Top
Image Alt

رفع الفعل المضارع

  /  رفع الفعل المضارع

رفع الفعل المضارع

للفعل المضارع المعرب ثلاث حالات، فقد يكون مرفوعًا، وقد يكون منصوبًا، وقد يكون مجزومًا، وسنذكر تلك الحالات بالتفصيل.

الحالة الأولى: رفع الفعل المضارع:

بالتأمل في لغة العرب وأساليبهم الفصيحة، لاحظ النحويون أن الفعل المضارع يرفع إذا لم يتقدم عليه ناصب أو جازم، فإذا قلت: ينجح المُجد أو يسافر علي، كان كل من ينجح ويسافر مرفوعًا لأنه لم يتقدم عليه ناصب ينصبه، أو جازم يجزمه، ولو تقدم عليه ناصب مثل: لن، لفتح آخره، كما تقول: لن ينجح المهمل، ولن يسافر علي، ولو تقدم عليه جازم لسكن آخره، كما تقول: لم ينجح ولم يسافر، وقد عبر عن هذا المعنى صاحب الألفية فقال:

ارفع مضارعًا إذا يُجَرَّدُ

*من ناصب وجازم كتسعد

فالفعل تسعد مرفوع لأنه لم يتقدم عليه ناصب ولا جازم، وبتعبير آخر لأنه تجرد من الناصب والجازم.

وقد تساءل النحويون عن علة رفع المضارع في تلك الحالة، ونشأ عن ذلك التساؤل أربعة أقوال في تعليل رفعه، وفيما يلي بيانها:

القول الأول: أن علة رفعه هي تجرده من الناصب والجازم، وهذا القول قال به حٌذَّاق الكوفيين، ومنهم الفراء، وإليه ذهب الأخفش من البصريين، واختاره جماعة من المحققين كابن الحاجب, وابن مالك, وابن هشام.

وقد اعترض هذا القول بأن التجرد أمر عدمي، والأمر العدمي لا يكون سببًا لوجود غيره، وأجيب عن هذا الاعتراض بأن المراد بالتجرد كون الفعل خاليًا من ناصب ينصبه، أو جازم يجزمه، وهذا أمر وجودي لا عدمي، وهذا القول هو الراجح لسلامته من النقد الموجه لغيره من الأقوال.

القول الثاني: أن علة رفعه هي حلوله محل الاسم؛ لأنه يقع خبرًا وصفة وحالًا، كما يقع الاسم كذلك، فتقول: محمد يجتهد، ورأيت رجلًا يصلي في المسجد، وجاءنا محمد يضحك، كما تقول: محمد مجتهد، ورأيت رجلًا مصليًا، وجاءنا محمد ضاحكًا.

فلما حل محل الاسم في ذلك ونحوه استحق الرفع، الذي هو أول أحوال الاسم الإعرابية وأشرفها، ومما يقوي ذلك أنه إذا دخل عليه لن ولم يمتنع رفعه؛ لأن الاسم لا يقع بعدهما، فلا يكون حينئذ حال محل الاسم.

وهذا القول قال به سيبويه وجمهور البصريين، وكثير من المتأخرين كالزمخشري وابن عصفور، وقد اعترض بأنه غير مطرد؛ لأن الفعل المضارع يرفع في نحو: هلا تفعل، وسوف تفعل، وجعلت أفعل، وما لك لا تفعل، ورأيت الذي تفعل، مع أن الاسم لا يقع في هذه المواقع، فالاسم لا يقع بعد حرف التحضيض، ولا بعد حرف التنفيس، ولا يقع خبرًا لأفعال الشروع، ولا يقع حالًا بعد لا إلا مع تكرارها، ولا يقع وحده صلة للموصول.

القول الثالث: أن علة رفعه هي مضارعته للاسم، وهو قول ثعلب، وقد رده النحويون بأن مضارعة الفعل المضارع للاسم -أي مشابهته له- إنما تقتضي إعرابه من حيث الجملة، ولا تقتضي الرفع بخصوصه، وبأنه يلزم عليه كون المضارع مرفوعًا دائمًا ولا قائل بذلك.

القول الرابع: أن علة رفعه تصدره بحروف المضارعة، فهذه الحروف هي التي اقتضت رفعه، وهذا قول الكسائي، وقد رده النحويون بأن جزء الشيء لا يعمل فيه.

