Top
Image Alt

ذكر أمثلة لآيات بعض الرسل، وبيان الفرق بين آيات الأنبياء وكرامات الأولياء، مع إعطاء نبذة عن الأنبياء والرسل الوارد ذكرهم في القرآن الكريم

  /  ذكر أمثلة لآيات بعض الرسل، وبيان الفرق بين آيات الأنبياء وكرامات الأولياء، مع إعطاء نبذة عن الأنبياء والرسل الوارد ذكرهم في القرآن الكريم

ذكر أمثلة لآيات بعض الرسل، وبيان الفرق بين آيات الأنبياء وكرامات الأولياء، مع إعطاء نبذة عن الأنبياء والرسل الوارد ذكرهم في القرآن الكريم

1. ذكر أمثلة لآيات بعض الرسل, عَلَيْهِم السَّلامُ:

يقول العلامة السفاريني -رَحِمَهُ اللهُ-:

ومعجزات خاتم الأنبياء

كثيرة, تجل عن إحصاء

منها: كلام الله معجز الورى

كذا انشقاق البدر من غير امترا

وهذا يدل على أن معجزات خاتم النبيين محمدٍ صلى الله عليه وسلم كثيرةٌ ومتنوعةٌ، منها الحسية والمعنوية، ولقد أوصلها بعض العلماء فوق الألف كما فعل البيهقي -رَحِمَهُ اللهُ- في (دلائل النبوة). لكننا سنذكر بعض المعجزات الخاصة بنبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم, بعد أن نُعَرِّجَ على ذكر معجزات بعض الأنبياء قبله, فنقول:

أولًا: آية نبي الله صالح عليه السلام:

لقد دعا صالحٌ عليه السلام قومَهُ إلى عبادة الله تعالى وحده، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىَ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ} [النمل: 45]، فكذبوه وطلبوا منه آية تدل على صدقه: {قَالُوَاْ إِنّمَآ أَنتَ مِنَ الْمُسَحّرِينَ (153) مَآ أَنتَ إِلاّ بَشَرٌ مّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ} [الشعراء: 153- 154].

يذكر المفسرون أن ثمود اجتمعوا, فطلبوا من صالح أن يخرج لهم من صخرة ناقة عشراء طويلة, فقام يصلي عليه السلام ثم دعا الله أن يجيبهم إلى ما سألوا، بعد أن أخذ عليهم الميثاق إن أتاهم بالآية فعليهم أن يسلموا ويتبعوه. فلما رأوها على الوجه الذي طلبوا, بعد ذلك كفر بعضهم، وآمن بعضهم وهو القليل.

ثانيًا: معجزة إبراهيم عليه السلام:

لقد حطم إبراهيم عليه السلام آلهة قومه وأصنامهم التي كانوا يعبدونها, فأشعلوا له نارًا عظيمة ورموه فيها، فأمر الله  عز وجل النار ألا تصيبه بأذى؛ قال تعالى: {قَالُواْ حَرّقُوهُ وَانصُرُوَاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَمَا عَلَىَ إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأخْسَرِينَ} [الأنبياء: 68- 70].

ويذكر علماء التفسير في تفسير هذه الآية, أن هذه النار من عِظَمها كانت تبلغ عنان السماء؛ فكان أي طير يطير في السماء يقع فيها من شدة لهبها, وطول ألسنتها.

ومن آيات إبراهيم عليه السلام إحياء الموتى، وقد قص الله علينا قصة إحياء الطير في قوله تعالى: {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطّيْرِ فَصُرْهُنّ إِلَيْكَ ثُمّ اجْعَلْ عَلَىَ كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنّ جُزْءًا ثُمّ ادْعُهُنّ يَأْتِينَكَ سَعْياً} [البقرة: 260]، فأمره الله تعالى أن يذبح هذه الطيور ويقطعها ويفرقها على عدةِ جبالٍ ثم يدعوها؛ فتلبي النداء, وتجتمع الأجزاء المتفرقة وتلتحم كما كانت من قبل، وتدبّ فيها الحياة، وتطير محلقةً في الفضاء.

