Top
Image Alt

سبب الجرح والتعديل وتعارضهما

  /  سبب الجرح والتعديل وتعارضهما

سبب الجرح والتعديل وتعارضهما

هل يلزم ذكر سبب الجرح والتعديل؟

اختلف العلماء في هذا الأمر على عدة أقوال, فقيل: لا تقبل التزكية حتى يذكر المزكي السبب الذي دعاه إليها، واستدلوا على ذلك بأن بعض المزكين حينما تحدثوا عن سبب تزكيتهم للرواة ذكروا ما لا يصلح لذلك، فقد ورد أن رجلًا قال لأحمد بن يونس: عبد الله العمري ضعيف فقال: إنما يضعفه رافضي مبغض لآبائه، ولو رأيت لحيته، وخضابه، وهيئته؛ لعرفت أنه ثقة فاعتمد في توثيقه على مظهره الخارجي، وذلك لا يكفي في التعديل.

وأيضًا اختلف العلماء في أسباب التزكية والتعديل فقد يعدل بعضهم بما لا يعدل به سواه، فلا بد من ذكر السبب؛ ليعرف على أي شيء كان الحكم.

أما الرأي الثاني فيقول: لا يجب ذكر سبب العدالة والتزكية بل يقبل التعديل بغير ذكر السبب، واستدل على ذلك بأدلة:

أولها: إجماع الأمة على أنه لا يرجع في التعديل إلا إلى قول عدل رضًا عارف بما يصير به العدل عدلًا والمجروح مجروحًا، وإذا كان كذلك وجب حمل أمره في التعديل على السلامة، وإلا كان ذلك شكًّا في علمه بما تحصل به التزكية أو شكًّا في تطبيق ما علمه على أحوال من زكاه، وكلاهما الأصل أنه منفي عن أئمة الجرح والتعديل، وأما اختلاف العلماء في أسباب التعديل فلا يؤدي إلى تعديل غير عدل أو تجريح غير مجروح ذلك أن الخلاف إنما هو في بعض التفاصيل، والكلام عند عدم وجود الاختلاف, فكما لا يجب على الحاكم إذا شهد شاهدان على صحة بيع أو نكاح أن يسأل عن حال البيع والنكاح، وعن كل عقد يشهدان به قبل الحكم بذلك بل يكتفي بالشهادة على الصحة بالإجمال إذا لم يوجد ما يدعوه إلى الاستفصال، ثم يحكم بناءً على هذه الشهادة، ولا يسأل عن سبب الحكم أو أسبابه مع اختلاف الفقهاء في كثير من تفاصيل العقود، وما يلزم لصحتها أو لتمامها، كذلك المزكي يحكم على الراوي بناء على ما استند إليه في حكمه مما يراه صحيحًا، وليس عليه في كل تعديل أن يذكر ما دعاه إلى هذا التعديل رغم اختلاف العلماء في ذلك, أي: إن الجامع بين العلماء في أسباب التعديل والتجريح هو الأصل، وما يختلفون فيه فروع لا تؤثر عند استعمال هذا الأصل.

ثانيًا: أن أسباب العدالة كثيرة يشق ذكر جميعها، ولو وجب على المزكي الإخبار بها لعد ما يتركه الراوي الذي زكاه وعد ما يفعله، وهذا يصعب عليه في الراوي الواحد فضلًا عن كثير من الرواة.

والذي يظهر أنه لا يلزم ذكر السبب إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك عند ظهور اختلاف بين العلماء، فإذا ذكر السبب فقد لا يكون مؤديًا إلى التعديل.

أما عن التجريح فقيل لا بد من ذكر سببه؛ لأمور:

الأول: أن الجرح يحصل بأمر واحد؛ فلا يتعذر ذكره.

والثاني: اختلاف العلماء في أسباب التجريح، فقد يجرح بعضهم بما لا يراه الآخر جرحًا أو يجنح في التجريح إلى احتياط لا يقبله غيره، وقد أفرد الخطيب في (كفايته) بابًا في ذكر بعض أخبار من استفسر في الجرح فذكر ما لا تسقط به العدالة، أما من الأمثلة التي ذكرها: أنه قيل لشعبة: لم تركت حديث فلان من الرواة قال: “رأيته يركض على برذون فتركت حديثه” فترك شعبة له من أجل هذا الفعل ليس جرحًا معتبرًا عند العلماء؛ لأن ذلك من الأفعال المعتادة، والتي لا تدل على خلل في المروءة، وعن جرير قال: “رأيت سِماك بن حرب يبول قائمًا فلم أكتب عنه” والبول قائمًا قام الدليل على جوازه، وبعضهم يقول: لعله رآه في موطن يمكن أن ترى فيه عورته وهذا بعيد؛ لأن سماك لم يكن قد وصل إلى حال يختل فيها أمره.

