Top
Image Alt

ذم الرأي وتكلف القياس، وتعليم النبي صلى الله عليه وسلم النساء

  /  ذم الرأي وتكلف القياس، وتعليم النبي صلى الله عليه وسلم النساء

ذم الرأي وتكلف القياس، وتعليم النبي صلى الله عليه وسلم النساء

. باب: ما يُذكر مِن ذمِّ الرّأي وتكلّف القياس:

أ. حديث عبد الله بن عمر رضي الله  عنهما: ((إن الله لا ينزع العلْم…)).

قال الإمام البخاري: حدثنا سعيد بن تليد قال: حدثني ابن وهب قال: حدثني عبد الرحمن بن شريح وغيره، عن أبي الأسود، عن عروة، قال: حجّ علينا عبدُ الله بن عمرو، فسمعتُه يقول:  سمعت النبي صلى الله عليه  وسلم يقول: ((إنّ الله لا يَنزع العلْم بعد أن أعطاهموه انتزاعًا، ولكن يَنتزعه منهم مع قبض العلماء بعلْمهم؛ فيبْقى ناس جهّال يُستَفْتَوْن فيُفْتُون برأيهم، فيَضِلّون ويُضِلّون))، فحدّثت به عائشة زوج النبي صلى الله عليه  وسلم، ثم إن عبد الله بن عمرو حجّ بعْد، فقالت: “يا أبن أختي، انطلِقْ إلى عبد الله، فاسْتثْبِتْ لي منه الذي حدّثتَني عنه” فجئتُه فسألتُه، فحدّثني به كنحو ما حدّثني، فأتيت عائشةَ فأخبرتُها، فعجبتْ فقالت: “والله لقد حفظ عبد الله بن عمرو”.

قول الإمام البخاري: “باب: ما يذكر مِن ذمِّ الرّأي”، أي: الفتوى بما يُؤدِّي إليه النظر، وهو يَصْدُق على ما يُوافق النص وعلى ما يُخالفه، والمذموم منه: ما يوجد النص بخلافِه، وأشار بقوله: “من” إلى أنّ بعض الفتوى بالرأي لا تُذَمّ، وهو: إذا لم يوجد النص من كتاب أو سُنّة أو إجماع.

وقوله: “وتَكَلّف القياس” أي: إذا لم يجد الأمور الثلاثة واحتاج إلى القياس، فلا يتكلّفه بل يستعمله على أوضاعه، ولا يتعسّف في إثبات العلّة الجامعة التي هي من أركان القياس؛ بل إذا لم تكن العلّة الجامعة الواضحة، فليتمسّكْ بالبراءة الأصلية.

 وقوله: “حجّ علينا”، أي: مرّ علينا حاجًا.

وقوله: ((إنّ الله لا يَنْزِع العلْم بعد أن أعطاكُمُوه)).

قال ابن حجر: وأظنّ عبد الله بن عُمر إنما حدّث بهذا، جوابًا عن سؤال مَن سألَه عن الحديث الذي رواه أبو أمامة، قال: ((لما كان في حجّة الوداع، قام رسول اللهصلى الله عليه  وسلم على جمل آدم، فقال: يا أيها الناس، خُذوا من العلْم قبل أن يُقبض، وقبل أن يُرفع مِن الأرض…)) الحديث، وفي آخِره: ((ألا إنّ ذهاب العلْم ذهابُ حَمَلَتِه ثلاث مرات))، أخرجه أحمد، والطبراني، والدارمي.

فبيّن عبد الله بن عمرو أنّ الذي ورد في قبْض العلْم ورفْع العلْم إنما هو على الكيفية التي ذكَرها.

وقوله: “كنحو ما حدّثني”، في رواية سفيان بن عيينة: قال عروة: “ثم لبثتُ سَنة، ثم لَقيت عبد الله بن عمرو في الطواف، فسألته فأخبرني به”، فأفاد: أنّ لقاءه إياه في المرّة الثانية كان بمكة، وكأنّ عروة كان حجّ في تلك السَّنة من المدينة، وحجّ عبد الله من مصر، فبلغ عائشة، ويكون قولها: “قد قدِم”، أي: من مصر طالبًا لمكة، لا أنه قدم المدينة.

وقوله: فعَجِبتْ فقالت: “والله لقد حفِظ عبدُ الله بن عمرو!”، في رواية حرملة: “فلمّا أخبرتها بذلك قالت: “ما أحسبه إلاّ صَدَق، أراه لم يَزِد فيه شيئًا ولم ينقص”.

قال عياض: لم تتّهم عائشةُ عبدَ الله، ولكن لعلّها نسبَت إليه أنّه ممّا قرأه من الكتب القديمة؛ لأنه قد طالع كثيرًا منها.

واستدل بهذا الحديث على: جواز خلُوِّ الزمان عن مجتهد؛ وهو قول الجمهور؛ لأنه صريح في رفْع العلْم بِقبْض العلماء.

وفي الحديث: حضّ أهلِ العلْم وطلَبتِه على أخْذ بعضِهم عن بعض.

وفيه: شهادةُ بعضِهم لبعْض بالحفظ والفضل.

وفيه حَضّ العالِم طالبَه على الأخذ عن غيره، ليستفيد ما ليس عنده، كما فعلت عائشة.

وفيه: التثبّت فيما يحدِّث به المحدِّث إذا قامت قرينة الذهول.

