسْبَاطِ}: قبائل بنى إسرائيل”.

وهذا يقتضي أنّ المراد بالأسباط ها هنا: شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله تعالى من الوحي على الأنبياء الموجودين منهم، كما قال موسى لهم: {اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مّلُوكاً وَآتَاكُمْ مّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مّن الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20]، وقال تعالى: {وَقَطّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً} [الأعراف: 160].

{وَمَا أُوتِيَ مُوسَىَ وَعِيسَىَ} أي: التوراة والإنجيل، ولكوْن أهل الكتاب زادوا ونقصوا وحرّفوا فيهما، وادّعوا أنهما أُنزِلا كذلك، والمؤمنون يُنكرونه. اهتمّ بشأنهما فأفردهما بالذِّكْر وبيّن طريق الإيمان بهما، ولم يُدرجْهما في الموصول السابق. ولأنّ أمْرهما أيضًا بالنسبة إلى موسى وعيسى أنّهما مُنزلان عليهما حقيقة، لا باعتبار التّعبّد فقط، كما في المُنزَل على إسحاق ويعقوب والأسباط.

ولك أن تقول: المراد بالموصول هنا: ما هو أعمّ من التوراة والإنجيل وسائر المعجزات الظاهرة بأيدي هذيْن النبيّيْن الجليليْن.

ثالثًا: بيان ضلال اليهود، والنصارى:

الآثار:

وعن ابن عباس، قال: “لا تقولوا: {فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ}، فإنّ الله لا مِثْل له، ولكن قولوا: فإن آمنوا بالذي آمنتم به”.

وعن أبي جمرة، قال: “كان ابن عباس يقرأ: “فإن آمنوا بالذي آمنْتم به”.

وعن أبي العالية، في قوله: {فَإِنّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ}، قال: “فِرَاق”.

وأخرج الحاكم، عن ابن عباس، قال: “كنت قاعدًا إذ أقبل عثمان، فقال النبيصلى الله عليه وسلم: “يا عثمان، تُقتَل وأنت تقرأ سورة (البقرة)، فتقع قطرة من دمك على: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ}”. قال الذهبي في (مختصر المستدرك): “هذا كذب بحْت، وفي إسناده: أحمد بن محمد بن عبد الحميد الجعفي، وهو المتّهَم به”.

وعن أبي سعيد مولى بني أسد، قال: “لمّا دخل المصريّون على عثمان، والمصحف بين يديه، فضربوه بالسّيف على يديْه، فجرى الدم على: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ}، فمدّ يده، وقال: والله لَأنها أوّل يدٍ خطّت المُفصَّل”.

وعن زياد بن يونس، قال: “حدثنا نافع بن أبي نعيم، قال: أرسل إليّ بعض الخلفاء مصحف عثمان بن عفان ليُصلحه. قال زياد: فقلت له: إنّ الناس يقولون: إنّ مصحفه كان في حجره حين قُتل، فوقع الدم على: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ}! فقال نافع: بصُرَت عيني بالدم على هذه الآية، وقد قدم”.

وعن عمرة بنت أرطاة العدويّة، قالت: “خرجت مع عائشة سَنة قتل عثمان إلى مكة، فمررنا بالمدينة، ورأينا المصحف الذي قُتل وهو في حِجره، وكانت أوّل قطرة مِن دمه على هذه الآية: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ}، قالت عمرة: فما مات منهم رجل سويًّا”.

أقوال المفسِّرين:

{فَإِنْ آمَنُواْ} أي: الكفّار مِن أهل الكتاب وغيرهم، {بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ} أيّها المؤمنون، مِن الإيمان بجميع كُتب الله ورُسله، ولم يُفرِّقوا بين أحد منهم، {فَقَدِ اهْتَدَواْ} أي: فقد أصابوا الحق، وأُرشِدوا إليه. {وّإِن تَوَلّوْاْ} أي: عن الحق إلى الباطل، بعد قيام الحجّة عليهم، {فَإِنّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ} أي: فسينصرك عليهم ويُظفرك بهم.

{وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ}: وعيد لهم، أي: يسمع ما يَنطقون به، ويَعْلَم ما يُضمرون مِن الحَسد والغِلّ. وهو مُعاقِبهم عليه. أو وعْد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى يسمع ما تدعو به، ويَعْلم نيّتَك وما تُريده من إظهار دين الحقّ. وهو مستجيب لك ومُوصلُك إلى مُرادك.

رابعًا: دين الحق واحد لا مِثْل له، وهو دين الإسلام:

الآثار:

وعن ابن عباس، في قوله: {صِبْغَةَ اللّهِ}، قال: “دين الله”.

وكذا روي عن أبي العالية، وعكرمة، وإبراهيم، والحسن، وقتادة، والضحاك، وعبد الله بن كثير، وعطية العوفي، والربيع بن أنس، والسدي، نحو ذلك.

وعن مجاهد، في قوله: {صِبْغَةَ اللّهِ}، قال: “فطرة الله التي فطر الناس عليها”.

