Top
Image Alt

زواجه عليه السلام من أم سلمة وجُوَيرية بنت الحارث، والحكمة من زواجه منهما

  /  زواجه عليه السلام من أم سلمة وجُوَيرية بنت الحارث، والحكمة من زواجه منهما

زواجه عليه السلام من أم سلمة وجُوَيرية بنت الحارث، والحكمة من زواجه منهما

أ. زواجه صلى الله عليه  وسلم من أم سلمة، والحكمة من ذلك الزواج:

كذلك فإنه صلى الله عليه  وسلم تزوج بأم سلمة  رضي الله  عنها وهي هند بنت أبي أمية التي كان لها هي الأخرى دورها وجهادها وبلاؤها في الإسلام هي وزوجها أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد الذي كان من المسلمين الأولين، وهاجر بزوجته إلى الحبشة مرتين، وبادر لما جاء الأنصار يبايعون النبي صلى الله عليه  وسلم فهاجر من قبل هجرة النبي صلى الله عليه  وسلم لما علم أن المدينة أصبحت مسلمة وآزرت الإسلام والمسلمين، وهنا وقف أهلها من بني مخزوم يمنعون أبا سلمة من أن يأخذها معه، وقالوا له: هذه نفسك قد غلبتنا عليها، فما بال هذه نتركها معك تذهب بها في بلاد الناس، فنزعوا خِطام البعير من يده؛ فأخذوها ومنعوها وابنها من أن تلحق به، فتركهم ومضى  رضي الله  عنه وعاشت أم سلمة بعد ذلك سنة كاملة قد فرق قومها بينها وبين زوجة الذي تركها وهاجر إلى المدينة؛ كذلك فإن رهط زوجها لما رأوا أهلها منعوها من أن تهاجر مع زوجها أخذوا ابنها سلمة، وتنازع رهطها ورهط زوجها ابنها بينهم؛ حتى انخلع ذراع الولد، وبقية سنة كاملة تعاني من فراق زوجها وابنها، وحرمانها منهما.

وكانت تخرج إلى “الأبْطَح” كل يوم تبكي حتى يدركها المساء؛ حتى رقّ لها رجل من بني قومها، فقال لقومها: ألا ترحمون هذه المسكينة! فرقتم بينها وبين زوجها وولدها؛ فرضي أهلها بأن تلحق بزوجها، وهنا ردَّ أهل زوجها ابنها سلمة إليها، وخرجت مهاجرة في سبيل الله وحيدة مع ابنها؛ اللهم إلا ما يرعاها ربها عز وجل به، وهنا لقيها عثمان بن طلحة، فصحبها حتى أوصلها إلى المدينة.

تقول أم سلمة -تشكر صحبة هذا الرجل لها وأماناته وعفته وصيانته لحرمتها فكانت تقول-: فما أعلم رجلًا من العرب في مثل خلقه، حتى وصلت إلى قُباء لتبدأ حياة الهجرة في المدينة مع النبي صلى الله عليه  وسلم ولتبدأ مرحلة جهاد مع المجاهدين في المدينة.

وكان زوجها أبو سلمة من ذوي البلاء الحسن في الإسلام؛ جاهد مع النبي صلى الله عليه  وسلم، وشارك في “أُحُد” حتى جرح جرحًا كبيرًا اندمل بعد فترة، لكنه عاوده الألم واشتد عليه الجرح، مما كان سببًا في وفاته بعد أن خرج في سرية بأمر النبي صلى الله عليه  وسلم إلى بني أسد بعد “أُحُد”، ولما عاد انطلق جرحه مرة ثانية فمات منه.

ولذلك كان النبي صلى الله عليه  وسلم حريصًا كل الحرص على أن يكافئ أمثال هؤلاء النسوة اللائي لقين ما لقين في سبيل الإسلام وفي ذات الله من أمثال: أم سلمة  رضي الله  عنها وزينب بنت خزيمة – رضي الله  عنهن أجمعين- وقد ردت أم سلمة على النبي صلى الله عليه  وسلم بأنها امرأة غيرى، وأنها مصبية، وأنه ليس أحد من أوليائها حاضرًا، وأنها قد طعنت في السن، فقال لها النبي صلى الله عليه  وسلم: بأن أولادها إنما هم في كفالة الله وكفالة رسوله صلى الله عليه  وسلم أما ما بها من السن فقد أصابه ما أصابها منه، وأما الأولياء فإنه ليس أحد بشاهد ولا غائب إلا سيرضى برسول الله صلى الله عليه  وسلم ومن ثم فإنها قالت: يا عمر -لابنها. قم فزوج رسول الله صلى الله عليه  وسلم وكان زواجه صلى الله عليه  وسلم بها في شوال من سنة أربع.

