Top
Image Alt

(سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة) للألباني

  /  (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة) للألباني

(سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة) للألباني

الترجمة لصاحب الكتاب:

نُعَرّفُ بالشيخ الألباني -رحمه الله- وقد ترجم له أكثر من واحدٍ من تلاميذه -بارك الله فيهم- وقد جمعنا هذه المادة من خلال تراجمهم له:

يقول الشيخ عبد الرازق الحمد أحد تلاميذه: هو العلامة الجهبذ، والمحدث الكبير ناصر السُّنّة، وقامع البدعة فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين ابن نوح نجاتي الألباني -رحمه الله- وهو نسب إلى ألبانيا وهي بلده، وأصبحت هذه النسبة عَلَمًا عليه فاشتُهر بها جدًّا عند أهل العلم جميعًا.

الشيخ الألباني -رحمه الله- ولد سنة 1332 هجرية الموافق سنة 1914 ميلادية في مدينة أشقودرة عاصمة ألبانيا آنذاك في هذا التاريخ سنة 1914 من الميلاد، ونشأ في أسرة فقيرة من بيت علم، لما كان الظروف هناك لا تساعد أهل التدين وأهل الإسلام على الإقامة فقد نزح ورحل مع والده -رحمه الله- من ألبانيا إلى سوريا، وهناك استقر في دمشق، وبدأ الشيخ دراسته الابتدائية في دمشق ثم تابع دراسته، لم تكن الدراسات النظامية منتشرة في العالم العربي آنذاك؛ فتعلم على يد مشايخ بعد المرحلة الابتدائية، تعلم القرآن على يد والده وختمه عليه مع بعضٍ من الفقه الحنفي، وقرأ على الشيخ سعيد البُرهاني (مراق الفلاح) و(شذور الذهب) وبعض كتب البلاغة، هذا أحد الشيوخ الشيخ سعيد البُرهاني، ومنحه الشيخ محمد راغب الطباخ إجازة في الحديث. أيضًا كان يتتبع مجلة المنار التي كان يُصدرها الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله.

في مرحلة مبكرة من عمره حُبب إليه طلب العلم تقريبًا في بداية العشرين، وتأثر جدًّا بمجلة المنار، وحُبب إليه علم الحديث بفضلٍ من الله -تبارك وتعالى- ومن ثَمّ أخذ يتردد على المكتبة الظاهرية، وهي مكتبة العامرة بسوريا، وأيضًا على المكتبات الخاصة مثل: مكتبة سليم القصيباني، والمكتبة العربية الهاشمية، وكان الشيخ -رحمه الله- يلبث في المكتبة، وقتًا طويلًا للبحث والاطلاع إلى درجة أنّه خصص له بالمكتبة الظاهرية غرفةً خاصةً للبحث والاطلاع، وقد ذُكِرَ عنه أنّه يصعد السُّلم ليتناول أحد الكتب من الرفوف، فإذا تناول الكتاب جلس ساعةً أو أكثر يقرأ وهو على السُّلم وقد نسي نفسه ووضعه -وضع الكتاب- على السُّلم وذلك من شغفه وحبه للقراءة.

أيضًا لأنّ الشيخ كان يتعيش ويكتسب رزقه من مهنة إصلاح الساعات التي ورثها عن والده فلم يُشغل بوظيفة نظامية تقتطع جزءًا كبيرًا من وقته وتشغله عن متابعة القراءة، إنّما امتهانه لمهنة حرة لا تحتاج إلى وقت نظامي بدءًا وانتهاءً منحه فرصة للقراءة المتوالية، وهو أيضًا في رحلة بحثه عن العلم التقى بكثير من العلماء الذين لهم عناية بالسُّنّة وبضروب العلم الأخرى، فالتقى -رحمه الله- بالشيخ حمدي الفقي، والشيخ أحمد شاكر، والشيخ عبد الرزاق حمزة، والشيخ محمد بن إبراهيم، والشيخ عبد العزيز بن باز، وقد كانت له به علاقة قوية وجلسات علمية عديدة ومفيدة.

نستطيع أن نقول: إنّ الشيخ الألباني في الحديث اشتغل به وبرز فيه، قرأ في كثيرٍ من العلوم، لكن الشيخ الألباني الصفة البارزة عليه أو السمة التي وضحت فيه بشكلٍ أكثر هو أنّه انتسب إلى مدرسة الحديث، وفي الحقيقة هو وكثيرٌ من المعاصرين له والمتقدمين عليه قليلًا أعادوا الاهتمام بدراسة الحديث مرة ثانية، فبعد جيل المتقدمين والمتأخرين تقريبًا من عصر السيوطي، وابن حجر، وابن عراق، وغيرهم نجد الدراسات الحديثية قد قَلَّتْ، ولم يعد فيها كثيرٌ من الجديد إلى أن جاءت هذه النخبة المباركة في عصرنا الحديث، وأعادت الاعتبار للدراسات الحديثية مرة ثاني، وقام الشيخ الألباني -رحمه الله- بدور بارز في ذلك كثيرًا معه الشيخ عبد الرزاق حمزة، معه الشيخ أحمد شاكر، معه الشيخ محمد حمدي الفقي معه كثير من العلماء الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا، وكلُّ هؤلاء كانت لهم جهود ومؤلفات في خدمة السُّنّة المطهرة -جزاهم الله خيرًا- لا نحصيهم حتى لا ننسى أحدهم، وهم كلهم فضلاء أعادوا -كما قلت- الرونق والجدية والاهتمام للدراسات الحديثية المتعلقة بالرجال، والتخريج، والاهتمام بمعرفة درجات الأحاديث قبل روايتها، كلُّ ذلك تقريبًا كان ضعف إن لم نقل اندثر في العصور المتأخرة حتى عاد إلى الاهتمام به على يد هؤلاء الأجلاء من العلماء، وكان من أبرعهم في ذلك الشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله وجزاه الله خيرًا- يعني الشيخ الألباني له جهود في السُّنّة كثيرة بعد مرحلة القراءة هذه، ومرحلة الاهتمام بالعلم، والالتقاء بالمشايخ والأخذ عنهم، والالتقاء بأقرانه وتبادل المنافع معهم… إلى آخره دخل إلى عصر التأليف؛ فألف كتبًا كثيرًا ربما تقترب من المائة، والمطبوع منها يزيد على سبعين كتابًا، ومن هذه الكتب المطبوعة المتداولة بين أهل العلم، والتي يعرف قدرها كل من اشتغل بالحديث ومدرسته، منها مثلًا: (سلسلة الأحاديث الصحيحة)، منها: (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)، منها: (إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل) في فقه الحنابلة، منها: (تلخيص أحكام الجنائز)، منها: (تلخيص صفة صلاة النبي صلى الله عليه  وسلم كأننا نراها)، ومنها: (التوسل أنواعه وأحكامه)، ومنها: (حجة النبي صلى الله عليه  وسلم) ومنها: (دفاعٌ عن الحديث النبوي والسيرة)، ومنها: (الحديث حجة بنفسه)، ومنها: ( جلباب المرأة المسلمة) ومنها (تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد)، له كتب كثيرة، ومصنفات عظيمة في العلم وأهله، جعل الله ذلك كله في موازين حسناته، وتقبلها منه، وجزاه عليها خير ما يجزي به عباده الصالحين المخلصين الذين يدافعون عن سنة النبي صلى الله عليه  وسلم.

تولى -رحمه الله- بعض الأعمال، قَدِمَ للمملكة العربية السعودية في سنة 1381 هجرية للتدريس في الجامعة الإسلامية بترشيح من سماحة الشيخ محمد إبراهيم -رحمه الله- ودرّس في الجامعة ثلاث سنوات، ثم رجع إلى سوريا، ثم إلى الأردن. رشحه الملك خالد -رحمه الله- عضوًا في المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة من عام 1395 هجرية. فاز بجائزة الملك فيصل العالمية -رحمه الله- لعام 1419 هجرية في فرع الدراسات الإسلامية، وذلك نظير الجهد الكبير، واجتهاده، وتفانيه في خدمة الإسلام، والعناية بسنة رسول الله صلى الله عليه  وسلم المتمثلة في تلك المؤلفات العظيمة التي خدم بها الحديث في سائر فنونه في شرح الأحاديث، وفي استنباط الأحكام الفقهية، وفي الحكم على الرجال، وفي التخريج، وبيان لدرجة الحديث.

يقولون أيضًا: من معالم حياته أنه لشدة محافظته على الوقت إذا رغب أحدٌ في زيارته للاستفادة منه حدد له وقتًا للزيارة؛ حتى لا تجور العلاقات الاجتماعية على وقت قراءة العلم.

والشيخ أيضًا له تلاميذ كثيرون تأثروا بعلمه، وأفادوا منه إفادة كبيرة جدًّا، وهم الآن ينتشرون في أرجاء العالم الإسلامي، يطبعون كتبه، ويعلقون عليها، ويوضحون فكره ومنهجه، ويردُّون على من يثيرون بعض الشبهات المتعلقة ببضع الآراء أو ما شاكل ذلك، هو مدرسة بكلِّ المفهوم العلمي لكلمة المدرسة التي أفادت واستفادت يعني: قرأت علم الآخرين وتفاعلت مع الأقران ثم أفاد منها التلاميذ، وفي الحقيقة دور التلاميذ معروف جدًّا في خدمة العلم قديمًا وحديثًا، وكم من أستاذ ضيعه تلاميذه، وكم من أستاذ نشر علمه تلاميذه فحافظوا عليه، وحفظوا له علمه، فالشيخ له تلاميذ كُثر بارك الله فيهم، ورزقنا وإياهم الإخلاص والتوفيق والسداد.