ثالثًا: معجزات نبي الله موسى عليه السلام:

أعطى الله تعالى موسى عليه السلام تسعَ آياتٍ بيناتٍ وهناك غيرها, إلا أن هذه التسع هي الأشهر والأظهر؛ قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىَ تِسْعَ آيَاتٍ بَيّنَاتٍ} [الإسراء: 101]. وهذه الآيات بإيجازٍ هي:

الأولى: العصا وهي أكبر هذه الآيات وأعظمها؛ حيث كانت تتحول إلى حيةٍ عظيمةٍ عندما يلقيها على الأرض.

الثانية: أنه عليه السلام كان يُدْخِلُ يده في جيبه -أي: درع قميصه- ثم ينزعها؛ فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضًا من غير سوء, ولا برص ولا بهق.

الثالثة: الجدب والقحط الذي أصابهم في عهده عليه السلام.

الرابعة: نقص الثمرات والخيرات التي تخرج عادةً من الأرض.

الخامسة: الطوفان الذي يتلف المزارع، ويهدم المدن والقرى.

السادسة: الجراد الذي لا يدعُ أخضر, ولا يابسًا.

السابعة: القمل الذي آذاهم في أجسادهم.

الثامنة: الضفادع التي نغّصت عليهم عيشتهم؛ لكثرتها.

التاسعة: الدم الذي أصاب معاشهم وشرابهم؛ فكانوا لا يفتحون قِدْرًا إلا ووجدوا فيه الدم.

رابعًا: معجزات نبي الله عيسى عليه السلام:

أخبر الله تعالى عن عيسى عليه السلام أنه كان يصنع من الطين ما يشبه الطيرَ, ثم ينفخ فيه فيصبح طيرًا بإذن الله تعالى وقدرته ومشيئته، وكان يمسحُ الأكمه والأبرص فيبرآن بإذن الله, ويُذْهِبُ اللهُ ما بهما من أذى، ويمر على الموتى يناديهم فيحييهم الله له؛ قال تعالى: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَىَ بِإِذْنِيِ} [المائدة: 110].

ومن آيات عيسى عليه السلام العظيمة: تلك المائدة التي أنزلها الله من السماء, عندما طلب الحواريون من عيسى إنزالها، فكانت على الحال التي طلبوا من عيسى عيدًا لأولهم وآخرهم، وقد ورد تفصيل هذه الآية في سورة المائدة من القرآن الكريم.

خامسًا: آيات خاتم النبيين محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم:

معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كثيرة جدًّا، بل لقد أوصلها بعض العلماء إلى الألف وأَزْيَدَ، وأُلِّفَتْ فيها المصنفات التي تعرف بكتب (دلائل النبوة) و(أعلام النبوة) و(الخصائص), واهتم ببيانها علماء التوحيد والحديث والسيرة والمفسرون.

وأعظم تلك الآيات التي أُوتيها رسولنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم, بل أعظم آيات الرسل قاطبة: القرآن الكريم والكتاب المبين، وهي آية تخاطب النفوس والعقول، آيةٌ باقيةٌ دائمةٌ إلى يوم الدين، لا يطرأ عليها التغيير ولا التبديل، قال تعالى: وَإِنّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لاّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41-42].

ولقد كانت معجزة خاتم النبيين محمدٍ صلى الله عليه وسلم نمطًا مخالفًا لمعجزات الرسل المتقدمين، وكان الله قادرًا على أن ينزل معجزةً حسيةً تُذِلُّ من يراها، كما قال تعالى: {إِن نّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ السّمَآءِ آيَةً فَظَلّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4]، لكنه سبحانه وتعالى شاء أن يجعل معجزة هذه الرسالة الأخيرة آية غير قاهرة.

