Top
Image Alt

رواية الصحابة للحديث باللفظ أو بالمعنى

  /  رواية الصحابة للحديث باللفظ أو بالمعنى

رواية الصحابة للحديث باللفظ أو بالمعنى

ومن جهود الصحابة في مجال مناهج المحدّثين روايتُهم للحديث؛ سواء رووه باللفظ أو رووه بالمعنى:

فعن وائلة بن الأسقع أنه قال: “إذا حدثناكم عن المعنى فحسبكم”، وقال ابن سيرين: كنت أسمع الحديث من عشرة؛ اللفظ مختلف والمعنى واحد. ولم يشدد الصحابة في رواية الحديث تشديدهم في تلاوة القرآن الكريم، فاستعملوا وسائل الرواية المعتادة وطرقها في حال أدائهم للحديث بحسب حالة تحملهم لما يروونه منه، وقد روى الصحابة أحاديث متعددة بعضها إثر بعض، وجمعوا الروايات المختلفة للحديث في مجال واحد، وجمعوا الأحاديث الواردة في موضوع واحد، واختبر بعضهم بعضًا في الحديث وفي روايته، وكل ذلك تأسيسٌ لمناهج المحدثين في التحمل وفي الأداء؛ فعن عروة بن الزبير أنه قال: “قالت لي عائشة <: يا بني، إنه يبلغني أنك تكتب عني الحديث ثم تعود فتكتبه؟ فقلت لها: أسمعه منك على شيء، ثم أعود فأسمعه على غيره، فقالت: هل تسمع في المعنى خلافًا؟ قلت: لا، قالت: لا بأس بذلك”.

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنه قال: “كنا نجلس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- عسى أن نكون عشرة نفر نسمع الحديث، فما منا اثنان يؤديانه -أي: على اللفظ الصادر منه -صلى الله عليه وسلم– غير أن المعنى واحد”، وعن زرارة بن أبي أوفى قال: “لقيت عدة من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-, فاختلفوا في اللفظ واجتمعوا في المعنى”.

وفي حديث النوم عن صلاة الفجر حتى سطعت الشمس بالنسبة للرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن معه رواه أبو هريرة فحدد زمن الحديث، وهو حين قفل -أي: رجوع- الرسول -صلى الله عليه وسلم- من غزوة خيبر, وذكر قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- لبلال: ((اكلأ لنا الليل)) أي: ارعه واحفظه، وقول بلال للرسول -صلى الله عليه وسلم-: “أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك, بأبي أنت وأمي يا رسول الله “، وذكر قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن المنزل الذي ناموا فيه: ((هذا منزل حضرنا فيه الشيطان))، ورواه أبو قتادة فذكر ميل الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن راحلته أثناء السير حين نعس، وأنه كان يدعمه خشية السقوط ثلاث مرات؛ أي: يوقظه، وذكر قوله -صلى الله عليه وسلم- له: ((حفظك الله بما حفظت به نبيه)) واتفق مع أبي هريرة في أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان أول من استيقظ، وذكر معجزة شربهم جميعًا من ميضأة -أي: وعاء فيه ماء وضوئه- كانت معه، ورواه عمران بن حصين وقال: “كنا لا نُوقظ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن منامه, حتى يستيقظ” قال: “وكان أول من استيقظ أبو بكر ثم عمر، فقام عمر عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجعل يكبّر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-“، وذكر أمره -صلى الله عليه وسلم- رجلًا أصابته جنابة أن يتيمّم بالصَّعِيد، وذكر المرأة ومَزَادتيها -أي: ما فيه الماء لها ولأهلها- وذكر شربهم وملأهم كل قربة وإداوة -أي: إناء- من مزادتيها، ولم ينقص منهما ماء، وجمع الرسول -صلى الله عليه وسلم- لها صُرّة من الكِسر والتمر لإطعام عيالها، وذكر قصة إسلامها، وأجمعت الروايات على أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه تركوا المكان الذي ناموا فيه، وأقاموا الصلاة في غيره.

وعند أبي هريرة: فلما قضى الصلاة قال: ((من نسي الصلاة، فليصلها إذا ذكرها)) وفي رواية أبي قتادة: فجعل بعضنا يهمس إلى بعض: ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((أما لكم فيّ أسوة؟)) ثم قال: ((إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها…)) وأقر ذلك عمران بن حصين من رواية عبد الله بن رباح، لكن البخاري -رحمه الله- قال: لا يتابع عبد الله بن رباح في قوله: “من نسي صلاة, فليصل إذا ذكرها ولوقتها من الغد” وابن رباح روى فقال: “فليصلها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها”، ولم يروِ البخاري لعبد الله بن رباح في صحيحه أي حديث لهذه الزيادة في روايته؛ لهذا الحديث، وذلك من تشديد البخاري فيمن يروي له من الرواة في صحيحه.

فتبين من استعراض الروايات أن من الصحابة من كان إلى جانب الرسول -صلى الله عليه وسلم- في سيره، وكان معه في مكان نومه فأخبر أنه -صلى الله عليه وسلم- أول من استيقظ، وأن منهم من كان إلى جوار أبي بكر فرأى أنه أول من استيقظ، ومنهم من سمعه بعد الصلاة يقول ما ذكره أبو هريرة، ومنهم من ركب مع من حوله فنقل ما قالوه وما قيل لهم، ومنهم من ذكر الميضأة والوضوء منها، ومنهم من ذكر أمر المرأة بعد ذلك وماءها وما حلّ فيه من البركة؛ فالروايات مختلفة بحسب موضوع كلٍّ وما وعاه واهتم بذكره، واتفقت الروايات كلها على مضمون واحد، وانفردت كل رواية ببيان بعض التفاصيل، وهذا من أسباب تعدد روايات الحديث الواحد من الصحابة مع اشتراكهم في المجلس, أو في الجو الذي ورد فيه الحديث. ومن أمانة المحدثين أنهم ذكروا رواية كل راوٍ، وتركوا لمن أراد أن يجمع الموضوع من جميع جوانبه أن يفعل ذلك؛ بشرط أن يُبين هذا الجمع أو لا ينسب لصحابي ما رواه صحابي آخر، وهذا من مناهج المحدثين التي تختلف عن مناهج السيرة في مثل هذا الوضع، فالسيرة تعتمد على الحكاية عن الجميع بغير تمييز، والحديث ينسب كل جزءٍ وكل كلام إلى قائله.

error: النص محمي !!