ثالثًا: أن مذاهب النقاد للرجال غامضة دقيقة ربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز فتوقف عن الاحتجاج بخبره، وإن لم يكن الذي سمعه موجبًا لرد الحديث، ولا مسقطا للعدالة.

أما الرأي الثاني فيقول: لا يلزم ذكر ذلك، قال الخطيب البغدادي: والذي يقوى عندنا ترك الكشف عن ذلك إذا كان الجارح عالمًا، والدليل لذلك أن سؤال العالم عن سبب تجريحه شك في علمه بما يحصل به الجرح، أو شك في تطبيق ما علمه على أحوال من جرحه، أو اتهام له بجهل ذلك، قال: وأيضًا عدم وجوب كشف الحاكم عن أسباب حكمه في العقود والمعاملات والحقوق مع وجود الاختلافات في التفاصيل كاختلاف العلماء في أسباب التجريح، فقاس الخطيب حكم المجرح على الراوي بحكم الحاكم في قضية معينة بأن كليهما لا يلزم فيه ذكر السبب.

والراجح عند الجمهور من المحدثين وجوب ذكر السبب، فنقل الخطيب عن القاضي أبي الطيب الطبري قال: لا يقبل الجرح إلا مفسرًا، وليس قول أصحاب الحديث: “فلان ضعيف وفلان ليس بشيءٍ” مما يوجب جرح الراوي ورد خبره، وإنما كان ذلك كذلك؛ لأن الناس اختلفوا فيما يفسق به، فلا بد من ذكر سبب الجرح لينظر: هل هو مفسق أم لا.

وكذلك إذا شهد رجلان بأن هذا الماء نجس لم تقبل شهادتهما حتى يبينا سبب النجاسة، فإن الناس اختلفوا فيما ينجس به الماء وفي نجاسة الواقع فيه، وصّوب ذلك الخطيب وقال: إليه ذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده مثل البخاري ومسلم وغيرهما، فقد احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الطعن فيهم والجرح لهم كعكرمة مولى ابن عباس في التابعين، وكإسماعيل بن أبي أويس، وعاصم بن علي، وعمرو بن مرزوق في المتأخرين، وهكذا فعل مسلم فإنه احتج بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر عمن ينظر في حال الرواة الطعن عليهم، وسلك أبو داود السجستاني هذه الطريق وغير واحد ممن بعده.

قال الصيرفي: وكذا إذا قالوا: “فلان كذاب” لا بد من بيانه؛ لأن الكذب يحمل على الغلط، كقول عبادة بن الصامت لمن قال: “الوتر واجب”: كذب، واستدل بقول صلى الله عليه  وسلم: ((خمس صلوات كتبهن الله في اليوم والليلة)).

قال الخطابي: يريد أنه أخطأ ولم يرد به تعمد الكذب؛ لأن الكذب يجري في الأخبار، وأبو محمد إنما أفتى فتيا أو رأى رأيًا فأخطأ فيما أفتى به، والعرب تضع الكذب موضع الخطأ في كلامها فتقول: كذب سمعي وكذب بصري.

وقال ابن عبد البر: قوله: “كذب” أي: أخطأ، وسماه كذبًا؛ لأنه يشبهه في كونه ضد الصواب، كما أن الكذب ضد الصدق وهذا الرجل ليس بمخبر، وإنما قاله باجتهاد أداه إلى أن الوتر واجب، والاجتهاد لا يدخل الكذب وإنما يدخله الخطأ, والمقصود أن المجتهد من أهل الجرح والتعديل لا يلزمه تقليد مجتهد آخر في جرحه وتعديله، وله أن يخالفه إذا ترجح عنده اجتهادًا خلافه، فمن اتفق الأئمة على توثيقه لا مجال لجرحه، ومن اتفقوا على جرحه لا مجال لتوثيقه، ومن اختلفوا فيه فلاختلافهم وجهة والاجتهاد يكون في ترجيح رأي على رأي آخر.