لقد جعل القرآن منهاج حياة كاملة، ومعجزًا في كل ناحية؛ معجزًا في بنائه التعبيري وتنسيقه الفني, معجزًا في بنائه الفكري وتناسق أجزائه وتكاملها؛ فلا فلتة فيه ولا مصادفة، وكل توجيهاته وتشريعاته تلتقي وتتناسق وتتكامل، وتحيط بالحياة البشرية وتستوعبها, وتلبيها وتدفعها, دون أن تتعارض جزئية واحدة من ذلك المنهج السامي الشامل؛ معجزًا في يسر مداخله إلى القلوب والنفوس، وفتح مغاليقها, وعلاجه لعقدها ومشاكلها في بساطة ويسر عجيبين؛ من أجل ذلك كان من المناسب أن تكون معجزة القرآن مفتوحة للبعيد والقريب، لكل أمة ولكل جيل.

ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم الخارقة: إسراء الله به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ حيث جمع الله له الأنبياء فصلى بهم إمامًا، قال تعالى: {سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَىَ الْمَسْجِدِ الأقْصَى الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ} [الإسراء: 1].

ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم: انشقاق القمر؛ حيث سأله أهل مكة آيةً, فانشق القمر شقين حتى رأوا حراءَ بينهما، وقد كان القمر عند انشقاقه بدرًا، قال تعالى: {اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانشَقّ الْقَمَرُ (1) وَإِن يَرَوْاْ آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مّسْتَمِرّ} [القمر: 1، 2].

ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم أيضا: تكثير الطعام ببركة يديه صلى الله عليه وسلم, ونبع الماء من بين أصابع يديه الشريفتين.

ومنها: إجابة دعوته، وإبراء المرضى, والإخبار بالأمور الغيبية, وغير ذلك كثير.

ويكفي خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم من دلائل على نبوته, ما عُرف به صلى الله عليه وسلم من محاسن الأخلاق، وصدق الأقوال والأفعال, وحميد السيرة.

2. الفرق بين آيات الأنبياء, وكرامات الأولياء:

لقد تقدّم معنا أن الله سبحانه وتعالى يُرسل أنبياءه ورسله الذين يصطفيهم على سائر البشر؛ ليبلغوا أوامر الله تعالى، وينشروا رسالته السماوية إلى كافة البشر، فيكونوا بذلك واسطةً بين الله تعالى وخلقه في إبلاغ الوحي، ونشر الحقّ والصّدق، وإخراج الناس من الظّلمات إلى النور.

وعندما يصطفي ربنا -تبارك وتعالى- هؤلاء الرسل يُصادفون -كما جرت عادة الأمم- أعداءً من الكفار المكذبين، وأعداء الرسل المعاندين، فيقفون في وجه دعوات الرسل -عليهم الصلاة والسلام- ويصدّون الناس عن الإيمان بالله تعالى، ويحذّرونهم من الانفراط في سلك تلك الرسالات السماوية, مشكّكين في صدق الرّسل، ومكذبين بالوحي والاتصال بالسّماع، ومتحدّين للرسل في إثبات صدق ادّعائهم، وأن الله تعالى أرسلهم برسالاته السماوية، وأنزل عليهم ملائكته, وأيّدهم بوحيه.

عند ذلك يصبح الرسل في حاجةٍ لما يبين صدق دعواهم، فيجري الله سبحانه وتعالى على أيدي رسله معجزات، ويؤيّدهم بآياتٍ غريبة على الناس وليست في مقدورهم, يتحدّى الله تعالى بها أعداء الرسل والمكذبين، ويبيّن بها صدق دعوات الرسل، وغالبًا ما يرعوي المعاند عند رؤيته لهذه المعجزات النبوية، كما حصل لسحرة فرعون عندما شاهدوا آية موسى عليه السلام وانقلاب العصا حيةً تسعى، فأعلنوا إيمانهم بالله تعالى، وكفرهم بفرعون وردّ ألوهيته، قال تعالى: {فَأَلْقَوْاْ حِبَالَهُمْ وَعِصِيّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزّةِ فِرْعَونَ إِنّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَىَ مُوسَىَ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُواْ آمَنّا بِرَبّ الْعَالَمِينَ (47) رَبّ مُوسَىَ وَهَارُونَ} [الشعراء: 44-48].