الشيخ الألباني -رحمه الله- أثنى عليه كبار العلماء المعاصرون له، وأئمة الزمان، وسألوه، وقدموه، وراسلوه، وضح من كلامهم ومن تعاملهم معه حبهم له، واحترامهم، وتقديرهم، ومعرفتهم بقيمته العلمية ومنزلته في خدمة السُّنّة… إلى آخره، نذكر بعض أقوالهم في هذا يقول الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-: ما رأيت تحت أديم السماء عالم بالحديث في العصر الحديث مثل العلامة محمد ناصر الدين الألباني، وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز عن حديث رسول الله صلى الله عليه  وسلم: “إنّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها” فسئل من هو مجدد هذا القرن؟ فقال -رحمه الله-: الشيخ محمد ناصر الدين الألباني هو مجدد هذا العصر في ظنّي.

وقال العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- في الشيخ الألباني -رحمه الله-: فالذي عرفته عن الشيخ من خلال اجتماعي به وهو قليل أنّه حريص جدًّا على العمل بالسُّنّة ومحاربة البدعة سواء أكانت في العقيدة أم في العمل، أما من خلال قراءتي لمؤلفاته فقد عرفت عنه ذلك، وأنّه ذو علمٍ جمٍّ في الحديث رواية ودراية، وأنّ الله تعالى قد نفع فيما كتبه كثيرًا من الناس من حيث العلم، ومن حيث المنهاج، والاتجاه إلى علم الحديث، وهذه ثمرةٌ كبيرةٌ للمسلمين، ولله الحمد.

ومن الأقوال في الثناء عليه أيضًا: قول سماحة المفتي الأسبق للمملكة العربية السعودية العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله- قال عن فضيلة الشيخ الألباني -رحمه الله-: وهو صاحب سُنّة، ونصرة للحق، ومصادمة لأهل الباطل. قال العلامة الشيخ زيد بن فياض -رحمه الله- عنه: فإنّ الشيخ محمد ناصر الدين الألباني من الأعلام البارزين في هذا العصر، وقد عُني بالحديث، وطرقه، ورجاله، ودرجته من الصحة أو عدمها، وهذا عملٌ جليلٌ من خير ما أُنفقت فيه الساعات وبذلت فيه المجهودات، وهو كغيره من العلماء الذين يصيبون ويخطئون، ولكن انصرافه إلى هذا العلم العظيم ممّا ينبغي أنْ يُعرف له بالفضل، وأنْ يشكر على اهتمامه به.

هذه بعض الأقوال في مكانة الشيخ ناصر الدين الألباني العلمية، وثناء العلماء العارفين به عليه، وتقديرهم لعلمهم ولجهده المبارك في خدمة السُّنّة المشرفة.

وفي مساء يوم السبت الثاني والعشرين من الشهر السادس من سنة 1420 هجرية الموافق للثالث من شهر أكتوبر سنة 1999 ميلادية انتقل العلامة الشيخ محمد ناصر الألباني إلى الرفيق الأعلى، وانضم إلى علماء كثيرين فقدتهم الأمة في نفس العام، وفي العامين السابقين عليه، وهذه سُنّةُ الله في كونه، مات في عمان عاصمة الأردن، وشيَّعه وصلى عليه خَلْقٌ كثير، وهذا يدل على مكانته العلمية عند العامة أيضًا كما هي عند العلماء، نسأل الله عز وجل أنْ يرحمه، وأنْ يغفر له، وأنْ يُسكنه فسيح جناته، وأنْ يجزيه الله -تبارك وتعالى- عن الإسلام والمسلمين خيرًا، وعن سُنّةِ رسول الله صلى الله عليه  وسلم الذي أنفق جُلّ حياته في الدفاع عنها، والتبصير بها، وتنقيتها، وتجليتها، ورد الشبه عليها. بارك الله في هذا العلم، ونفع به إلى يوم الدين، وجعل ذلك في موازين حسناته.

الكلام عن كتاب (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة):

ننتقل إلى الكلام عن كتاب الشيخ ناصر الدين الألباني -رحمه الله- الذي نحن بصدد دراسته، وهو (سلسلة الأحاديث الضعيفة، والموضوعة، وأثرها السيئ في الأمة)، هو وضع مقدمة يسيرة لكتابه، هذه المقدمة بَيّنَ فيها بعض النقاط التي نُلخصها فيما يلي:

بَيّنَ أنّ السُّنّة قد تعرضت لمحاولات الوضع الكثيرة، ولأسباب متعددة منها: الأسباب السياسية، والعصبية الجنسية، والمذهبية، ومنها: أحاديث الزهاد الذين يتصورون أنّهم يتقربون إلى الله تعالى بها بزعمهم، ومنها: ما وقع على سبيل الخطأ من غير قصد، وهذه الأحاديث الموضوعة منتشر بكثرة في كتب الفقه، والتفسير، والوعظ، والترغيب، والترهيب، وغيرها، وأيضًا كما انتشرت هذه الأحاديث فإنّه بحمد الله -تبارك وتعالى سخر لهذه الأحاديث طائفة من الأئمة بينوا ضعفها، وكشفوا عورها، ووضحوا وضعها، واستدل على ذلك بأقوال بعض العلماء مثل كلمة ابن المبارك -رحمه الله تبارك وتعالى- حين سئل عن الأحاديث الموضوعة فقال: تعيش لها الجهابذة من العلماء.

ينتقل الشيخ الألباني إلى نقطة مهمة يبين فيها أنّ جهد العلماء هذا ممّا يؤكد علينا وجوب الاستمرار -يعني: يراه أمرًا واجبًا حتميًّا- في نشر الأحاديث الضعيفة والموضوعة؛ لتحذير الناس منها، وقيامًا بواجب بيان العلم، ونجاة من إثم كتمانه. هذا كله في المجلد الأول من السلسلة، يرى أنّ بيان الصحيح من الصحيح من الضعيف من الموضوع من السُّنّة أمر واجب يتحتم على أهل العلم المختصين أنْ يقوموا به تحذيرًا للناس منها؛ حتى لا يستعملوها في خطبهم، وفي كتبهم، ومؤلفاتهم، ودروسهم… إلى آخره، وقيامًا بواجب بيان العلم، وحتى ننجو من إثم كتمانه -والعياذ بالله- ثم بَيّنَ بعد ذلك أنّه لا يُقلد أحدًا فيما يُصدره من أحكامٍ على تلك الأحاديث، وإنّما يتبع القواعد العلمية التي وضعها أهل الحديث، وجروا عليها في إصدار أحكامها على الأحاديث من صحةٍ أو ضعفٍ أو وضعٍ، وذلك في عهد ازدهار الحياة الإسلامية والعلم الإسلامي ثم سأل الله -تبارك وتعالى- أن يكون قد وُفق لاتباعها، ولتعريف المسلمين عمليًّا بها أو ببعضها، ثم بين بعد ذلك أن كثيرًا من الفضلاء نصحوا بنشر دراسته هذه -أي: التي ميز فيها الأحاديث- عبر كلّ وسيلة ممكنة إعلامية أو غيرها كالإذاعات، والصحف، والمجلات، والشرائط، والكتب، وغيرها، وأنّه قد نشرها في بعض المجلات ولاقت رواجًا وقبولًا، ثم طُبِعَتْ بعد ذلك في أجزاء متعاقبة هي معروفة بين الناس الآن تحت عنوان (سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وأثرها السيئ في الأمة) وقد طبعت في أجزاء كثيرة لا نتكلم عن أجزائها؛ لأنّها حسب المطبعة التي طبعت اختلفت في عدد الأجزاء.

ثم بعد هذه النقاط التي تكلم فيها انتقل إلى تمهيد في الأحاديث الضعيفة والموضوعة ضَمّنَهُ العناصر الآتية:

أولًا: من المصائب العظمى -على حدِّ تعبيره- التي نزلت بالمسلمين منذ العصور الأولى انتشار الأحاديث الضعيفة والموضوعة، لا أستثنى منهم أحدًا ولو كانوا علماءهم -هكذا يقول- إلّا من شاء الله منهم من أئمة الحديث ونقاده كالبخاري، وأحمد، وابن معين، وأبي حاتم الرازي، وغيرهم يعني: هو يرى أنّ الأحاديث الضعيفة انتشرت، وملأت أرجاء العالم الإسلامي، وحتى العلماء وقعوا في ذلك ولم ينجوا من هذا إلّا كبار المحدثين كالبخاري، وابن معين، والإمام أحمد، وأبي زرعة، وغيرهم، وأبي حاتم، ثم يقول: كان لانتشار هذه الأحاديث الضعيفة والموضوعة مفاسد شديدة، وآثار خطيرة في العقائد والتشريعات وغيرها؛ طبعًا لأنّ الوضاعين لم يتركوا ميدانًا بدون وضع، يحاولون أنْ يشوهوا الدين وقد تعددت أهدافهم، وأغراضهم، لكن الله قيض لهذه الأحاديث من تصدى لها مميزًا لصحيحها من سقيمها، وغثها من ثمينها، وهؤلاء هم أئمة الحديث النبوي، وحاملو ألوية السُّنّة المطهرة الذين دعا لهم رسول الله صلى الله عليه  وسلم بقوله صلى الله عليه  وسلم: ((نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها؛ فرب حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه)) هذا رواه الترمذي في كتاب (السُّنّة) وحكم عليه بأنّه حديثٌ حسنٌ صحيحٌ من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله  عنه.

ثم أشار إلى بعض جهود العلماء في ذلك قديمًا وحديثًا الذين ألفوا خاصةً في تمييز الصحيح من غيره، وفي تخريج الأحاديث كابن حجر مثلًا في (تلخيص الحبير) وغيره ممّن نحوا هذا المنحى.

