Top
Image Alt

سلوك أهل الكتاب، وانحرافهم، وادعاؤهم على الله تعالى

  /  سلوك أهل الكتاب، وانحرافهم، وادعاؤهم على الله تعالى

سلوك أهل الكتاب، وانحرافهم، وادعاؤهم على الله تعالى

1. مناسبة الآيات لما قبلها:

فما زلنا مع آيات سورة المائدة، إلى أن وصل بنا المطاف إلى ما أظهره الله سبحانه وتعالى على لسان رسوله وهو يأمره بذلك من عُوار أهل الكتاب، وكيف أن هؤلاء ساقهم الحقد الدفين، والحسد الذي سيطر على قلوبهم وأفئدتهم، إلى أن يسخروا من الإسلام وأهله وشعائره، وإذا كان المشركون لهم بعض العذر في ذلك؛ لأنهم لا يعلمون، فما عذر أهل الكتاب، وهم يقرون في كتابهم توجيهات الله لهم أن يؤمنوا بهذا الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم وأن ينصروه وأن يؤيدوه؟ ولكنها الشهوات التي دعتهم إلى سلوك هذا الطريق الصعب.

والله سبحانه وتعالى كما سبق في درسنا الماضي يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُون} [المائدة: 59] وهو سؤال لا يتطلب إجابة؛ لأن فيه الإجابة واضحة في أن هؤلاء فعلًا ينقمون ويحقدون وينكرون ويحسدون أهل الإسلام، أن أهل الإسلام آمنوا بالله هذا الإيمان العظيم، وأن أهل الإسلام يعلمون تمام العلم أن هؤلاء فسقة لا دين لهم ولا خلق، وأهل الكتاب أنفسهم يعلمون هذا من أنفسهم ولكنهم لا يستطيعون أن يتزحزحوا عما هم فيه؛ نظرًا لغلبة الشهوات عليهم، وغلبة حب الدنيا على قلوبهم وعلى مشاعرهم وعلى أرواحهم وأفئدتهم حتى عموا عن طريق الحق؛ ولهذا قال تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيل} [المائدة: 60].

2. المعني العام للآيات:

{قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ} أي: هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا، وهم أنتم الذين هم متصفون بهذه الصفات المفسَّرة بقوله: {مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} وهذا الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي كما ترى بعد قوله: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا} الآية.

وفي تكرار هذا الأمر إظهار لصحة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لا يحدث ولا يتكلم ولا يخبر من تلقاء نفسه، إنما يخبر بإخبار الله له، فهو يبلغ وحي الله الذي أنزله عليه، وفي هذا ما يجعل من يوجه إليه الخطاب، ومن يكون فيه الحديث يجعله يدرك تمام الإدراك أن هذا الذي يتحدث إليه إنما هو رب العزة والجلال، يخبره بهذه الرسالة على لسان من أرسله إليه وهو محمد صلى الله عليه وسلم وفي هذا الخطاب تشريف لقدر رسول اللهصلى الله عليه وسلم وإعلاء لشأنه، ودليل على صحة رسالته صلى الله عليه وسلم فبماذا أُمر في هذه الآية الكريمة؟

أُمر أن يبلغ أهل الكتاب، وأن يقول لهم متسائلًا: {هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ} {هَلْ أُنَبِّئُكُم} الإنباء هو الخبر المهم الخطير الذي يجب أن يلتفت إليه من يلتفت، وليس الأمر مجرد إخبار، فإن الإخبار قد يكون بالمهم وغير المهم، لكن الإنباء إنما يكون إخبارًا بأمر له أهميته.

ولكن لمَن الخطاب في قوله: {هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ}؟ هذا الخطاب إما أن يكون لهؤلاء اليهود الذين نقموا على المؤمنين إيمانهم الصحيح، فكأن الله عز وجل يقول: هب أن ما تعتقدون من إيمان أهل الإيمان وما هم عليه من فضل ومن خير، هب أن هذا من الشر، وأن ما عندكم هو الخير، لكن أريد أن أخبركم وأن أنبئكم بأمر له أهميته يزيد في الشر الذي تعتقدونه على كل شر، ذلكم هو ما كان من أمركم من أن الله لعن هؤلاء القوم وغضب عليهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، ولا شك أن هؤلاء شر مكانًا وأضل عن سواء السبيل.