من وثقه إمام؛ هل يقبل فيه جرح؟

والتحقيق في هذا المجال -كما قال ابن حجر- أن من جرح مجملًا إن كان قد وثقه أحد من أئمة هذا الشأن لم يقبل الجرح فيه من أحد كائنًا من كان إلا مفسَّرًا؛ لأنه قد ثبتت له رتبة الثقة فلا يزحزح عنها إلا بأمر جلي، فإن أئمة هذا الشأن لا يوثّقون إلا من اعتبروا حاله في دينه ثم في حديثه ونقدوه كما ينبغي، وهم أيقظ الناس، فلا ينقض حكمهم إلا بأمر صريح، وإن خلا الراوي عن التعديل قُبِلَ الجرح فيه غير مفسر إذا صدر من عارف؛ لأنه إذا لم يعدل فهو في حيز مجهول، وإعمال قول المجرح فيه أولى من إهماله.

قال الذهبي -وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال: لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة.

أما من ثبت أنه مجروح فيقبل قول من أطلق جرحه؛ لجريانه على الأصل المقرر، ولا نطالبه بالتفسير؛ إذ لا حاجة إلى طلبه، ولا نطلب التفسير من كل أحد، بل نطلبه حيث يحتمل الحال شكًّا، إما لاختلاف في الاجتهاد أو لتهمة يسيرة في الجارح، أو نحو ذلك مما لا يوجب سقوط قول الجارح، ولا ينتهي إلى الاعتبار به على الإطلاق بل يكون بين بين.

أما إذا انتفت الظنون واندفعت التّهم وكان الجارح حبرًا من أحبار الأمة مبرّأً عن مظن التهمة، توقفنا، أو كان المجروح مشهورًا بالضعف متروكًا بين النقاد فلا نتلعثم عند جرحه، ولا نحوج الجارح إلى تفسير، فإن طلب التفسير حينئذ طلب لغيبة لا حاجة إليها.

وخلاصة ما يقال أن من اشتهرت عدالته لا يقبل الجرح فيه إلا مفسرًا مع الاحتياط التام في القبول، بحيث لا نخرجه عن العدالة إلا إذا غلب الظن بخروجه عنها على الظن بثبوتها له، ومن اشتهر جرحه لا يقبل فيه تعديل ولا يبحث في جرحه بعد ذلك عن سبب الجرح، ومن جرّح بما لا يقدح لا يقبل الجرح فيه إلا مفسرًا ليغلب الظن بجرحه على ثبوت العدالة له؛ إذ لا يخرج عن العدالة إلا بجرح يفسد هذه العدالة ويخرجه عنها، ومن عُدّل لم يُقبل الجرح فيه إلا مع التفسير.

وقال التهانوي: “من ثبتت عدالته وأذعنت الأمة لإمامته لا يؤثر فيه جرح ولو مفسرًا”.

الحكم إذا تعارض الجرح والتعديل:

إذا كان التعارض في راوٍ معين فللعلماء في هذه المسألة آراء:

الرأي الأول: إذا تعارض الجرح المفسر والتعديل قدم الجرح، سواء تساوى عدد المعدّلين والمجرّحين أم زاد عدد المعدّلين أو عدد المجرّحين، والدليل على ذلك أن الجارح يخبر عن أمر باطن قد علمه ولا يكذب المعدل في القول بعدالته بحسب ما علمه من حالته الظاهرة، بل يفيد أنه علم من حاله ما لم يعلم، وعرف مما يجرحه ما لم يطلع عليه.

الرأي الثاني: أن الحكم للعدد الأكثر في التعديل والتجريح؛ لأن الكثرة تقوي الظن بما تدل عليه؛ والعمل بأقوى الظنين واجب. قال الخطيب: وهذا خطأ؛ لأن المعدلين وإن كثروا ليسوا يخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون، ولو أخبروا بذلك وقالوا: نشهد أن هذا لم يقع منه لخرجوا بذلك على أن يكونوا أهل تعديل أو جرح؛ لأنها شهادة باطلة على نفي ما يصح ويجوز وقوعه وإن لم يعلموه، فالكثرة هنا لا اعتبار لها؛ لأنها لم تخالف القلة في إثبات أمر أو نفيه ليتم الترجيح، ولكنها حكمت بثبوت أمر لا تعارضه القلة، ولكنها تقول بحدوث شيء زائد عليه لا تملك الكثرة القول بنفي وقوعه، فإن جُرّح بشيء فأثبت كثرة المعدلين عدم وقوعه منه أو ثبوته عليه فذلك غير ما نحن فيه، فما نحن فيه هو أن قلة حكمت بالجرح، وأن كثرة حكمت بعدم الجرح، فالذي يقول بالجرح عنده ما يدل على الجرح، والذي يقول بعدم الجرح ليس عنده دليل على نفي ما جرّح به الآخرون، فكثرة العدد هنا لا مجال لها في الترجيح، والكلام إنما هو في كثرة عدّلت مع عدم نفي ما جرح به أو التعرض له، وقلة جرحت بما لا تملك الكثرة أن تنفيه.

