Top
Image Alt

ذكر قول الروافض في الصحابة

  /  ذكر قول الروافض في الصحابة

ذكر قول الروافض في الصحابة

وأما الشيعة الروافض: فقد جمعوا بين الإفراط والتفريط، وبين الغلو والإجحاف في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم. فلهم في بعض الصحابة كعليٍّ والحسين رضي الله عنهما غلوٌّ وإفراط؛ حتى وصل الحد ببعضهم القول بألوهية علي، وقال بعضهم بنبوّتِه. وأدنى ضلالتهم تقديمه على من هو أفضل منه من الصحابة.

ولهم في البعض الآخر من الصحابة تفريط وإجحاف وتقصير، أعظمه القول بكفرهم ولعنهم، وأدناه القول: بتأخيرهم عن مرتبتهم، والتخلُّف بهم عن مكانَتِهِم، ولهم بين ذلك ضلالات وافتراءات تتراوح بين الغلوّ والتقصير، ما لهم بذلك من علم، إن يتبعون إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا.

فطعنهم في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وسبهم ولعنهم، بل وتكفيرهم أمر معلوم لدى القاصي والداني، وكتبهم حافلة بذلك قديمًا وحديثًا؛ حتى ولو أخفوا ذلك أحيانًا باسم التقية، إلا أنهم لشدةِ حقدهِم وبغضهم، وعمق الغِلِّ الذي في قلوبهم للصحابة رضي الله عنهم لا يستمر ذلك معهم طويلًا؛ لا سيما إذا هم شمُّوا رائحة الغلبة والتمكين، ثم يرجعون إلى ما جروا عليه من الضلال وسوء الاعتقاد.

قال الشهرستاني: “ويجمعهم -أي: الشيعة الروافض- القول بوجوب التعيين والتنصيص، وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوبًا عن الكبائر والصغائر، والقول بالتولِّي والتبري قولًا وفعلًا وعقدًا؛ إلا في حال التقية”. وفي الجملة؛ فإن الشيعة الروافض يكفّرون ويتبرءون من معظم الصحابة، إلا جماعة قليلة ونادرة منهم. وجعلوا إمامة علي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من تمام الدين، ومن أنكر ذلك عندهم فهو في عداد الكافرين.

وقالوا: إن عليًّا هو الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره بالنص. وزعموا أن إمامة علي وبنيه من أركان الدين. ولا حجة لهم في شيء من ذلك إلا الكذب والزور.

فالذي يميّز الشيعي الرافضي من غيرِهِ تفضيلهم عليَّا على سائر الصحابة، ثم زاد على ذلك القول بتقديمه في الإمامة على غيره من الخلفاء؛ حيث زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم نصَّ على ذلك، وهم يعلمون أنها مجرد دعوى كاذبة، مخالفة للنصوص الصحيحة، مناقضة لإجماع المسلمين عامة.

ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينص بالخلافة لأحد لا لأبي بكر ولا لغيره، على أنه صلى الله عليه وسلم كان يشير لأبي بكر رضي الله عنه إشارة، وقد دَلَّتِ النصوصُ الصحيحةُ الصريحةُ على صحةِ إمامةِ وخلافةِ الصديق، وثبوت انعقادها بمبايعة المسلمين له، واختيارهم إيَّاه، واجتماعهم عليه، مما علموا من تفضيل الله ورسوله صلى الله عليه وسلم له. وقد سبق بيان شيء من هذا سابقًا، وما ورد في خلافته مما أغنى عن إعادته هنا.

والمقصود لدينا في هذا المقام إثبات الحجة، وإقامة البرهان الذي لا يقبل الشك والنكران على أن النبي صلى الله عليه وسلم مات ولم يعهد بالخلافة نصًّا لأحد، والأدلة على هذا كثيرة؛ منها ما أخرجه البخاري ومسلم عن طلحة بن مصرف قال: سألت عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم أوصى؟ فقال: لا. فقلت: كيف كتب على الناس الوصية؟ -أو أُمروا بالوصية- قال: أوصى بكتاب الله.

قال الحافظ في (الفتح): “هكذا أطلق الجواب، وكأنه فَهِمَ أن السؤال وقع عن وصية خاصة؛ فلذلك ساغ نفيها، لا أنه أراد نفي الوصية مطلقًا؛ لأنه أثبت بعد ذلك أنه أوصى بكتاب الله” ثم قال: “ويحتمل أن يكون المنفيّ وصيته إلى علي بالخلافة كما وقع التصريح به في حديث عائشة الذي بعده. ويؤيّده ما وقع في رواية الدارمي عن محمد بن يوسف شيخ البخاري فيه، وكذلك عند ابن ماجه، وأبي عوانة في آخر حديث الباب؛ قال طلحة: فقال هزيل بن شرحبيل: “أبو بكر كان يتأَمَّرُ على وصيّ رسول الله، ودَّ أبو بكر أنه كان وجد عهدًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخزم أنفه بخزام”.

وهزيل هذا؛ بالزاي مصغرًا، أحد كبار التابعين، ومن صغار أهل الكوفة؛ فدلَّ هذا على أنه كان في الحديث قرينة تشعر بتخصيص السؤال بالوصية بالخلافة ونحو ذلك، لا مطلق الوصية.

وأخرج البخاري ومسلم عن إبراهيم بن الأسود قال: ذكروا عند عائشة أن عليًّا رضي الله عنه كان وصيًّا، فقالت: متى أوصى إليه؟ فقد كنت مسندته إلى صدري -أو قالت: حجري- فدعَا بالطست، فلقد انخنث في حجري، وما شعرت أنه مات، فمتى أوصى إليه؟!

