Top
Image Alt

ذكر ما تضمَّنه الحديث من فوائد عظيمة

  /  ذكر ما تضمَّنه الحديث من فوائد عظيمة

ذكر ما تضمَّنه الحديث من فوائد عظيمة

يقول بعض الناس أيضًا في الشُّبَه التي أثاروها حول هذا الحديث: هل فيه فوائد تنفعنا في ديننا ودنيانا، فلماذا نتكلم حوله؟

في الحديث فوائد عظيمة عقدية وغيرها سنشير إلى بعضها:

أولًا: في الحديث ابتلاء للمؤمن واختبار له بالإيمان بالغيب، والإيمان بالغيب أحد عناصر الإيمان الهامة جدًّا، التي ينبغي على المؤمن أن تكون جزءًا رئيسًا من عقيدته التي يَدِين بها الله تعالى، بل إن الله عز وجلفي مطلع سورة البقرة حين تكلَّم عن الغيب، أو عن صفات المؤمنين بمعنى أدقّ، جعل من أول صفاتهم أنهم يؤمنون بالغيب: {الَمَ (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لّلْمُتّقِينَ} [البقرة:1: 2] فما أول صفات المتقين؟: {الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ} [البقرة: 3] ذُكِرَ الإيمان بالغيب قبل إقامة الصلاة التي هي عماد الدين، والتي تُفرّق بين المؤمن والكافر، والتي يُحاسَب عليها المؤمن أول ما يحاسب، حين يذهب إلى ربه -عز وجل.

إذن -على أهمية الصلاة- قُدِّمَ الإيمان بالغيب على ذلك، على الصلاة، وعلى: {وَمِمّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [البقرة: 3] وعلى: {يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4].

وفي الحقيقة الإيمان بالغيب مَحَكّ خطير جدًّا من محكّات الإيمان الحقيقية، بل ونحن نتكلم عن مدرسة العقل وملامحها قلنا: إنها تُضَيّق جدًّا فكرة الغيب، بل إن اجتراءهم على الغيب كان السبب لردّ هذا الحديث ولغيره من الأحاديث التي فيها ذكر للغيب الذي يعلمه الله عز وجلمع أن الغيبيات -كما ذكرنا مرارًا- لا مجالَ للعقل فيها، بل هي اختبار للمؤمن، أنت تُصدِّق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو لا تُصدِّق، من الأمور الغيبية التي لا تراها بعينك، والتي لا يَعتمِد الدليل عليها إلا ما ورد في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة فقط؟ أين أنت من ذلك؟

ففي الحديث اختبار؛ ولذلك كلمة عجيبة جدًّا من السِّنْديّ -رحمه الله تعالى- في حاشيته على البخاري عند تعليقه على هذا الحديث -حديث فقء موسى لعين ملك الموت- يقول السِّنْديّ: لعل هذا من المتشابه الذي لا يَعلَم تأويله إلا الله،

والبعض لا تعجبه كلمة السِّنْديّ، ويقول: إن هذا انغلاق في التفكير وتضييق على العقل في محاولة تَلمُّس الفهم. لا، هذا وَرَع وتقوَى، وحيطة.

إذن، في الحديث فعلًا ولو لم يكن فيه إلا هذه الفائدة لكفاه هذا بصدق الإيمان، ويكفي أننا نُخْتَبر في إيماننا بالغيب، يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بأمر غيبي، وهو الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، فهل نصدقه أو لا نصدقه؟

أيضًا هناك ذكر للقِصَص السابقة مع الأنبياء السابقين ومع غيرهم، وكلها دروس وعظات وعِبَر للمؤمنين، وهذا الحديث يعتبر مما وقع على الأمم السابقة، وله نظائر كثيرة جدًّا في القرآن الكريم وفي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم يقُصّ الله قصة سيدنا نوح في سورة هود على النبي صلى الله عليه وسلم: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـَذَا فَاصْبِرْ إِنّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتّقِينَ} [هود: 49] استفدْ من الدروس المليئة التي امتلأت بها القصة: {إِنّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتّقِينَ} [هود: 49].