وإذا كان الخطاب -كما علمنا- لأهل الكتاب الذين قال الله فيهم: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} فيحتمل أن يكون أيضًا هذا خطابًا للكفار مطلقًا، أو أن يكون هذا خطابًا للمؤمنين تطمينًا لهم وتثبيتًا لهم على طريق الحق في أن ادعاء أهل الكتاب فيهم ادعاء لا قيمة له ولا حقيقة؛ لأن هؤلاء قد وصلوا في الشر إلى غايته، فلعنهم الله وغضب عليهم وجعل منهم القردة والخنازير، إلى آخر ما جاء في الآية الكريمة.

قل هل أنبئكم أيها اليهود من أهل الكتاب، أو يا من كفرتم بالله، أو يا أهل الإيمان بشر من ذلك {بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ} لعلنا أشرنا فيما سبق إلى اسم الإشارة هذا في قوله: {بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ} بشر من ماذا؟ بشر مما اعتقده أهل الكتاب في أهل الإسلام، وهذا على سبيل الفرض، وكما يقولون من باب مجاراة الخصم في الدليل كما في قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِين * قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُون}[ [سبأ: 24-25].

فكأنه كما ذكرنا يقول لهم: افترضوا أن ما نحن فيه شر، قارنوا هذا الشر الذي هو في رأيكم شر بما أنتم فيه من بلاء عجيب، وحرمان من فضل الله، وأن أسلافكم لعنهم الله وغضب عليهم وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، أو أن قوله: {بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ} يعود إلى الكثرة الفاسقة من أهل الكتاب الذين سبق أن قال فيهم: {وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُون} أي: هل أنبئكم بشر من هؤلاء الفسقة الفجرة والأكثرية العظمى التي خرجت على كل الحدود وفسقت عن أمر الله، وارتكبت كل معاصي الله سبحانه وتعالى؟ هناك شيء خطير ومهم وعظيم في تاريخ هؤلاء، ذلكم هم هؤلاء الذين لعنهم الله وغضب عليهم… إلى آخر ما جاء في الآية الكريمة.

{قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً} المثوبة بمعنى: الثواب الثابت على العمل، وأكثر ما تستعمل هذه الكلمة في الخير لكنها هنا استعملت في العقوبة، ولعلك تتساءل عن سبب ذلك، فنقول: بأن هذا على سبيل التهكم بهم، وهذا موجود في كتاب الله تقرؤه في مثل قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيم} والعذاب الأليم لا يبشر به، إنما ينذر به، لكن هذا من باب التهكم والسخرية بهم.

{وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ} جعل منهم القردة والخنازير، و”مِن” تبعيضية، ومعنى ذلك أنه جعل بعضًا منهم قردة وخنازير، بمعنى أنه مسخهم قردة وخنازير، ولكن ما معنى هذا المسخ؟ هل هذا المسخ يعني: أن القردة والخنازير جاءت من نسل هؤلاء؟ في هذا وردت الأحاديث التي تبين حقيقة هذا الأمر، ومن ذلك ما ورد عن ابن مسعود قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير: أهي مما مسخ الله؟ فقال: ((إن الله لم يهلك قومًا أو قال: -لم يمسخ قومًا- فيجعل لهم نسلًا ولا عقبًا، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك)) وهي إجابة كافية شافية؛ لأن القردة والخنازير كانت موجودة قبل أن يمسخ الله سبحانه وتعالى هؤلاء العصاة قردة وخنازير.

وعن ابن مسعود أيضًا قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير: أهي من نسل اليهود؟ فقال: ((لا، إن الله لم يلعن قومًا فيمسخهم فكان لهم نسل، ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم جعلهم مثلهم)) إلى آخر ما جاء في مثل هذه الروايات.

فهذا المسخ إذن هو مسخ على حقيقته، وليس معناه: أنه مسخ قلوبهم فجعلها قلوب قردة وخنازير، وجعلهم كهذه الحيوانات، ولكن هذا المسخ كان بأن حوّل الله صورهم إلى صور القردة والخنازير في قصة مشهورة معلومة، حين خالفوا أمر الله سبحانه وتعالى كما ذكر ذلك في سورة البقرة، وكما سيذكره -بإذن الله تعالى- في سورة الأعراف.

