Top
Image Alt

ذكر بعض أوصاف أهل الإيمان، وأوصاف الكافرين والمنافقين

  /  ذكر بعض أوصاف أهل الإيمان، وأوصاف الكافرين والمنافقين

ذكر بعض أوصاف أهل الإيمان، وأوصاف الكافرين والمنافقين

1. الآية (2):  قال تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتّقِينَ}:

أقوال المفسِّرين في معناها:

قال الزمخشري: {ذَلِكَ}: إشارة إلى {الَمَ} كما قال تعالى: {لاّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ}، وقال: {ذَلِكُمُ اللّهُ} [الأنعام:95]، وأمثال ذلك.

وقد ذهب بعض المفسِّرين -فيما حكاه القرطبي وغيرُه-: أنّ {ذَلِكَ}: إشارة إلى القرآن الذي وعد الرسول صلى الله عليه وسلم بإنزاله عليه، أو التوراة، أو الإنجيل، أو نحو ذلك، في أقوال عشرة، وقد ضعَّفَ هذا المذهبَ كثيرون.

و{الْكِتَابُ}: القرآن، ومَن قال: إنّ المراد بذلك الكتاب: الإشارة إلى التوراة والإنجيل -كما حكاه ابن جرير وغيره- فقد أبعد النّجعة، وأغرق في النّزاع، وتكلّف ما لا علم له به.

ومعنى الكلام هنا: أنّ هذا الكتاب هو القرآن، لا شكّ فيه أنه نزل من عند الله، كما قال تعالى في “السجدة”: {الَمَ (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتّقِينَ}، وقال بعضهم: هذا خبر، ومعناه النهي، أي: لا ترتابوا فيه.

وخُصت الهداية للمتّقين، كما قال: {قُلْ هُوَ لِلّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ وَالّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِيَ آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَـَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مّكَانٍ بَعِيدٍ} [فُصِّلَت:44]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن؛ لأنه هو في نفسه هدًى، ولكن لا يناله إلَّا الأبرار، كما قال تعالى: {يَأَيّهَا النّاسُ قَدْ جَآءَتْكُمْ مّوْعِظَةٌ مّن رّبّكُمْ وَشِفَآءٌ لّمَا فِي الصّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ} [يونس:57] واختار ابن جرير أنّ الآية تعُم ما جاء في الآثار في وصْف المتّقين كلّه؛ وهو ما أقره عليه ابن كثير أيضًا.                   

ويطلق الهدى، ويراد به: ما يقرّ في القلب من الإيمان، وهذا لا يقدر على خلْقه في قلوب العباد إلَّا الله عز وجل قال الله تعالى: {إِنّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56]، ويطلق ويراد به: بيان الحقّ وتوضيحه، والدّلالة عليه، والإرشاد إليه، قال الله تعالى: {وَإِنّكَ لَتَهْدِيَ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ}، وقال: {وَهَدَيْنَاهُ النّجْدَينِ} على تفسير من قال: المراد بهما الخير والشر؛ وهو الأرجح.

2. الآية (3): قال تعالى: {الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}:

أقوال المفسِّرين في معناها:

قال الزمخشري: فإن قلتَ: ما هذه الصِّفة؟ أوَاردة بيانًا وكشفًا للمتّقين، أم مسرودة مع المتقين، تفيد غير فائدتها؟ أم جاءت على سبيل المدح والثناء، كصفات الله الجارية عليه تمجيدًا؟

قلتُ: يحتمل أن تَرِدَ على طريق البيان والكشف؛ لاشتمالها على ما أسّست عليه حال المتّقين؛ مِن فعْل الحسنات، وترْك السيئات.

أمّا الفعْل، فقد انطوى تحت ذكْر الإيمان، الذي هو أساس الحسنات، وذكَر الصلاة والصدقة؛ لأن هاتيْن أُمّا العبادات البدنيّة والماليّة، وهما العيار على غيرهما؛ ومِن ثَمّ اختصر الكلام اختصارًا، بأن استغنى عن عدّ الطاعات، بِذِكر ما هو كالعنوان لها، مع ما في ذلك من الإفصاح عن فضل هاتيْن العبادتيْن، وأما التّرْك فكذلك؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: {إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَىَ عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت:45].

ويحتمل أن لا تكون بيانًا للمتّقين، وتكون صفة دالة على فعل الطاعات.

