Top
Image Alt

سجود التـلاوة

  /  سجود التـلاوة

سجود التـلاوة

. تعريف سجود التلاوة:

والمقصود بسجود القرآن الكريم: ما يسمّى بسجود أو سجدة التلاوة؛ وذلك أنّ الإنسان المسلم الذي يقرأ القرآن الكريم سوف يمرّ بآيات فيها الأمر بالسجود، أو فيها جُملة خبريّة تدلّ على طلب السجود، أو على الأمر بالسجود، كقوله تعالى مثلًا: في سورة “النجم”: {فَاسْجُدُواْ لِلّهِ وَاعْبُدُواْ} [لنجم: 62] فهذا أمر مِن الأوامر الربانيّة. أو قوله تعالى في آخِر سورة “العلق”: {كَلاّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب} [العلق: 19]

ومِن الجُمل الخبرية: ما ورَد في نهاية سورة “الأعراف” مِن قوله تعالى: {إِنّ الّذِينَ عِندَ رَبّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206] وهذا خبر إلهيّ عن الملائكة الذين لا يَعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ويسبّحونه بالليل والنهارسبحانه وتعالى.

والإخبار عن عَمل الملائكة وعبادتهم وسجودهم: دعوة لبني آدم أن يفعلوا مِثلهم، وأن يقتدوا بهم، فيسبّحون الله تعالى وله يسجدون.

مِثل هذه الآيات في القرآن الكريم، حين يمرّ بها الإنسان المسلم ويقرؤها، فهو مدعّو لِسجود يُسمّى: سجود التلاوة، أو سجود القرآن الكريم، أو سجدة التلاوة، وسَواء كان المسلم في صَلاة، أو كان في غير صلاة.

عقَد ابن رشد لهذا الموضوع، هذا الباب التاسع من أبواب: “كتاب الصلاة الثاني” وبيّن لنا أنّ الكلام في هذا الموضوع ينحصر في خمسة فصول أو أبواب:

الفصل الأوّل: عن حُكم سجود التلاوة.

والفصل الثاني: عن عَدد السجدات.

والفصل الثالث: عن الأوقات التي يَسجد فيها.

والفصل الرابع: على مَن يُسنّ هذا السجود.

والفصل الخامس: في صفة هذا السجود وكيفيّته.

2. حكم سجود التلاوة:

بالنسبة لحُكم سجود التلاوة حين نقول: “الحُكم” نعني بذلك: الحُكم الشرعي التكليفي، هل سجود التلاوة واجب؟ أم أنّه سُنّة؟ أم أنّه مباح؟ أم أنّه مكروه؟ أم أنّه حرام؟

لأنّ الحكم الشرعي التكليفي ينقسم خمسة أقسام -بالشكل الذي ذكرناه وبيّناه.

بالنسبة لسجود التلاوة، اختلف الفقهاء في حُكمه:

أبو حنيفة وأصحابه قالوا: إنّ سجود التلاوة واجب، ما دام الله -تبارك وتعالى- قد أمر بذلك في كتابه الكريم، فإنّنا نأخذ الأمر على ظاهره وعلى حقيقته، وهو: إفادة الوجوب.

أمّا مالك والشافعي وأحمد -وهم جمهور الفقهاء- فإنّهم يقولون: إنّ سجدة التلاوة سُنّة، وليست واجبة.

ولذلك قال الخِرقي في التعبير عن هذا الحُكم: “ومَن سجد فحَسن، ومَن ترَك فلا شيء عليه”. وبيّن ابن قدامة ذلك بأنّ: سجود التلاوة سُنّة مؤكّدة وليست واجبة عند إمامنا -أي: أحمد بن حنبل- ومالك، والأوزاعي، والليث، والشافعي.

فالقائلون: بأنّ سجود التلاوة سنّة هم: جمهور الأئمّة، مثل: مالك، والشافعي، والليث بن سعد، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وهو -أي: القول بأنّ: سجود التلاوة سُنة- مَذهب عمر رضي الله عنه وابنه عبد الله.

أمّا أبو حنيفة وأصحابه، فقد أوجبوا سجود التلاوة: لِقول الله عز وجل: {فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ} [الانشقاق: 20، 21]، ولا يُذمّ الإنسان إلا إذا ترك واجبًا؛ ولأنّه سجود يُفعل في الصلاة، فكان واجبًا كسجود الصلاة. هكذا يقول الحنفية ومَن على شاكِلتهم.

