Top
Image Alt

ذكر أهم وسائل الغزو الفكري في العصر الحديث

  /  ذكر أهم وسائل الغزو الفكري في العصر الحديث

ذكر أهم وسائل الغزو الفكري في العصر الحديث

لعلّ غزو العقول يُعتبر هدفًا أساسيًّا للسيطرة على الإنسان لكي يحرِّكه الآخَر كما يُريد، ولكي يكون كالدُّمية في يد الآخَر. تفريغ الإنسان من عقيدته، تفريغ الإنسان من مضمونه الثَّقافي، من مضمونه الحضاري، محاولة السَّيطرة على عقله فكريًّا، وثقافيًّا، وحضاريًّا؛ هذا هو تجسيد للأهداف العامة لما نُسمِّيه: الغزو الفكري. فإذا كانت خطط الغزو الفكري تنوَّعت واختلفت حسب تنوّع المواجهة من بلد إلى آخَر، إلا أنّ الجامع أو القاسم المشترك الأعظم بين هذه الخطط يتجسّد في هذه القضية: تفريغ المؤمن من عقيدته، زعزعة العقيدة في قلب المؤمن. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف، اتَّخذ الغزو الثقافي أو الغزو الفكري أساليبَ متنوعةً اختلفت من بيئة إلى بيئة، ومن فرد إلى فرد؛ بل تختلف مع الفرد الواحد من لحظة إلى أخرى. يحاولون أن يستغلّوا الظروف أحسن استغلال، لتحقيق أغراضهم وأهدافهم في تحصيل الفائدة من الغزو الثقافي.

ولو تتبّعنا مظاهر هذه الأساليب في عصرنا الحاضر، سوف نجدُها تستغلّ معطيات العصر الحاضر، واستغلال وسائل العلم المتنوّعة لنشر هذه الأفكار المسمومة، وتحقيق هذه الأهداف بين صفوف المسلمين. وسوف أطرح على حضراتكم بعض الوسائل التي سلكها الآخَر أو أعداء الإسلام، كوسائل لنشر أفكارهم التي تعمل على زعزعة العقيدة في قلب المؤمن.

من هذه الوسائل:

أ. وجدْنا الاستعمار العسكري بعد أن استولى على كثيرٍ من الأقطار الإسلامية، بدأ يعمل جاهدًا على فتح المدارس والمؤسّسات التعليمية والتربوية في شتّى أنحاء البلاد التي يستعمرها عسكريًّا، ويطرح في هذه المدارس مناهج دراسية، ومناهج تربوية تعمل في محوريْن اثنيْن، أو على محوريْن اثنيْن:

المحور الأول: تتناول الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي بفروعه المختلفة، تتناول القرآن الكريم، والسُّنة النبوية المطهّرة، تتناول شخصيّات الصحابة بالتشويه والتشكيك وإثارة الشّبهات حول أشخاصهم وحول سلوكهم؛ لينشأ الطفل وهو فاقد الثقة في هذه الشخصيات، وفاقد الثقة في كلّ ما يسمعه أو يقرؤه عن الإسلام، ومن القرآن الكريم، ومن السُّنة النبوية المطهرة، وخاصة الرسول صلى الله عليه  وسلم  ولا نجد بلدًا عربيًّا أو إسلاميًّا استولى عليه الاستعمار الغربي عسكريًّا إلا وكان من أوائل ما بدأ تنفيذه في هذا البلد أو ذاك هو: فتح المدارس الأجنبية. فكان يستبعد اللغة العربية استبعادًا تامًّا، ويدرس مكانها اللغات الأجنبية. وحين يواجهه أهل هذا البلد أو ذاك بشيء من الامتعاض أو النقد أو … أو … كان يحاول أن يرضيهم ببعض الكلمات المعسولة التي تحمل معها السم: أنتم بلاد متخلفون، ولا بد أن نقدّم لكم العلم الحديث بمنهج حديث، وبمنهج بلادنا. هذا محور: محور التشكيك.

