Top
Image Alt

رأي النحاة في الشواهد التي جاء فيها المستثنى من الكلام الموجب مرفوعًا، وحكم وقوع “إلا” صفة، وحكم مجيء المستثنى المفرغ بعد الإيجاب

  /  رأي النحاة في الشواهد التي جاء فيها المستثنى من الكلام الموجب مرفوعًا، وحكم وقوع “إلا” صفة، وحكم مجيء المستثنى المفرغ بعد الإيجاب

رأي النحاة في الشواهد التي جاء فيها المستثنى من الكلام الموجب مرفوعًا، وحكم وقوع “إلا” صفة، وحكم مجيء المستثنى المفرغ بعد الإيجاب

1. رأي النحاة في الشواهد التي جاء فيها المستثنى من الكلام الموجب مرفوعًا:

بداية: ما هو حكمُ “إلا” الاستثنائية من خلال الشاهد القرآني؟

ستكون الإجابة عن هذا السؤال من كتاب الشيخ عضيمة (دراسات لأسلوب القرآن الكريم).

ونبدأ أولًا بقراءة اللمحات التي سجلها الشيخ -رحمه الله- على الباب، من خلال استعراضه لشواهد هذا الباب في القرآن الكريم.

اللمحة الأولى: وجوب نصب المستثنى التام الموجب:

رأى الشيخ عضيمة -رحمه الله- أنه يجب نصب المستثنى التام الموجب عند النحويين؛ لأننا سنجد أنفسنا أمام صورة أخرى غير معهودة فيما يتعلق بالمستثنى من الكلام الموجب، من هذا الشيء الجديد: الرفع في بعض الآيات من خلال القراءات والأحاديث، على النحو التالي:

قال تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ} [البقرة:83]، قرئ: “إلا قليلٌ منكم”، وقال تعالى: {فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ}، قُرئ: “فشربوا منه إلا قليلٌ منهم”، وقال تعالى: {فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى} [طه:116]، قرئ: “إلا إبليسُ أبى”.

ومن الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرون)) بالرفع.

وقال عبد الله بن أبي قتادة رضي الله عنهما: “أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم”.

هذه شواهد من القرآن ومن الحديث تخالف القاعدةَ المشهورة أو الحكم المشهور، وهو أن المستثنى من الكلام التام الموجب يجب نصبه، ونحن أمام شواهد كثيرة من القرآن ومن الحديث على أن المستثنى من الكلام التام الموجب يجوز رفعه، فما الذي صنعه النحويون في هذا المسموع؟

أ. رأي الفرّاء:

ذهب الفراء إلى جواز النصب والرفع في المستثنى من الكلام التام الموجب، حيث قال في قوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المائدة:1]: قوله: {إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ} في موضع نصب الاستثناء، ويجوز الرفع، كما يجوز “قام القوم إلا زيدًا وإلا زيدٌ”.

وعلى ذلك فالفراء يسجل قاعدة جديدة، أو حكمًا جديدًا في المستثنى من الكلام التام الموجب، يخالف به ما أقره النحاة من وجوب النصب، وما أقره النحاة من وجوب النصب في المستثنى من الكلام التام الموجب هو ما صرح به سيبويه في كتابه، فسيبويه يصرح في كتابه بأن إبدال المستثنى من المستثنى منه لا يجوز في التام المثبت، وعلل لذلك بتعليل سرى من كتابه إلى كتب النحو الأخرى.

ب. رأي الزمخشري:

أوّل الزمخشري الفعل المثبت “شربوا” في قوله تعالى: “فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ” بفعل منفي؛ لتتحقق القاعدة التي أقرها النحاة، فقال: “فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ” هو في معنى: لم يطيعوه إلا قليل منهم، هذا موقفه من قراءة الرفع في هذه الآية.

ولكننا نفاجأ بأنه يجيز الإبدال في الاستثناء التام المثبت في غير الآية المذكورة، فأجاز في قوله تعالى: {إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُون * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي} [الزُّخرُف:26، 27]، أن يكون: {الَّذِي} بدلًا من المجرور بـ”من”.

وهكذا تجد الزمخشري في مكان يؤول شاهدًا خرَج عما أقره النحاة في القاعدة، ولكنه يستسلم للنتيجة التي سجلها الفرّاء بجواز الوجهين في المستثنى من الكلام التام الموجب؛ فيجيز الإبدال في المستثنى من قوله تعالى: {إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُون * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي}.

جـ. رأي العُكْبَري، وابن مالك:

يمنع أبو البقاء العكبري البدليةَ هنا، ويقول بها في آية أخرى، أما ابن مالك فقد عقد في كتابه (شواهد التوضيح والتصحيح لمشكلات الجامع الصحيح) بابًا لرفع المستثنى التام الموجب، ذكر فيه بعض الأحاديث، وخرج المرفوع على أنه مبتدأ، ثم قال: “ولا يعرف أكثر المتأخرين من البصريين في هذا النوع إلا النصب، وقد أغفلوا وروده مرفوعًا بالابتداء، ثابتَ الخبر ومحذوفه”.

هذا موقف ابن مالك: أنه يقر أن المستثنى من الكلام التام الموجب وَرَدَ مرفوعًا، وأن الشواهد التي أثبتت ذلك أغفلها البصريون المتأخرون.