وأيضًا هناك سقطة كبيرة لأهل الكتاب في أنهم عبدوا الطاغوت، والطاغوت: هو كل ما يعبد من دون الله، وقد وردت الروايات في قراءة: {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} لخصها العلامة ابن كثير فقال: {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} قرئ: {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} على أنه فعل ماضٍ والطاغوت منصوب به أي: وجعل منهم من عبد الطاغوت، وقرئ: “وعبْدَ الطاغوتِ” بالإضافة على أن المعنى: وجعل منهم خدم الطاغوت أي: خدّامه وعبيده، وهناك قراءة أخرى وهي: “عُبُدَ الطاغوت” على أنه جمع الجمع، عبد وعبيد وعُبُد، مثل: ثمار وثُمُر.

وأيضًا روي عن بريدة الأسلمي أنه كان يقرؤها: “وعابدَ الطاغوت”، وعن ابن مسعود: “عبدوا الطاغوت”، وأيضًا عن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرؤها: “وعُبِدَ الطاغوتُ” على أنه مفعول لما لم يسمَّ فاعله أي: هي مبنية للمجهول.

ومعنى هذه القراءات كلها يرجع إلى معنى واحد، وهو أن الله سبحانه وتعالى يقول لأهل الكتاب الذين يطعنون في دين الإسلام وما فيه من توحيد الله سبحانه وتعالى وما جاء فيه من عبادات وأخلاق وما إلى ذلك مما فيه عزة الإنسان وكرامته وسعادته، يقول الله سبحانه وتعالى لهؤلاء الطاعنين: كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟ ولهذا جاء ختام الآية: {أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيل}.

{وْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً} يشير إلى هؤلاء الملعونين المغضوب عليهم باسم الإشارة “أولئك” إشارة إلى أنهم وصلوا في الضلال والشر إلى منتهى ذلك، {وْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً} فمكانهم شر مكان، ومكانتهم شر مكانة، ومنزلتهم شر منزلة.

{وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيل} أضل عن سواء السبيل يعني: هؤلاء انحرفوا عن الطريق السويّ المستقيم انحرافًا شديدًا، والسؤال هنا في قوله: شر وأضل، هل هذا الذي نراه في اسم التفضيل في الموضعين على حقيقته ونحن نعلم أن اسم التفضيل إنما يكون عبارة عن اشتراك شخصين أو أمرين أو عدة أمور في صفة واحدة، وامتياز جماعة على جماعة أو فرد على فرد أو ما إلى ذلك؟ فإذا قلت: فلان خير من فلان، فقد اشتركا في الخيرية ولكن زاد واحد منهما على الآخر في هذه الصفة، وإذا قلت: بأن محمدًا أكرم من علي، فقد اشتركا في صفة الكرم وزاد محمد على عليّ في هذه الصفة، فهل ما نحن فيه من هذا القبيل {شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ} بمعنى: أن هناك من اشترك معهم في الشر والضلال، ولكن هؤلاء زادوا على من اشتركوا معهم في الشر والضلال؟

هذا ليس واردًا، ولكن السبب الذي جعل القرآن يعبر عن هذا أنه من باب مجاراتهم فيما ظنوه، فقد ظنوا أنهم خير من غيرهم، وأنهم على الطريق المستقيم، وأنه إذا كان عندهم من شر فهناك من هو أشد منهم وما إلى ذلك، فرد الله عليهم قولهم وقال: إذا كنتم تعتقدون أننا على الشر، وأن ما عندنا لا خير فيه، وأننا ضللنا عن الطريق المستقيم، وكان الواجب علينا أن نكون تابعين لما عندكم، فلتعلموا أنكم لو بحثتم وتحريتم ودققتم وأمعنتم النظر {شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيل}، أو هذه لا يقصد منها التفضيل، وإنما المقصود أن الخصم قد وصل إلى أعلى درجات الصفة بصرف النظر عما يقابلها، وهذا كقوله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} [الفرقان: 24]، وليس هناك مقارنة على وجه الإطلاق بين مستقر أهل الجنة في الجنة، ومقيل أهل الجنة في الجنة، وما عليه وما يكون فيه أهل النار من ألوان العذاب وألوان البلاء، ولكنها مبالغة القرآن في وصف هؤلاء بهذه الصفات {أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيل}، فهم قد وصلوا في هذا إلى أبعد الدرجات، ونالوا الشر كله، وكانوا على أعلى درجات الضلال والانحراف عن طريق الله.