أمّا المحور الآخَر: محور التمجيد في الحضارة الأوربية، التمجيد في الثقافة الأوربية، التمجيد في الإنسان الأوربي، في العقلية الأوربية، ومحاولة مقارنة واقع المسلمين بواقع أوربا، وربط تقدّم أوربا بدعوى أنها تخلّصت من المسيحية، وربط تخلّف المسلمين بدعوى أنهم متمسكون بالإسلام. تجد هذا مبثوثًا في مناهج -للأسف الشديد- في علوم لا علاقة لها بالثقافة الإسلامية إطلاقًا، كعلوم الكيمياء، والطبيعة، والفيزياء، والرياضيات، والأخطر من هذا في مجموعة العلوم الإنسانية، كالفلسفة مثلًا، كالتاريخ مثلًا، كعلم اللغة مثلًا، كعلوم الأدب، كعلوم الشعر. هذه المجموعة من العلوم يتناولون فيها أوربا كما لو كانت المثَل والقدوة، يتناولون فيها الإنسان الأوربي كما لو كان نبيّ العصر.

محوران مهمّان جدًّا كانت تعمل خلالهما المؤسسات التعليمية والتربوية في البلاد المستعمرة: محور هدْم يتمثّل في التشكيك في ماضي الأمّة، في ثقافتها، في حضارتها، في أديانها، ومحور بناء وهو: تمجيد الحضارة الأوربية، تمجيد الثقافة الأوربية، تمجيد الإنسان الأوربي، لينشأ الطفل ويجعل قِبلته وكعبته ليس الإسلام، وليست المدينة المنورة، وليس القرآن، وليس محمدًا، وإنما يجعل كعبته وقِبلته هي: الإنسان الأوربي، هي: الحضارة الأوربية.

وهذه المدارس قد أثمرت وأثّرت تأثيرًا كبيرًا في أجيال القرن العشرين، خاصةً النصف الثاني من القرن العشرين؛ بحيث خرّجت هذه المدارس جيلًا مِن الذين حملوا الأقلام وتولّوا -نيابةً عن أوربا- العمل على تمجيدها وتمجيد حضارتها، والعمل على تشويه الإسلام وتشويه صورة الحضارة الإسلامية في نفوس الشباب. وكان هذا الجيل يتولّى عن أوربا، وعن مفكِّري أوربا، النهوض بهذه المشكلة، أو بهذه المسئولية، والعمل على نفس المحوريْن: بعضهم يستخدم قلَمه وفِكره وأدواته في تشويه صورة الإسلام وحاضر الإسلام وماضيه، والبعض الآخّر في تمجيد أوربا وتمجيد الحضارة الأوربية.

ويلحق بالمؤسسات التربوية -بالذات المدارس التي تتولّى تربية الشباب في سِن الطفولة- الجامعات التي تحمل اسم: الجامعة الأمريكية، في مصر، في الأردن، في بيروت، في السودان. في النصف الثاني من القرن العشرين، انتشرت هذه الجامعات في بلاد كثيرة في العالم العربي، وكانت تحمل هذه المهمة، وتنهض بها بين شباب الجامعات؛ فيأتي التلميذ من إعدادي وثانوي إلى نفس الجامعة وهو مهيأ نفسيًّا لتقبُّل كل ما يطرح عليه من أفكار في هذا المستوى الجامعي.

ب. من الوسائل أيضًا: أنّ معظم البلاد الأوربية أرسلت كثيرًا من البعثات التي تحمل أسماء مختلفة ومتنوّعة إلى العالم الإسلامي. وهذه البعثات -أو إن شئت سمّها: إرساليات- منها من أتى إلى العالم الإسلامي تحت مسمّى: نشاط اجتماعي؛ فأسَّسوا دُورًا لليتامى، ودُورًا لكبار السِّن، ومؤسّسات اجتماعية تتولّى الإنفاق على الفقراء مادِّيًّا، ومعالجتهم صحيًّا. وتحت هذه الأسماء الاجتماعيَّة كانوا يتولّون تربية الأشخاص الذين يفِدون إليهم -ومعظمهم من الطبقات الفقيرة- يتولّون تربيتهم تربية مسيحية رافضة للإسلام، ومعتنقة لمبادئ وأفكار الحضارة الأوربية المعاصرة. هذه الإرساليات هي إرساليات تبشيرية، وسوف نتكلم عن التبشير بشيء من التفصيل فيما بعد، لكن من المهمّ -ونحن نعدِّد وسائل الغزو الثقافي والفكري للعالم الإسلامي- أن نضع أمامنا هذه المهام التي كانت تتولاها الإرساليات التي تأتي إلى العالَم الإسلامي تحت مسمّيات اجتماعية، وهي في حقيقتها إرساليات تبشيرية.