الرأي الراجح: أنّ سجود التلاوة سُنّة، وليس واجبًا؛ لِما روي عن زيد بن ثابت قال: ((قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم “النجم” -وفي نهايتها: {فَاسْجُدُواْ لِلّهِ وَاعْبُدُواْ} [النجم: 62] أي: الأمْر بالسجود. فلم يَسجد منّا أحد))، متفق عليه. ولأنّه إجماع الصحابة -أي: إجماع على عدم وجوب السجود.

وروى البخاري والأثرم عن عمر رضي الله عنه: أنّه قرأ يوم الجمعة على المِنبر بسورة “النحل”، حتى إذا جاءت السجدة، نزل فسجد وسجد الناس. حتّى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها أيضًا، حتى إذا جاءت السجدة قال: “يأيّها الناس! إنّما نمرّ بالسجود فمَن سجد فقد أصاب، ومَن لم يَسجد فلا إثم عليه”. ولم يسجد عمر رضي الله عنه.

وفي لفظ آخَر لهذا الأثر: أنه قال: “إن الله لم يَفرض علينا السجودّ إلا أن نشاء”. وفي رواية للأثرم فقال: “على رِسْلكم!”، كأنّه ينبّه الناس إلا يسجدوا، “على رسْلِكم! -أي: تمهّلوا إنّ الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء”؛ فقرأها ولم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا. وهذا بحضرة الجَمع الكثير مِن الصحابة، ولم يُنكر أحَد على عمر ذلك، ولا نُقل خلافه.

أمّا الآية التي استشهد بها الحنفية، فإنّ الله تعالى ذمّهم لترْك السجود -أي: لعدم اعتقادهم فضيلته، ولعدم اعتقادهم مشروعيّته وقياسهم -أي: قياس الحنفية- يَنتقض بسجود السهو؛ فإنّه عندهم غير واجب.

3. عَدَد سَجَدات التّلاوة.

جزئيّة ثانية تتعلّق بسجود التلاوة، وهي: عدد سَجَدات التلاوة في القرآن الكريم.

بعض العلماء أشار إلى أنّ سجدات التلاوة: إحدى عَشرة سجدة. وبعضهم أشار إلى أنّها: اثنتا عشرة سجدة. وبعضهم قال: إنّها أربع عشرة سجدة. وبعضهم قال: إنّها خَمس عشرة سجدة.

تعالَوا معي نَعرض هذه الأقوال، ونَستشهد عليها بما ورد في القرآن الكريم من هذه الآيات.

أ. يرى الإمام مالك: أنّ عدد السجدات إحدى عشرة سجدة:

الأولى: {إِنّ الّذِينَ عِندَ رَبّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206].

الثانية: {وَللّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُم بِالْغُدُوّ وَالاَصَالِ} [الرعد: 15].

الثالثة: {أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَىَ مَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالْشّمَآئِلِ سُجّداً لِلّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مِن دَآبّةٍ وَالْمَلآئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (49) يَخَافُونَ رَبّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [ النحل: 48 – 50].

الرابعة: {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوَاْ إِنّ الّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىَ عَلَيْهِمْ يَخِرّونَ لِلأذْقَانِ سُجّداً (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبّنَا لَمَفْعُولاً (108) وَيَخِرّونَ لِلأذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً} [الإسراء: 107 – 109].

الخامسة: {أُولَـَئِكَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مّنَ النّبِيّيْنَ مِن ذُرّيّةِ ءادَمَ وَمِمّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرّيّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَآ إِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرّحْمَـَنِ خَرّواْ سُجّداً وَبُكِيّاً} [مريم: 58].

السادسة: هي الأولى مِن سورة “الحج”؛ لأن سورة “الحج” فيها آيتان فيهما خبر عن السجود، أخذ المالكية منهما الآية الأولى، وهي قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرْضِ وَالشّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشّجَرُ وَالدّوَآبّ وَكَثِيرٌ مّنَ النّاسِ وَكَثِيرٌ حَقّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِن مّكْرِمٍ إِنّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ} [الحج: 18] وتركوا الآية الأخيرة مِن سورة “الحج”.

السابعة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُواْ لِلرّحْمَـَنِ قَالُواْ وَمَا الرّحْمَـَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً} [الفرقان: 60].

الثامنة:: {أَلاّ يَسْجُدُواْ للّهِ الّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ رَبّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل: 25، 26].

التاسعة: هو سورة “السجدة” المشهورة: {الَـمَ (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رّبّ الْعَالَمِينَ} [السجدة: 1، 2].