ثم أشار إلى خطورة الكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم وأنّه لا يجوز نشر الأحاديث وروايتها دون التثبت من صحتها، وأن من فعل ذلك فهو حسبه من الكذب على رسول الله صلى الله عليه  وسلم واستدل في هذا المقام بما ذكرناه مرارًا وهو الحديث المتواتر الذي ورد عن أكثر من مائة صحابي: ((من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)) والحديث الذي رواه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه: ((إن كذبًا عليّ ليس ككذب على أحد…)) إلى آخره، وحديث: ((من يُرى أو يَرى أنّه كذب فهو أحد الكاذبين أو أحد الكاذبِين أو أحد الكاذبَين)) كما وردت الروايات المتعددة بها. هذه أهم النقاط التي ضمّنها الشيخ الألباني -رحمه الله- تعالى مقدمته التي وضعها لهذه السلسلة التي خصصها للأحاديث الضعيفة والموضوعة.

اسم الكتاب:

التسمية التي سماها سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة -كما سماها بهذا- وأثرها السيئ في الأمة؛ إذن هي سلسلة نشرها على مراحل متعددة؛ ولذلك سميت سلسلة، واسمها سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة. التسمية تُشعر بأنّ السلسلة ليست في الأحاديث الموضوعة فقط أو في الأحاديث الضعيفة فقط، وإنّما هي تجمع بين الأحاديث الضعيفة والأحاديث الموضوعة، وفي متابعة عمله حينما ننتقل إليه بشكل تطبيقي سيتضح فعلًا أنّه قد جمع في هذه السلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة.

نسبة الكتاب للشيخ الألباني: هذا أمرٌ معروفٌ؛ لأنّه من العلماء المعاصرين الذين ملأت المطابع الدنيا بكتبهم، ويعرفها كلُّ من له اشتغال بالحديث وعلومه، فهو أمر أشهر من أن نتكلم فيه؛ لأنّه ليس من الأقدمين الذين نحتاج إلى أدلة على نسبة الكتاب إليهم، فننقل أقوال العلماء في ذلك ونقولهم من الكتاب… إلى آخره، فهذا أمر قد اشتُهر واستُفيض في زماننا هذا. هذا من حيث التسمية.

ملامح منهج الشيخ الألباني في كتابه:

إذا انتقلنا إلى تحديد ملامح منهج الشيخ الألباني -رحمه الله- في كتابه هذا، فسنجمع مجموعة من العناصر نوضحها توضيحًا نظريًّا ثم نعود إليها بتأكيد عملي:

هو أولًا لا يذكر إسنادًا للحديث بل يورد الحديث بدون إسناد، ثم ينتقل بعد ذلك إلى من خرَّجه، وقبل التخريج يذكر الحكم عليه يقول: باطل أو كذا، ونحن سنقف مع ألفاظه التي استعملها؛ إذن هو لا يذكر إسنادًا، يذكر الحديث فقط، ثم يذكر الحكم على الحديث في كلمة موجزة، ثم يذكر من خرجه يقول: أخرجه النسائي مثلًا، أخرجه فلان… إلى آخره، والأمثلة التطبيقية التي ستأتي بعد ذلك ستوضح ذلك جيدًا، يذكر إسناد المصدر الذي اعتمد عليه يعني: هو نعم لا يذكر الإسناد أولًا، ولكن يذكر إسناد المصدر الذي اعتمد عليه ونقل منه، حين نقول: لا يذكر إسنادًا نقصد أنّه لا يذكر إسنادًا للمتن قبل أنْ يورده كما هو شان الحديث دائمًا، وكما فعل ذلك كثيرٌ ممّن كتبوا في الموضوعات وغيرها مثل: ابن الجوزي ومثل السيوطي وغيره يذكرون إسناد الحديث سواء إسناده هو كراوٍ مثل ما فعل ابن الجوزي أو إسناد الكتاب الذي نقل منه أو نقل عنه، هنا الشيخ الألباني كصنع كثير أيضًا مثل المقدسي وغيره يذكر الحديث بدون إسناد، ثم يحكم عليه، ثم يعزوه إلى من ذكره، ثم يذكر الإسناد بعد ذلك موجزًا، ويحكم أو يستعين بكلام العلماء؛ إذن وصلنا الآن إلى أنّه يذكر الإسناد -أقصد إسناد المصدر الذي عليه- وأحيانًا لا يذكر الإسناد كاملًا، وسنضرب أمثلة بعد قليل -إن شاء الله.

ينقل أيضًا حكم صاحب الكتاب عليه يقول مثلًا: رواه النسائي، يقول: النسائي قال: كذا إلى آخره. يشير إلى موطن العلة في الإسناد كما هو صنيع كثيرٍ من الذين يكتبون في هذا، وأحيانًا يضيف أيضًا ذكر العلة في المتن، فيقول مثلًا: هذا الحديث لا يصح إسنادًا ولا متنًا، ثم يذكر علة أو علل الإسناد، ثم يذكر أيضًا العلة في المتن.

من ملامح منهجه أيضًا: أنّه -رحمه الله- يطول نفسه جدًّا في دراسة الأحاديث والحكم عليها، أحيانًا يصل إلى خمس صفحات في دراسة الحديث الواحد كما في الحديث الثاني حديث: ((من لم تنهه صلاته…)) إلى آخره.

أيضًا من معالم منهجه: أنّه يستشهد بأقوال العلماء المتقدمين منهم والمتأخرين أيضًا، من المتقدمين مثل: الإمام أحمد، والبخاري، وابن عدي، وابن معين، والمديني، والدارقطني، والنسائي، وغيرهم، ومن المتأخرين: كالسيوطي، وابن حجر، والذهبي، وأحيانًا يفصل بينهم، ولا ننسى أنّه قد اشترط على نفسه أو وضع لنفسه منهجًا هو واضحٌ أيضًا في كتابه، وهو أنّه لم يلتزم بقول واحد معين أو محدد، بل يقبل منهم ويرد؛ لأنّه -كما قال- طبق المعايير العلمية التي وضعها العلماء للحكم على الأحاديث، وأنّه رجا أنْ يكون قد وُفق إلى تطبيق ذلك، وأن يكون هذا الأمر مدعاة لناشئة المسلمين أنْ يستوعبوه وأنْ يطبقوه، فهو منهج قلَّما يوجد له نظير في دنيا الفكر الإنساني بشكل عام في سائر الفنون والعلوم.

أيضًا يعقب على أحكام العلماء، سنضرب أمثلة لكل ما ذكرناه، هو لم يرتب الأحاديث ترتيبًا معينًا لا على الترتيب الفقهي، ولا على الترتيب الأبجدي، إنّما هو يذكر الأحاديث كيفما اتفق، وهو نص على ذلك في مقدمته، أنّه لم يرتبها على ترتيب معين ولا على نسق معين -يعني: لا هي حسب الترتيب الفقهي، ولا هي حسب الترتيب الأبجدي المشهور عند العلماء للعلوم لترتيب الأحاديث، إنما يذكرها حيثما اتفق، وبدأ بحديثين ذكرهما أحد الفضلاء على حدِّ تعبيره، وهو يتكلم عن الإسراء والمعراج وفوائده، فوجد أنّه استخدم أو استدل بحديثين بدأ سلسلته بالكلام عنهما ليدل على أنّه لم يلتزم بترتيبٍ معين في إيراده للأحاديث. هذه أهم ملامح المنهج الذي سار عليه الشيخ الألباني -رحمه الله- في دراسته للأحاديث الضعيفة والموضوعة.

ننتقل إلى ضرب الأمثلة التطبيقية على المنهج الذي اتبعه:

الحديث الأول من السلسلة “الدين هو العقل، ومن لا دين له لا عقل له” هذا لم يذكر إسناده، لكنه سيذكر الإسناد الذي نقل عنه بعد ذلك، وحكم عليه قال: باطل أخرجه النسائي في (الكنى) وعنه الدولابي في (الكنى والأسماء) إذن عزاه إلى مصدر وهو النسائي في الكنى -كتاب (الكنى)- رواه عنه الدولابي في (الكنى والأسماء) عن أبي مالك بن بشر بن غالب عن الزهري عن مجمع بن جرير مرفوعًا دون الجملة الأولى، هنا ذكر الإسناد مختصرًا كما ذكرنا دون الجملة الأولى، وهي: “الدين هو العقل” يعني: يقصد من لا دين له لا عقل له، وقال النسائي: هنا نقل حكم صاحب الكتاب: هذا حديث باطل منكر، قلت: يقصد نفسه الشيخ ناصر الألباني -رحمه الله- وآفته بِشرٌ هذا، فإنّه مجهول كما قال الأزدي، وأقره الذهبي في (ميزان الاعتدال في نقد الرجال) والعسقلاني في (لسان الميزان) وقد أخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده في “زوائده” عن داود بن المحبر بضعًا وثلاثين حديثًا في فضل العقل. قال الحافظ ابن حجر: كلها موضوعة، ومنها هذا الحديث كما ذكره السيوطي في (ذيل اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) يذكر هنا كل المصادر بالجزء والصفحة؛ لأنّ الشيخ الألباني -رحمه الله- يعيش في عصر المطبوعات، هذا من معالم منهجه أيضًا، كلما ذكر قولًا عزاه إلى مصدره يعني: يقول: قال السيوطي الحارث بن أبي أسامة في “مسنده” يذكر الجزء والصفحة، ومنها هذا الحديث كما ذكره السيوطي في (ذيل اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) ونقله عنه العلامة محمد بن طاهر الفتان الهندي في (تذكرة الموضوعات) وداود بن المحبر قال الذهبي: صاحب (العقل) وليته لم يصنفه. قال أحمد: كان لا يدري ما الحديث. وقال أبو حاتم: ذاهب الحديث غير ثقة. وقال الدارقطني: متروك، وروى عبد الغني بن سعيد عنه قال: كتاب (العقل) وضعه ميسرة بن عبد ربه ثم سرقه منه داود بن المحبر فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة، وسرقه عبد العزيز بن أبي رجاء ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزي، وممّا يحسن التنبيه عليه أن كل ما ورد في فضل العقل من الأحاديث لا يصح منها شيءٌ، وهي تدور بين الضعف والوضع -هذا كلامه أيضًا مستمر- وقد تتبعت ما ورده منها أبو بكر بن أبي الدنيا في كتابه (العقل وفضله) فوجدتها كما ذكرت لا يصح منها شيءٌ، ثم يعقب على بعض العلماء الذين قبلوها ولم يعلقوا عليها، وقال العلامة ابن القيم في (المنار): أحاديث العقل كلها كذب. انتهى كلامه عن الحديث الأول.