وأخرج ابن مردويه، والضياء في (المختارة)، عن ابن عباس: أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنّ بني إسرائيل قالوا: يا موسى هل يَصبغ ربك؟ فقال: اتّقوا الله. فناداه ربه: يا موسى سألوك هل يَصبغ ربك؟ فقلْ: نعم، أنا أصبغ الألوان: الأحمر والأبيض والأسود، والألوان كلّها من صبغي)). وأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: {صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً}.

وأخرجه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في (العظمة)، عن ابن عباس، موقوفًا.

قال ابن كثير: “كذا وقع في رواية ابن مردويه مرفوعًا، وهو في رواية ابن أبي حاتم موقوف، وهو أشبه إن صحّ إسناده – والله أعلم.

وعن ابن عباس، في قوله: {صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً}، قال: البياض.

وعن قتادة، قال: إن اليهود تصبغ أبناءها يهودًا، وإنّ النصارى تصبغ أبناءها نصارى، وإنّ صبغة الله الإسلام، ولا صبغة أحسن مِن صبغة الله الإسلام، ولا أطهر. وهو دين الله الذي بعث به نوحًا ومَن كان بعده من الأنبياء”.

أقوال المفسِّرين:

وانتصاب {صِبْغَةَ اللّهِ}: إمّا على الإغراء، كقوله: {فِطْرَةَ اللّهِ} أي: الْزَموا ذلك، علَيْكُموه. وقال بعضهم: بدل مِن قوله: {مّلّةِ إِبْرَاهِيمَ}. وقال سيبويه: هو مصدر مؤكّد انتصب عن قوله: {آمَنّا بِاللّهِ}، كقوله: {وَعَدَ اللّهُ}.

{وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً} أي: لا صبغة أحسَن من صبغته تعالى.

{وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} أي: مُوحِّدون، أو مُطيعون مُتّبعون ملّة إبراهيم، أو خاضعون مُستكينون في اتّباع تلك الملّة. وتقديم الجارّ لإفادة اختصاص العبادة له تعالى، وتقديم المسنَد إليه لإفادة قصْر ذلك الاختصاص عليهم وعدَم تجاوزه إلى أهل الكتاب؛ فيكون تعريضًا لهم بالشرك أو عدم الانقياد له تعالى باتّباع ملّة إبراهيم.

خامسًا: الإخلاص: علاماته، ويقابله الرياء:

الآثار:

عن ابن عباس، في قوله: {أَتُحَآجّونَنَا فِي اللّهِ}، قال: “أتخاصمونا؟”.

وعن ابن عباس، في قوله: {أَتُحَآجّونَنَا}: “تجادلوننا”.

أقوال المفسِّرين:

ثم يقول الله تعالى مرشدًا نبيّه صلى الله عليه وسلم إلى درء مجادلة المشركين: {قُلْ أَتُحَآجّونَنَا فِي اللّهِ} أي: أتُناظروننا في توحيد الله والإخلاص له، والانقياد واتّباع أوامره، وترْك زواجره، {وَهُوَ رَبّنَا وَرَبّكُمْ} المُتصرِّف فينا وفيكم، المستحِقّ لإخلاص الإلهية له وحده لا شريك له؟ {وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} أي: نحن بُرآء منكم، وأنتم بُرآء منّا، كما قال في الآية الأخرى: {وَإِن كَذّبُوكَ فَقُل لّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيَئُونَ مِمّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيَءٌ مّمّا تَعْمَلُونَ}، وقال تعالى: {فَإنْ حَآجّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للّهِ وَمَنِ اتّبَعَنِ وَقُلْ لّلّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ وَالاُمّيّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وّإِن تَوَلّوْاْ فَإِنّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}، وقال تعالى إخبارًا عن إبراهيم: {وَحَآجّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجّوَنّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِي وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاّ أَن يَشَآءَ رَبّي شَيْئاً وَسِعَ رَبّي كُلّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكّرُونَ} [الأنعام: 80]، وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِي حَآجّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبّهِ}.

{وَهُوَ رَبّنَا وَرَبّكُمْ}: جملة حالية أي: أتجادلوننا؟ والحال أنه لا وجْه للمجادلة أصلًا، لأنه تعالى مالك أمْرِنا وأمْركم.

{وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} عطف على ما قبْله، أي: لنا جزاء أعمالنا الحسَنة الموافِقة لأمْره، ولكم جزاء أعمالكم السّيِّئة المُخالفة لحُكْمه.

{وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} أي: في العبادة والتّوجّه، لا نبتغي بهذه الأعمال إلّا وجْهه.

مسائل الآيات:

اختلف الناس في الإخلاص، قال الآلوسي: “رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سألتُ جبريل عن الإخلاص ما هو؟ فقال: سألت ربّ العزّة عنه، فقال: سِرٌّ من أسراري، استودَعْتُه قلْبَ مَن أحببْتُه مِن عبادي))”. وقال سعيد بن جبير: “الإخلاص: أن لا تُشرك في دِينه، ولا ترائي أحدًا في عمله”.

وقال الفضيل: “ترْك العمل من أجْل الناس رياء، والعمَل من أجْل الناس شِرْك، والإخلاص أنْ يُعافيَك الله تعالى منهما”. وقال حذيفة المرعشي: “أن تستوي أفعال العبد في الباطن والظاهر”.