ولعلنا فيما سبق من آيات رأينا أنهم قد انحرفوا عن الحق وهم يعلمون أنه هو الحق، وعاندوا رسول الله محمدًا صلى الله عليه وسلم وهم يعلمون تمام العلم، ويدركون تمام الإدراك أنه نبي الله ومصطفاه، وأن الواجب عليهم أن يكونوا من المؤمنين به، ولكنهم انحرفوا عن هذا الطريق، والله سبحانه وتعالى يبالغ في وصولهم إلى أعلى درجات الشر حين يقول: {أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً}؛ لأن مكانهم كما يقول ابن عباس: هو سقر، ولا مكان أشد شرًّا منه، أو أنه أضاف الشر في اللفظ إلى المكان، وهو في الحقيقة لأهله، هذا من باب الكناية كما نقول: فلان طويل النجاد كثير الرماد، وفي هذا من المبالغة ما فيه؛ إذا كان المكان الذي هم فيه شرًّا فما بالك بمن في المكان نفسه، فكأن الشر قد انتقل منهم إلى المكان الذي هم فيه حتى قال الله تعالى: {أُوْلَـئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيل}.

{وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيل} أي: عن وسط الطريق، ومن سار وسط الطريق سار في طريق واضح لا اعوجاج فيه، وهذا هو الإسلام الذي كان الواجب عليهم أن يسلكوه حتى لا تتخطفهم الشياطين، ولما نزلت هذه الآية عيّر المسلمون أهل الكتاب وقالوا: يا إخوان القردة والخنازير، فافتضحوا ونكَّسوا رءوسهم.

3. انحراف أهل الكتاب، وعقاب الله لهم:

وبعد أن ذكر الله من أمرهم ما ذكر، أراد أن يذكر انحرافهم عن طريق الحق وما هم فيه من نفاق ومراوغة ومكر ودهاء، وكيف أنهم كانوا يريدون بذلك أن يصلوا إلى تحقيق أغراضهم الخبيثة، فقال: {وَإِذَا جَآؤُوكُمْ قَالُوَاْ آمَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُون * وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون * لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُون} [المائدة: 61-63].

يقول العلامة الألوسي وغيره من المفسرين: نزلت هذه الآيات -كما قال قتادة والسدي- في ناس من اليهود كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيظهرون له الإيمان والرضا بما جاء به نفاقًا، وهؤلاء الذين كانوا يفعلون هذا قطعًا هم المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن استقر في المدينة وعلا شأنه وارتفعت رايته، وأصبح مرهوب الجانب، وأراد هؤلاء أن يحققوا أغراضهم الخبيثة حين لم ينفع العداء الظاهر الذي سيبعدهم عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالتالي لن يحصلوا على ما يريدون من معرفة أحوال المسلمين؛ ليرتبوا بناء على ذلك أحوالهم ونظامهم في الكيد للمسلمين ولأمة الإسلام، والله سبحانه وتعالى يلفت أنظار المسلمين إلى هذه الحقيقة وإلى هؤلاء القوم، ويخبرهم بأن هؤلاء الذين جاءوا يعلنون إيمانهم هذا ادعاء منهم وهو ادعاء غير صحيح.

{وَإِذَا جَآؤُوكُمْ قَالُوَاْ آمَنَّا} أي: آمنا بالله وبرسوله، وبغير ذلك من مفردات الإيمان التي يعرفها أهل الإيمان، فهم قد جاءوا يعلنون هذا الإيمان المطلق، والواقع أنهم دخلوا بالكفر أي: على حال من الكفر بالله، وجلسوا في مجلسك، وكان المفترض لمن يسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن يجلس بين يديه أن يشرق قلبه بنور الإيمان، ولكن هؤلاء القوم أغلق الحقد والحسد منافذ النور إلى قلوبهم، فلم يصل إليها بصيص من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا بصيص من نور هذا القرآن، فجلسوا يستمعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويثنون عليه، ويعلنون أنهم به مؤمنون وبما نزل إليه مؤمنون، ثم إذا ما خرجوا من عنده عادوا وهم على حالهم الأول، على حال من الكفر بالله وبرسوله، وما علموا أن الله سبحانه وتعالى أعلم بما كانوا يكتمونه وبما كانوا لا يظهرونه، وسوف يحاسبهم على ذلك حسابًا شديدًا.