ويراد بالمتقين: الذين يجتنبون المعاصي.

ويحتمل أن تكون مدحًا للموصوفين بالتقوى، وتخصيصًا للإيمان بالغيب، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، بالذكر؛ إظهارًا لإنافتها عن سائر ما يدخل تحت حقيقة هذا الاسم من الحسنات.

قال ابن كثير: “وأما الغيب المراد ها هنا، فقد اختلفت عبارات السلف فيه، وكلها صحيحة ترجع إلى أنّ الجميع مراد.

ومَن فسّره بالخشية، كقوله تعالى: {إِنّ الّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}، وقوله: {مّنْ خَشِيَ الرّحْمَـَنَ بِالْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ مّنِيبٍ} [ق:33] والخشية: خلاصة الإيمان والعلْم، كما قال تعالى: {إِنّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}.

واختار ابن جرير، أنّ قوله: {وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} عامّ في الزكاة والنفقات، فقال: وأوْلى التأويلات وأحقها بصفة القوم: أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مؤدِّين، زكاةً كان ذلك أو نفقة مَن لزمتهم نفقتُه من أهل وعيال وغيرهم، ممّن يجب عليهم نفقتُه بالقرابة والملْك وغير ذلك؛ لأن الله تعالى عمّ وصفهم ومدحهم بذلك؛ وكلٌّ مِن الإنفاق والزكاة ممدوح به، محمود عليه”.

وقال ابن كثير: “كثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة، والإنفاق من الأموال؛ فإن الصلاة: حق الله وعبادته، وهي مشتملة على توحيده، والثناء عليه، وتمجيده، والابتهال إليه، ودعائه، والتوكّل عليه، والإنفاق هو: من الإحسان إلى المخلوقين، بالنّفع المتعدِّي إليهم؛ وأولى الناس بذلك: القرابات، والأهلون، والمماليك، ثم الأجانب، فكلّ من النفقات الواجبة، والزكاة المفروضة، داخل في قوله تعالى: {وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}؛ ولهذا ثبت في الصحيحيْن، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((بُني الإسلام على خمْس: شهادةِ أن لا إله إلَّا الله وأنّ محمدًا رسول الله، وإقامِ الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، وصومِ رمضان، وحجِّ البيت))”.

قلت: الآية نزلت قبل فرض الزكاة، فكان اللفظ فيها يشمل الواجب وقتئذ، وهو النفقة على مَن تجب عليه النفقة، فلمّا فُرضت الزكاة، أصبحت داخلة فيه كذلك؛ لأنها ممّا أُمر به المؤمن من إنفاق؛ فلا تعارض.

وهو شامل أيضًا لما يُنفقه المؤمن، قُربة واحتسابًا، ممّا تيسّر عليه.                       

3. الآيتان (4، 5): قال تعالى: {والّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُوْلَـَئِكَ عَلَىَ هُدًى مّن رّبّهِمْ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}:

أقوال المفسِّرين في معناها:

وقد اختلف المفسِّرون في الموصوفين هنا: هل هم الموصوفون بما تقدّم مِن قوله تعالى: {الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ وَممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}، ومَن هم؟ على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنّ الموصوفين أوّلًا هم الموصوفون ثانيًا، وهم كلُّ مؤمن: مؤمنو العرب، ومؤمنو أهل الكتاب، وغيرهم.

والثاني: هما واحد، وهم: مؤمنو أهل الكتاب.

وعلى هذيْن، تكون الواو عاطفة صفات على صفات، كما قال تعالى: {سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَىَ (1) الّذِي خَلَقَ فَسَوّىَ (2) وَالّذِي قَدّرَ فَهَدَىَ (3) وَالّذِيَ أَخْرَجَ الْمَرْعَىَ (4) فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىَ} [الأعلى: 1- 5].

والثالث: أنّ الموصوفين أوّلًا مؤمنو العرب، والموصوفون ثانيًا بقوله: {والّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} مؤمِنو أهل الكتاب.

نقله السّدّي في تفسيره، عن ابن عباس، وابن مسعود، وأناس من الصحابة.

4. الآية (6): {إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}:

أقوال المفسِّرين في معناها:

المعنى: الكافرون لا ينتفعون بالإنذار؛ لأن الله ختم على قلوبهم، وجعل على سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة.