لو أردنا تطبيق العناصر التي حددناها بشكل نظري من معالم منهجه قلنا: إنّه لم يذكر إسنادًا، حكم على الحديث فقال: باطل، عزاه إلى النسائي وذكر إسناده مختصرًا، نقل قول النسائي: هذا حديث باطل، بَيّنَ علة الإسناد بقوله: وآفته بِشرٌ هذا فإنّه مجهول، نقل عن العلماء أحكامهم على الراوي الذي حددها هو كعلة للحديث، ثم وسع الكلام في أنّ داود بن المحبر قد وضع بضعًا وثلاثين حديثًا في فضل العقل وكلها موضوعة، وفي النهاية قال: ممّا يحسن التنبيه عليه أن كل ما ورد في فضل العقل للأحاديث لا يصح، أولًا تتبعها هو كما ذكر ودرستها وبَيّنَ أنّها كذلك، ثم استعان بقول ابن القيم -رحمه الله- في (المنار): أحاديث العقل كلها كذب، ثم اعترض على من حقق كتاب ابن أبي الدنيا في العقل وفضله ولم يعترض على تلك الأحاديث.

الحديث الثاني: “من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا” باطل هذا حكمه، وهو ما اشتهاره على الألسنة لا يصح من قبل إسناده ولا من جهة متنه؛ إذن هو هنا يبين أنّ الحديث معلولٌ إسنادًا ومتنًا، فيقول: لا يصح من قبل إسناده ولا من قبل متنه، أما إسناده فقد أخرجه الطبراني في (المعجم الكبير) هذا التخريج الذي نقول: يعزو الحديث جزء 3 صـ106، والقضاعي في (مسند) الشهاب، وابن أبي حاتم كما في (تفسير) ابن كثير، و(الكواكب الـدرية)… إلى آخره من طريق ليث عن طاوس عن ابن عباس، حكم على الحديث باطل بَيّنَ أنّه معلولٌ سندًا ومتنًا، خَرّجه أو عزاه إلى المصادر التي روته، ذكر الإسناد بإيجاز عن ليث عن طاوس عن ابن عباس، وهذا إسنادٌ ضعيفٌ من أجل ليث هذا، وهو ابن أبي سٌليم، فهو إنّه ضعيف. قال الحافظ ابن حجر في ترجمته من (تقريب التهذيب): صدوق اختلط أخيرًا ولم يتميز حديثه فتُرك، وبه أعله الهيثمي في (مجمع الزوائد)، وقال شيخه الحافظ العراقي في (تخريج الإحياء): إسناده لين، هنا نرى أنّه قد عزا إلى العلماء واستعان بأحكامهم على ما قاله، وحدد بالجزء والصفحة النقل أو العزو الذي ذكره؛ حتى يرجع إليه من يريد أن يرجع ويستوثق من سلامة الحكم الذي ذكره، قلت -يعود ليتكلم ويقول-: وقد أخرجه الحافظ ابن جرير في (تفسيره) هذا الحديث بالمناسبة من الأحاديث التي طال نفس الشيخ الألباني جدًّا في دراستها استغرق حوالي خمس صفحات كما ذكرت -يعني: من الأمثلة على هذا- وله مناقشات مع العلماء، قلت: وقد أخرجه الحافظ ابن جرير في (تفسيره) من طريقٍ أخرى عن ابن عباس موقوفًا عليه من قوله، ولعله الصواب، وإن كان في إسناده رجل لم يُسَم، ورواه الإمام أحمد في كتاب (الزهد) صـ 159 يشير هنا إلى مصادر أخرى وتخريجات أخرى للحديث، والطبراني في (المعجم الكبير) عن ابن مسعود موقوفًا عليه، إذن هو ورد عن ابن عباس موقوفًا عليه، ويقول: ولعله الصواب وإن كان في سنده رجلًا لم يُسَم، ورواه الإمام أحمد في كتاب (الزهد)، والطبراني في (المعجم الكبير) عن ابن مسعود موقوفًا عليه بلفظ: “من لم تأمره الصلاة بالمعروف، وتنهاه عن المنكر لم يزدد بها إلا بعدًا” وسنده صحيحٌ كما قال الحافظ العراقي، هنا اعتمد على أقوال العلماء في الحكم بالصحة على الإسناد، فرجع الحديث إلى أنّه موقوف، ثم رأيته في (معجم) ابن الأعرابي قال 193: بأن عبد الله -يعني: ابن أيوب المخرمي- عن يحيى بن أبي بكير عن إسرائيل عن إسماعيل بن أبي الحسن قال: لما نزلت هذه الآية: { إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45] قال رسول الله: فذكره، وهذا مرسل، وإسماعيل هو ابن مسلم، فإن كان أبا محمد البصري فهو ثقة، وإن كان أبا إسحاق المكي فهو ضعيف، لكن قال الحافظ العراقي: رواه علي بن معبد في كتاب (الطاعة والمعصية) من حديث الحسن مرسلًا بإسنادٍ صحيحٍ قلت: أن إسناده إلى الحسن صحيح، ولا يلزم منه أن يكون الحديث صحيحًا لما عُرِفَ من علم مصطلح الحديث أنّ الحديث المرسل من أقسام الحديث الضعيف عند جمهور علماء الحديث، ولا سيما إذا كان من مرسل الحسن وهو البصري، قال ابن سعد في ترجمته: كان عالمًا جامعًا رفيع الثقة… إلى آخره، أما ما أرسله فليس بحجة، وحتى إنّه لو فُرِض أنّ الحسن وصل الحديث وأسنده -يعني: ليس موقوفًا عليه وإنما رفعه- ولم يصرح بالتحديث أو بسماعه من الذي أسنده إليه كما لو قال عن سمرة أو عن أبي هريرة لم يكن حديثه حجة، فكيف لو أرسله كما في هذا الحديث؟!

قال الحافظ الذهبي في (ميزان الاعتدال): كان الحسن كثير التدليس، فإذا قال في حديثٍ عن فلان ضعف احتجاجه، ولا سيما عمّن قيل: إنّه لم يسمع منهم كأبي هريرة ونحوه، فعدوا ما كان له عن أبي هريرة في جملة المنقطع على أنه قد جاء الحديث عن الحسن من قوله أيضًا: لم ينسبه إلى النبي صلى الله عليه  وسلم كذلك أخرجه الإمام أحمد في (الزهد) وإسناده صحيح، وكذلك رواه ابن جرير من طرقٍ عنه وهو الصواب؛ إذن هو يحدّث أنّه موقوفٌ على ابن عباس أو على عبد الله بن مسعود أو على الحسن وهو الصواب، وحتى لو ورد مسندًا موصولًا من طريق الحسن فهو ليس بحجة إذا كان روي عمّن قيل فيهم: إنه لم يسمع منهم كأبي هريرة ونحوه.

يقول: ثم وجدت الحديث في (مسند) الشهاب؛ إذن هو تتبع طرقه من طريق مقدام بن داود قال: أنبأنا علي بن محمد بن معبد بسنده المشار إليه آنفًا على الحسن مرفوعًا، إذن ورد الحديث عن الحسن مرفوعًا، مقدام هذا الذي رفعه قال النسائي: ليس بثقة، فإن كان رواه غيره عن علي بن معبد وكان ثقةً فالسند الصحيح مرسل كما سبق عن العراقي وإلّا فلا يصح.

وجملة القول بعد هذا الطواف -يعود ويلخص ما يقول- وجملة القول أنّ الحديث لا يصح إسناده إلى النبي صلى الله عليه  وسلم وإنّما صح من قول ابن مسعود، والحسن البصري، ورُوي عن ابن عباس؛ ولهذا لم يذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب “الإيمان” إلّا موقوفًا على ابن مسعود وابن عباس  رضي الله  عنهم، وقال ابن عروة في “الكواكب” إنّه الأصح.

حديث: “من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بُعدًا” وقلنا: إن معالم المنهج في الحديث أنه حَكم عليه وقال: باطل, ثم قال: إنه مع اشتهاره على الألسنة لا يصح من قِبَلَ إسناده ولا من جهة متنه, إذن بيَّن أنه معلولٌ إسنادًا ومتنًا, ثم تكلم عن الذين خرَّجوه فعزاه إلى الطبراني في (المعجم الكبير) والقضاعي في (مسند الشهاب) وابن أبي حاتم, كما في تفسير ابن كثير وفي (الكواكب الدراري) إلى آخره من طريق ليثٍ عن طاوس عن ابن عباس, ذكر الإسناد مختصرًا, ثم شرع يتكلم في علل الإسناد, وانتهى إلى أنَّ الحديث لم يرد مرفوعًا من طريقٍ صحيحٍ, وإنما هو موقوفٌ من كلام ابن عباس, وابن مسعود, ومن كلام الحسن البصري, وهذا أصح, ثم انتقل إلى الكلام على العلة من ناحية المتن, وكلما يرد هذا الأمر نقف معه؛ لأنه يدل على عظمة المدرسة الحديثيَّة, إنها مدرسة عظيمة فعلًا, وضعوا من قواعدهم أنه لا تلازم بين صحة الإسناد وصحة المتن, فقد يصح الإسناد ولا يصح المتن, والعكس أيضًا صحيح, أي قد لا يصح الإسناد مع صحة المتن, هذا يدل على أن للمتن معاييره في دراسته, وكذلك للإسناد قواعده في دراسته, لا يقول قائل: إن المدرسة الحديثيَّة اهتمت بالإسناد دون المتن أو العكس, لا؛ إنما اهتمت بكليهما, بل إن علم المصطلح -كما ذكرنا مرارًا قبل ذلك- كل قواعده تدور إما حول بيان أحوال الرَّاوي أو أحوال المرْوِيِّ, يقولون: هو علم الحديث دراية ورواية, القواعد التي تضمنت الحكم على الرَّاوي, والقواعد التي تضمنت الحكم على المروِيِّ.