جـ. من الوسائل أيضًا: أنّ الاستعمار نصّب على كثير من الأقطار العربية والإسلامية حكّامًا غذَّاهم بفكْره، وربَّاهم -أو ربَّى معظمهم- على عَيْنه؛ فاقتنعوا بفكرة الاستعمار عن أن تأخّر المسلمين مرتبط بتمسُّكهم بالإسلام، وتقدّم أوربا سببه تخلُّصهم من الأديان. وبدأ هؤلاء الحكام في كثير من البلاد الإسلامية يُرسلون بعثات من أبناء أوطانهم إلى العالم الأوربي، هي في حقيقتها تخرج تحت ما يسمّى ببعثات علمية تعليمية، لكن هذه البعثات حين تُرسل أو تَصِل إلى هذه البلاد يتولاها كثير من العلماء والمفكِّرين الأوربيِّين ليقوموا بما يُسمّى: عملية غسيل المخ، إحلال وتبديل، محاولة تخليص هؤلاء الشباب من ماضيهم، واعتناقهم الأفكار الجديدة التي تريدها أوربا، وتريد أن تنشرها بين شباب العالم العربي والعالم الإسلامي.

ولعلك تلاحظ معي: أنّ كثيرين من الذين أُرسلوا إلى البعثات في خارج الأقطار العربية -خاصةً البعثات الفرنسية على سبيل المثال- معظمهم يعود إلى بلده، ويتولى مناصب ثقافية بصفة خاصة، إما وزارات التربية والتعليم، إما وزارات الإعلام، إما وزارات الثقافة؛ لأن هذه الوزارات الثلاث مهمّتها بناء العقلية، وبناء الشخصية العربية والشخصية الإسلامية. ولك أن تقارن بين مناهج التعليم والمناهج الثقافية والبرامج الإعلامية في كثيرٍ من بلدان العالم العربي والإسلامي في النصف الأخير من القرن العشرين، والبرامج التي تثقّف بها وتثقّف عليها أبناء العالم الإسلامي في مطلع القرن العشرين والقرن التاسع عشر، لترى الفرق بين المحتوى الثقافي هنا والمحتوى الثقافي هناك.

د. من الوسائل أيضًا: نشرُ نوعيّات معيّنة من الكتب، وترجمة نوعيّات معيّنة من الكتب. وأودّ أن أنبِّه هنا إلى قضية مهمة جدًّا: أنّ الغرب له موقف من ترجمة الكتب العلمية، وأعني بالكتب العلمية: التي تتناول العلوم الطبيعية، أو العلوم الكونية، التي نعتبرها نحن بمنطقنا الإسلامي هي قاطرة التّقدم لأية أمّة، كعلم الفيزياء، والكيمياء، والطب، والهندسة، والجيولوجيا، وعلوم الفلك، التي هي مجموعة العلوم الكونية. هذه المجموعة من العلوم يضنّ الغرب بها علينا، ولا يسمح بترجمة هذه الكتب؛ لأنه يعتبرها من الأسرار العلمية. بل إن بعض البلاد تعتبرها أسرارًا عسكرية، وتضنّ بها على الأمم، أو على العالم الثالث، لكنها تسمح وتغذِّي وتنفق بسخاء على ترجمة نوعيّات معيّنة من الكتب، نوعيات أخرى، نوعيّات تتعلق ببناء العقلية، ببناء الشخصية، مثل كتب الروايات الخليعة، كتب الأدب، كتب المذاهب العبثية في الفلسفة، كتب الشعر، كتب القصة، المذاهب الأدبية الحديثة؛ لأن هذه المجموعة من المؤلفات أو من الكتب تتعلق بوجدانيات الإنسان، بعقليته، ببنائه الداخلي، ومعظم هذه المؤلفات التي تُترجم من هذا النوع يتعارض مع القيم والمبادئ والسلوكيات الإسلامية؛ لأنها تحمل معها هدفًا من أهداف الغزو الثقافي أو الغزو الفكري. فهي تمجد جانبًا، وتعمل على هدم جانب آخَر. هذا النوع من الكتب مسموح به، أمّا الكتب العلمية التي نحن في أشدّ الحاجة إليها، ونطالب بها ونريد أن نتعلّمها عن الآخَر، هم يضنّون بها علينا.