يقول تعالى: {إِنّ الّذِينَ كَفَرُواْ}، أي: غطَّوا الحق وستروه، وقد كتب الله تعالى عليهم ذلك، سواء عليهم إنذارك وعدمه؛ فإنهم لا يؤمنون بما جئتَهم به، كما قال تعالى: {إِنّ الّذِينَ حَقّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلّ آيَةٍ حَتّىَ يَرَوُاْ الْعَذَابَ الألِيمَ} [يونس:96، 97].

وقوله تعالى: {لاَ يُؤْمِنُونَ}، محلّه من الإعراب: أنه جملة مؤكِّدة للتي قبْلها: {سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ}، أي: هم كفار في كِلا الحاليْن؛ فلهذا أكّد ذلك، بقوله تعالى: {لاَ يُؤْمِنُونَ}.           

قال ابن جرير: فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلقتْها، وإذا أغلقتها أتاها حينئذ الختْم مِن قِبل الله تعالى والطبع؛ فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر عنها مخلص؛ فذلك هو: الختْم والطّبْع الذي ذُكر في قوله تعالى: {خَتَمَ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِهمْ وَعَلَىَ سَمْعِهِمْ}، نظير الختْم، والطبْع على ما تدركه الأبصار، مِن الأوعية والظروف التي لا يوصل إلى ما فيها، إلا بفضّ ذلك عنها ثم حلّها؛ فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصَف الله أنه ختَم على قلوبهم وعلى سمعهم، إلَّا بعْد فضّ خاتمه، وحلّه رباطه عنها.

واعلمْ: أنّ الوقف التامّ، على قوله تعالى: {خَتَمَ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِهمْ وَعَلَىَ سَمْعِهِمْ}، وقوله: {وَعَلَىَ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ}: جملة تامّة؛ فإنّ الطبع يكون على القلب، وعلى السمع، والغشاوة، هي: الغطاء يكون على البصر.

واللام في: {لّهُمْ} للاستحقاق، كما في: {لّهُمْ فِي الدّنْيَا خِزْيٌ}، ولام الاستحقاق، هي الواقعة بين معنى وذات، وهنا كذلك، إلَّا أنه قدّم الخبر استحسانًا؛ لأن المبتدأ نكرة موصوفة، ولو أخّر جاز، مثل قوله تعالى: {وَأَجَلٌ مّسمّى عِندَهُ}، وقيل: يجوز أنْ يكون تقديمه للتخصيص، فلا يُعذّب عذابهم أحد، ولا يوثق وثاقهم أحد.

5. الآيات (8 – 10): قال تعالى: {وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}:

أقوال المفسِّرين في معناها:

المعنى: ذكر بعض أوصاف المنافقين، وما أعده الله لهم من العذاب الأليم.

قال ابن كثير: “النّفاق: هو إظهار الخيْر، وإسرار الشَّرِّ؛ وهو أنواع:

اعتقاديّ: وهو الذي يخلد صاحبه في النار.

عمليّ: وهو من أكبر الذنوب”.

قلت: وهو المذكور في الحديث الصحيح: ((آيةُ المنافق ثلاث…)).

قال: وإنما نزلت صفات المنافقين في السُّوَر المدنية؛ لأن مكة لم يكن فيها نفاق؛ بل كان خلافه: من الناس من كان يظهر الكفر مستكرهًا، وهو في الباطن مؤمن، فلمّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة مُشركي العرب، وبها اليهود من أهل الكتاب على طريقة أسلافهم، وكانوا ثلاث قبائل: بنو قينقاع -حلفاء الخزرج- وبنو النضير، وبنو قريظة -حلفاء الأوس- فلمّا قدِم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وأسلم من أسلم من الأنصار، من قبيلتَي: الأوس، والخزرج، وقلّ من أسلم من اليهود، إلَّا عبد الله بن سلام رضي الله عنه ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضًا؛ لأنه لم يكن للمسلمين بعدُ شوكةٌ تُخاف؛ بل قد كان صلى الله عليه وسلم وادَع اليهود، وقبائل كثيرة من أحياء العرب حوالي المدينة، فلما كانت وقعة بدر العظمى، وأظهر الله كلمته، وأعزّ الإسلام وأهله، قال عبد الله بن أبيّ بن سلول -وكان رأسًا في المدينة، وهو من الخزرج، وكان سيّد الطائفتيْن في الجاهلية، وكانوا قد عزموا على أن يملّكوه عليهم، فجاءهم الخير وأسلموا واشتغلوا عنه، فبقي في نفسه من الإسلام وأهله- قال: هذا أمر قد توجّه، فأظهر الدخول في الإسلام، ودخل معه طوائف ممّن هو على طريقته ونِحلته، وآخرون من أهل الكتاب؛ فمِن ثَمّ وُجد النفاق في أهل المدينة، ومَن حولها من الأعراب.

