Top
Image Alt

رعاية السنة النبوية للفروق بين المتعلمين

  /  رعاية السنة النبوية للفروق بين المتعلمين

رعاية السنة النبوية للفروق بين المتعلمين

ننتقل بعد ذلك إلى رعاية السنة النبوية للفروق الفردية بين المتعلمين:

حيث كان صلى الله عليه وسلم شديدَ المراعاةِ للفروقِ الفرديةِ بين المتعلمين من المخاطبين والسائلين، فكان يخاطب كل واحد بقدر فهمه وبما يلائم منزلته، وكان يحافظ على قلوب المبتدئين؛ فكان لا يعلمهم ما يعلم المنتهين، وكان يجيب كلُّ سائلٍ عن سؤالِهِ بما يهمه ويناسب حاله.

فقد روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل قال: «يا معاذ. قال: لبيك رسولَ الله وسعديك. قال: يا معاذ. قال: لبيك رسولَ الله وسعديك. قال: يا معاذ. قال: لبيك رسولَ الله وسعديك. قال: ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله صدقًا من قلبه إلا حرمه الله على النار قال: يا رسول الله؛ أفلا أخبر به الناس فيستبشرون؟! قال: لا؛ إذًا يتكلوا».

وفي الحديث السابق بيان وجوب أن يخص بالعلم الدقيق قوم فيهم الضبط وصحة الفهم، وأن لا يُبذل لمن يخاف عليه الترخص والاتكال؛ لتقصير فهمه.

وعلى هذا المنوال من ترك التحديث لكل واحد بكلِّ شيءٍ جرى عمل الصحابة فمن بعدهم من أهل العلم؛ فقد روى الإمام البخاري عن علي رضي الله عنه قال: “حدثوا الناس بما يعرفون؛ أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟!”

وفيما يلي جملة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم والتي كانت تراعي الفروق الفردية بين المسلمين حينما يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم سائلين له سؤالًا أو موعظةً أو أمرًا ما:

– فقد روى الإمام أحمد في مسنده: عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَجَاءَ شَابٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَ: لَا، فَجَاءَ شَيْخٌ فَقَالَ: أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَنَظَرَ بَعْضُنَا إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: قَدْ عَلِمْتُ لِمَ نَظَرَ بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ؛ إِنَّ الشَّيْخَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ» أي: فلا يخشى عليه إفساد الصوم بالوقوع في الجماع؛ بخلاف الشاب فقد يجره التقبيل إلى الجماع أو الإنزال؛ فيفسد عليه صومه، فاختلف الجواب باختلاف حال السائلين، وهذا من هديه صلى الله عليه وسلم.

– كما روى البخاري ومسلم: عن عبد الله بن عمرو قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ أَحَيٌّ وَالِدَاكَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ».

هذا مع ما عرف عن النبي صلى الله عليه وسلم من الحض على الجهاد والهجرة والترغيب فيهما؛ ولكنه صلى الله عليه وسلم لاحظ حال هذا السائل بخصوصه؛ فرأى بر الوالدين أهم وأفضل في حقه من الجهاد.

فاختلاف أجوبة النبي صلى الله عليه وسلم باختلافِ أحوالِ السائلينَ وظروفهم وقدراتهم ومن ذلك وصايا النبي صلى الله عليه وسلم المختلفة لأناس طلبوا منه الوصية؛ فأوصى كل واحد بغير ما أوصى به الآخر؛ ووجه ذلك يرجع إلى اختلاف أحوال الذين سألوه الوصية.

– فقد روى الإمام أحمد -واللفظ له- والترمذي عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أوصني. قال: «اتقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن».

– كما روى البخاري والترمذي واللفظ منهما، عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني بشيء ولا تكثر عَلَيَّ لَعَلِّي أَعيه؛ قال: لا تغضب، فردد ذلك مرارًا كل ذلك يقول: لا تغضبۛ».

– وروى الترمذي: عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ما النجاة؟ قال: ((املك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك))، وأحاديث أخر من هذا الباب جاءت فيها وصايا النبي صلى الله عليه وسلم الجامعة المختلفة مراعاة باختلاف أحوال السائلين وحاجتهم.

وهذه الأحاديث -وغيرها كثير- تبين رعاية السنة النبوية للفروق الفردية بين أفراد السائلين وجماعاتهم، أو أوقات سؤالهم؛ فأعلم النبي صلى الله عليه وسلم كلًّا بما يحتاج إليه، فهو المعلم المُرْشِد، والهادي البصير، يبصر كلًّا بما يحتاج إليه وبما يليق بهصلى الله عليه وسلم.

error: النص محمي !!