وموضع السجدة فيها: قوله تعالى: {إِنّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الّذِينَ إِذَا ذُكّرُواْ بِهَا خَرّواْ سُجّداً وَسَبّحُواْ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة: 15].

العاشرة: وهو قوله تعالى عن داود -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتمّ التسليم، وعلى سائر أنبياء الله أجمعين: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىَ نِعَاجِهِ وَإِنّ كَثِيراً مّنَ الْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيَ بَعْضُهُمْ عَلَىَ بَعْضٍ إِلاّ الّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مّا هُمْ وَظَنّ دَاوُودُ أَنّمَا فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبّهُ وَخَرّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} [ص: 24].

الحادية عشرة: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللّيْلُ وَالنّهَارُ وَالشّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُواْ لِلشّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُواْ لِلّهِ الّذِي خَلَقَهُنّ إِن كُنتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُواْ فَالّذِينَ عِندَ رَبّكَ يُسَبّحُونَ لَهُ بِاللّيْلِ وَالنّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ} [فُصِّلَت: 37، 38] .

تلك مَواضع السجدات القرآنية عند المالكية، وهي: أحد عشر مَوضعًا.

ب. يرى الشافعية أنّ عدد السجدات: أربع عشرة سجدة:

الشافعية يوافقون المالكية على بعض ما قالوا، ويضيفون ثلاثًا مِن المفصّل، وهي: السوَر التي ذكرناها: في سورة “العلق”، وفي سورة “النجم”: {فَاسْجُدُواْ لِلّهِ وَاعْبُدُواْ}، وفي سورة “الانشقاق”، وهي آخِر آية في “الانشقاق”: {وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ} قبل الآخِر بعدّة آيات. واستبدلوا آية “الحج” الثانية بآية “ص” التي ذكَرها المالكية.

فأضافوا إلى ما ذَكره المالكية ثلاث آيات من المفصّل، وآية من “الحج”، واستبعدوا آية “ص”. أما آية “الحج”، فهي الآية قبل الأخيرة: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ ارْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ وَاعْبُدُواْ رَبّكُمْ وَافْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77].

ج. يرى الحنابلة أن عدد السجدات: خَمس عشرة سجدة:

أثبتوا فيها ما قاله الشافعية الأربع عشرة، وأضافوا إليها ما ذكره المالكية مِن سورة “ص”: {وَخَرّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} [ص: 24].

أي: جَمعوا بين القوليْن أو الاختياريْن.

د. يرى الحنفية أن عدد السجدات: اثنتا عشرة سجدة.

4. وقت سجود التلاوة:

الفصل الثالث من الفصول التي ذَكرها ابن رشد في موضوع: “سجدات التلاوة” في القرآن الكريم: وقت السجود. متى يَسجد الإنسان سجدة التلاوة؟ هل في جميع الأوقات -كما يقول الشافعي- لأنّ هذه السجدة مسبّبة وسببها سابق عليها، فلا بأس مِن أدائها في جميع الأوقات، حتّى في الأوقات الخمسة التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها؟ أم أنّ ذلك -أي: السجود للتلاوة- ممنوع في هذه الأوقات الخمسة، كما يُمنع أداء النوافل أو غيرها في هذه الأوقات؟

يحكي ابن رشد اختلاف الفقهاء في ذلك:

بأنّ قومًا مَنعوا السجود في الأوقات المنهيّ عن الصلاة فيها؛ وذلك مذهب أبي حنيفة؛ لأنه يَمنع جميع الصلوات في هذه الأوقات التي ورد النهي عنها. وقد سَبق بيانها فيما مضى في: “مواقيت الصلاة” وهي: بعد صلاة الصبح حتى تُشرق الشمس، وعند الشروق حتى ترتفع، وعند الزوال، وبعد صلاة العصر حتى تميل الشمس للغروب، وعند الغروب.

كذلك مَنع الإمام مالك سجدة التلاوة في هذه الأوقات؛ لأنها عنده مِن النفل، والنفل ممنوع في هذه الأوقات. وروى ابن القاسم عنه أنّه: يسجد فيها بعد العصر ما لم تصفرّ الشمس أو تتغير، وكذلك بعد الصبح.

وقد أخذ الإمام أحمد بما أخذ به أبو حنيفة ومالك.

أمّا الشافعي -رحمه الله- فقال: إنه يُسجد للتلاوة في جميع الأوقات، وهذا بناءً على أنّها سُنّة، والسنن عنده تُصلّى في هذه الأوقات، ما لم تَدْن الشمس من الغروب أو الطلوع.