بينما الكرامة أمر خارق للعادة وغريب على الناس، لكنه غير مقرون بالتحدي, وليس لصاحب الكرامة فيه تدخّل، بل إن الكرامة قد تحصل للرجل الصالح من غير علمه، فعنصر التحدّي هو أكبر فرقٍ بين المعجزة والكرامة.

يقول سيد سابق -رحمه الله-:

“لم يُرسل الله رسولًا ليبلغ الناس الدّين، ويعلّمهم الشريعة، إلا وأيده بالآيات التي تقطع بأنه مرسل من عنده، وأنه موصول بالملأ الأعلى يتلقّى عنه ويأخذ تعاليمه منه، وهذه الآيات التي يؤيّد الله بها رسله لا بد وأن تكون فوق مقدور البشر، وخارج نطاق طاقاتهم وعلومهم ومعارفهم. كما يجب أن تكون مخالفة للسنن الخاصة بالمادة، وخارقةً للعادات المعروفة والقوانين الطبيعية المألوفة، ولذلك سمى العلماء هذه الآيات بالمعجزات؛ لأنها تُعجز العقل عن تفسيرها، كما تعجز القدرة الإنسانية عن الإتيان بمثلها.

ومن ثَمّ كانت المعجزة ضروريةً وإظهارها واجبًا، ليتمّ بها المقصود من تبليغ الرسالة، وتُقام بها حجة الله على الناس، وهذه الآيات ممكنة في ذاتها، والعقل لا يمنعها، والعلم لا ينفيها، والواقع يؤيّدها، ولا تلتبس معجزات الرسل وآيات الأنبياء بما يحدث على يد غيرهم من خوارق العادات؛ فإن المعجزات تأتي مصحوبةً بالتحدّي، وتصدر عن رجالٍ عُرفوا بالتّقوى والصلاح، وأنهم بلغوا منهما الذّروة التي لا يتطاول إليها أي إنسان؛ وتأتي المعجزات بدون كسب بأحدٍ من الناس، وإنما هي آية من الله وحده، ومعجزة لنبيه يتحدّى بها معارضيه”.

أمّا مَا يظهر على يدي غير الرسل من خوارق العادات، فهي كما قال الشيخ رشيد رضا: “منقولة عن جميع الأمم في جميع العصور نقلًا متواترًا في جنسه دون أنواعه، وليست كلها حقيقيّةً، فإن منها ما له أسباب مجهولة للجمهور، وإن منها لما هو صناعي يستفاد بتعليم خاص، وإن منها لما هو من خصائص قوى النفس وتأثير أقوياء الإرادة في ضعفائها، ويدخل في هذين المكاشفة في بعض الأمور، والتنويم المغناطيسي، وشفاء بعض المرضى، ولا سيما المصابين بالأمراض العصبية التي يؤثّر فيها الاعتقاد والوهم”.

ثم يقول: “ومنه انخداع البصر بالتخيل الذي يحذقه المشعوذون، ومنه ما فعله سحرة فرعون المعنيّ بقوله تعالى: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيّهُمْ يُخَيّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنّهَا تَسْعَىَ} [طه: 66]، ومنه انخداع السمع كالذي يفعله الذين يدعون استخدام الجن؛ إذ يتكلمون ليلًا بأصواتٍ غريبة عن أصواتهم المعتادة، فيظن مصدقهم أن ذلك صوت الجن، وقد يتكلمون نهارًا من بطونهم من غير أن يحركوا شفاههم، فلا ينبغي أن يُوثق بشيءٍ من أخبارهم، فأين هذا من معجزات الأنبياء وآيات الرسل؟! أين هذا من انشقاق البحر لموسى، أو إحياء الموتى لعيسى، وإخراج الناقة من الصخرة لصالح، ونبع الماء من أصابع محمدٍ صلى الله عليه وسلم؟!