وقيل: يتعارض الجرح مع التعديل؛ لأن مع التعديل الكثرة ومع الجرح زيادة القوة بالاطلاع على سبب الجرح، وهذا ضعيف أيضًا؛ لأن الكثرة هنا لا مجال لها في الترجيح.

أما الرأي الثالث فيقول: يقدم الأحفظ، وهذا مبني على ترجيح اجتهاد الأوفر علمًا، ولا يقبل هذا الترجيح بين المجتهدين إلا من مقلد، أما المجتهد في الجرح والتعديل فلا بد له من معرفة ما اجتهد فيه من قبله، ثم التعقيب على ذلك بالإقرار أو بالإتيان برأي آخر ينتهي إليه الاجتهاد.

والرأي الرابع في المسألة: يتعارض الجرح مع التعديل ولا بد من الترجيح، أي: يُتوقف في الحكم على الراوي فكأنه مستور أو لم يرد فيه جرح ولا تعديل، وهذا إنما يجري في الجرح والتعديل إذا كان بغير تفسير، أو إذا عارض التجريح مزيد درجة في التعديل لمن جرح.

هذا كله إذا كان الجرح والتعديل من طرفين.

الحكم إذا تعارض الجرح والتعديل من إمام واحد:

أما إذا تعارض الجرح والتعديل من إمام واحد فقد اختلف العلماء في ذلك، ولنا في هذا التعارض منهجان: المنهج الأول: التوفيق، المنهج الثاني: الترجيح.

إذا قلنا بالتوفيق بين ما ورد عن الإمام الواحد جرحًا وتعديلًا حملنا أحكامه المتعارضة على ما يمكن أن تجتمع عليه، فإن وثق الراوي ثم ضعفه حملنا التوثيق على التعديل جمعًا بين الحكمين، فيكون عدلًا لكنه ضعيف من جانب الضبط، وقد يتحصل ذلك من عدة أحكام للإمام بناء على ارتباط مراتب الجرح والتعديل المتصلة بالتوثيق، والمراتب المتصلة بالاحتياج إلى متابع، والمراتب المقتضية لرد الراوي وروايته، ويقوي جانب التوفيق أن يكون موافقًا لآراء الأئمة الآخرين في الحكم على الراوي.

وقد يكون التوفيق بحمل النقد على روايته لأحاديث معينة فيكون الجرح مبني على سبب خاص لم يذكر في رواية عن الإمام وذكر في رواية أخرى، والنقد الخاص في الراوي لجانب معين لا ينافي توثيقه في غير هذا الجانب، ومما ذكر في ذلك أن ابن معين سُئل عن ابن إسحاق وآخر فقال: ابن إسحاق ثقة، ثم سئل عنه وحده فقال: صدوق لا يحتجّ به، فكان التوثيق ليس مطلقًا في الأول وإنما بالنسبة لراوٍ آخر، وكان الحكم في الثاني حكمًا عليه بانفراده، فلا يعارض توثيقه مرة في ظرف معين أو بالنسبة لراو آخر معه عدم توثيقه في الحكم عليه بانفراده. هذا إذا قلنا بالتوفيق بين ما نقل عن إمام واحد في راو معين جرحًا وتعديلًا.

أما إذا قلنا بالترجيح ففي ذلك أقوال، فقيل: نعتمد آخر أقوال الإمام؛ لأنه الذي استقر عليه فيكون ناسخًا لما كان قبله. وهذا الرأي لا يمشي في الاجتهاد والحكم على الرواة؛ لأن اختلاف الاجتهاد لا يعني خطأ الأول وصواب التالي، إلا إذا صرّح بذلك الإمام نفسه أو ظهر دليل على خطأ الاجتهاد الأول.

وقيل: نتوقف في اعتماد حكم الإمام على الراوي باختلاف حكمه فيه وعدم إمكان الترجيح، وهذا لا يكون من مجتهد وإنما يكون ممن ليس من أهل الاجتهاد، والذي يعتمد في هذا المجال الأخذ برأيه الموافق لرأي جمهور علماء الجرح والتعديل، ولا نلجأ إلى الترجيح إلى إذا عجزنا عن التوفيق.

error: النص محمي !!