في سورة القصص، وهو يتحدث عن قارون يختم القصة بقوله تعالى: {تِلْكَ الدّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ} [القصص: 83] وفي قصة مريم: {وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 44] وفي قصة يوسف عليه السلام: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ} [هود: 49] أنت لم تكن هناك لا أنت ولا قومك؛ فهذا دليل على صدق نبوتك.

ثانيًا: فيه عظات: يعني: الحديث فيه فوائد كثيرة، إنه اختار ما عند الله، فيه أيضًا تمني الموت بالأرض الطيبة المقدسة.

أيضًا كما قلنا: اختارنا الله للجهاد مثلًا، اختارنا الله لنشر العلم، اختارنَا الله للدعوة، لا نتصور أن الطريق سيكون مفروشًا بالورود، بل لا بد لكل مهنة من معاناة ومن تعب ووصَب، ومن مشاكل تثار حولها، فعلى القائمين عليها أن يتحملوا ما يلاقونه وهم يؤدون مهمتهم؛ ابتغاءَ ما عند الله، ورجاءً في أن ينجحوا بالمهمة التي كُلّفوا بها من قِبَل الله -تبارك وتعالى- ومن هنا أيضًا كان الأمر امتحانًا لملك الموت.

ثالثًا: أيضًا في الحديث دلالة على أن كراهية الموت جِبلة في الإنسان، ورغم أن الحديث ليس فيه ما يشير إلى كراهية سيدنا موسى من الموت، وقد ردننا على هذه الفرية، وقلنا: إنها ليست مأخوذة إلا من ملك الموت حين قال: ((إنك أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت)) لكن بيَّنا من خلال الأدلة الأخرى أن كراهية الموت جبلة في الإنسان، لكنَّ هذه الكراهية لم تمنع من أن يأتيه الموت في الوقت الذي يريده الله -تبارك وتعالى.

رابعًا: أيضًا الحديث يدل على أن الملائكة تتشكل بالبشر؛ ولذلك كانت العاهة التي أصابت الملك لصورته البشرية، أما صورته الملائكية فلم تتغير ولم تُصَبْ بأذى؛ لأننا قلنا: إن الملك حين يتشكل بهيئة بشرية فإنه في هذه الحالة يُحْكَم بقانون الهيئة التي أخَذها، فمن الممكن في هذه الحالة أن يلحقه الأذى كما يلحق البشر.

وقلنا: واضح جدًّا من حديث جبريل أنه جاء يلبس الثياب، وهي بيضاء نقية لا غبش فيها ولا غبارَ، ولا يرى عليه أثر السفر، وشديد سواد الشعر، وشديد بياض الثياب، كلها صفات بشرية، يصفونه وهم يصفون بشرًا لا يصفون ملكًا؛ لأنهم إلى هذه اللحظة لا يعرفونه، فلمَّا انصرف قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ((هذا جبريل، أتاكم يعلمكم أمور دينكم)).

خامسًا: أيضًا السابق واللاحق من أمة الإسلام أمةٌ واحدة، السابق من الأنبياء؛ لأنهم مسلمون، ومن اللاحق داخل أمة الإسلام نفسها أو من المسلمين من السابقين كلهم أمة واحدة، أهل إيمان وأهل تقوى، فقوانين الله -تبارك وتعالى- فيهم واحدة لا تتغير، جزاء المؤمن الجنة، على المؤمن أن يؤمن بالغيب، عليه أن يرضى بما قسَم الله -تبارك وتعالى- له في كل ما يتعلق بوحدة الأمة، وهي أمة واحدة فعلًا؛ ربها واحد، وقرآنها واحد، ونبيها واحد، وقِبلتها واحدة، كل شيء في هذه الأمة يجمع بين هذه الأمة على أنها أمة واحدة، لا ينبغي أبدًا أن تسمح لأحد بأن يخرق وحدة هذه الأمة، وأن يُفسد على الأمة وحدتها أبدًا كائنًا مَن كان، إنما هي أمة حتى وإن اختلفت ألسنتها أو اختلفت ألوانها أو اختلفت أوطانها، فهي أمة واحدة، على قلب رجل واحد منهم، تُحْكَم بقرآن وسُنّة، عباداتهم كلها واحدة، وتؤدَّى في وقت واحد؛ فهذا يدل على وحدة أهل الإيمان في كل زمان ومكان.

