Top
Image Alt

ساقي القوم آخرهم، وما يحبه النبي صلى الله عليه وسلم من الشراب

  /  ساقي القوم آخرهم، وما يحبه النبي صلى الله عليه وسلم من الشراب

ساقي القوم آخرهم، وما يحبه النبي صلى الله عليه وسلم من الشراب

أدب آخر من آداب النبوة الغالية العالية؛ إذ علَّم صلى الله عليه وسلم أمته كل خير ونهاها عن كل شر، وما من أدب يليق بالإنسان كإنسان إلا وتراه في الإسلام؛ فعندما يقوم الإنسان ليسقي الناس لا يشرب قبلهم؛ لأنه لو شرب قبلهم فهذا فيه دليل واضح على أنه إنسان شَرِهٌ، وأنه يفضل نفسه على غيره، فعلَّمنا صلى الله عليه وسلم أن ساقي القوم آخرهم شرابًا، أو آخرهم شربًا.

باب ما جاء أن ساقي القوم آخرهم شربًا:

قال الترمذي: “حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حماد بن زيد عن ثابت البناني عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ساقي القوم آخرهم شربًا)) قال الترمذي: “وفي الباب عن ابن أبي أوفى، ثم قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح”.

وفي الرواية عن أبي قتادة الذي رواه عنه عبد الله بن رباح، هو عبد الله بن رباح الأنصاري كنيته أبو خالد المدني.

أما قوله صلى الله عليه وسلم: ((ساقي القوم آخرهم شربًا))، قال شارح الترمذي: “فيه دليل على أنه يُشرع لمن تولى سقاية قوم أن يتأخر في الشرب حتى يفرغوا عن آخرهم، وفيه إشارة إلى أن كل من وليَ من أمور المسلمين شيئًا يجب عليه تقديم إصلاحهم على ما يخص نفسه؛ لأن الشراب هنا إشارة إلى كل مصالح المسلمين، فمن يتولى من أمرهم شيئًا لا يبدأ بالخير لنفسه، وإنما يُعمم الخير أولًا، ثم بعد ذلك يبحث عن نفسه، وأن يكون غرضه إصلاح حالهم وجر المنفعة إليهم، ودفع المضار عنهم، وعليه أن ينظر لهم في دقيق أمورهم وفي عظيمها، وأن يقدم مصلحتهم على مصلحته، وكذا من يفرق على القوم فاكهة.

فعلى الساقي أن يبدأ بسقي كبير القوم أو بمن عن يمينه إلى آخرهم، وما بقي يشربه هو، ولا معارضة بين هذا الحديث وحديث: ((ابدأ بنفسك))؛ لأن ذاك عام وهذا خاص فيُبنى العام على الخاص”.

قوله: وفي الباب عن ابن أبي أوفى أخرجه أبو داود بمثل حديث أبي قتادة. قال المنذري: رجال إسناده ثقات، ثم قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه ابن ماجه هكذا مختصرًا، وأخرجه مسلم مطولًا وفيه فقلت: لا أشرب حتى يشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((إن ساقي القوم آخرهم شربًا))، يعني بيَّن سبب ذلك الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يناول ويعطي القوم ليشربوا، وقال أبو قتادة: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم: ((ساقي القوم آخرهم شربًا)).

انظر إلى العلماء يأخذون هذا الحديث وإن كان ظاهره في الشرب لكن لا بد أن يتفرع، وأن يتنوع وأن يعم كل شيء فيه مصالح المسلمين، من تولى من أمورهم شيئًا لا يبدأ بنفسه، وإنما يبدأ بالرعية ثم بعد ذلك يكون آخر القوم في هذا الانتفاع سواء كان طعامًا أو شرابًا، فما أحلى تعاليم الإسلام، وما أجمل أن يتحلى بها المسلمون، خاصة من بيدهم أمور الناس.

ما يحبه النبي صلى الله عليه وسلم من الشراب:

والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الشيء الحلو البارد، وكان يستطيبه بل سُئل عن أي الشراب أطيب؟ فقال: ((الحلو البارد)).

وهذا الحديث فيه إرسال فهو عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يُذكر فيه الصحابي لكن له أدلة وله شواهد.

يقول الترمذي: “ما جاء أي: الشراب كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان بن عيينة عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلو البارد، قال أبو عيسى: هكذا رواه غير واحد عن ابن عيينة مثل هذا عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة، والصحيح ما روى الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا ثم قال أبو عيسى: حدثنا أحمد بن محمد حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا معمر ويونس عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل: أي: الشراب أطيب؟ قال: ((الحلو البارد)).

قال أبو عيسى: “وهكذا روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وهذا أصح من حديث ابن عيينة، كان أحب الشراب بالرفع ونصب أحب، يعني يجوز أن يُقال: كان أحبُّ ويجوز أن يُقال: كان أحبَّ على أن أحب بالرفع تكون اسم كان، والخبر الحلو البارد ويجوز العكس.

قال القاري: ومعنى أحبّ: ألذ، وكان صلى الله عليه وسلم يحب ماء زمزم وهو أفضل، وهكذا اللبن كان يحبه صلى الله عليه وسلم اللهم إلا أن يُراد هذا الوصف على الوجه الأعم، فيشمل الماء القراح سواء من زمزم أو من غير زمزم، ومعنى ماء قراح أي: لم يختلط بشيء، واللبن والماء المخلوط به أو بغيره كالعسل أو المنقوع فيه تمر أو زبيب يصدق عليه أنه حلو، وبه يحصل الجمع بينه وبين ما رواه أبو نُعيم في الطب عن ابن عباس ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أحب الشراب إليه اللبن))، أي: اللبن المخلوط بتمر أو زبيب، وما أخرجه ابن السني وأبو نعيم في الطب عن عائشة رضي الله عنها: ((كان أحب الشراب إليه صلى الله عليه وسلم العسل)).

يقول الشارح: قلت: وقيل: المراد بقوله: ((أحب الشراب)) في هذه الأحاديث أي: مِن أحب الشراب أو كون هذه الأشياء أحب إليه صلى الله عليه وسلم من جهات مختلفة، والله أعلم، وحديث عائشة الذي معنا هذا أخرجه أحمد والحاكم، وفي الرواية الثانية التي فيها سُئل صلى الله عليه وسلم أي: الشراب أطيب؟ قال: ((الحلو البارد)) من رواتها أحمد بن محمد روى عنه الترمذي وهو أبو العباس السمسار المعروف بمردويه، ويونس هو يونس بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي، قوله: الحلو بضم الحاء المهملة وسكون اللام ضد المر، والبارد؛ لأنه أطفأ للحرارة، وأبعث على الشكر وأنفع للبدن.

وفي الحديث بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الشيء الحلو، ويحب العسل، ويحب الماء القراح أي: الذي لم يخلط به شيء، ويحب اللبن إذا خلط به الزبيب والتمر، وهكذا ليبين صلى الله عليه وسلم للدنيا كلها أن الله لم يحرم على المؤمنين ملاذ الحياة الدنيا، وإنما حرم عليهم الحرام، وأباح لهم أن يأكلوا من الطيبات ما داموا لم يسرفوا؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [المؤمنون: 51] وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172])).

فكان صلى الله عليه وسلم يأكل من الطيبات، ولا يحرم نفسه منها وفي الوقت نفسه لم يكن يستزيد منها؛ ليعلم الأمة كيف تعيش في حياتها”.

error: النص محمي !!