والكرامة هي: ما يُكرم الله به أولياءه بما يظهره على أيديهم، وليس من شرطها أن تكون خارقةً للعادة، ولا خارجةً عن مألوف الناس، كما تقدّم معنا في المعجزة، ومن الكرامة: الاستقامة والتوفيق إلى طاعة الله، والزيادة في العلم والعمل، وهداية الخلق إلى الحقّ.

وقد يحدث بعضُ الخوارق للعادات, على أيدي بعض الصالحين في بعض الأحوال، فيعدّ ذلك من الكرامات التي تلازم بعض المخلصين لله والمتفرغين لعبادته، والذين سلمت فطرهم وزكت نفوسهم؛ كما وقع للسيدة مريم، وقد حكى القرآن الكريم عنها أنه {كُلّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَمَرْيَمُ أَنّىَ لَكِ هَـَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37]، ولكن مع ذلك لا يتحدّى بها، بل الأصل فيها الإخفاء والكتمان”.

وكرامات أولياء الله تعالى إنما حصلتْ -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- ببركة اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي في حقيقة الأمر تدخل في معجزاته صلى الله عليه وسلم.

3. الأنبياء والرسل المذكورون في القرآن الكريم؛ أسماؤهم وعددهم:

لا شك أن الإيمان بالرسل -عليهم السلام- ركن من أركان الإيمان، التي لا يتمّ إيمان عبد إلا باعتقادها والإيمان الجازم بها، وهؤلاء الأنبياء والرسل الذين كان الله -جل وعلا- يصطفيهم, ويرسلهم إلى أممهم واسطة بينه تعالى وبين الأمم -جم غفير وأعداد كبيرة؛ لأن الله تعالى سبحانه وتعالى رحيم بخلقه، فلإقامة الحجة على الناس والإعذار إليهم أرسل إلى كل أمة رسولًا؛ ليبيّن لهم ما أوحى إليهم، قال تعالى: {وَإِن مّنْ أُمّةٍ إِلاّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24]، وقال تعالى أيضًا: {وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّىَ نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15].

ومضى ركب الأمم على هذا المنوال, كلما خلت أمة وانقطعت رسالة السماء التي أتاهم بها رسولهم؛ بعث الله للأمة الجديدة رسولًا جديدًا حتى بعث الله خاتم النبيين محمدًا صلى الله عليه وسلم، فكانت رسالته خاتمة الرسالات السماوية؛ من أجل ذلك كانت عامة لجميع البشر، وتخاطب كافة الناس قال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَآفّةً} [سبأ: 28].

يقول سيد سابق -رحمه الله-:

“أوجب الله على المسلم أن يُؤمن بجميع رسل الله دون تفريق بينهم، قال سبحانه: {قُولُوَاْ آمَنّا بِاللّهِ وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىَ وَعِيسَىَ وَمَا أُوتِيَ النّبِيّونَ مِن رّبّهِمْ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136], وبين أن هذا هو إيمان المؤمنين, فقال سبحانه: {آمَنَ الرّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رّبّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285], وأخبر أن البر في هذا الإيمان, فقال: {وَلَـَكِنّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنّبِيّينَ} [البقرة: 177].

وإذا آمن الإنسان ببعض الرسل ولم يؤمن بالبعض الآخر، وفرّق بينهم في الإيمان فهو كافر؛ قال سبحانه: {إِنّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (150) أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً} [النساء: 150، 151].

وهؤلاء الرسل منهم من قصّه الله علينا فذكرهم بأسمائهم، ومنهم من لم يقصصه علينا؛ قال سبحانه: {وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ} [النساء: 164].

أما الذين قصّهم الله علينا فعددهم خمسة وعشرون, وهم المذكورون في قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىَ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مّن نّشَآءُ إِنّ رَبّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرّيّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىَ وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيّا وَيَحْيَىَ وَعِيسَىَ وَإِلْيَاسَ كُلّ مّنَ الصّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاّ فَضّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 83-86].