أنواع الإعراب ثلاثة:

أولها: الإعراب اللفظي، وهو ذلك الأثر الظاهر الذي يكون في آخر الكلمة المعربة، كالضمة في نحو: يذهب، والفتحة في نحو: لن يذهب، والسكون في نحو: لم يذهب.

والثاني: الإعراب التقديري، وهو أثر يكون مقدرًا على آخر الكلمة المعربة؛ بسبب تعذر اللفظ بالأثر الظاهر، أو ثقل التلفظ به، ويكون هذا الإعراب في الفعل المضارع المعتل الآخر بالألف أو الواو أو الياء، فالمعتل الآخر بالألف مثل: يسعى، يكون إعرابه تقديريًا في الرفع والنصب، فإذا كان مرفوعًا لم تظهر عليه الضمة، بل تكون مقدرة على الألف، نحو: يسعى محمد في الخير.

وإذا كان منصوبًا لم تظهر عليه الفتحة، بل تكون مقدرة على الألف، نحو: لن يسعى محمد في الشر، وإذا كان مجزومًا لم يكن إعرابه تقديريًا؛ لأنه تحذف ألفه للجزم، وإنما تقدر الضمة والفتحة على الألف لتعذر النطق بألف مضمومة أو مفتوحة، والفعل المضارع المعتل الآخر بواو، أو ياء تقدر الضمة على آخره في حالة الرفع لثقل النطق بالواو أو الياء مضمومة في آخره، فتقول: يدعو محمد إلى الخير، ويجري في طلب الرزق، ويكون إعرابه تقديريًا في تلك الحالة وحدها.

أما في حالتي النصب أو الجزم فلا يكون الإعراب تقديريًا؛ لأن الفتحة تظهر على الواو أو الياء، نحو: لن يدعو ولن يجري، كما أن الجزم تحذف له الواو أو الياء، فيكون إعرابه ظاهرًا، نحو: لم يدع ولم يجر.

هذا، ويدخل في الإعراب التقديري إعراب الفعل المضارع، الذي اتصلت به نون التوكيد اتصالًا غير مباشر، نحو: والله لتحكمانِّ بالعدل، والله لتنصرنَّ المظلوم، والله لتصالِحِنَّ زوجك، فالفعل المضارع في ذلك ونحوه معرب؛ لأن نون التوكيد منفصلة عنه بألف الاثنين، أو واو الجماعة، أو ياء المخاطبة، فيكون مرفوعًا بنون مقدرة فيه؛ لأنه في هذه الأمثلة من الأفعال الخمسة، وهي ترفع بثبوت النون، وتنصب وتجزم بحذف النون، وهو مرفوع في جميع هذه الأمثلة، إلا أن نون الرفع حذفت لتوالي النونات، أو لالتقاء الساكنين، فتكون منوية ومقدرة، والأصل: لتحكمانِن ولتنصرونن ولتصالحينن.

والإعراب الثالث: هو الإعراب المحلي، وهو إعراب لا ظاهر ولا مقدر، ويكون في المبني، وفي الجملة، إذا وقع أحدهما في موقع رفع أو نصب أو جر أو جزم، فإنه لا يكون فيه إعراب ظاهر ولا مقدر، وإنما يعبر عن إعرابه بأن يقال: هو في محل رفع أو نصب أو جر أو جزم، أو الجملة في محل رفع أو نصب أو جر، فمن أمثلة المبني أن الفعل جد، في قولنا: من جد وجد، مبني على الفتح في محل جزم؛ لأنه وقع فعلًا للشرط، وكذلك الفعل وجد، مبني على الفتح في محل جزم؛ لأنه وقع جوابًا للشرط.

ومن أمثلة الجملة أنك إذا قلت: هذا رجل يحب الله ورسوله، كانت جملة: يحب الله ورسوله، في محل رفع؛ لأنها وقعت نعتًا لمرفوع، أما الفعل يحب، فإعرابه لفظي وهو مرفوع لتجرده من الناصب والجازم، وإذا قلت: هذا رجل يسعى في الخير، كانت جملة يسعى في الخير، في محل رفع لكونها وقعت نعتًا لمرفوع وهو رجل، أما الفعل يسعى، فإعرابه تقديري وهو مرفوع بضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر. فإن قلت: هذا رجل يدعو إلى الخير أو يجري على رزقه، كانت الجملة في محل رفع كذلك، وكان الفعل وحده مرفوعًا بضمة مقدرة على الواو أو الياء، منع من ظهورها الثقل.

error: النص محمي !!