على أن أم سلمة إذا كان من الحكمة التي هدف إليها النبي صلى الله عليه  وسلم أن يعوضها عما وجدت من فقد زوجها ومما لقته من قبل في هجرتها إلى الحبشة وإلى المدينة.

وقد كان لأم سلمة عقل راجح فصلت في أمر وجد النبي صلى الله عليه  وسلم في نفسه شيئًا فيه من أصحابه، لما أمرهم بالحلق والنحر يوم الحديبية، فلما تباطؤوا -ليس عن عصيان ولكن- رجاء أن يراجع النبي صلى الله عليه  وسلم قريش حتى يعتمروا، فلما دخل على أم سلمة  رضي الله  عنها وكانت هي التي خرجت معه في هذه الغزوة -“غزوة الحديبية”- قالت له: يا رسول الله -مشيرة بأمر كله حكمة- اخرج وانحر هديك واحلق ولا تكلم أحدًًا بعد أن هدأت من نفسه صلى الله عليه  وسلم وقالت: بأنهم قد وجدوا في أنفسهم لما منعوا من البيت وقد كانوا يأملون أن يعتمروا ويدخلوا مكة، فلطّف ذلك عن النبي صلى الله عليه  وسلم وكان رأيها رأيًا صائباً؛ إذا حُلت هذه المشكلة، فلما خرج النبي صلى الله عليه  وسلم يعمل بمشورتها ورأيها تدافع الناس ينحرون هديهم ويحلقون رؤوسهم.

ب. جُوَيرية بنت الحارث، وحكمة زواجه صلى الله عليه  وسلم منها، وبركة هذا الزواج على قومها:

كذلك فإنه كان من أزواجه صلى الله عليه  وسلم جُوَيرية بنت الحارث  رضي الله  عنها وهي التي كانت سُبيت من “بني المصطلق”، وأبوها كان شيخ بني المصطلق، وهو الذي جمعهم لحرب النبي صلى الله عليه  وسلم ولكن آل أمرهم إلى أن هزم وسبي من نساء قومه وأسر من أسر؛ ولذلك فإن النبي صلى الله عليه  وسلم لما جاءته جويرية تسأله أن يعينها على أن تؤدي ما عليها من كتابة لمن وقعت في سهمه؛ فإنه صلى الله عليه  وسلم قال لها: ((أو خير من ذلك؟!)) ثم عرض عليها أن يعتقها ويتزوجها، فكان زواجه صلى الله عليه  وسلم منها بمثابة تكريم لها؛ فهي ابنة سيد وشيخ له مكانته في بني المصطلق وفي خُزََاعة، ومن هنا فإنه صلى الله عليه  وسلمكرمها وأعتقها وتزوجها، بل جعل ذلك زلفًا للتودد إلى بني المصطلق وإلى خزاعة بوجه عام، فإذا كان بنو المصطلق قد سلكوا طريق العداء للنبي صلى الله عليه  وسلم من بين خزاعة فإن زواج النبي صلى الله عليه  وسلم منهم إنما يُعدُّ توددًًا إليهم، كذلك فإنه تودد إلى خزاعة على وجه العموم التي كانت ودّ النبي صلى الله عليه  وسلم ومن ثم لم يكن في الزواج إلا هذا الأمر الذي كان خيرًا على بني المصطلق؛ فإن كل من أخذ سبيًا أو وقع في ملك يمينه رجل من بني المصطلق فإنه رده معتقًا؛ لأنهم أرادوا أن يقيموا أصهار رسول الله صلى الله عليه  وسلم، فكان من زواجه صلى الله عليه  وسلم من جويرية زيادة في حب بني المصطلق للإسلام، وللنبي صلى الله عليه  وسلم فأقبلوا مسلمين.

error: النص محمي !!