د. رأي أبي حيان:

أما أبو حيان، فيخرّج الرفع على أن “إلا” صفة في حديث: ((مَن كان يؤمن بالله، واليوم الآخر فعليه الجمعةُ إلا امرأةٌ…))، أي: غير امرأةٍ، ورد على من أول الفعل المثبت بفعل منفي، كما رد إعراب ابن مالك مبتدأ بقوله: “وهذه أعاريب من لم يمعن في النحو”، وكلام أبي حيان اعتراض من غير أن يقدم بدائل أو رأيًا.

والذي نخرج به من هذه اللمحة هو الأخذ برأي ابن مالك؛ لأن رأي الفراء فيه تعميم المساواة بين النصب والرفع في المستثنى من الكلام التام الموجب، ونعتقد أن مثل هذا فيه تجاوز؛ لأن النحاة تقريبًا شبه مُجمعين على وجوب النصب في المستثنى من الكلام التام الموجب، فلا يُعقل أن يتساوَى مع الرفع، والزمخشري مضطرب، فهو يؤول في آية واحدة ويجيز الإبدال في نظائرها، وكذلك العكبري يمنع البدلية هنا ويقول بها في آيات أخرى، وأبو حيان يرد كثيرًا من التخريجات ولا يقدم لنا بديلًا.

ثم نعود إلى رأي ابن مالك في بابه الذي عقده لرفع المستثنى من التام الموجب، وخرج المرفوع على أنه مبتدأ، وخبره إما أن يكون مذكورا كما في قول عبد الله بن أبي قتادة: “أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يُحْرِمْ”، وإما أن يكون محذوفًا ويقدر، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرون))، أي: المجاهرون مؤاخذون.

2. حكم وقوع “إلا” صفة:

اللمحة الثانية وهي في وقوع “إلا” صفة والضابط في ذلك؛ وقد جاء سيبويه بأمثلة وشواهد يصح في بعضها الاستثناء، ولا يصح الاستثناء في البعض آخر، وفيها التام المثبت والتام المنفي، غاية الأمر أن الموصوف في كل هذه الأمثلة والشواهد نكرة.

أما المبرد في (المقتضب) فصَرَّحَ بأنه ينعت بـ”إلا” ما ينعت بـ”غير”، وذلك كالنكرة والمعرف بالألف واللام الجنسية، ولكنه لم يبين لنا هل يشترط في “إلا” التي يوصف بها أن يصح الاستثناء بها أم لا؟

ونجد ابن الحاجب يشترط للوصف بـ”إلا” تعذر الاستثناء، وابن يعيش يشترط للوصف بـ”إلا” صلاحيةَ الاستثناء، وأن يكون الموصوف نكرة أو معرفًا بـ”أل” الجنسية.

وعلى كل حال، فالنحاةُ غير مجمعين على شيء واحد، وكل عالم له اتجاه في الوصف بـ”إلا”، ولنا ما ذكره ابن مالك من أن للوصف بـ”إلا” شرطين:

الشرط الأول: أن ينعت بها جمعٌ أو شبه منكّر أو معرّف بـ”أل” الجنسية.

الشرط الثاني: أن يصح الاستثناء بها.

3. حكم مجيء المستثنى المفرّغ بعد الإيجاب:

اللمحة الثالثة معلومة ثابتة، وهي ترجح إتباع المستثنى للمستثنى منه في كلمة التوحيد “لا إله إلا الله”، حيث يرى الرضيُّ أن النصب على الاستثناء فيها، أضعف منه في نحو “لا أحد فيها إلا زيد”؛ لأن العامل وهو خبر “لا” محذوف، وكذلك يرى أبو حيان.

وانفرد ابن الحاجب بالقول بجواز مجيء الاستثناء المفرغ بعد الإيجاب، وذلك في الفضلات بشرط الإفادة، ومثّل بقوله: “قرأت إلا يومَ كذا”، وبين وجه الإفادة بقوله في شرح كافيته بأنه يجوز أن يقرأ الأيام كلها إلا يومًا، بخلاف “ضربني إلا زيد”، فإنه لا يستقيم أن يضربه كل أحد ويستثنى زيد.

حكم الشاهد القرآني من خلال إحصاء الشيخ عضيمة:

يقول الشيخ -رحمه الله: “أحصيت آيات الاستثناء في القرآن الكريم وكان من ثمرة هذا الاستقراء، أن وجدت ثلاث عشرة آية جاء فيها الاستثناء المفرغ بعد الإيجاب، وبعض هذه الآيات جاء مؤكدًا بما يبعد تأويل هذا الإثبات بنفي، كقوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِين} [البقرة:45]، {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ} [البقرة:143]، {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} [يوسف:66]، فهذا الإثبات المؤكد بـ”إن” واللام، أو بالقسم ونون التوكيد، مما لا يسوغ حمله على النفي، فإننا لو سلكنا هذا الطريق وسوّغنا هذا التأويل، ما وجدنا في لغة العرب إثباتًا يستعصي على تأويله بالنفي”.

يقول الشيخ -رحمه الله: “لذلك لا أستسيغ تأويل ابن هشام في (المغني)، والزركشي في (البرهان) قوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِين} وإنها لا تسهل إلا على الخاشعين، وتأويل الزمخشري قوله تعالى: {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ} بقوله: لا تمتنعون من الإتيان به”.

وخير ما يرد به مثل هذا التأويل، ما ذكره أبو حيان في الرد على من أوّل “توليتم” بـ”لم يفوا”، قال في (البحر): فليس بشيء؛ لأن كل موجب إذا أخذت في نفي نقيضه أو ضده كان كذلك، فليجز “قام القوم إلا زيد”؛ لأنه يؤول بقولك: “لم يجلسوا”، ومع ذلك لم تعتبر العرب هذا التأويل فتبني عليه كلامها.

error: النص محمي !!