ب. حديث سهل بن حنيف:

قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا عبدان قال: أخبرنا أبو حمزة قال: سمعت الأعمش قال: سألت أبا وائل: هل شهِدتَ صِفِّين؟، قال: نعم، سمعت سهل بن حنيف يقول، ثمّ حوّل الإمام البخاري الإسناد، قال: وحدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن أبي وائل قال: قال سهل بن حنيف: “يا أيها الناس، اتّهمُوا رأيَكم على دِينِكم، لقد رأيْتُني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرُدّ أمْرَ رسولِ الله صلى الله عليه  وسلم لرددْتُه، وما وضعْنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر يفظعنا إلا أسهلْن بنا إلى أمْر نعرفه غير هذا الأمر، قالوا: وقال أبو وائل: شهدتُ صِفِّين، وبئْستْ صفِّين”.

حديث سهل بن حنيف، وإن كان يَدلّ على ذمّ الرأي، لكنه مخصوص بما إذا كان مُعارضًا للنص؛ فكأنه قال: اتّهِموا الرأي إذا خالف السُّنّة.

وقوله: “اتّهِمُوا رأيَكم على دينكم”، أي: لا تعمَلوا في أمْر الدِّين بالرأي المجرّد الذي لا يستند إلى أصل من الدِّين، وهو كنحو قول عليّ، فيما أخرجه أبو داود بسند حسن: “لو كان الدِّين بالرأي، لكان مسْح أسْفل الخُفِّ أوْلى مِن أعلاه”.

قال ابن حجر: والحاصل: أن المصير إلى الرأي إنما يكون عند فقْد النص.

وقال ابن عبد البَر: في “بيان العلْم” -بعد أن ساق آثارًا كثيرةً في ذمّ الرأي- ما ملخّصه: اختلف العلماء في الرأي المقصود بالذّمّ في هذه الآثار، مرفوعها وموقوفها ومقطوعها؛ فقالت طائفة: هو القول في الاعتقاد بمخالفة السُّنَن؛ لأنهم استعملوا آراءهم وأقيسَتهم في ردّ الأحاديث حتى طعنوا في المشهور منها والذي بلغ التواتر، كأحاديث الشفاعة، وأنكروا أن يَخرج أحَدٌ من النار بعد أن يدخلها، وأنكروا الحوض والميزان وعذاب القبر، إلى غير ذلك من كلامهم في الصفات والعلْم والنظر…

وقال أكثر أهل العلْم: الرأي المذموم هو: ما كان في نحو ذلك من ضروب البدَع.

ثم ختَم الباب بما بلَغَه عن سهل بن عبد الله التستري الزاهد المشهور قال: ما أحدث أحد في العلم شيئًا إلاّ سُئل عنه يوم القيامة؛ فإن وافق السُّنّة سَلِم وإلاّ فلا، والله أعلم.

2. “باب: تعليم النّبيّ صلى الله عليه  وسلم أُمّته من الرِّجال والنساء مما علّمه الله”:

حديث أبي سعيد:

قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا مسدد قال: حدثنا أبو عوانة، عن عبد الرحمن بن الأصبهاني، عن أبي صالح ذكوان، عن أبي سعيد: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه  وسلم فقالت: يا رسول الله، ذهب الرجال بحديثك؛ فاجعلْ لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه، تعلِّمنا ممّا علمك الله، فقال: ((اجتمِعْنَ في يوم كذا وكذا، في مكان كذا وكذا))، فاجتمعْن، ((فأتاهنّ رسول الله صلى الله عليه  وسلم فعلّمهنّ ممّا علّمه الله، ثم قال: ما منكنّ امرأة تُقدِّم بين يديها من ولدِها ثلاثة، إلاّ كان لها حجابًا من النار، فقالت امرأة منهن: يا رسول الله، اثنين؟، قال: فأعادها مرّتين، ثم قال: واثنيْن، واثنيْن، واثنيْن)).

قوله: “باب: تعليم النبي صلى الله عليه  وسلم أمّته من الرجال والنساء ممّا علّمه الله، ليس برأي ولا تمثيل”، أخذ البخاري هذه التّرجمة من الحديث في قوله: “ممّا علّمه الله”. وقوله: “ليس برأي ولا تمثيل”، يعني: ما يُفهم من قوله: “ممّا علّمه الله”، فالمفهوم هو: أن يكون هذا التعليم ممّا ليس برأي ولا تمثيل، وإنما هو متقيِّد بما علّمه الله عز وجل.

قوله: ((فأتاهنّ فعلّمهنّ ممّا علّمه الله))، في رواية: ((فوعَدَهنّ يومًا لَقِيَهنّ فيه، فوعظهنّ، فأمرهنّ، فكان فيما قال لهن…)) فذكره وما هنا.

قال ابن حجر: ولم أرَ في شيء من طُرقه بيان ما علّمهنّ.

قال الكرماني: موضع الترجمة من الحديث قوله: ((كنّ لها حجابًا من النار))، فإنه أمْر توقيفي لا يُعلَم إلاّ من قِبَل الله سبحانه وتعالى لا دخْل للقياس والرأي فيه.

وقوله صلى الله عليه  وسلم كما هو معلوم: ((ما منكنّ امرأة تُقدِّم بين يديْها من ولدها ثلاثة))، ثم انتهى الأمر إلى اثنيْن، يعني: يموتوا، فتصبر على فقْدهم، أو فقدهما، والله أعلم.

error: النص محمي !!