نحن الآن في مثالٍ تطبيقي لهذا: بعد أن أعلَّ الشيخُ الحديثَ سندًا “من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدًا” قال: وأما متن الحديث فإنه لا يصح؛ لأن ظاهره يشمل من صلَّى صلاةً بشروطها وأركانها بحيث إن الشرع يحكم عليها بالصحة, وإن كان هذا المصلِّي لا يزال يرتكب بعض المعاصي, فكيف يكون بسببها لا يزداد بهذه الصلاة إلا بُعدًا هذا مما لا يُعقل, ولا تشهد له الشريعة؛ ولهذا تأولَّه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: وقوله: “لم يزدد إلا بعدًا” إذا كان ما ترك من الواجب منها أعظم مما فعل أبعده ترك الواجب الأكثر من الله أكثر مما قرَّبه فعل الواجب الأقل, وهذا بعيدٌ عندي يعني -يعقب على فهم شيخ الإسلام يقول: وهذا بعيدٌ عندي- لأن ترك الواجب الأعظم منها معناه ترك بعض ما لا تصح الصلاة إلا به, كالشروط والأركان, وحينئذٍ فليس له صلاة شرعًا, ولا يبدو أن هذه الصلاة هي المرادة في الحديث المرفوع والموقوف, بل المراد الصلاة الصحيحة التي لم تُثبت ثمرتَها التي ذكرها الله تعالى في قوله تعالى: { إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45] وأكدها رسول الله صلى الله عليه  وسلم لما قيل له: إن فلانًا يصلي الليل كله فإذا أصبح سرق, فقال: ((سينهاه ما تقول)) أو قال: ((ستمنعه صلاته)) هذا الحديث رواه أحمد والبزار, والطحاوي في (مشكل الآثار) والبغوي في حديث علي بن الجعد, وأبو بكر الكلاباذي في (مفتاح معاني الآثار) بإسنادٍ صحيح من حديث أبي هريرة, فأنت ترى أن النبي صلى الله عليه  وسلم أخبر أن هذا الرجل سينتهي عن السرقة بسبب صلاته إذا كانت على الوجه الأكمل طبعًا كالخشوع فيها والتدبر في قراءتها, ولم يقل: إنه لا يزداد بها إلا بعدًا مع أنه لمَّا ينته عن السرقة, ولذلك قال عبد الحق الإشبيلي في (التهجد): يريد عليه السلام أن المصلي على الحقيقة المحافظ على صلاته الملازم لها تنهاه صلاته عن ارتكاب المحارم والوقوع في المحارم, فثبت بما تقدَّم ضعف الحديث سندًا ومتنًا.

إذن هو درسَ السّند وبيَّن علله, ودرس الإسناد وبيَّن أنه يتعارض مع ظاهر القرآن والسنة؛ الصلاة قُربة إلى الله عز وجل فكيف تكون سببًا للبعد عن الله عز وجل وإذا قيل: إن المراد في الصلاة أي الصلاة الناقصة أو تُرك فيها الأكمل أو الأوجب, استَبعد هذا من ظاهر الحديث, أي أن الظاهر يدل على أنه يقصد أن الصلاة صحيحة, واستدل على ذلك.

وخلاصة الأمر أن من منهجه أنه طال نفَسُه في دراسة الحديث إسنادًا ومتنًا, حَكَم على الإسناد بما يليق بحاله بعد تجميع كل طرقه أو بعد جمع كل طرقه الموقوف منها وكذا, والرجوع إلى المصادر المتعددة, ثم نظر في المتن ولم ينته كلامه بعد, إنما واصل كلامه بأمثلةٍ أخرى تدل على سلامة ما ذهب إليه.

يقول: “همة الرجال تُزيل الجبال” ليس بحديث. قال الشيخ إسماعيل العزوني في (كشف الخفا): لم أقف على أنه حديث.

هنا لم يدرس إسنادًا ولا متنًا, لكن نقل بعضهم -هذا كلام العجلوني كما ينقلون- لم أقف على أنه حديث, لكن نقل بعضهم عن الشيخ أحمد الغزالي أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم: “همة الرجال تقلع الجبال” فليراجَع.

قلت: -هذا كلام الشيخ الألباني -رحمه الله- قد راجعنا مظانَّه في كتب السُّنَّة فلم نجد له أصلًا, وإيراد الشيخ أحمد الغزالي له لا يثبته؛ فليس هو من المحدثين, وإنما هو مثل أخيه محمد من فقهاء الصوفية, وكم في كتاب أخيه (الإحياء) من أحاديث جزم بنسبتها إلى النبي صلى الله عليه  وسلم وهي مما يقول الحافظ العراقي وغيره فيها: لا أصل لها!

انتقل إلى حديث: “الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهائم الحشيش” لا أصل له, أورده الغزالي في (الإحياء) فقال مُخَرِّجه الحافظ العراقي: لم أقف له على أصلٍ, وبيَّض له الحافظ في تخريج (الكشَّاف) وقال عبد الوهاب ابن تقي الدين السبكي في (طبقات الشافعية): لم أجد له إسنادًا, والمشهور على الألسنة “الكلام المباح في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب” وهُو هُو.

هنا لم يذكر إسنادًا؛ لأنه أصلًا لم يقف له على أصل, وبالتالي فلا دراسة هنا, ومِن ثَمَّ جاءت الدراسة مختصرة؛ لأننا أمام نصٍّ لا أصل له, لم يُذكَر له إسناد حتى يُدرس هذا الإسناد وتُبيَّن علله؛ ولذلك اكتفى هنا بنقل أقوال العلماء التي بيَّنت أنه لا أصل له رغم إيراد الغزالي له في (الإحياء) والحافظ العراقي قال: لم أقف له على أصلٍ, والشيخ السبكي الابن- في (طبقات الشافعية) قال: لم أجد له إسنادًا, إلى آخره.

إذن هناك بعض الأحاديث بطبيعتها اقتضت قِصَر النَّفس لم يكن عن تقصيرٍ في الدراسة, وإنما لأنها لم ترد في كتبٍ كثيرةٍ من ناحيةٍ, وفي نفس الوقت لا يوجد لها إسنادٌ يُدرس حتى يُحكم على هذا الإسناد بما يليق بحاله.

“هنا تَنَكَّبوا الغبار فإنه منه تكون النَّسَمة” أو “النِّسْمَة” يقول: لا أعلم له أصلًا. هذا حكمه عليه, أورده ابن الأثير في مادة “نَسَمَ” من (النهاية) وذكر أنه حديث ولا أعرف له أصلًا مرفوعًا, وقد روى ابن سعد في (الطبقات الكبرى) فقال: “وقال عبد الله بن صالح المصري عن حرملة بن عمران, عمن حدثهم, عن ابن سندر قال: أقبل عمرو بن العاص وابن سندر معهم, فكان ابن سند ونفرٌ معه يسيرون بين يدي عمرو بن العاص, فأثاروا الغبار, فجعل عمرو طرف عمامته على أنفه ثم قال: اتقوا الغبار فإنه أوشك شيء دخولًا وأبعده خروجًا, وإذا وقع على الرئة صار نسمة”.

وهذا مع كونه موقوفًا لا يصح من قبل سنده لأمور:

ذَكر عِلل الإسناد الأول: أن ابن سعد علَّقه فلم يذكر الواسطة بينه وبين عبد الله بن صالح.

الثاني: أن ابن صالح فيه ضعف وإن روى له البخاري, فقد قال ابن حبان: كان في نفسه صدوقًا, إنما وقعت المناكير في حديثه من قِبَلِ جارٍ له, فسمعت ابن خزيمة يقول: كان بينه وبينه عداوة, كان يضع الحديث على شيخ ابن صالح, ويكتب بخطٍّ يشبه خط عبد الله ويرميه في داره بين كتبه, فيتوهم عبد الله أنه خطُّه فيُحدِّث به.

الثالث: أن الواسطة بين حرملة بن سندر لم تُسَمَّ فهي مجهولة.

هنا يبيِّن عِلل الإسناد, ولكن أقف وقفة يسيرة مع ابن عبد الله بن صالح المصري, وهو من كبار العلماء ومن الثقات؛ لأن الشيخ أعلَّ الحديث به يقول أنَّ ابن صالح فيه ضعفٌ وإن روى له البخاري, ونقل قول ابن حبان فيه, وقد يسمع هذا بعضُ الدارسين الذين لم تتعمق خبرتهم بعد في دراسة الحديث فيتصور أن هذا اتهام لعبد الله بن صالح, أو للبخاري كيف يروي عن الضعفاء؟ لو حدث أنَّ بعض من رُوي له في الصحيحين متكلَّم فيه انتقى صاحبا الصحيحين من أحاديثه ما اطمأنوا لصحته بالاحتكام إلى معايير علمية واضحة في هذا الصَّدَد, فليس معنى أن الرَّاوي فيه ضعف معنى أن كل أحاديثه ضعيفة أو مردودة, لا وإنما ينتخبونها مع أن ابن صالح معدودٌ عند كثير من العلماء بأنه من الثقات الكبار, أنا فقط أردت أن أنبه إلى هذا الأمر حتى لا تثور شكوكٌ حول الصحيحين وأحاديثهما ورواتهما.

“اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا, واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا” لا أصل له مرفوعًا وإن اشتُهر على الألسنة في الأزمنة المتأخرة, حتى إن الشيخ عبد الكريم العامري الغَزِّي لم يورده في كتابه (الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث) وقد وجدت له أصلًا موقوفًا، رواه ابن قتيبة في (غريب الحديث): حدثني السجستاني حدثني الأصمعي عن حماد بن سلمة عن عُبيد الله بن العيزار عن عبد الله بن عمرو أنه قال, فذكره موقوفًا عليه, إلا أنه قال: “احرث لدنياك” من الحرث, وعبد الله بن العيزار لم أجد من ترجمه, ثم وقفت عليها في (تاريخ البخاري) و(الجرح والتعديل) بدلالة بعض أفاضل المكِّيين نقلًا عن تعليقٍ للعلامة الشيخ عبد الرحمن المُعَلِّمي اليماني -رحمه الله تعالى- وفيها يتبيَّن أن الرجل وثَّقَه يحيى بن سعيد القطان, وأنه يروي عن الحسن البصري وغيره من التابعين, فالإسناد منقطع, ويؤكده أنني رأيت الحديث في زوائد (مسند الحال) للهيثمي من طريقٍ أخرى عن ابن العيزار, قال: لقيت شيخًا بالرَّمل من الأعراب كبيرًا فقلت: لقيتَ أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه  وسلم؟ فقال: نعم. فقلت من؟ فقال عبد الله بن عمرو بن العاص… إلى آخره.

وهذا الاتساع في الرجوع إلى المصادر شيءٌ طيب جدًّا يبيِّن التتبع والتقصي الدقيق للحكم على الحديث في نهاية الأمر بشكل عمليٍّ وبشكل علميٍّ دقيقٍ ينتهي إلى أن الحديث لم يرتق إلى درجة القوة, وأن بعض الأحاديث فيها غُنية عنه من الصحيح, مثل: ((إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه, فسددوا وقاربوا وأبشروا…)) إلى آخره.

في صفحة 66 في حديث 11: “إنما بعثت معلِّمًا” يقول: ضعيف، حَكم عليه بأنه ضعيف, لم يقل: موضوع. وقال: أخرجه الدارمي كطريقته التي أشرنا إليها في الحكم؛ لأنَّ كتابه يجمع بين الأحاديث الضعيفة والموضوعة, فأردت أن أبيِّن أنه يحكم على الحديث بما يليق بحاله. هنا يقول: إنه ضعيف, ثم قال: أخرجه الدارمي من طريق عبد الله بن يزيد وهو عبد الرحمن المُقري, وابن وهب في المسند إلى آخره, من حديث عبد الله بن عمرو: “أن رسول الله صلى الله عليه  وسلم مر بمجلسين في مسجده فقال: كلاهما على خيرٍ وأحدهما أفضل من صاحبه, أما هؤلاء فيدعون الله ويرغبون إليه فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم, وأما هؤلاء فيتعلمون الفقه والعلم ويعلِّمون الجاهل فهم أفضل, وإنما بُعثت معلِّمًا” وهذا سند ضعيف؛ فإن عبد الرحمن بن زياد, وابن رافع ضعيفان, كما قال الحافظ بن حجر في (تقريب التهذيب) وراه ابن ماجه من طريق داود بن الزبرقان عن يحيى بن كُنيس عن عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو به, وهذا سند أشد ضعفًا من الأول؛ فإن كل من دون عبد الله بن يزيد ضعفاء, وقد خالفوا الثقات…إلى آخره, وبيَّن علله.

وقد اشتُهر الاحتجاج بهذا الحديث على مشروعية الذكر على الصُّورة التي يفعلها بعض أهل الطرق من التحلُّق والصياح في الذكر, والتمايل يمنة ويسرة وأمامًا وخلفًا مما هو غير مشروع باتفاق الفقهاء المتقدمين, ومع أن الحديث لا يصح -كما علمت- فليس فيه هذا الذي زعموه, بل غاية ما فيه جواز الاجتماع على ذكر الله تعالى, وهذا فيه أحاديث صحيحة في مسلم وغيره تُغني عن هذا الحديث, وهي لا تفيد أيضًا إلا مطلق الاجتماع, أما ما يضاف إليه من التحلُّق وما قُرن معه من الرَّقص فكلُّه بدَع وضلالات يتنزه الشارع عنها.

الحكم هنا تعقيب على متن الحديث, وتعقيب فقهي, ويتعلق بالفوائد المأخوذة من الحديث, إذن ليس الأمر هنا مجرد دراسة الإسناد والحكم على علته سواء من ناحية الضعف أو الوضع, وإنما يتكلم الشيخ أيضًا في معاني الأحاديث, والاستدلال بها على القضايا التي يحتج عليها المُحْتَجُّون, ويُعقب بما يراه مناسبًا للحال.

في حديث 14 “إياكم وخضراء الدمن قيل: وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء” ضعيف جدًّا… إلى آخره.

قال: أورده الغزالي في (الإحياء) وقال مُخَرِّجه العراقي: رواه الدراقطني في الأفراد, والرماهُرمزي في الأمثال من حديث أبي سعيد الخدري، قال الدارقطني: تفرَّد به الواقدي وهو ضعيف, وذكر نحوه ابن الملقن في (خلاصة البدر المنير).

قلت: -هنا يعقب على حكم الدارقطني- الدارقطني يقول عن الحديث: تفرَّد به الواقدي وهو ضعيف, يقول الشيخ الألباني: بل هو متروك, فقد كذَّبه الإمام أحمد والنسائي وابن المديني وغيرهم, ولا تغتر بتوثيق بعض المتعصِّبين له ممن قدم لبعض كتبه وغيرهم من الحنفية, فإنه على خلاف القاعدة المعروفة عن المحدِّثين: الجرح المبيَّن مقدم عن التعديل… إلى آخره.

هنا محل الشاهد: يعقب على حكم الدارقطني, لم يرتض بقول الدارقطني بأن الواقدي ضعيف فقط, وإنما قال: بل هو متروك, واستدل على ذلك بأقوال العلماء الواردة في شأنه.

حديث: “صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس: الأمراء والفقهاء” وفي رواية “العلماء” يقول: موضوع أخرجه تمَّام في (الفوائد) وأبو نعيم في (الحلية) وابن عبد البر في (جامع بيان العلم) من طريق محمد بن زياد اليشكري عن ميمون بن مهران عن ابن عباس مرفوعًا, وهذا سند موضوع. محمد بن زياد هذا قال أحمد فيه: كذاب أعور يضع الحديث, وقال ابن معين, والدارقطني: كذاب, وكذبه أبو زرعة أيضًا وغيره, والحديث مما أورده السيوطي في (الجامع) خلافًا لشرطه.

هنا يعقب على السيوطي في أنه لا يضع في (الجامع الصغير) أحاديث إذا كانت موضوعة, ويرى الشيخ الألباني أن وضع هذا الحديث في كتابه مخالف لذلك الشرط أنه اشترط أنه لا يضع حديثًا موضوعًا في الكتاب, يقول: وأورده الغزالي في (الإحياء) جازمًا بالنسبة إليه صلى الله عليه  وسلم وقال مُخَرِّجه الحافظ العراقي بعد أن عزاه لابن عبد البر, وأبي نعيم: سنده ضعيف.

تنبيه:

ولا منافاة بين قول الحافظ هذا وبين حكمنا عليه بالوضع؛ إذ إن الموضوع من أنواع الحديث الضعيف كما هو مُقَرَّر في علم المصطلح.

هنا يعقب على الإمام العراقي -رحمه الله- لكن لا يرُد حكمه بل يجمع بينه وبين حكمه, الشيخ الألباني -رحمه الله- قال: موضوع, والشيخ العراقي -رحمه الله- قال: سنده ضعيف, لم ير الشيخ الألباني أن بين الحكمين تعارضًا, إنما قال: ولا منافاة بين قول الحافظ هذا -يقصد العراقي- في قوله: سنده ضعيف, وبين حكمنا عليه بالوضع؛ إذ إن الموضوع من أنواع الحديث الضعيف كما هو مقرر في علم المصطلح.

لكن في الحقيقة أن الشيخ العراقي -رحمه الله- لا يقصد أن الحديث موضوع؛ لأنه في أحاديث كثيرة وهو يحكم عليها في (الإحياء) قال: موضوع, أو لا أصل له, أو ما شاكل ذلك, فلو أنَّ هذا الحديث في نظره وصل إلى هذه الدرجة لحَكَم عليه بما حَكَم على أمثاله في تخريجه للإحياء -رحمه الله تبارك وتعالى- أنا لا أعتبره تعارضًا إنما أعتبره تعدد النظرات, هناك راوٍ يرى بعض النقاد أنه شديد التهالك والضعف لدرجة أن أحاديثه من قبيل الموضوع, وهناك من يرى أنه ليس شديد الضعف جدًّا, بل يُعتبر حديثه من قبيل الضعيف وليس الموضوع.