وأخرج مسلم عن عائشة أيضًا قالت: ((ما تركَ رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارًا، ولا درهمًا، ولا شاةً، ولا بعيرًا، ولا أوصى بشيء)).

قال القرطبي في (المفهم): “وأما قول عائشة رضي الله عنها: ما أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء. فإنها أرادت في شيء من أمر الخلافة؛ بدليل الحديث المذكور، ثانيًا: أنهم لما ذكروا أن عليًّا كان وصيًّا، قالت: ومتى أوصى إليه؟! وذكرت الحديث.

وقد أكثرت الشيعة والروافض من الأحاديث الباطلة الكاذبة، واخترعوا نصوصًا على استخلاف النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا، وادَّعوا أنها تواترت عندهم. وهذا كله كذبٌ مركبٌ. ولو كان شيء من ذلك صحيحًا، أو معروفًا عند الصحابة يوم السقيفة لذكروه، ولرجعُوا إليه، ولذكره علي محتجًّا لنفسِهِ، ولما حل أن يسكت عن مثل ذلك بوجه؛ فإنه حق الله، وحق نبيه صلى الله عليه وسلم وحقه، وحق المسلمين.

ثم ما يعلم من عظيم علم علي رضي الله عنه وصلابته في الدين، وشجاعته يقتضي ألا يتقي أحدًا في دين الله، كما لم يتقّ معاوية، وأهل الشام حين خالفوه، ثم إنه لما قُتِلَ عثمان ولَّى المسلمون باجتهادهم عليًّا، ولم يذكر هو، ولا أحد منهم نصًّا في ذلك. فعلم قطعًا كذب من ادعاه. وما التوفيق إلا من عند الله”.

وقال أبو نعيم في (الإمامة): “ففي هذه الأخبار الثابتة إبطال لما ادَّعاه من اختصاص علي رضي الله عنه بوصيتِهِ، وعهده من دون المسلمين كافة. ولقد سُئِلَ علي رضي الله عنه فيما رواه عنه أبو جحيفة وغيره: هل خصَّك رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ فقال: ما هو إلا كتابُ الله، أو فهم يؤتيه الله من شاء في الكتاب”. انتهى. أخرجه البخاري، وغيره.

وأخرج البخاري أيضًا عن عبد الله بن عباس أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن، كيف أصبحَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئًا، فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب، فقال له: أنت والله بعد ثلاثٍ عبد العصا، وإني والله لأرى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سوف يُتَوفَّى من وجعه هذا؛ إني لأعرف وجوهَ بني عبد المطلب عند الموت، اذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلنسأله فيمن هذا الأمر؟ إن كان فينا علمنا ذلك. وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا. فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقوله: “وأنت والله بعد ثلاث عبد العصا” هو كناية عمن يكون تابعًا لغيره، والمعنى أنه يموت بعد ثلاث، وتصير أنت مأمورًا عليك. وهذا من قوة فراسة العباس رضي الله عنه”.

ومن الأدلة التي احتجوا بها على دعواهم هذه قول الله تعالى: {إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُواْ الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55]، وبحديث: ((اللهمَّ وَالِ من والاه، وعادِ من عَادَاه))، وبقوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى)).

والجواب:

أولًا: أنه لا يوجد في شيءٍ من هذه النصوص ما يدل على الإمامة، فضلًا عن تقديم علي رضي الله عنه على غيره فيها، بل كلام أكثر المفسرين على أنها لم تنزل في علي رضي الله عنه بل ما روي في ذلك من قصة التصدق بالخاتم ضعيف.

ثانيًا: أن الإمامة على اعتبارها ركنًا من أركان الدين، وأنها بمنزلة الشهادتين عندهم، بحيث إن من لم يقمها يعتبر كافرًا، ومع هذا لا يوجد لها ذكر في القرآن الكريم، كما ذكرت الصلاة والزكاة والصوم والحج. فإذا كانت الإمامة من أركان الدين فلماذا لم يذكرها الله في كتابه؟ {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111].

ثالثًا: وفي هذا المقام يلزم الشيعة الروافض حالان، إما أن يقرُّوا بأنه لا وجود لأمر الإمامة المزعومة لديهم في القرآن الكريم، أو أن يعترفوا بأن القرآن محرَّف، حُذفت منه النصوص الدالة على إمامة علي، وهذا قول أئمتهم كما هو معلوم مشهور عنهم.

رابعًا: يقال أيضًا: إذا كان علي رضي الله عنه فهم من النصوص التي يوردونها أنها دالة على الإمامة، فلماذا لم يُطَالب بها؟! وهو من هو في شجاعته وصدعه بالحق؛ لا سيما أن الإمامة مما لا يسع تركه والتغاضي عنه مثلها مثل سائر الأركان كالصلاة والزكاة، والصوم والحج كما يزعم الشيعةُ الروافض، فإن هو علم بالنص، ولم يعمل به، فإنه يكون قد ترك ركنًا من أركان الدين، فيكون كافرًا على أصولهم. وأما إذا ادعيتم أنه كان جاهلًا بالنص، فلا يجوز أن يقود الأمة جاهل؛ لا سيما فيما تعلق بركن من أركان الدين على حدِّ زعمكم.

فإن زعمتم أنه ترك ذلك خشية الفتنة، وسكت عن ركن من أركان الدين فلا أقلَّ من أن يكون منافقًا مداهنًا محابيًا في الحق، فكيف يؤتمن على سائر أركان الدين؟!

وعلي رضي الله عنه كان مع الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه مدة أربع وعشرين سنة، ولم تحدّثه نفسه قط بأن يستولي على الحكم إبان خلافتهم مع أنه كان يستخلف على المدينة أحيانًا عند غيابهم.

error: النص محمي !!