Top
Image Alt

سجود التلاوة، وسجود السهو

  /  سجود التلاوة، وسجود السهو

سجود التلاوة، وسجود السهو

اولًا- التكبير للسجود وما يقال فيه:

هـ. هل يستحب لمن أراد سجود التلاوة وهو جالس أن يستوي قائمًا فينوي ويكبر؟

الأصح: أنه لا يستحب.

عن عائشة قالت: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في سجود القرآن بالليل: سجد وجهي للذي خلقه، وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته)) رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه الترمذي. والحديث أخرجه الدارقطني، والحاكم، والبيهقي، وصححه ابن السكن، وقال في آخره: ((ثلاثًا)) وزاد الحاكم: ((فتبارك الله أحسن الخالقين)) وزاد البيهقي: ((وصوره)) بعد قوله: ((خلقه)) ولمسلم نحوه من حديث عليّ في سجود الصلاة، وللنسائي أيضًا نحوه من حديث جابر في سجود الصلاة أيضًا.

فائدة:

ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضئًا، فقد كان يسجد معه صلى الله عليه وسلم من حضر تلاوته، ولم يُنقل أنه أمر أحدًا بالوضوء، ويبعد أن يكونوا جميعًا متوضئين، أو على وضوء، وأيضًا قد كان يسجد معه المشركون كما جاء في أحاديث تدل على ذلك، وهم أنجاس لا يصح وضوؤهم. وقد روي البخاري عن ابن عمر: “أنه كان يسجد على غير وضوء”. وكذلك روي عنه، وكذلك روى عنه ابن أبي شيبة.

وأما ما رواه البيهقي عنه بإسناد قال في (الفتح): صحيح أنه قال: “لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر” فيجمع بينهما بما قال الحافظ، من حمله على الطهارة الكبرى، أو على حالة الاختيار، والأول على الضرورة، وهكذا ليس في الأحاديث ما يدل على اعتبار طهارة الثياب والمكان. وأما ستر العورة والاستقبال مع الإمكان فقيل: أنه معتبر اتفاقًا.

هل السلام شرط لصحة السجود؟

قولان مشهوران: نص الشافعي على أنه لا يسلم.

ولا يكره للإمام قراءة السجدة، كما لا يكره للمنفرد سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية، ويسجد متى قرأها. وقال مالك: يكره مطلقًا. وقال ابن حبيب: لا يقرأ الإمام السجدة فيما يسر به، ويقرؤها فيما يجهر به.

ثانيًا- باب ما جاء فيمن سلم من نقصان:

عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي، فصلى ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل يقال له: ذو اليدين فقال: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنسَ ولم تقصر، فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر)) فربما سألوه، ثم سلم؟ فيقول: أنبئت أن عمران بن حصين قال: ((ثم سلم)) متفق عليه، وليس لمسلم فيه: وضع اليد على اليد ولا التشبيك.

وفي رواية قال: ((بينما أن أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر، سلم من ركعتين، فقام رجل من بني سليم فقال: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟)) وساق الحديث، ورواه أحمد ومسلم.

قوله: ((صلى بنا)) ظاهره أن أبا هريرة حضر القصة، وحمله الطحاوي على المجاز، فقال: إن المراد صلى بالمسلمين.

وسبب ذلك: قول الزبيري أن صاحب القصة استشهد ببدر، وهذا يقتضى أن القصة وقعت قبل بدر، وهي قبل إسلام أبي هريرة رضي الله عنه بأكثر من خمس سنين.

قوله: ((إحدى صلاتي العشي)) قال النووي: هو بفتح العين المهملة وكسر الشين المعجمة وتشديد الياء. قال: قال الأزهري: العشي عند العرب ما بين زوال الشمس وغروبها، ويبين ذلك ما وقع عند البخاري من حديث أبي هريرة قال: ((صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم الظهر أو العصر)).

وفي رواية له: قال محمد -يعني: ابن سيرين-: وأكثر ظني أنها العصر، وفي مسلم: العصر من غير شك، وفي رواية له: الظهر كذلك كما ذكر المصنف، وفي رواية له أيضًا: إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر.

قوله: ((فقام إلى خشبة في المسجد)) في رواية للبخاري: ((في مقدمة المسجد)) ولمسلم: ((في قبلة المسجد)). قوله: ((السرعان)) بفتح المهملات، ومنهم من يسكن الراء: السَرْعان. وحكي عياض أن الأصيلي ضبطه بضم ثم إسكان: السُرْعان، كأنه جمع سريع. والمراد بهم أول الناس خروجًا من المسجد، وهم أهل الحاجات غالبًا.

