Top
Image Alt

سلامة الحواس

  /  سلامة الحواس

سلامة الحواس

من الشروط أيضًا التي تكلم فيها العلماء واختلفوا حولها: صفة البصر, فهل يُشترط أن يكون القاضي مبصرًا, ولا يجوز أن يتولى القضاء مَن كان مكفوفَ البصر؟

اختلف العلماء في جواز تولية الأعمى للقضاء:

فذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة -في إحدى الروايتين- إلى اشتراط سلامة الحواس: السمع، والبصر، واللسان في القاضي؛ وذلك لأن الأعمى لا يعرف المدَّعِي من المُدَّعَى عليه، ولا المُقِرّ من المُقَرِّ له، ولا يعرف الشاهد من المشهود له أو المشهود عليه. هذا رأي يرفض توليةَ الأعمى القضاء.

هناك رأي آخر وهو رأي المالكية, ذهب إلى أن السمع والبصر والنطق مشترطة في استمرار ولاية القاضي للقضاء، وليست مشترطة في جواز ولايته له، فإذا عُيِّن الأعمى قاضيًا استحق العزل، ولكن تظل ولايته صحيحةً حتى يعزله الإمام أو نائبُه، وتكون أحكامه صحيحة نافذة قبل العزل ما لم تكن مخالفة للشرع، أما لو كان البصر شرطَ جواز لكانت ولاية الأعمى باطلة وأحكامه لاغية وغير منعقدة، أما لو عيَّن الإمام شخصًا بصيرًا -أي: مبصرًا- ثم أصبح هذا القاضي أعمى؛ تبطل ولايته للقضاء ويعزل. هذا ما اتفق عليه الفقهاء تقريبًا؛ فالفقهاء اتفقوا على رأيين: رأي يجيز ورأي يمنع، ولم يخرجوا عن هذين الرأيين.

والجمهور ذهب إلى أنه لا يولى أصلًا، ولو ولي فولايته باطلة، أما المالكية فقالوا: هذا شرط استمرار، أي: لو عُيِّن مبصرًا ثم كُفّ بصره يعزل، أما لو عينه الإمام مبصرًا فالإمام مخطئ في هذا، لكن الأحكام التي يصدرها هذا القاضي الكفيف نافذة وصحيحة إلى أن يُعزل, ما لم تكن هذه القضايا مخالفة للشرع؛ لأن القضايا المخالفة للشرع مرفوضة، سواء كانت من الأعمى أو من البصير.

أدلة كل فريق:

استدل القائلون بجواز ولاية الأعمى للقضاء بأدلة؛ منها: أن نبي الله شعيبًا عليه السلام كان يقضي بين الناس وهو من الأنبياء والرسل، وكان أعمى.

استدلوا أيضًا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولى ابن أم مكتوم على المدينة أثناء غيابه عنها، والقضاء في ذلك العهد يندرج تحت الولاية العامة، أي: الإمامة أو الإمارة, وقد نُوقش أصحاب هذا الرأي فيما ذكروه من أدلة.

أما استدلالهم بأن نبي الله شعيبًا كان أعمى، فهذا غير صحيح ولم يثبت، ولا يتفق العمى وصفات الرسل؛ لأن الرسل يُشترط فيهم أن يكونوا كاملي الخلقة؛ حتى لا ينفر الناس منهم، أما الاستدلال بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمّر ابنَ أم مكتوم على المدينة، وولَّاه عليها أثناء غيابه، فمردود استدلالهم بهذه الواقعة؛ لأن استخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن أم مكتوم كان في إمامة الصلاة دون الحكم، أي: استخلفه ليصلي بالناس, لا ليكون الأمير عليهم أو القاضي في قضاياهم، ولأن الإمارة إنما أسندت إلى صحابي آخر, هو سيدنا أبو لبابة.

والراجح: أن ولاية الأعمى لا تجوز؛ لأنها لو كانت جائزة لولى النبي صلى الله عليه وسلم الأعمى, ولأن الغرض من القضاء لا يتحقق بوجود القاضي وهو لا يرى صاحب البينة، ولا يرى مَن يحكم له ومَن يحكم عليه, ولا يرى الشهود؛ فسيكون قضاؤه مختلًّا.

وقول المالكية الذين أجازوا قضاءَ الأعمى فيما استدلوا به، خارجٌ عن الصواب، أما ما عدا ذلك من الحواس كالنطق مثلًا، فهل يُشترط في القاضي أن يكون لديه نطق ولا يكون أخرسَ؟

حكم تولي الأخرس القضاء:

لا يجوز أن يولى الأخرس القضاء؛ لأنه غير قادر على النطق بالأحكام، كما أن الناس كلهم لا يفهمون إشارته، أي: قد يفهم إشارته بعض الناس دون بعض، وقد يفسرون هذه الإشارات تفسيرًا يختلفون فيه، والعاهات بشكل عام تمنع من قَبول الشهادة، وهي خاصة، فما بالنا بالقضاء وهو من الولايات العامة؟ كما أن مثل هذه العاهات تمنع من هَيْبة القاضي، فتُضعف من تأثيره في نفوس المتخاصمين؛ لذلك اعتبر جمهور الفقهاء الخرسَ مانعًا من القضاء، فلا تصح ولايته للقضاء.

فالحنفية وأكثر الشافعية -عدا أبا الحسن الماوردي والحنابلة- اشترطوا النطق فيمن يتولى القضاء، ومع هذا فالمالكية -كما سبق في الكلام عن موقفهم من فقد البصر- لا يعتبرون النطق والسمع والبصرَ شرطَ صحة؛ إذ قاسوا القضاء على الشهادة، وهو قياس مع الفارق، فرأي المخالفين رأي ضعيف بالنسبة للأعمى، وكذلك رأيهم ضعيف بالنسبة للأخرس الذي لا ينطق، حتى ولو كانت إشارته مفهومة لدى بعض الناس.

الحكم فيمن فقد السمع, حتى لو استعان ببعض الوسائل العصرية التي تجعله يسمع:

هل تجوز ولاية الأصم للقضاء؟

لا تجوز ولاية الأصم للقضاء؛ لأنه لا يسمع كلامَ الخصم، ولا يسمع شهادة الشهود، فلا يعرف ولا يميز المحق من المبطل، ولا المقر من المنكر، أما إذا كان ضعيف السمع لو استطاع أن ينتفع بمنجزات العصر الحديث كوضع السماعة على الأذن, فيسمع الكلام كما يسمعه مَن ليس به صمم؛ فهذا ينتفي فيه المحظور، إنما الكلام في الأصم الذي لا يسمع، وهو في الغالب ما دام أصمّ قد يكون أخرسَ أيضًا، وقد ذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة والمالكية إلى اشتراط السمع، لكن لم يشترطه الحنفية.

يقول أحد العلماء: لا خلافَ في مذهب مالك أن السمع والبصر والكلام مشترطة في استمرار ولايته، وليست شرطًا في جواز ولايته؛ وذلك أن من صفات القاضي في المذهب ما هو شرط في الجواز، فهذا إذا وُلّي عزل، ولكن تصح أحكامه وتنفذ قبل العزل، ومنها ما هي شرط في الاستمرار وليست شرطًا في الجواز، فهذا إذا ولي القضاء عزل ونفذ ما حكم به، إلا أن يكون مخالفًا لأحكام الشريعة.

error: النص محمي !!