وقد جمعت هذه الآيات ثمانية عشر رسولًا، ويجب الإيمان بسبعة آخرين مذكورين في عدة آيات {إِنّ اللّهَ اصْطَفَىَ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33], {وَإِلَىَ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً} [الأعراف: 65], {وَإِلَىَ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً} [الأعراف: 73], {وَإِلَىَ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً} [الأعراف: 85], {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلّ مّنَ الصّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنّهُمْ مّنَ الصّالِحِينَ} [الأنبياء: 85، 86], {مّا كَانَ مُحَمّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ وَلَـَكِن رّسُولَ اللّهِ وَخَاتَمَ النّبِيّينَ} [الأحزاب: 40]” انتهى كلامه.

والمسمَّى في القرآن الكريم من الرسل سبعة وعشرون رسولًا، ذكر أسماءهم الشيخ حافظ الحكمي -رحمه الله- في (أعلام السنة المنشورة), حيث طرح السؤال التالي: كم سمى الله منهم في القرآن الكريم؟ ثم قال في جوابه: “سُمي منهم فيه: آدم، ونوح، وإدريس، وهود، وصالح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، ولوط، وشعيب، ويونس، وموسى، وهارون، وإلياس، وزكريا، ويحيى، واليسع، وذو الكفل، وداود، وسليمان، وأيوب، والأسباط جملة، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين” انتهى كلامه.

ما ورد في عدد الأنبياء -عليهم السلام-:

أنبياء الله ورسله جمّ غفير، لا يعلم عددهم وأسماءهم إلا الله الذي خلقهم؛ فمنهم من قصّ الله تعالى قصته وعرفنا أخباره في القرآن الكريم أو في السنة المطهرة، ومنهم من لم يقصصْ علينا خبره؛ قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ مِنْهُم مّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مّن لّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر: 78].

وقد روي أن الأنبياء ألفُ ألفٍ ومائة ألف، والمشهور في الكتب أنهم مائة ألف وأربعة عشر ألفًا.

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح):

“أن بني إسرائيل كانوا أكثر الأمم أنبياء، وبُعث إليهم موسى بن عمران بشريعة التوراة، وبعث إليهم بعده أنبياء كثيرون حتى قيل: إنهم ألف نبيّ, كلهم يأمرون بشريعة التوراة ولا يغيرون منها شيئًا، إلى أن جاء المسيح بعد ذلك بشريعة أخرى, غيّر فيها بعض شريعة التوراة بأمر الله  عز وجل ” انتهى كلامه.

من هم أولو العزم من الرسل -عليهم الصلاة والسلام-؟

لقد اصطفى الله النبيين -عليهم السلام- من بين البشر لأداء الرسالة وإبلاغ الوحي، وهم كلهم مصطفون حازمون، جادون، صابرون، كاملو العقل، إلا أن الله سبحانه وتعالى اصطفى من بين هؤلاء الرسل مجموعة فضّلهم على سائر الرسل بصفات خُصّوا بها، وحالات تميزوا بها، وسُمُّوا بأولي العزم من الرسل.

واختلف أهل العلم في تحديد أولي العزم من الرسل؛ فمنهم من خصّهم بأولئك الخمسة، وهم: نوح, وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم، ومنهم من ذهب إلى أقوال فقال: إنهم الذين ثبت أنهم صبروا، وصرّح القرآن الكريم بصبرهم، ومدحهم الله تعالى بالصبر، وقيل: إنهم أولئك الذين جاهروا الأعداء بالجهاد والقتال؛ فكانوا أيضًا أولي عزم من هذه الناحية، ومنهم من ذهب إلى أنهم الثمانية عشر المذكورون في سورة الأنعام، وقيل غير ذلك.

لكن الذي يترجّح -والله أعلم-هو قول الجمهور, بأن المراد بأولي العزم من الرسل هم الخمسة الذين سبقت الإشارة إليهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد.

error: النص محمي !!