وفي هذا التعبير القرآني نقف لنتساءل عن قوله: {قَالُوَاْ آمَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ} ثم في الخروج قال: {وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} يقول الإمام الفخر الرازي: ذكر عند الدخول كلمة “قد” فقال: {وَقَد دَّخَلُواْ بِالْكُفْرِ}، وذكر عند الخروج كلمة “هم”: {وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ} قالوا: الفائدة في ذكر كلمة “قد” تقريب الماضي من الحال، والفائدة في ذكر كلمة “هم” التأكيد في إضافة الكفر إليهم ونفي أن يكون من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فعل، أي: لم يسمعوا منك يا محمد عند جلوسهم معك ما يوجب كفرًا، فتكون أنت الذي ألقيتهم في الكفر، بل هم الذين خرجوا بالكفر باختيار أنفسهم.

وقد سبق أن ذكرنا في هذا المقام {وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ}، وهذه جملة تنعى على هؤلاء وتوبخهم وتؤنبهم وتظهر حماقتهم في أنهم جاءوا إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أعلنوا إيمانه، وكانوا في ذلك غير صادقين، ولكنهم جلسوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمعوا إلى ما نزل عليه من وحي، وكما قلنا: كان الواجب عليهم إذا ما جلسوا أن يتفكروا فيما يستمعون، وفيما يشاهدون من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنهم حرموا من هداية الله وتوفيقه، ومضت هذه اللحظات وهذا الوقت الثمين، وخرجوا من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم كما دخلوا، وهم قد دخلوا بالكفر، والآن هم قد خرجوا بهذا الكفر أيضًا لم يتأثروا ولم ينفعلوا ولم تنشرح صدورهم لدين الحق.

ختام الآيات -كما نرى- تهديد لهم ووعيد، ذلكم أن الله يقول: {وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُون} بما كانوا يكتمون من مكر ودهاء وخبث وتبييت للمسلمين، ومن بغض وكراهة وعداوة لأهل الإيمان، الله عز وجل يعلم أن هذا ثابت مستقر في قلوبهم وبين جوانحهم، والمراد من ذلك لازم هذا العلم، وهو أن الله سوف يحاسبهم على ذلك حسابًا شديدًا، ومثل هذه الآية ما جاء في قول الله تعالى في سورة التوبة: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُون * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُون} [التوبة: 124-125].

وهذا لون آخر من ألوان انحرافهم عن طريق الحق، وحبهم للدنيا، وانصرافهم عن شرع الله وهديه، ذلكم حيث يقول ربنا: {وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون} ، ثم لام علماءهم وأحبارهم في سكوتهم عن هؤلاء فقال: {لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُون}.

وقوله تعالى: {يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} المسارعة: هي المسابقة والمبادرة، بمعنى أن هؤلاء كأن كل واحد منهم يريد أن يسبق الآخر في خفة وفي نشاط من أجل الوصول إلى الحصول على هذه الآثام، وهذه التي ظنوها مغانم {يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}. وقوله: {يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ} التعبير بـ “في” في قوله: {يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ} معناه أنهم يبادرون بسرعة شديدة ليصل الواحد منهم قبل الآخر؛ ليلقي بنفسه في الإثم، فكأن الإثم أحاط به من كل جانب، وهذا الإثم كلمة شاملة تحيط بكل انحراف عن طريق الله سبحانه وتعالى فهي كلمة عامة تشمل كل أنواع المعاصي، وكل أنواع المعاصي هم لا يتورعون عن السقوط فيها.

والعدوان: هو الاعتداء على شرع الله وهدي الله سبحانه وتعالى وهو كذلك اعتداء على الناس بأكل أموالهم بالباطل، واعتداء على كل فضيلة وكل خُلُق كريم، فهم لا يبالون بهذا العدوان ولا يكترثون به، إنما هم يسارعون فيه مسارعة شديدة من أجل تحقيق هذه الأهداف الخبيثة.

4. سوء أدب اليهود:

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِين} [المائدة: 64]، فلنعرف أولًا في هذه الآية الكريمة سبب نزولها، ولماذا قالت اليهود هذه المقالة الشنيعة.