ننتقل نُقلة كبيرة إلى حديث “عنوان صحيفة المؤمن حب عليّ بن أبي طالب” هذا في حديث رقم 789 “باطل”. هكذا حكم عليه قال: رواه الخطيب في تاريخه جزء 4 صـ410 ومن طريقه ابن عساكر جزء 2 صـ55 عن أبي الفرج أحمد بن محمد بن جوري العكبري, حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن مهران الرملي, حدَّثنا ميمون بن مهران بن مخلد بن أبان الكاتب, حدَّثنا أبو النعمان عالم بن الفضل, حدَّثنا قدامة بن النعمان عن الزهري قال: سمعت أنس بن مالك يقول: والله الذي لا إله إلا هو سمعت الرسول صلى الله عليه  وسلم يقول فذكره, أورده في ترجمة أبي الفرج هذا الخطيبُ بن عساكر وقال: وفي حديثه غرائب ومناكير, وقال الذهبي في ترجمته عن خيثمة بحديث موضوع, قال المناوي عقبه: كأنه يشير إلى هذا.

قلت: كلَّا فإن هذا الحديث ليس بالرواية عن خيثمة كما ترى, ثم قال المناوي وقال ابن الجوزي: حديثٌ لا أصل له, وإنما أشار الذهبي إلى هذا الحديث في ترجمة قدامة بن النعمان فقال عن الزهري: لا يُعرف، والخبر باطل, ثم إن سنده مظلم إليه, قال الحافظ في (اللسان): والخبر المذكور رواه الخطيب… إلى آخره.

هنا حكم عليه بأنه باطل, لكن لم يتكلم في علل الحديث، مثلًا هنا صحَّحَ معلومةً ذكرها المناوي أن الذهبي في ترجمة أبي الفرج محل العلة في إسناد الخطيب وابن عساكر أحمد بن محمد بن الجوري العكبري قال: في حديثه غرائب ومناكير, قال المناوي وقال الذهبي أيضًا: حدَّث عن خيثمة بحديث موضوع, قال المناوي عقبه -كأنه يشير إلى هذا أي إلى هذا الحديث- “عنوان الصحيفة حب عليّ بن أبي طالب” يعقب الشيخ الألباني يقول: قلت: كلا؛ فإن هذا الحديث ليس من روايته عن خيثمة كما ترى, ثم قال المناوي وقال ابن الجوزي: حديث لا أصل له, وإنما أشار الذهبي إلى هذا الحديث في ترجمة قدامة بن النعمان فقال عن الزهري: لا يُعرف والخبر باطل ثم إن سنده مظلم إليه, كل ذلك نقله عن العلماء لكنه لم يتكلم عن سند الحديث ولا عن العلة التي فيه, إنما صحَّح معلومة قالها المناوي وبيَّن أن الحديث هنا ليس من رواية أبي الفرج عن خيثمة كما ذهب وهم المناوي إليه.

مثال آخر: “الضيافة على أهل الوبر وليست على أهل المدر” “موضوع” رواه ابن عدي… إلى آخره.

ثم بيَّن من رواه, وقال الذهبي بعد أن ساقه ونقل عن الدارقطني أنه كذا, فهذه الأشياء من وضع هذا المدبر, وأقرَّه الحافظ, فأعجب بعد هذا كيف أورد السيوطي الحديث في (الجامع) من رواية القضاعي هذه, مع شهادة هذين الإمامين الذهبي والعسقلاني بوضعه؛ ولهذا تعقبه المناوي بقول الدارقطني وغيره في إبراهيم هذا, ثم قال: ومن ثم قال القاضي حسين: إنه موضوع, فمن شنع عليه فكأنه لم يقف على ما رأيت.

يعقب على هذا -كأنه ينتقد المتن أيضًا- يقول: قلت: والضيافة واجبة شرعًا على كل مستطيع سواء كان بدويَّا أو مدنيًّا لعموم الأحاديث, ولا يجوز تخصيصها بمثل هذا الحديث الموضوع, ومدتها ثلاثة أيام حقٌّ لازمٌ, فما زاد عليها فهو صدقة.

ننتقل أيضا إلى أمثلةٍ أخرى, كل ذلك يؤكد النفس الطويل والمعاني التي أشرنا إليها:

حديث رقم 800: “إن الله خلق الجنة بيضاء وإن أحب الزِّي إلى الله عز وجل البياض, فألبسوها أحياءكم وكفِّنوها موتاكم, ثم جمع الرعاء فقال: من كان فيكم ذا غنم أسود أو سود فليخلطه ببيض” موضوع. رواه أبو جعفر البختري في (ستة مجالس) وأبو نعيم في (صفة الجنة) عن هشام بن أبي هشام, وذكر الإسناد, قلت: وهذا إسناد ضعيف جدًّا, عبد الرحمن بن حبيب هو ابن أدرك, قال النسائي: منكر الحديث, وذكره ابن حبان في (الثقات) وفي (الميزان) قال: صدوق وله ما يُنكَر, وهشام بن أبي هشام هو ابن زياد متَّفَق على تضعيفه, وقال ابن معين والنسائي: ليس بثقة, وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات, والحديث أورده السيوطي في (الجامع الصغير) من رواية البزار عن ابن عباس دون قوله: “فألبسوها” الأخير، فقال المناوي: قال الهيثمي -عقب عزوه للبزار-: فيه هشام بن زياد وهو متروك, وظاهر حال المصنِّف أنه لم يره مخرَّجًا لأحد من الستة وإلا لما عدل عنه, وإنه لشيء عجاب فقد خرَّجه ابن ماجه عن ابن عباس المذكور هذا.

هذا أيضًا تعقُّب على السيوطي, وإن كان ليس هناك مستند إلى القول بأنه موضوع إلا كلمة ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات, لكن الراوي محل العلة هناك من حكم عليه بأنه صدوق, هشام قال: ليس بثقة, يعني قد نتفق أو نختلف مع الأحكام, لكننا نقف مبهورين ومقدَّرين وشاكرين هذا الجهد الفائق في تتبع الحديث وطُرقه وعِلَلِه.

نصل إلى حديث 120 “كان جالسًا يومًا فأقبل أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه, ثم أقبلت أمه فوضع لها شقَّ ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه, ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام له الرسول صلى الله عليه  وسلم فأجلسه بين يديه” ضعيف, أخرجه أبو داود, حكم عليه بأنه ضعيف, حدثنا أحمد بن سعيد الهمداني… إلى آخره. ذكر إسناد أبي داود في (السنن) ثم قال: وهذا إسناد ضعيف, وله علل.

يقول: الأول جهالة المبلغ لعمر بن السائب, ويحتمل أن يكون صحابيًّا, ويحتمل أن يكونا تابعيًّا… إلى آخره.

الثانية: أن عمر بن السائب نفسه لم تثبت عندي عدالته؛ فإنه لم يوثِّقه أحد غير ابن حبان, وتساهلُه في التوثيق معروف, وقد أورده بن أبي حاتم في (الجرح والتعديل) ولم يحكِ فيه توثيقًا, فهو في حكم المستورين, وأما الحافظ فقال مِن عندِه: إنه صدوق؛ لأنه روى عنه أيضًا الليث بن سعد, وابن لهيعة, وأسامة بن زيد, يعني يخالف هنا حكم ابن حبان؛ لأنه متساهل في النظر, ويقول الحافظ: قال من عِنده إنه صدوق, ثم بدا له أن هذا الحكم لعلَّه لأنه قد روى عنه أيضًا الليث بن سعد, وابن لهيعة والليث من الثقات الكبار, فلعل ذلك مما يشهد ذلك.

العلة الثالثة أحمد بن سعيد الهمداني مختلَف فيه, فوثَّقه ابن حبان والعجلي, وضعفه النسائي, وقال الذهبي في (الميزان) لا بأس به قد تفرد بحديث الغار, قال النسائي: غير قوي, هنا وثقه ابن حبان والعجلي, وضعَّفه النسائي, وأيضًا قبله الذهبي في (الميزان) وقال: لا بأس به, والنسائي معروف أنه من المتشددين, فحين يقابل تشدده بهذه الأقوال فلعل الأميل أن يقال إنه صدوق على الأقل كما ذهب الذهبي وقال في (الميزان).

هذا تعقب يسير، لكن هنا يبين أن ما حملني على الكشف عن حال هذا الحديث أنني رأيت نشرةً لأحد مشايخ إدلج بعنوان (قيام الرجل للقادم عليه جائز) ذكر فيها اختلاف العلماء في هذه المسألة, ومال هو إلى القول بالجواز, واستدل على ذلك بأحاديث بعضها صحيح لا دليل فيه كحديث ((قوموا إلى سيدكم)) وبعضها لا يصح كهذا الحديث, وقد أورده من رواية أبي داود دون أن يعلم ما فيه من الضعف, وهذا أحسنُ الظنِّ به؛ ولذلك قمت بواجب بيانه نصحًا للأمَّة وشفقةً أن يغترَّ أحدٌ به, ونحن وإن كنا لا نقول بتحريم هذا القيام الذي اعتاده الناس اليوم, والذي حكى الخلاف فيه الشيخ المشار إليه نفسه؛ لعدم وجود أدلة التحريم, فإننا ندعو الناس جميعًا وفي مقدمتهم أهل العلم والفضل أن يقتدوا بالنبي صلى الله عليه  وسلم في موقفه من هذا القيام, فإن كان أحبه صلى الله عليه  وسلم لنفسه فليحبوه أنفسهم… إلى آخر ما قال واستدل.

هنا أيضًا قد نتفق ونختلف مع الأحكام التي ذكرها؛ لكنه علق فقهيًّا, وبيَّن أن الدافع له على ذلك أن بعض العلماء استدل به على مشروعية القيام إلى آخره… وناقش القضية بإسهابٍ؛ ولذلك أيضًا فإنَّ هذا الحديث من الأحاديث التي طال فيها نفسُه, واشتدَّت عبارته في حق الشيخ بما لم ندخل ولن ندخل فيه, ولكن حمله على ذلك غيرتُه على السنة -ونسأل الله عز وجل أن يغفر لنا جميعًا زلَّاتِنا, وأن يجنِّبنا أيَّ خلل يقع منَّا, وأن يتجاوز عنا سبحانه وتعالى.