وقال أبو يعقوب المكفوف: “أن يكتم العبد حسناتِه كما يكتم سيئاته”.

وقال سهل: “هو الإفلاس”، ومعناه احتقار العمل، وهو معنى قول رويم: “ارتفاع عملك عن الرؤية”.

قيل: ومقابل الإخلاص -الرياء.

وذكر سليمان الداراني ثلاث علامات له: “الكسل عند العبادة في الوحدة، والنشاط في الكثرة، وحبّ الثناء على العمل”.

سادسًا: تبرئة الله لإبراهيم عليه السلام ومن بعده من المرسلين من أن يكونوا من اليهود أو النصارى:

الآثار:

وعن مجاهد، في قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ}، قال: “في قول يهود لإبراهيم وإسماعيل ومَن ذكر معهما، أنهم كانوا يهودًا أو نصارى، فيقول الله لهم: لا تكتموا منّي شهادة إن كانت عندكم. وقد علِم الله أنهم كاذبون”.

وعن قتادة، في قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنْ كَتَمَ شَهَادَةً}، قال: “أولئك أهل الكتاب، كتموا الإسلام وهُم يعلمون أنّه دين الله، واتّخذوا اليهودية والنصرانية، وكتموا محمدًا صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون أنه رسول الله”.

وعن الحسن، في قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ}، “كانوا يقرءون في كتاب الله الذي آتاهم: إنّ الدين الإسلام، وإنّ محمدًا رسول الله، وإن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا برآء من اليهودية والنصرانية. فشهد الله بذلك، وأقرّوا به على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك”.

وعن قتادة، والربيع، في قوله: {تِلْكَ أُمّةٌ قَدْ خَلَتْ}، قالا: “يعني: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط”.

وعن أبي المليح، قال: “الأمّة ما بين الأربعين إلى المائة فصاعدًا”.

أقوال المفسِّرين:

ثم أنكر تعالى عليهم في دعواهم أنّ إبراهيم ومَن ذكر بَعْده من الأنبياء والأسباط كانوا على ملّتهم إمّا اليهودية أو النصرانية، فقال: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ} يعني: بل الله أعلَم. وقد أخبر أنهم لم يكونوا هودًا ولا نصارى، كما قال تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} الآية، والتي بعدها.

{قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ} أي: لستم أعلم بحال إبراهيم عليه السلام بل الله تعالى أعْلم بذلك. وقد أخبر سبحانه بنفْي اليهودية والنصرانية عنه، واحتجّ على انتفائهما عنه بقوله: {وَمَآ أُنزِلَتِ التّورَاةُ وَالإنْجِيلُ إِلاّ مِن بَعْدِهِ}، وهؤلاء المعطوفون عليه أتباعه في الدِّين، فحالهم حاله، فِلَم تدَّعون له ولهم ما نفَى الله تعالى؟ فما ذلك إلّا جهْل غالٍ ولجاج محْض.

{وَمَنْ أَظْلَمُ}: إنكار لأن يكون أحَد أظلم {مِمّنْ كَتَمَ شَهَادَةً} ثابتة عنده، واصلة من الله إليه، وهي شهادته تعالى لإبراهيم عليه السلام بالحنيفية، والبراءة عن اليهودية والنصرانية.

وفي إطلاق الشهادة، مع أن المراد بها ما تقدّم من الشهادة المعيّنة تعريض بِكِتمانهم شهادة الله تعالى لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل.

وقوله: {وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ}: تهديد ووعيد شديد، أي أنّ علمه محيط بعمَلِكم، وسيجزيكم عليه.

ثم قال تعالى: {تِلْكَ أُمّةٌ قَدْ خَلَتْ} أي: قد مضَتْ، {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مّا كَسَبْتُمْ} أي: لهم أعمالهم ولكم أعمالكم، {وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، وليس يغني عنكم انتسابكم إليهم من غير متابعة منكم لهم. ولا تغترّوا بمجرّد النِّسبة إليهم، حتى تكونوا مثْلَهم مُنقادين لأوامر الله، واتّباع رُسله الذين بَعَثَ مبشِّرين ومُنذرين؛ فإنه مَن كفَر بنبيٍّ واحد، فقد كفَر بسائر الرُّسل، ولا سيما مَن كفَر بسيِّد الأنبياء وخاتم المرسلين ورسول رب العالمين إلى جميع الإنس والجن مِن سائر المكلَّفين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله أجمعين.

والآية تكرير لِمَا تقدّم؛ للمبالغة في التحذير عمّا استحكم في الطباع من الافتخار بالآباء والاتّكال عليهم، كما يُقال: “اتّق الله! اتّق الله!”، أو تأكيد وتقرير للوعيد، يعني: أنّ الله تعالى يجازيكم على أعمالكم، ولا تَنفعكم آباؤكم، ولا تُسألون يوم القيامة عن أعمالهم بل عن أعمال أنفسكم. وقيل: الخطاب -فيما سبق- لأهل الكتاب، وفي هذه الآية لنا؛ تحذيرًا عن الاقتداء بهم.

error: النص محمي !!