يروي ابن عباس قال: “قال رجل من اليهود يقال له: شاس بن قيس: يا محمد، إن ربك بخيل لا ينفق. فأنزل الله هذه الآية”. وقال عكرمة: إنما قال هذا فنحاص بن عازوراء وأصحابه، فقد كانت لهم أموال فلما كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم قلَّ مالهم فقالوا ما قالوا. وقيل: إنه لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في فقر وقلة مال وسمعوا: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [البقرة: 245] قالوا: إن إله محمد بخيل.

فإذا كان هذا هو ما قاله هؤلاء اليهود وذكره الله لنا في كتابه، فقد رد عليهم بهذا الدعاء: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ} أي: لعنهم الله وأبعدهم من رحمته، ثم أثبت كرمه وجوده وسعة فضله، فقال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء}، وذكر لنا ما كان عليه حال هؤلاء اليهود حين يستمعون من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما نزل عليه من الوحي، وأن هذا الوحي الذي تنشرح به صدور أهل الإيمان لا يزيد هؤلاء إلا كفرًا وطغيانًا وعنادًا؛ ولهذا عاقبهم الله بأن ألقى بينهم العداوة والبغضاء، فهم مختلفون دائمًا وأبدًا في عقائدهم وأحوالهم وما إلى ذلك إلى يوم القيامة، وقد وعد الله أمة الإسلام بأنه سبحانه وتعالى سيتولى حفظها من كيد هؤلاء كما قال: {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا} سعيًا مستمرًّا متواصلًا وفسادًا عنيفًا كبيرًا عظيمًا ولهذا لا يحبهم الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يحب المفسدين، إذا كان هذا هو المعنى العام للآية، فلنعد مرة أخرى لنقف أمام ما ورد فيها من المعاني العظيمة.

{وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ} هذه الكلمة وهذه العبارة تلخص فكر اليهود في نظرهم لله سبحانه وتعالى وأنهم يتعاملون مع ربهم من منطق المنفعة، فإن وسّع الله عليهم رضوا، وإن لم يوسّع عليهم سخطوا وقالوا ما قالوا، كما رأينا حين رأوا ما كان من أمرهم حين ضيق الله عليهم، فقالوا: بأن يد الله مغلولة.

فانظروا معي: كيف رد الله عليهم؟ رد عليهم بأن دعا عليهم؟؟؟ بأن تغل أيديهم، وهذا الغل الذي جعله الله في أيديهم هو هذا البخل الذي أوجده الله في قلوبهم وألقاه في نفوسهم؛ ولذلك تجد أنهم على حال من البخل لم يصل إليه أحد من قبل ولا من بعد، وتحقق فيهم ما ذكره الله سبحانه وتعالى من قوله: {غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ}.

والأمر الثاني الذي عاقبهم الله به أنه لعنهم وأبعدهم وطردهم من رحمته بما قالوا، وما قالوه هو جزء مما فعلوه وما كان من أمرهم في نقضهم الميثاق وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق.

ثم أثبت الله سبحانه وتعالى جوده وكرمه فقال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء} فهو سبحانه وتعالى جواد كريم، واسع الفضل، جزيل العطاء.

يقول العلامة ابن كثير: الذي ما من شيء إلا عنده خزائنه، وهو الذي ما بخلقه من نعمة فمنه وحده لا شريك له، الذي خلق لنا كل شيء مما نحتاج إليه في ليلنا ونهارنا، وحضرنا وسفرنا، وفي جميع أحوالنا كما قال: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار} [إبراهيم: 34] والآيات في هذا كثيرة.

ويسوق لنا ابن كثير جملة من الأحاديث في هذا المعنى، ومنها ما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يمينه)) أي: لم ينقص ما في يمينه… إلى آخر ما جاء في هذا المعنى من الأحاديث.

{ﯮ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء} انظروا إلى هذا التعبير القرآني في قوله: {يُنفِقُ} هذا الفعل المضارع يرشدكم إلى أن إنفاق الله مستمر متواصل، وفي قوله: {كَيْفَ يَشَاء} بالطريقة التي يشاؤها سبحانه وتعالى وفق علمه وحكمته: {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} [الشورى: 12].