هنا؛ لا ينبغي للشباب أن يربط بين الأمرين. إذا كنا نرفض ونعتبر أنّ ترجمة هذه النوعية من الكتب -وهي الكتب التي تمس البنية الإنسانية والوجدانيات الإنسانية والعاطفة الإنسانية- إذا كنا نتحفظ على ترجمتها، أو على ما يتعلق بالانحلال الخُلقي منها، فإننا في نفس الوقت نطالب وبشدّة ونلحّ بضرورة ترجمة الكتب العلمية؛ لأننا مطالبون بتعلّم العلم -وخاصةً العلوم الكونية- لأنّ الحكمة ضالة المؤمن، أنّى وجدها كان أحق بها. فأريد أن يُفرِّق الشباب بين ما نتحفّظ عليه، ولماذا ونتحفّظ عليه؟ وبين ما نطلبه ونرجوه ونلحّ في الرجاء عليه، ولماذا نطلبه؟ نحن نطلب ترجمة العلم، وتعلّم العلم؛ لأنه لا شك أنّ الغرب متقدم علميًّا، كما كنا نحن متقدِّمين في الماضي.

لكن السؤال: لماذا لا يسمح الغرب بترجمة هذه النوعية من العلوم، ويسمح لنا وينفق وبسخاء على ترجمة نوعية أخرى من الكتب والمؤلفات الأدبية التي تتعلق بالإنسان؟ لأن هذه النوعية فيها من الأفكار وفيها من الآراء والمعتقدات ما يحقّق هدف الآخَر، أو هدف العدوّ من النَّيْل من الإسلام؛ ولذلك نعتبر أنّ نشر هذه النوعية من الكتب تمثِّل وسيلةً من وسائل الغزو العقلي، الغزو الفكري، الغزو الثقافي للعقلية العربية والإسلامية.

هـ. من الوسائل التي يهتمّ بها الغرب أيضًا ويَسعى إلى السيطرة عليها: محاولة السيطرة على برامج التربية والتعليم في وزارات التعليم والتعليم العالي في البلاد العربية والإسلامية. ولعل هذا كان واضحًا أو أشدّ وضوحًا في الأيام الأخيرة، على سبيل المثال: الإنجليز حين احتلّوا مصر بالذات في النصف الأوّل من القرن العشرين وجدْنا مستشار التعليم في مصر يسمّى: “كرومر” -كان مستشارًا لوزارة الخارجية- كان من أوائل ما اهتمّوا به في مصر: تغيير مسار التعليم في مصر. فبعد أن كان التعليم يجمع بين علوم الدِّين والدنيا في الأزهر الشريف، قسموا التعليم قسميْن، فجعلوا تعليمًا مدنيًّا، وتعليمًا دينيًّا. وجعلوا التعليم المدني لا علاقة له بالتعليم الديني إطلاقًا؛ بحيث يجهل التلميذ الذي ينتمي إلى التعليم المدني تمامًا العلومَ الشرعية، والطالب الذي ينتمي إلى الأزهر يجهل تمامًا العلوم المدنية؛ فحدثت فجوة. وأكثر من هذا: أتَوْا إلى برامج التربية والتعليم المدني وقلّصوا منها حصص اللغة العربية، وحصص التربية الإسلامية، وبدءوا يرفعون سيف الحرب، أو يعلنون الحرب على اللغة العربية الفصحى، باعتبارها وعاء الثقافة العربية والإسلامية، وباعتبارها لغة القرآن الكريم. وما فعلوه في مصر فعلوه في الأردن، فعلوه في العراق، فعلوه في السودان: التعليم المدني، وتقليص حصص اللغة العربية، وتقليص حصص العلوم الدينية.

