Top
Image Alt

رأي الزمخشري، ورد ابن ملك عليه، حكم تقديم المستثنى على المستثنى منه، وشواهد ذلك

  /  رأي الزمخشري، ورد ابن ملك عليه، حكم تقديم المستثنى على المستثنى منه، وشواهد ذلك

رأي الزمخشري، ورد ابن ملك عليه، حكم تقديم المستثنى على المستثنى منه، وشواهد ذلك

1. تفصيل رد ابن مالك على الزمخشري:

رأي ابن مالك في كلام الزمخشري والصفاقسي: الحكم عليه بالضعف، ووجه الضعف فيما ذهب إليه الزمخشري أن فيه حمل قراءة السبعة على لغة مرجوحة، وهي إبدال المستثنى المنقطع، ووجه الضعف فيما ذهب إليه الصفاقسي استلزامه الجمع بين الحقيقة والمجاز، فإن الظرفية المستفادة من “في” حقيقة بالنسبة إلى غير الله سبحانه وتعالى ومجاز بالنسبة إليه تعالى؛ لأنه تعالى مقدس على الكون في مكان بخلاف غيره.

والمخلِّص من هذين المحظورين -كما ذهب إلى ذلك ابن مالك- أن يقدّر: قل لا يعلم من يذكر في السموات والأرض الغيب إلا الله، أي: أن يقدر للظرف متعلق خاص وهو يذكر، ومما لا شك فيه أن هذا التقدير يسمح بإدخال “الله” فيما يذكر في السموات والأرض؛ لأنه يذكر سبحانه وتعالى في السموات والأرض. هذا الرأي رأي ابن مالك.

2. حكم تقدم المستثنى على المستثنى منه، وشواهد ذلك:

ما حكم المستثنى، إذا تقدم على المستثنى منه؟

الجواب: إن البصريين يوجبون النصب مطلقًا، سواء أكان المستثنى متصلًا أم منقطعًا، وسبب ذلك أنه لا يمكن العدول عن النصب؛ لأن العدول على النصب يعني التبعية، والقاعدة الأصولية أن التابع لا يتقدم على المتبوع؛ لذلك وجب النصب إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه.

مثال تقدم المستثنى على المستثنى منه قول الشاعر:

وما لي إلا آلَ أحمد شيعةٌ

*وما لي إلا مشعب الحق معشبُ

أو مذهب الحق مذهب.

والأصل: “وما لي شيعة إلا آل أحمد، وما لي مشعب إلا مشعب الحق”، فلما قُدِّم المستثنى على المستثنى منه وجب نصبه، وقبل أن يتقدم المستثنى على المستثنى منه حكمه أفضلية الإتباع مع جواز النصب، فلك أن تقول: “وما لي شيعة إلا آلُ أحمد، وما لي مشعب إلا مشعب الحق”، ولكن الإتباع في الاستثناء المتصل مع الكلام التام المنفي أفضل من القول بالنصب على الاستثناء، فإذا تقدم المستثنى على المستثنى منه وجب النصب؛ لأن التابع لا يتقدم على المتبوع.

لعلك استحضرت الآن الحكم الذي قيل في الاستثناء في المستثنى من المستثنى منه التام المنفي، وهو ترجيح البدلية مع جواز النصب، فإذا تقدّم وجب وجه واحد، ولا يجوز الوجه الثاني وهو الإتباع، والعلة أن التابع لا يتقدم على المتبوع، لكننا وجدنا مَن يخالف هذا الكلام، فالكوفيون والبغداديون يجيزون في المستثنى إذا تقدم على المستثنى منه الإتباع مثل: “ما قام إلا زيدٌ أحدٌ”، قال سيبويه: سمع يونس بعض العرب الموثوق بهم يقول: “ما لي إلا أبوك ناصر” بالرفع، وقال حسان رضي الله عنه:

لأنهم يرجون منه شفاعةً

*إذا لم يكن إلا النبيون شافعُ

بالرفع، فما الموقف من هذه الشواهد؟

للعلماء توجيه لها؛ وذلك لأنهم أمام رأي واحد وهو وجوب نصب المستثنى إذا تقدم على المستثنى منه مطلقًا، سواء كان متصلًا أو منقطعًا، أما توجيههم للرفع في كلام حسان بن ثابت رضي الله عنه: “إذا لم يكن إلا النبيون شافع”، وما سُمِع من بعض العرب: “ما لي إلا أبوك أحد أو ناصر”، فوجهه أن العامل هو الابتداء في المثال: “ما لي إلا أبوك ناصر”، و”يكن” التام في البيت فرِّغ لما بعد “إلا” وهو “النبيون”، فأراد العلماء أن يقولوا: “أبوك” فيما سُمِع عن العرب، و”ما لي إلا أبوك” هذا استثناء مفرّغ، وليس مستثنى مقدمًا، و”لي” خبر، و”أبوك” مبتدأ، وفي قول حسان: “إذا لم يكن إلا النبيون شافع” “يكن” فعل تام، و”النبيون” فاعل، ونحن بعد ذلك في حاجة إلى إعراب “ناصر” وإعراب “شافع”، يعني: إذا قلنا: إن “أبوك” مبتدأ في المثال: “ما لي إلا أبوك”، و”النبيون” فاعل لـ”كان” التامة، فنحن في حاجة إلى تخريج الرفع في “شافع” و”ناصر”، فـ”شافع” في البيت كلمة عامة؛ لأنها نكرة واقعة في سياق النفي، لكنه هنا أريد به خاص، وليس مطلق عموم، وإنما شفاعة خاصة تؤخذ أو يقوم بها النبيون، وإذا كان الأمر كذلك جاز أن يكون “شافع” بدلًا من “النبيين” وجاز أن يكون “ناصر” بدلًا من كلمة “أبوك”؛ أي: صح إبداله من المستثنى، لكن الإبدال هنا ليس بدل بعض من بعض، ولكن بدل كل من كل.

ونظير هذا التخريج؛ لأن المتبوع أخر من التقديم فصار تابعًا بعدما كان متبوعًا: ما رووه من قوله: “ما مررت بمثلك أحدٍ”، وهذا من شواهد سيبويه: “ما مررت بمثلك أحدٍ” بالجر، والأصل: “ما مررت بأحدٍ مثلك”، فـ”مثلك” تابع لـ”أحد” على أنه نعت له، فلما قدُِّم النعت على المنعوت أعرب النعت بحسب العامل، وأعرب المنعوت بدلًا من النعت كقوله تعالى: {إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد * اللّهِ} [إبراهيم: 1، 2] في قراءة الجر، والأصل “إلى صراط اللهِ العزيز الحميد”، فلما قدم النعت على المنعوت أعرب النعت بحسب العامل وأعرب المنعوت بدلًا من النعت، فلفظ الجلالة في الآية: {إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد * اللّهِ} بدل من “العزيز”، وإنما ألجأهم إلى دعوى أن المؤخر عام أريد به خاص، ولم يبقوه على عمومه؛ لأن الأعم لا يبدل من الأخص، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:

وغير نصب سابق في النفي قد

*يأتي ولكن نصبه اختر إن ورد

يعني أن المستثنى إذا كان مقدمًا على المستثنى منه بعد نفي، قد يأتي غير منصوب، فيكون مفرغًا له العامل الذي قبل “إلا” ويعرب هو بدلًا منه، وفُهم من قوله: “قد يأتي” أن غير النصب قليل، وقد صرح بهذا المفهوم في قوله: “ولكن نصبه اختر إن ورد”.

error: النص محمي !!