5. إفساد اليهود في أرض الله:

أما من أقبل على كتاب الله وعلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلبه مليء بالكفر والحقد والحسد؛ جاء يتصيد خطأً، أو يكشف أمرًا، أو ما إلى ذلك مما يريد به أن يكيد لأهل الإسلام، فهذا لا ينفعه ما نزل من كتاب الله ولا ما في القرآن من دواء ومن شفاء؛ ولهذا قال تعالى: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [المائدة: 64].

انظروا إلى قوله تعالى في هذه العبارة: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم} أراد سبحانه وتعالى أن يقول: بأن قلة قليلة من هؤلاء هم الذين انتفعوا بهذا القرآن وبهذا الوحي كعبد الله بن سلام رضي الله عنه وغيره ممن دخل الإسلام، لكن بقيت البقية الكثيرة منهم على هذا الحال، لم يزدهم هذا القرآن الذي أنزله الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليبلغه للناس نورًا وهداية يهتدون بها، لم يزدهم هذا إلا طغيانًا وكفرًا، {طُغْيَانًا} الطغيان: المبالغة في الانحراف عن طريق الله، والتنكير في هذه الكلمة كما أن التنكير في قوله: {وَكُفْرًا} يفيد أن هذا الطغيان وهذا الكفر قد بلغ النهاية فيما هو فيه، فهؤلاء قد بلغوا في الطغيان منتهاه وفي الكفر أعلاه وليس مجرد كفر، إنما هو كفر فيه عناد وفيه مكر وفيه دهاء، وفيه كيد، وفيه حسد لأهل الإسلام وللمسلمين، والله سبحانه وتعالى يبين لنا هذا الأمر فيقول: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيد} [فصلت: 44].

وتأملوا قول الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} [الإسراء: 82] وإذا كان الأمر كذلك، وكان هؤلاء طلاب دنيا يسارعون في الإثم والعدوان، وأن أكلهم هو الحرام، فلا بد أن يؤدي هذا إلى وقوع التنازع والتباغض الدائم المستمر بينهم، وهم إذا كانوا يدَّعون الإيمان فهم يريدون لأفعالهم هذه أن تقوم على أساس من تأويل في دين الله، وبالتالي لا بد من أن يختلفوا وأن يقع العداء والبغضاء بينهم، والله سبحانه وتعالى يذكر لنا هذا فيقول: {وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ}.

أما قوله تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ} فمعنى هذا أنهم كلما أرادوا حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرب المؤمنين واستعدوا لذلك كل الاستعداد، الله عز وجل فرق كلمتهم وأثار بينهم العداوة والبغضاء، وألقى في قلوبهم الرعب، فانصرفوا عن المسلمين.

يقول العلامة الألوسي: المراد: أنهم كلما أرادوا محاربة الرسول صلى الله عليه وسلم ورتبوا مباديها، ردهم الله تعالى وقهرهم بتفرق آرائهم وحل عزائمهم وإلقاء الرعب في قلوبهم، فإيقاد النار كناية عن إرادة الحرب، فقد كانت الحرب إذا تواعدت للقتال جعلوا علامتهم إيقاد نار على جبل أو ربوة ويسمونها نار الحرب، وهي إحدى نيران مشهورة عندهم، وإطفاؤها عبارة عن دفع شرهم.

إذن فقوله: {كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ} إنما هي حقيقة أكيدة لا بد أن تكون، ولكن إطفاء الله لما أوقد أعداء الله من نار الحرب إنما تطفأ بجهود المخلصين من أهل الإيمان في كل زمان، وفي كل مكان.

وذكر الله سبحانه وتعالى ما يصنعه هؤلاء اليهود، وما يسعون إليه، فقال: {وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا} [المائدة: 33]، وهي كلمة وعبارة موحية شهدت الأيام بصدقها، فهؤلاء يسعون -أي: يبذلون قصارى جهدهم لا يتوقفون- إنما يفعلون كل ما وسعهم من أجل نشر الفساد في الأرض ­-أي: ليكون في كل مكان من أرض الله- وكم في قوله: {فَسَادًا} بهذا التنكير من دلالة على أن الفساد الذي يريده هؤلاء اليهود، إنما هو فساد لا يقادر قدره، ولا تُعرف نهايته، إنه فساد عم البلاد والعباد.