ثم انتقلوا من هذا إلى محاولة العمل على تكثير حصص اللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية كبديل عن اللغة العربية الفصحى، وبدءوا يطرحون على المثقّفين في هذا العصر فكرة إحلال اللغة العامية في الأقطار العربية محلّ اللغة العربية الفصحى. وكانوا يقصدون من هذا: العمل على تفتيت عوامل الوحدة العربية؛ لأن أهم عوامل هذه الوحدة هو اللغة العربية الفصحى؛ بحيث إذا تكلّم العربي في المغرب العربي يفهمه العربي في العراق، وإذا تكلّم العربي في السودان يفهمه العربي في اليمن؛ لأن لغة الجميع واحدة، ولغة الجميع هي: لغة القرآن الكريم، أمّا إذا تكلّم كلّ قطر بلهجته المحلية فقد بدأ انفصام هذا العِقد، أو بدأت عوامل الوحدة بين الأمّة العربية تتقطع عراها، ومن أهمها -كما قلت: اللغة العربية. فإذا تكلّم المغربي بلهجته لا يفهمه المصري، وإذا تكلّم اليمني بلهجته لا يفهمه السوداني، وإذا تكلم السوداني بلهجته لا يفهمه العربي في ليبيا. تفتيت بسبب العمل على شيوع اللهجات المحلية وإحلالها محلّ اللغة العربية الفصحى؛ ولذلك كانت سيطرة الاستعمار على المؤسّسات التعليمية والتربوية من وسائل غزو العقول العربية بأفكار الاستعمار الجديدة.

و. من وسائل الغزو الثقافي والفكري: تأسيس صحف ومجلات تنهض بهذه المهمّة: مهمّة غسيل العقول من رصيد ثقافي نشأ عليه الشباب وآمن به الشباب، وإحلال ثقافة وقِيَم وسلوكيات أخرى محلّ هذه الثقافة العربية الأصيلة؛ ولذلك أُسست مجلات وصحف في العالم العربي تنهض بهذه المهمّة. ومن أمثلتها -على سبيل المثال- في مصر: وجدْنا بعض الأُسَر الكاملة تهاجر من لبنان إلى مصر لتؤسس صحفًا دورية ومجلات أسبوعية كان من أهمّ ما نهضت به هو: هذا اللون من الغزو لعقول العرب وعقول المسلمين. ومن أهمّها مؤسسة: دار الهلال، التي تولّت نشر كثير من الأفكار، بعضها يتعلّق بوضع المرأة في الثقافة العربية والإسلامية، بعضها يتعلق باللغة العربية الفصحى، بعضها يتعلّق بنشر القوميات في الأقاليم العربية، كالقومية الفرعونية في مصر، والقومية الطورانية هنا، والآشورية هناك، والبربرية هنا، والعربية هناك. فكرة القوميات تولت إشاعتها والعمل على ذيوعها بين أبناء الأمّة العربية هذه المجلات التي تأسست لتبنِّي النهوض بهذه المسئولية: مسئولية تمزيق الصف العربي، عن طريق نشر هذه الأفكار والسموم بين عقول المفكرين العرب.

فمجلات كثيرة كمجلة “الهلال” تأسست في مطلع القرن العشرين، ونهضت بهذه المهمّة. ثم أسّست دور السينما لتنشر على الشباب وتذيع على الشباب أفكارًا انحلالية عن طريق ظهور المرأة عاريةً على شاشة السينما، دغدغة عواطف الشباب عن طريق لغة الجنس، وعراء المرأة أمامهم في كثير من الأفلام، عرض أفلام جنس، عرض أفلام انحلالية، عرض أفلام تهدم الثقافة العربية والإسلامية، عرض أفلام تمجِّد الحضارة الأوربية والإنسان الأوربي، كأن السينما باعتبارها عملًا علميًّا تأسس في القرن العشرين، أو في أواخر القرن التاسع عشر استغلّه هؤلاء أسوأ استغلال لنشر هذه الأفكار المسمومة بين جمهور الشباب العربي.

وأضيف إلى ذلك -فيما بعد- استغلال التليفزيون، واستغلال الراديو، عن طريق نشر أفكار وآراء من خلال برامج أُعِدّت إعدادًا جيّدًا لخدمة هذه الأهداف الاستعمارية في غزو عقول الشباب.

ز. من الوسائل أيضًا التي تبنَّت هذه المهمّة: العمل على تمجيد وإحياء الحضارات القديمة في العالم العربي. بعد أن أحيَوْا فكرة القوميّات، ألحقوا بها فكرة الحضارات القديمة، كتمجيد الحضارة الفرعونية في مصر على حساب الحضارة العربية والإسلامية، وتمجيد الحضارة الفينيقية على حساب الحضارة العربية والإسلامية، وتسليط الأضواء على أمور ربما كانت تمثِّل عوامل ازدهار في هذه الحضارات القديمة؛ ليجعلوا منها أعلامًا تلفت نظر الشباب، ومصدر إشعاع فكري وحضاري، تلفت نظر الشباب إلى هذه الحضارات القديمة، لينصرف الشباب عن الحضارة الإسلامية والحضارة العربية. ولعلَّ الكثير يقرأ ويشاهد ويسمع عمَّا أثير حول الحضارة الفرعونية القديمة، والحضارة الآشورية في بلاد الرافدين، والحضارة الفينيقية في بلاد الشام، ومحاولة دغدغة عواطف أصحاب هذه القوميات التي تنتمي إلى هذه الحضارات، لينصرفوا بالتالي عن الحضارة الإسلامية إلى تمجيد هذه الحضارات القديمة كنوع من أنواع تمجيد القوميات على حساب الانتماء العربي والانتماء الإسلامي.