ومِن هذا يتبيّن أنّ في مسألة سجود التلاوة قوليْن:

القول الأوّل: قول الجمهور، وهو: عدم السجود في الأوقات التي نَهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها.

القول الثاني: قول الشافعي بجواز ذلك.

والذي نرجّحه ونميل إلى الأخذ به هو: قول الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، في عدم سجود التلاوة في هذه الأوقات التي ورد النهي عن الصلاة فيها.

5. على مَن يَتوجّه سجود التلاوة؟

أمّا مَن يُسنّ له سجود التلاوة -وهذا هو الفَصل الرابع من فصول هذا الباب. فقد أجَمع الفقهاء على: أنّ السّجود يُسنّ لقارئ القرآن، سَواء كان في صَلاة أو في غير صلاة؛ فمَن قرأ آية مِن هذه الآيات، كان عليه أن يسجد، أو يُسنّ له ذلك -كما عَرفنا الحُكم عند من قال بالسّنّة، أو الوجوب عند مَن قال بالوجوب. سَواء كان في صلاة أو في غيرها.

أمّا غير القارئ، كالمستمِع أو السّامع، فقد اختلَف فيه الفقهاء، هل عليه سجود؟ أو ليس عليه سجود؟

أبو حنيفة قال: عليه السجود؛ لأن الإمام أبا حنيفة يرى: أنّ سجدة التلاوة واجبة، سَواء للقارئ أو للسامع.

وقال الشافعي وأحمد: إذا كان السامع مِن غير استماع، فلا سجود في حقّه -يعني: لم يجلس ولم يتعمّد الاستماع. وأمّا إن كان قد تهيّأ للاستماع وجلس له، فعليه أن يَسجد للتلاوة. وهؤلاء لم يفرّقوا بين الرَّجل والمرأة.

أمّا مالك، فقد اشترط في سجود السامع شَرطيْن:

أحدهما: إذا كان قَعد ليَسمع القرآن.

والشرط الآخَر: أن يكون القارئ يَسجد؛ لأنه بمثابة الإمام للسامع، وأن يكون هذا القارئ ممّن يصحّ أن يكون إمامًا للسامع. وروى ابن القاسم عن مالك: أنّه يسجد السامع أيضًا كالقارئ، وإن كان القارئ ممّن لا يَصلح للإمامة إذا جلس إليه.

وفي كلّ الأحوال، فالسجود أوْلى لكلٍّ مِن القارئ ومِن السامع؛ تحصيلًا للأجر، وقيامًا بالسُّنة، وأداءً لها، كما قال سبحانه وتعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204].

6. صفة سجود التلاوة:

صفة السجود يعني: كيفيّة سجود التلاوة، إمّا أن يكون الإنسان في صلاة، أو في غير صلاة. فإن كان في صلاة، فقد أجمَع الفقهاء على: ضرورة التكبير عند الهُويّ والانخفاض إلى السجود، كما نفعل في صلاة الصبح حينما نقرأ سورة “السجدة”، ثم التكبير للقيام وإتمام القراءة.

وأمّا إن كان الإنسان في غير صلاة، فهل يلزمه التكبير في الخفض وفي الرفع؟ وهل يرفع يديْه عند التكبير أو لا يرفعهما؟ وهل يلزمه تسليم إذا أدّى سجدة التلاوة، أو لا يلزمه ذلك؟ كل هذا خارج الصلاة.

جمهور الفقهاء يقولون: إذا سَجد القارئ كبّر إذا خَفَض وإذا رَفع. أمّا السلام، فيُسلّم عند الشافعي وأحمد.

إذًا، جمهور الفقهاء على أنّ: التكبير في الانخفاض للسجود، وفي الرفع منه أمْر متّفَق عليه. أمّا التسليم مِن سَجدة التلاوة، فهو عند الشافعي وأحمد، وليس عند باقي الأئمة.

كذلك اختلف قول مالك -رحمه الله- في هذه الكيفية، إذا كان القارئ لآية السجدة في غير صلاة، فقيل: يكبّر، وقيل: لا يُكبّر. أمّا إذا كان في الصلاة فإنّه يُكبّر، قولًا واحدًا، كما قلنا: أجَمَع العلماء على ذلك.

فالمتّفَق عليه: أنّ القارئ للقرآن إذا سجد للتلاوة، يكون عليه التكبير للسجود والرّفع منه، سَواء كان في صلاة أو في غير صلاة. والذين قالوا بذلك هم: ابن سيرين، والحسن، وأبو قلابة، والنخعي، ومسلم بن يسار، وأبو عبدالرحمن السّلمي، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وأحمد بن حنبل -أي: جمهور العلماء.