فأمّا المهاجرون، فلم يكن فيهم أحد هاجر؛ لأنه لم يكن أحد يهاجر مكرهًا؛ بل يهاجر فيترك ماله وولده وأرضه؛ رغبة فيما عند الله، في الدار الآخرة.

ولهذا؛ نبه الله سبحانه على صفات المنافقين؛ لئلّا يغتر بظاهر أمْرهم المؤمنون، فيقع بذلك فساد عريض، من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم وهم كفّار في نفس الأمر؛ وهذا من المحذورات الكبار، أنْ يُظن بأهل الفجور خيْرًا، فقال تعالى: {وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}، أي: يقولون ذلك قولًا ليس وراءه شيء آخر، كما قال تعالى: {إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنّكَ لَرَسُولُهُ}، أي: إنما يقولون ذلك إذا جاءوك فقط، لا في نفس الأمر؛ ولهذا يؤكِّدون في الشهادة بـ “إنّ”، ولام التأكيد في خبرها، أكّدوا أمرهم، قالوا: {آمَنّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الاَخِرِ}، وليس الأمْر كذلك، كما كذّبهم الله في شهادتهم وفي خبرهم هذا، بالنسبة إلى اعتقادهم، بقوله تعالى: {وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}، وقوله تعالى: {يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالّذِينَ آمَنُوا}، أي: بإظهارهم ما أظهروه من الإيمان، مع إسرارهم الكفر، يعتقدون بجهلهم أنهم يخدعون الله بذلك، وأنّ ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه، كما قد يروج على بعض المؤمنين، كما قال تعالى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللّهِ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنّهُمْ عَلَىَ شَيْءٍ أَلاَ إِنّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [المجادلة:18]؛ ولهذا قابلهم على اعتقادهم ذلك، بقوله: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ}، يقول: وما يغرّون بصنيعهم هذا، ولا يخدعون إلا أنفسَهم، وما يشعرون بذلك مِن أنفسهم، كما قال تعالى: {إِنّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}.

وقال ابن كثير، في الذي قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -كما سبق في الآثار: “هو حسَن، وهو الجزاء من جنس العمل، وهو نظير قوله تعالى أيضًا: {وَالّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} [محمد:17]”.

وجملة {يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالّذِينَ آمَنُوا}: بيان لـ{يَقُولُ}، وتوضيح لما هو غرضهم ممّا يقولون، أو استئناف وقع جوابًا عن سؤال ينساق إليه الذهن، كأنه قيل: ما لهم يقولون ذلك، وهم غير مؤمنين؟ فقيل: {يُخَادِعُونَ اللّهَ} إلخ، أي: يخدعون، وإيثار صيغة المفاعلة؛ لإفادة المبالغة في الكيفية، فإن الفعل متى غولب فيه بولغ فيه قطعًا، أو في الكمية، كما في الممارسة والمزاولة؛ فإنهم كانوا مداومين على الخدع.

{وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُم}: أي: يفعلون ما يفعلون، والحال أنهم ما يضرّون بذلك إلَّا أنفسَهم؛ فإنّ دائرة فعْلهم مقصورة عليهم، أو: ما يخدعون حقيقة إلَّا أنفسهم؛ حيث يغرونها بالأكاذيب، فيُلقونها في مهاوي الردى.

وقوله تعالى: {وَمَا يَشْعُرُونَ}: حال مِن ضمير {وَمَا يَخْدَعُونَ}، أي: يقتصرون على خدْع أنفسهم، والحال أنهم ما يشعرون، أي: ما يُحسّون بذلك؛ لتماديهم في الغواية، وحذف المفعول؛ إمّا لظهوره، أو لعمومه، أي: ما يشعرون بشيء أصلًا.