ح. من الوسائل التي تبنّاها هؤلاء أيضًا في غسيل عقول الشباب: العمل على إلغاء المحاكم الشرعية في بعض البلاد العربية والإسلامية، وتأسيس ما يُسمّى: محاكم مختلطة، كما حدث في مصر، وكما حدث في السودان. ولعلّ من أحدَثِ ما واجهَنا به الاستعمار هو: ما يجري الآن على أرض العراق من إلغاء كلّ ما هو إسلامي وإحلال مكانه كل ما هو غربيّ. ترتّب على إلغاء المحاكم الشرعية: إلغاء القانون الإسلامي وإحلال القانون الوضعي محلّه، كالقانون الفرنسي الذي يُعمل به في مصر، وفي غيرها من البلاد التي استعمرتْها فرنسا، والقانون الإنجليزي في البلاد التي احتلّتْها إنجلترا وأحلّت قانونها محلّ المحاكم الشرعية في هذه البلاد.

ط. كذلك حَرص هؤلاء على إضعاف سلطان الإسلام في نفوس المسلمين، واعتمد هذا الأسلوب على تناول علماء الإسلام، وعلماء اللغة العربية بأسلوب ساخر، أسلوب استهزاء وسخرية، من خلال أعمال أدبية معيّنة، من خلال مسرحيات يتناولون فيها مدرّس اللغة العربية، مدرّس العلوم الشرعية بأسلوب ساخر يهزءون منه، ويبيِّنون أن هذه الشخصية الكاريكاتورية شخصية تمثِّل أضحوكة الرائي والمُشاهد، ولا تمثّل احترام المجتمع، ممّا أضعف بالتالي روح الانتماء للإسلام من جانب، وللّغة العربية من جانب آخَر. وهذا قد زرع وأسّس في نفوس الشباب شيئًا من الحساسية -أو من الكراهية إن شئت- لمدرِّس اللغة العربية أحيانًا، ولمدرِّس العلوم الإسلامية أحيانًا أخرى. وللأسف الشديد بعض الحكومات، أو بعض وزارات الثقافة في عالَمنا العربيّ والإسلامي كانت وراء هذه الأعمال الهابطة التي تناولت مدرِّس اللغة العربية ومدرِّس العلوم الإسلامية تناولًا ساخرًا نفّرت منه المجتمع، وجعلت مكانته في المجتمع مكانةً دون مستواه، ودون ما يليق به. وترتّب على هذا: إضعاف اللغة العربية في مؤسساتنا التعليمية، وإضعاف روح الانتماء الإسلامي عند الشباب وعند الطلاب.

ي. أيضًا استغلّ هؤلاء بعض أقلام -أو بعض أصحاب الأقلام إن شئت- في رسم صورة ساخرة لبعض القيَم الإسلامية من خلال بعض الروايات، وبعض الأعمال الأدبية، وبعض قصائد الشعر، عن طريق نشر ما يسمّى بحرية الإبداع، وحرية الفكر، وحرية التناول. فبعضهم تناول الذات الإلهية بأسلوب ساخر في أعمال أدبية، وبعضهم تناول شخصية الرسول صلى الله عليه  وسلم  بأسلوب ساخر في أعمال أدبية، وبعضهم تناول بعض نساء النبي صلى الله عليه  وسلم  ونال من شخصياتهن، وبعضهم تناول بعض القيم الإسلامية من خلال هذه الأعمال الأدبية الهابطة. وأيضًا مما ينبغي أن أشير إليه: أن بعض المؤسسات الثقافية في بعض البلاد العربية طبعت هذه الأعمال الهابطة بأموال دافعي الضرائب -وهم من المسلمين- وكان إذا حاورتهم حول أن هذه الأعمال لا ينبغي أن تُطبع بأموال المسلمين لتحارب عقائد المسلمين، ثاروا في وجهك أنّ هذا إبداع، وينبغي أن نشجّع الإبداع. هذه أمور كلها نالوا بها من عقلية المسلم وعقيدة المسلم.