أمّا مالك، فاختَلف قوله: إن كان المصلّي أو القارئ للآية في صلاة، فإنّه -كما قال الجمهور- يكبّر. أمّا إذا كان في غير الصلاة، فقد اختلف القول.

ما الدليل على التكبير والرفع؟

ما روى ابن عمر: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن، فإذا مرّ بالسجدة كبّر وسجد، وسجدنا معه)). قال عبد الرزاق: كان الثوري يُعجبه هذا الحديث. قال أبو داود: يعجبه؛ لأنه كبّر، ولأنّه سجود منفرد، فشُرع له التكبير في ابتدائه، وفي الرفع منه، كسجود السهو بعد السلام. وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنّه كبّر فيه للسجود والرفع)) -أي: سجود السهو- فكذلك سجود التلاوة.

ولم يَذكر الخرقي التكبير للرفع من السجود. وقد ذكره غيره مِن أصحابنا -أي: من أصحاب الإمام أحمد.؛ وهو القياس. ولا يُشرع في ابتداء السجود أكثر مِن تكبيرة -أي: ليس هناك تكبيرة استفتاح، ثم تكبيرة انتقال، بل هي تكبيرة واحدة: يكبّر للافتتاح واحدة، وللسجود أخرى عند بعض الناس، لكنهّا تكبيرة واحدة. ولا يُشرع في ابتداء السجود أكثر مِن تكبيرة. وحديث ابن عمر ظاهره: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كبّر تكبيرة واحدة، وكذلك بقياسه على سجود السهو.

ثم قال: ويرفع يديه مع تكبيرة السجود إن سَجد في غير صلاة؛ وهو قول الشافعي؛ لأنها تكبيرة افتتاح. وإن كان السّجود في الصلاة، فنَصُّ أحمد: أنّه يرفع يديه؛ لأنه يُسنّ له الرفع لو كان منفردًا؛ وهذا هو الصحيح. ويقول في سجوده ما يقول في سجود الصلاة. وروي عن أحمد أنّه كان يقول: أمّا أنا فأقول: “سبحان ربّي الأعلى”.

وقد روت عائشة رضي الله عنها ((أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجود القرآن بالليل: “سجَد وجهي للّذي خَلقَه وصَوّره، وشَقّ سَمْعه وبَصَره، بحَوله وقوّته)). قال الترمذي: هذا حديث حَسن صحيح. وروى الترمذي وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ، وَأَنَا نَائِمٌ كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ فَسَجَدْتُ فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي، فَسَمِعْتُهَا وَهِيَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ، قَالَ الْحَسَنُ: قَالَ لِيَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ لِي جَدُّكَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَرَأَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَجْدَةً، ثُمَّ سَجَدَ، قَالَ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ مِثْلَ مَا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ عَنْ قَوْلِ الشَّجَرَةِ))، قال الترمذي: وهذا حديث غريب. ومهما قال مِن ذلك فحَسن -أي: بأيّ تسبيح كان، وبأيّ ذِكْر كان في السجود، كــ”سبحان ربي الأعلى”، أو “سبحان ربي العظيم”، أو بغير ذلك مِن التسبيحات التي استمعنا إليها؛ فكلّ ذلك جائز. ثم قال: ويُسلِّم إذا رفع؛ هذا إذا كان في غير صلاة، أمّا في الصلاة فيتمّ الصلاة على ما هي عليه.

اختَلفت الرواية عن أحمد في التسليم في سجود التلاوة، فرأى أنّه واجب، وبه قال: أبو قلابة وأبو عبد الرحمن، وروي عنه أنه: غير واجب. قال ابن المنذر: قال أحمد: أمّا التسليم: فلا أدري ما هو؟ قال النخعي، والحسن، وسعيد بن جبير، ويحيى بن وثّاب: ليس فيه تسليم.

وروي ذلك عن أبي حنيفة، واختلَف قول الشافعي فيه. وعلى كلّ حال، ما دام ليس هناك ترجيح بين التسليم وعدمه، فأقول: إنّ التسليم أوْلى مِن العَدَم؛ لأنه هيئة صلاة، وهو سجود لله وبين يدي الله؛ فالتسليم منه أفضل، كما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)).

بهذا، نكون قد انتهينا مِن الباب التاسع الذي كان عن: سَجدات القرآن الكريم، أو سجدات التلاوة.

error: النص محمي !!