لعلَّ معالم المنهج وضحت بهذه الأمثلة التي ذكرناها, والسلسلة طويلة وتعدت آلاف الأحاديث, وفيها جهد مبارك في الكلام عن المتن وعن الأسانيد وعن العلل وعن المتون. ونعود فنلخص:

الشيخ لا يذكر إسنادًا, يحكم في الأول: الحديث باطل, أو موضوع, أو ضعيف إلى آخره, ثم ينتقل إلى تخريجه ويشير إلى الإسناد الذي رواه به صاحب الكتاب, أحيانًا يذكر الإسناد كاملًا, وأحيانًا يذكره موجزًا, وأحيانًا لا يتكلم عن الأسانيد؛ لأن الحديث لا أصل له ولا يوجد له إسناد حتى يتكلم عنه؛ ولذلك لا يطول النَّفَس فيه, ويتكلم عن علل الإسناد وعلل المتن, لا يكتفي بعلل الإسناد فقط, وإنما يتكلم عن الإسناد والمتن, يناقش العلماء في أحكامهم, ويتفق ويختلف معهم, ويرُدُّ ما يراه أن الدليل معه هو فيه, وقد ضربنا أمثلة على ذلك, توقف مع العراقي, وتوقف مع الدارقطني, وتوقف مع السيوطي, لم يخَف من عظمة الأسماء وأصحابها؛ لأنه يبحث عن الحق ولو حتى أخطأ فإنه مأجور بإذن الله -تبارك وتعالى؛ لأن المجتهد المصيب له أجران, والمخطئ له أجر واحد, وإذا كان الشرع يعطي كلًّا أجره, فنحن لا نغلق الباب, أو لا نملك هذا, ونعتذر عن أي زلَّة تقع من أي أحد من العلماء, ونتوجه لله عز وجل أن يغفر للجميع.

الألفاظ التي استعملها، والمراجع التي اعتمد عليها:

تنوعت ألفاظه كثيرًا في الحكم على الأحاديث فيقول: “باطل” كما في الحديث الأول مثلًا, وفي الحديث الثاني: “باطل” وهو مع اشتهاره على الألسنة لا يصح من قبل إسناده ولا من جهة متنه, أيضًا يقول: لا أصل له, كما في الحديث رقم 4: “الحديث في المسجد يأكل الحسنات” نريد أن نحصي بسرعة بعض الألفاظ التي استعملها, إذن هو استعمل “باطل” واستعمل “لا أصل له” واستعمل في الحديث رقم 5 “موضوع بهذا اللفظ” “باطل” “لا أصل له” “موضوع” استعمل أيضًا في الحديث رقم 3 “همة الرجال تزيل الجبال” “ليس بحديث” في حديث 6 قال: “لا أعلم له أصلًا” “تنكبوا الغبار” حديث رقم 8 “اعمل لدنياك” “لا أصل له مرفوعًا” وإن اشتهر على الألسنة في الأزمنة المتأخرة. أيضًا قال: موضوع “إن الله يحب أن يرى عبده تعِبًا في طلب الحلال” أيضًا “إنما بعثت معلِّمًا” قال: ضعيف, “إياكم وخضراء الدمن” قال: “ضعيف جدًّا” مرة يقول: يقول: إنه ضعيف, ومرة يقول إنه ضعيف جدًّا, “الشام كنانتي فمن أرادها بسوء رميته بسهم منها” قال: لا أصل له في المرفوع, ولعله من الإسرائيليات.

“موضوع” هذه كثرت عنده جدًّا وأيضا “ضعيف” كثرت عنده, “باطل” أيضًا كثرت عنده استعملها كثيرًا, استقر على هذه الاصطلاحات, يعني الآن في حديث 791 “موضوع” الحديث “الشؤم سوء الخلق” ضعيف, حديث “ليس للدَّيْن دواء إلا القضاء والوفاء والحمد” ضعيف جدًّا, “سوء الخلق شؤم, وشراركم أسوأكم خلقًا” موضوع, “ما الميت في قبره إلا كالغريق” استعمل اصطلاحًا جديدًا “منكر جدًّا”.

وهكذا نرى عباراته قد تنوعت كثيرًا في الحكم على الحديث.

ننتقل الآن إلى بيان المراجع التي اعتمد عليها الشيخ الألباني في سلسلته هذه وفي كتبه كلها, في الحقيقة, نُقَدِّر الشيخ جدًّا ونحترمه جدًّا, الرجل من كبار العلماء ومن أفاضلهم, ومما يزيدنا احترامًا وتقديرًا له هذا الاتساع الهائل في المصادر التي رجع إليها, لا نبالغ إذا قلنا: تقريًبا لا يوجد كتاب من كتب السنة المطبوعة أو المخطوطة تتعلق بكتب المتون مثل صحيح البخاري, ومسلم, والكتب الستة وغيرها, أو بكتب الرجال, أو بشروح الأحاديث, أو بكتب المصطلح, أو بكتب الغريب واللغة, أو كتب الموضوعات, أو أو… لا يوجد مصدر تقريبًا غاب عن الشيخ.

استعراض بعض الأحاديث لنرى المصادر التي رجع إليها يعطي الدليل الأكيد على ذلك, لو بدأت مرة أخرى من الحديث الأول: “الدين هو العقل” أخرجه النسائي في (الكُنى), عنه الدولابي في (الكنى والأسماء) ورجع للضعفاء في الأزدي, وأقره الذهبي في (ميزان الاعتدال) والعسقلاني في (لسان الميزان) أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده, السيوطي في (ذيل اللآلئ المصنوعة) ونقله عنه العلامة محمد بن طه الفَتَّان الهندي في (تذكرة الموضوعات)… إلى آخره, كتاب ابن القيم (المنار), الطبراني. هذا في الحديث الأول قريب من عشرة مصادر.

في الحديث الثاني: أخرجه الطبراني, القضاعي في (مسند الشهاب) ابن أبي حاتم في (التفسير) ولم يكن تفسير ابن أبي حاتم قد طُبع, ورجع إلى تفسير ابن كثير كنوع من الواسطة، و(الكواكب الدراري) (مجمع الزوائد) (تخريج الإحياء) كتاب (الزهد) للإمام أحمد بن حنبل, (معجم ابن الأعرابي) (ابن جرير) في تفسيره, كتاب (الإيمان) لشيخ الإسلام ابن تيمية, ابن كثير في (التفسير) (تخريج الكشاف) للحافظ, أبو نُعيم في (حلية الأولياء) الديلمي في (مسند الفردوس) السِّلَفي في (الطيوريات) ابن عساكر, وكيع في (الزهد) القضاعي في (مسند الشهاب) علي بن الجعد, (مشكل الآثار) للطحاوي, الإشبيلي في (التهجد) -ولم نزل بعد مع الحديث الثاني؛ لأنه طال فيه نفسُه, ورجع إلى مصادر كثيرة- الأصبهاني في (الترغيب) السبكي في (طبقات الشافعيَّة) ابن سعد في (الطبقات الكبرى) البيهقي في (سننه) البخاري, ابن حبان في (الثقات) كتب ابن حبان كلها, تاريخ البخاري, و(الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم, (زوائد مسند ابن الحارث) يعني هذا اتساع عظيم جدًّا, وهذا مما يصل بالعالم إلى الحكم المتقن الأكيد الذي لم يفت منه شيء, ربما بعضنا يتعجل مثلًا في الحكم على حديث, وقد يكون له طريق صحيح في كتابٍ آخر غير الذي درسه, لا تحكم إلا على الإسناد الذي درست, إنما الحكم على الحديث بشكلٍ عام كما هو فِعلُ الشيخ في كتابه وكما هو المنهج, يقتضي جمع كل طرق الحديث, وهذا معروف عند العلماء, وأيضًا أشرنا إليه عندما اقتضت الحاجة.

إذن الشيخ هنا لم يغب عنه مصدر, يعني مجرد أن تستعرض خمسين حديثًا ستجده قد رجع فيها إلى عشرات المصادر, والمصادرُ تنوعت, لم يترك تخصصًا إلا ورجع إليه, كتب الفقه, والتفسير بالمأثور باعتبار أن فيها أسانيد, وأنها تروي الروايات بالأسانيد, فهي من مصادر التخريج عند المحدِّثين, وكتب اللغة, وكتب الغريب التي تورد الأحاديث، وقد مر علينا أن حديثًا لم يجده إلا في ابن في الأثير في (النهاية) ولم يذكر له إسنادًا… إلى آخره, يعني لم يغب عنه كتاب من كتب السنة المتون, من كتب الرجال القديمة والحديثة, استفاد بالمتقدمين وبالمتأخرين, أحكام ابن حجر, وأحكام الذهبي, وغيرهما, والسيوطي, وكذا, وناقش, وقَبِلَ ورفض, وفي كل ذلك يحاول أن يستدل على ما قبله, وأن يستدل أيضًا وأن يذكر أسبابًا لما رفض, وكل ذلك ناتج عن هذه السعة العلمية العظيمة التي طوَّف فيها مع هذه المراجع العديدة, ولم يدع -تقريبًا- كتابًا يتعلق بموضوع بحثه في حديث من الأحاديث إلا ورجع إليه. لا نملك إلا أن ندعو الله له أن يجزيه خير الجزاء, وأن يجعل هذا الجهد في ميزان حسناته, وأن يتقبله عنده في الصالحين, وأن يهيئ للسنة تلاميذ كرامًا على غرار مشايخهم, يحفظون ويطبقون ويدعون ويدافعون وينشرون, بارك الله في جهده, وجعله في ميزان حسناته, وتقبله عنده في الصالحين.

error: النص محمي !!