أيضًا الحديث آمنت به كل الأمة، من أول ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم فلم نسمع أبدًا للأقدمين من الصحابة أو من الأجيال الصالحة، اعتراضًا على هذا الحديث بهذه الدعاوى الزائفة التي يذكرونها الآن، ويثيرون شبهًا، وهي لا تصمد أمام البحث الصحيح بدون أدنى تعسفٍ، لكن الحديث ليس في المعنى أبدًا ما يثير أيّ غبار إيماني أو عقدي حتى نخشى منه، أو حتى نخاف منه، أو حتى نتمنى ألا يكون قد قيل، هذا كله لا نرى فيه شيئًا، وقد وضَّحْنا ذلك.

سادسًا: أيضًا من فوائد الحديث: أن لله قوانينَ لا يستثني منها أحدًا، لا أحد يقول عن نفسه: إن هذا القانون الإلهي لا ينطبق عليه، فالكل سيموت، وسيدنا موسى فَقِهَ ذلك: ((لك بكل شعرة تقع تحت يدك إذا وضعتها على متن ثَوْر سَنَة)) ومع ذلك يسأل، فالموت، نعم ماذا بعدُ؟ هو الموت، أنت لم تُستثنَ من هذا، وأنت من كرام خَلْق الله على الله، ومن أفضل خمسة من الأنبياء، من أولي العزم من الرسل؛ إذن فأنت من أفضل خمسة من البشر، ومع ذلك قانون الله -تبارك وتعالى- ينطبق عليك، غاية ما في الأمر أنك خُيِّرت الآن أو بعد الآن.

هذا هو الذي زاده الأنبياء على غيرهم أنهم يُخيَّرون فقط، ربما ذلك لِحِكَم: هل يواصلون القيام بمهمتهم في الدعوة؟ هل يواصلون مهمتهم في القيام بالرسالة؟ هل يشعرون أن مهمتهم قد انتهت؟ أو يحتاجون إلى أجل إضافي ليتمموا ما بدءوه وليكللوا عملهم بالنجاح؟ وكل ذلك رغبة في أن يُرضوا اللهَ بأنهم قاموا بالمهمة على خير قيام، لكنَّا كما قلنا الأدلة التي بين أيدينا هذا سيدنا موسى، وهذا سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يُخَيَّر أحدٌ منهم إلا اختار الرفيقَ الأعلى؛ لأنهم يعلمون أن ما عند الله خير وأبقى، وأفضل وأحسن وأكرم مما هو في الدنيا بكثير.

سابعًا: أيضًا في الحديث فضل الموت في الأرض المقدسة، وهذا إذا حدث هو على كل حال لا يترتب عليه تمييز أو رفع في الدرجات، لكنها أرض مباركة قد ينال صاحبها بركتها، لكنَّ المعروف أن الأعمال هي الشفاعةُ التي نقدمها عند ربنا عز وجللنا بعد فضل الله؛ لأنه: ((لن يُدْخِل أحدَكم عملُه الجَنّة -كما أخبر بذلك الصادق المصدوق- ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمة منه وفضل)).

والحديث في النهاية صحيح وقوي، وعلى العين والرأس، ولا نقبل أي جدل حوله أبدًا، وقد رددنا على الشُّبَه المتعلقة به.

error: النص محمي !!