{فِي قُلُوبِهِم مّرَضٌ}: استعمال المرض في القلب، يجوز أن يكون حقيقة، ومجازًا:

فالحقيقة: أنْ يُراد الألم، كما تقول: في جوفه مرض.

والمجاز: أن يُستعار لبعض أعراض القلب، كسوء الاعتقاد، والغلّ، والحسد، والميل إلى المعاصي، وغير ذلك مما هو فساد، وآفة شبيهة بالمرض، كما استُعيرت الصحة والسلامة في نقائض ذلك.

والمراد به هنا: ما في قلوبهم من سوء الاعتقاد، والكفر، أو من البغضاء؛ لأن صدورهم كانت تغلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، غلًّا وحنقًا، ويبغضونهم البغضاء التي وصفها الله تعالى في قوله: {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [آل عمران:118]، ويتحرّقون عليهم حسدًا: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} [آل عمران:120].

{فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً} بأنْ طبَع على قلوبهم، لعلْمه تعالى، بأنه لا يؤثِّر فيها التذكير والإنذار؛ وبه اتّضح كونهم من الكفَرة المختوم على قلوبهم، مع زيادة بيان السبب.

وإعادة {مّرَضٌ} منكرًا؛ لكونه مغايرًا للأوّل، ضرورة أنّ المزيد يغاير المزيد عليه، والتنكير للتفخيم.

{بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}: الباء: للسببية، أو للمقابلة، وما: مصدريّة داخلة في الحقيقة، على {يَكْذِبُونَ}، وكلمة: {كَانُوا} مقحمة؛ لإفادة دوام كذبهم وتجدّده، أي: بسبب كذِبهم، أو بمقابلة كذِبهم المتجدِّد المستمِر، الذي هو قولهم: {آمَنّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الاَخِرِ} ، وهم غير مؤمنين.

6. الآيات (11 – 13): قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ قَالُوَاْ إِنّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلآ إِنّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـَكِن لاّ يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ النّاسُ قَالُوَاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السّفَهَآءُ أَلآ إِنّهُمْ هُمُ السّفَهَآءُ وَلَـَكِن لاّ يَعْلَمُونَ}:

أقوال المفسِّرين في معناها:

قال ابن جرير، فيما روي عن سلمان: يحتمل أنّ سلمان رضي الله عنه أراد بهذا: أنّ الذين يأتون بهذه الصِّفة أعظم فسادًا من الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا أنه عني: أنه لم يمض ممّن تلك صفته أحد.

قلت: إسناد ما تقدّم عن سلمان، لا يثبت.

وقال ابن جرير: فأهل النّفاق مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكّهم في دِينه الذي لا يقبل من أحد عمل إلَّا بالتصديق به، والإيقان بحقيقته، وكذبهم المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب، ومظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله إذا وجدوا إلى ذلك سبيلًا؛ فذلك إفساد المنافقين في الأرض، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها؛ وقوله هذا حسَن.

فإنّ من الفساد في الأرض، اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياءَ، كما قال تعالى: {وَالّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال:73]، فقطع الله الموالاة بين المؤمنين والكافرين، كما قال تعالى: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مّبِيناً} [النساء:144]، ثم قال {إِنّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً}.

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرْضِ قَالُوَاْ إِنّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}، أي: نريد أن نُداري الفريقيْن من المؤمنين والكافرين، ونصطلح مع هؤلاء وهؤلاء.

يقول تعالى: وإذا قيل للمنافقين: {آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ النّاسُ}، أي: كإيمان الناس بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، وغير ذلك ممّا أخبر المؤمنين به وعنه، وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر وترك الزواجر، {قَالُوَاْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السّفَهَآءُ}، يعنون -لعنهم الله-: أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة، وعلى طريقة واحدة، وهم سفهاء. وقد تولى الله سبحانه جوابهم في هذه المواطن كلِّها، فقال: {أَلآ إِنّهُمْ هُمُ السّفَهَآءُ}، فأكّد وحصر السّفاهة فيهم. {وَلَـَكِن لاّ يَعْلَمُونَ} يعني: ومِن تمام جهلهم أنهم لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل، وذلك أردى لهم، وأبلغ في العمى، والبعد عن الهدى.

error: النص محمي !!