ك. أيضًا من الوسائل التي تناولوا بها إثارة الشكوك: التركيز على بعض مواقف تاريخية معيّنة في تاريخ المسلمين، وبعض شخصيات معيّنة من خلفاء المسلمين، وبعض قضايا معيّنة جعلوا منها قضايا عامّة وأحكامًا عامّة على الإسلام، وعلى تاريخ المسلمين، وعلى خلفاء المسلمين. ولا شك أن هناك بعض الهنات أو المآخذ؛ لأن مَن منّا يَسلَم من العيوب؟ فكانوا يتناولون شخصية الخليفة، أو الواقعة المعيّنة، أو العصر المعيّن، ويسلِّطون الأضواء على نقاط الضعف في هذا العصر، أو عند هذه الشخصية؛ ليخرجوا منها بحُكم عامّ ليس على الشخص ولا على العصر، وإنما على الإسلام ككلّ. وهذا أدى ببعضهم إلى أن ينادي بإعادة قراءة التاريخ من هذا المنطلق: منطلق إثارة الشبهات وإثارة الشكوك.

هذه الأمور كلها قام بها الآخَر في مواجهة الإسلام، إلى أن جاء النصف الأول من القرن العشرين وتمالأت أوربا على إسقاط الخلافة الإسلامية، في سنة: 1924م. وفي هذه الفترة بالذات، أثاروا كثيرًا من القضايا التي تتعلّق بوضع المرأة في الإسلام، بزواج الرسول صلى الله عليه  وسلم  بأكثر من امرأة. تناولوا محاربة اللغة العربية، ودعَوْا إلى إحلال العامِّية محلّ الفصحى. وكان الاستعمار يمهِّد لميلاد دولة لقيطة على المسرح العالمي في أعزّ بقعة في العالم العربي والعالم الإسلامي، وهي: أرض فلسطين. ألهى الاستعمار العالم الإسلامي -والمفكِّرين بالذات- بالانشغال بهذه الأمور التي أثارها، والشكوك التي رفع أعلامها في وجْه الإسلام وأصوله ومصادره، إلى أن انشغل العلماء المسلمون ومفكِّرو الإسلام بهذه القضايا، وتفرّغ الاستعمار لتأسيس وميلاد هذه الدولة اللقيطة، بوعد “بلفور” سنة 1917م، أثناء الحرب العالمية الأولى، وفي الحرب العالمية الثانية تمخّضت عن ميلاد هذه الدولة سنة 1948م. ميلاد هذه الدولة لم يكن ليتمّ لولا أنّ جسد الأمّة الإسلامية كان قد تهرّأ نتيجة إثارة هذه الشكوك، وإثارة الفرقة، وإثارة الخلاف بين الشعوب الإسلامية وحكّامها من جانب، وبين صفوف علماء المسلمين من جانب آخَر بسبب إثارة النّعرات عن طريق القوميات هنا وهناك، وعن طريق إثارة الحضارات القديمة هنا وهناك، ممّا ألهى المسلمين عن الانشغال بعظائم الأمور، وشغلوا أنفسهم بهذه الشبهات وهذه القضايا التي أثارها المستعمرون.

هذه بعض الوسائل الجزئية التي تمثِّل معالم المنهج الذي قام به الغزاة أو المستعمرون في غزو عقلية العالم العربي والعالم الإسلامي. وكلّ عقد جديد، أو كلّ مرحلة زمنية معيّنة يصاحبها أو يظهر فيها أسلوب جديد، ومنهج جديد، ليتناول به المستعمِر عقلية المسلمين وفكر المسلمين بشيء مناسب لهذا العصر أو ذاك.

هذا باختصار مفهوم الغزو الفكري، نشأة الغزو الفكري، تاريخ الغزو الفكري. أمّا القضايا الأساسية للغزو الفكري، فسوف نتناولها بالتفصيل قضية قضية. ومن أوائلها ومِن أهمّها وأخطَرها هي: قضية الاستشراق والتبشير الذي سوف نتناوله تفصيلًا -إن شاء الله تعالى.

error: النص محمي !!