قوله: ((فهابا)) في رواية للبخاري: ((فهاباه)) بزيادة الضمير، والمعني: أنه غلب عليهما احترامه وتعظيمه عن الاعتراض عليه، وأما ذو اليدين فغلب عليه حرصه على تعلم العلم.

قوله: ((يقال له ذو اليدين)) قال القرطبي: هو كناية عن طولهما. وعن بعض شراح (التنبيه): أنه كان قصير اليدين. وجزم ابن قتيبة: أنه كان يعمل بيديه جميعًا.

قوله: ((لم أنسَ ولم تقصر)) هو تصريح بنفي النسيان، ونفي أن تكون الصلاة قد قصِّرت، وهو مفسر لما عند مسلم بلفظ: ((كل ذلك لم يكن)) وتأييد لما قاله علماء المعاني: أن لفظ “كل” إذا تقدم وعقبه نفي، أو جاء بعده نفي، كان نفيًا لكل فرد لا نفيا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخر؛ ولهذا أجاب ذو اليدين بقوله: قد كان بعض ذلك، كما في (صحيح مسلم) وفي البخاري ومسلم أنه قال: ((بلى قد نسيت)) كما ذكر هنا.

وفائدة جواز السهو في مثل ذلك بيان الحكم الشرعي إذا وقع مثله لغيره، وأما من منع السهو مطلقًا منه صلى الله عليه وسلم فأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة منها:

أن قوله صلى الله عليه وسلم: ((لم أنس)) على ظاهره وحقيقته، وأنه كان متعمدًا لذلك؛ ليقع منه التشريع بالفعل لكونه أبلغ من القول، ويكتفى في رد هذا تقريره صلى الله عليه وسلم لذي اليدين على قوله: ((بلى قد نسيت)) وأصرح من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا بشر؛ أنسى كما تنسون)) وهو متفق عليه من حديث ابن مسعود.

قوله: ((فصلى ما ترك)) فيه جواز البناء على الصلاة التي خرج منها المصلي قبل تمامها ناسيًا، وإلى ذلك ذهب الجمهور كما قال العراقي، من غير فرق بين من سلم من ركعتين أو أكثر أو أقل. قوله: ((ثم سلم ثم كبر وسجد)) فيه دليل لمن قال أن سجود السهو بعد السلام، وقد اختلف أهل العلم في ذلك على ثمانية أقوال كما ذكر ذلك العراقي في (شرح الترمذي):

الأول: أن سجود السهو كله محل بعد السلام، وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة، وهم: علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وعمران بن حُصين، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شعبة، وأبو هريرة.

 الثاني: أن سجود السهو كله قبل السلام، وقد ذهب إلى ذلك من الصحابة: أبو سعيد الخدري، وروي أيضا عن ابن عباس، ومعاوية، وعبد الله بن الزبير على خلاف في ذلك.

الثالث: التفرقة بين الزيادة والنقص، فيسجد للزيادة بعد السلام، ويسجد للنقص قبل السلام، وإلى ذلك ذهب مالك وأصحابه، والمزني، وأبو ثور، وهو قول الشافعي، وإليه ذهب الصادق والناصر من أهل البيت.

الرابع: أنه يستعمل كل حديث كما ورد، وما لم يرد فيه شيء سجد قبل السلام، وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل، كما حكاه الترمذي عنه، وبه قال سليمان بن داود الهاشمي من أصحاب الشافعي، وأبو خيثمة. الخامس: أنه يستعمل كل حديث كما ورد، وما لم يرد فيه شيء فما كان نقصًا سجد له قبل السلام، وما كان زيادة فبعد السلام، وإلى ذلك ذهب إسحاق بن راهويه كما حكاه عنه الترمذي.

السادس: أن الباني على الأقل في صلاته عند شكه يسجد قبل السلام، على حديث أبي سعيد، والمتحري في الصلاة عند شكه يسجد بعد السلام، على حديث ابن مسعود، وكلها أحاديث مذكورة في أبواب سجود السهو، وإلى ذلك ذهب أبو حاتم بن حبان.

السابع: أنه يخير الساهي بين السجود قبل السلام وبعده، سواء كان لزيادة أو نقص، حكاه ابن أبي شيبة في المصنف عن علي رضي الله عنه وحكاه الرافعي قولا للشافعي، ورواه المهدي في (البحر) عن الطبري. ودليلهم أن النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه السجود قبل السلام وبعده، فكان الكل سنة.

الثامن: أن محله كله بعد السلام، إلا في موضعين فإن الساهي فيهما مخير، أحدهما: من قام من ركعتين ولم يجلس ولم يتشهد، والثاني: ألا يدري أصلى ركعة أم ثلاثًا أم أربعًا، فيبني على الأقل ويخير في السجود، وإلى ذلك ذهب أهل الظاهر، وبه قال ابن حزم.