وإذا بحثت عن كل فساد فسوف تجد وراء هذا الفساد يدًا يهودية عابثة تدير هذا الفساد، وما صناعة العري والخلاعة والمجون وصناعة الاقتصاد المنحرف في الربا، وفيما إلى ذلك من ألوان الشهوات والضياع، وما إلى ذلك مما نراه يهز أنحاء الأرض ويقضي على الأخضر واليابس، ويجعل الناس في شقاء؛ ذلك كله إنما هو من سعي هؤلاء الخبثاء في أرض الله إفسادًا لأهلها، وإفسادًا لما فيها، وإخراجًا لها من طريق الله إلى طريق الشيطان، ومن طريق السعادة إلى طريق الشقاء؛ ولهذا جاء ختام الآية: {وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِين}.

والله سبحانه وتعالى لا يحب المفسدين، وهذه قضية عامة لا يحب المفسدين من أتباع كل ملة ومن كل دين، ولا يحب المفسدين في أرض الله من أي لون ومن أي جنس ومن أية ملة ومن أي مكان، فهذه قضية عامة، وهؤلاء إذا كانوا يسعون في الأرض فسادًا بهذا الحجم من الفساد؛ فإنهم داخلون في هذه الآية، بل هم ينالون منها الحظ الأوفر في أن الله لا يحبهم، الله عز وجل لا يحبهم، نعم هو لا يحبهم، ونحن نثبت لله محبته، ونثبت ما يلزم هذه المحبة، وننفي هذه المحبة عمن لا يحبهم الله عز وجل وما يتبعها أيضًا من أن الذي لا يحبه يحرمه من توفيقه ومن خيره ومن ثوابه ومن جزائه ومن جنته، ويعاقبه عقابًا شديدًا {وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِين}.

6. دعوة أهل الكتاب إلى الإيمان، وتقوى الله، وإقامة ما أنزل الله:

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيم * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُون} [المائدة: 65-66].

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيم} هذه رحمة الله سبحانه وتعالى يفتحها كما ذكرنا لهؤلاء المنحرفين عن طريق الله، السائرين في طريق الفساد والإفساد، {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ} آمنوا إيمانًا كاملًا. {لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} هذه العبارة ترشدنا إلى أن هؤلاء لهم سيئات، نعم لهم سيئات وأية سيئات، ولكن هذه السيئات الله سبحانه وتعالى سوف يسترها عليهم، وسوف يغفرها لهم؛ لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله، {وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيم} وهدا ترغيب في ثواب الله تعالى؛ لأن الذي سيتولى إدخالهم الجنة هو الله سبحانه وتعالى وفي ذلك تكريم وأي تكريم، وهو سبحانه يدخلهم جنات، وهي ليست جنة واحدة إنما هي جنات.

يقول الإمام الألوسي: “وفي إضافة الجنات إلى النعيم تنبيه على ما يستحقونه من العذاب لو لم يؤمنوا ويتقوا”.

{وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ} يعني: أقاموا ما فيهما من أحكام، وما أنزل إليهم من ربهم في التوراة والإنجيل بمعنى: أنه سبحانه وتعالى أنزل إليهم في التوراة والإنجيل أحكامًا وبيانًا، وحثهم في التوراة والإنجيل على أنه إذا بعث فيهم النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أن يؤمنوا به وأن يصدقوه، فلو أنهم فعلوا ذلك {لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم} أي: لأفاض الله عليهم من واسع رزقه وجوده، كما قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُون} [الأعراف: 96]، أو أن معنى أقاموا التوراة والإنجيل: أنهم أقاموا التوراة والإنجيل في أحكام التوراة والإنجيل، التي كانت في هذين الكتابين العظيمين قبل التحريف والتبديل والتغيير.

{وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ} هذا هو القرآن الذي أنزله ربهم على محمد صلى الله عليه وسلم وهذه دعوة للمعاصرين لنبي الله صلى الله عليه وسلم أن يقيموا ما أنزل الله إليهم على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم تربية لهم، كما أن ما أنزله الله على رسوله تربية للعالمين، ولكنه خصهم يريد أن يدعوهم إلى أن يدخلوا في دين الإسلام، وأن يشرفوا وأن يسعدوا بهذا الأمان وبهذا الخير وبهذه السعادة التي جعلها الله في كتابه، والله عز وجل يبين أنهم لو فعلوا ذلك لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وأن منهم أمة مقتصدة سائرة على الطريق الصحيح، وكثير منهم ساء ما يعملون.

error: النص محمي !!