وروي النووي في (شرح مسلم) عن داود أنه قال: تستعمل الأحاديث في مواضعها كما جاءت. قال القاضي عياض وجماعة من أصحاب الشافعي: ولا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم من العلماء أنه لو سجد قبل السلام أو بعده للزيادة أو للنقص أنه يجزئه، ولا تفسد صلاته، وإنما اختلافهم في الأفضل.

ثالثًا: باب من شك في صلاته:

عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدرِ أواحدة صلى أم اثنتين، فليجعلهما واحدة، وإذا لم يدرِ اثنتين صلى أم ثلاثًا، فليجعلهما اثنتين، وإذا لم يدر ثلاثًا صلى أم أربعًا، فيجعلهما ثلاثًا، ثم يسجد إذا فرغ من صلاته وهو جالس قبل أن يسلم سجدتين)) رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه، وفي رواية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “من صلى صلاة يشك في النقصان؛ فليصل حتى يشك في الزيادة” رواه أحمد.

الحديث معلول؛ لأنه من رواية ابن إسحاق، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن. وقد رواه أحمد في (المسند) عن ابن عُليه، عن ابن إسحاق، عن مكحول مرسلًا. قال ابن إسحاق: فلقيت حسين بن عبد الله فقال لي: هل أسنده لك؟ قلت: لا. فقال: لكنه حدثني أن كريبًا حدثه به، وحسين ضعيف جدًّا. ورواه إسحاق بن راهويه والهيثم بن كليب في مسنديهما من طريق الزهري عن عبد الله بن عبد الله، عن ابن عباس مختصرًا، وفي إسنادهما إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف، وتابعه بحر بن كثير فيما ذكره الدارقطني في العلل، وقد رواه أيضا أحمد بن حنبل عن محمد بن يزيد، عن إسماعيل بن مسلم، عن الزهري، وإسماعيل بن مسلم ضعيف كما مر. والزيادة التي رواها المصنف -رحمه الله- عن أحمد أخرج نحوها ابن ماجه، ولفظه: ((ثم ليتم ما بقي من صلاته حتى يكون الوهم في الزيادة)).   

وفي الباب غير ما ذكره المصنف عن عثمان عند أحمد، وفيه: ((من صلى فلم يدر أشفع أم أوتر، فليسجد سجدتين فإنهما إتمام صلاة)) قال العراقي: ورجاله ثقات، إلا أن يزيد بن أبي كبشه لم يسمع من عثمان، وقد رواه أحمد أيضًا عن يزيد بن أبي كبشة عن مروان عن عثمان، وعن عائشة عند الطبراني في (الأوسط) وفيه: ((إذا صليت فرأيت أنك أتممت صلاتك وأنت في بيتك…)) الحديث، وعن أنس عند البيهقي قال: قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر اثنتين صلى أو ثلاثًا فليلق الشك وليبن على اليقين)) ورجال إسناده ثقات.

لا معارضة بين أحاديث البناء على الأقل، والبناء على اليقين، وتحري الصواب؛ وذلك لأن التحري في اللغة: هو طلب ما هو أحرى إلى الصواب، وقد أمر به صلى الله عليه وسلم أمر بالبناء على اليقين، والبناء على الأقل عند عروض الشك، فإن أمكن الخروج بالتحري عن دائرة الشك لغة لا يكون إلا بالاستيقان بأنه قد فعل من الصلاة كذا ركعات، فلا شك أنه مقدم على البناء على الأقل؛ لأن الشارع قد شرط في جواز البناء على الأقل عدم الدارية كما في حديث عبد الرحمن بن عوف، وهذا المتحري قد حصلت له الدارية، وأمر الشاك بالبناء على ما استيقن كما في حديث أبي سعيد، ومن بلغ به تحريه إلى اليقين قد بنى على ما استيقن، وبهذا تعلم أنه لا معارضة بين الأحاديث المذكورة، وأن التحري المذكور مقدم على البناء على الأقل، وقد أوقع الناس ظن التعارض بين هذه الأحاديث في مضايق ليس عليها أثارة من علم، كالفرق بين المبتدى والمبتلى، والركن والركعة.

قوله في حديث الباب: ((قبل أن يسلم)) استدل به القائلون بمشروعية سجود السهو قبل السلام، وقد تقدم الخلاف في ذلك وبيان ما هو الحق.

قوله: ((فليصل حتى يشك في الزيادة)) فيه أن جعل الشك في جانب الزيادة أولى من جعله في جانب النقص.

error: النص محمي !!