Top
Image Alt

سمات الخوارج ونزعاتهم في العصر الحديث

  /  سمات الخوارج ونزعاتهم في العصر الحديث

سمات الخوارج ونزعاتهم في العصر الحديث

هذه الفرقة لها ظهور بارز في هذه الأزمنة المتأخرة، ولا شك أنهم يرجعون إلى الخوارج الأولين.

أ. أسباب ظهور سمات الخوارج في العصر الحديث:

أما ما يتعلق بالأسباب التي هيأت لبروز سمات الخوارج وخصالهم في العصر الحديث، فهي كثيرة ومتشابكة تتمثل فيما يلي:

السبب الأول: إعراض أكثر المسلمين عن دينهم -عقيدة وشريعة وأخلاقًا- إعراضًا لم يحدث مثله في تاريخ الإسلام؛ مما أوقعهم في ضنك العيش وفي حياة الشقاء كما قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمَىَ} [طه: 124] ويتجلى هذا الإعراض بأمور كثيرة في حياة كثير من المسلمين اليوم أفرادًا وجماعات، ودولًا وشعوبًا، وهيئات ومؤسسات، ومن مظاهر هذا الإعراض: كثرة البدع والعقائد الفاسدة، وما نتج عن ذلك من الافتراق والفرق والأهواء والتنازع، والخصومات في الدين، والإعراض عن نهج السلف الصالح وجهله أو التنكر له، والعلمنة الصريحة في أكثر بلاد المسلمين، والتي أدت إلى الإعراض عن شرع الله وإلى الحكم بغير ما أنزل الله، وإلى ظهور الزندقة والتيارات الضالة والتنكر للدين والفضيلة.

الحقيقة بأن العلمانية غزت بلاد المسلمين، والعلمانية -في الحقيقة- مصطلح قد يخدع بعض الناس، ويظن أنه يرجع إلى العلم، والأمر ليس كذلك؛ فالعلمانية تعني اللادينية: وهي فصل الإسلام عن واقع حياة المسلمين.

وقد أدى هذا الفصل إلى ظهور هذه العلمنة في ديار المسلمين إلى مفاسد متعددة: أدى إلى شيوع الفساد وظهور الفواحش والمنكرات وحمايتها، والتعلق بالشعارات والمبادئ الهدامة والأفكار المستوردة، وهذه الأمور لا شك أنها تندرج تحت مفهوم الإعراض عن شرع الله -تبارك وتعالى.

وهي عندما تقع في مجتمع من المجتمعات تثير غيرة الشباب المتدين، وحين لا يظهر السعي الجاد لتغيير الحال، وإنكار المنكر يلجأ إلى التصدي لهذه الانحرافات أناس ليس عندهم شيء من العلم فيضلوا بذلك.

ومن مساوئ العلمانية أيضًا: وقوع أكثر المسلمين في التقصير في حق الله تعالى، وارتكابهم للذنوب والمعاصي والمنكرات، وضعف مظاهر التقوى والورع والخشوع في حياة المسلمين.

السبب الثاني: شيوع الظلم بشتى صوره وأشكاله: ظلم الأفراد، وظلم الشعوب، وظلم الولاة وجورهم، وظلم الناس بعضهم لبعض؛ مما ينافي أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية، وما أمر به الرسول، والنبي صلى الله عليه وسلم استقى من كتاب ربه، ومما أوحاه الله -تبارك وتعالى- إليه بيَّن لنا واستقى منه ما يدفعنا إلى تحقيق العدل ونفي الظلم، وإذا حُقِّق العدل، وانتفى الظلم لا شك أننا لن نجد من يخرج على جماعة المسلمين.

السبب الثالث: تحكم الكافرين من اليهود والنصارى والملحدين والوثنيين في مصالح المسلمين: وهؤلاء قد تدخلوا في شئون البلاد الإسلامية، ومصائر شعوبها عبر الاحتلال والغزو الفكري والإعلامي والاقتصادي، وتحت ستار المصالح المشتركة أو المنظمات الدولية، ونحو ذلك مما تداعت به الأمم علينا من كل حدب وصوب ما بين طامع وكائد وحاسد، وغير ذلك من صور التحكم في مصائر المسلمين والحجر عليهم؛ مما أدى إلى تذمرهم، وشعور طوائف من شبابهم ومثقفيهم وأهل الغيرة منهم بالضيم والإذلال.

السبب الرابع: محاربة التمسك بالدين والعمل بالسنن والتضييق على الصالحين والمتمسكين بالسنة، والعلماء والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وبالمقابل التمكين لأهل الفسق والفجور والإلحاد مما يعد من أعظم الأمور التي تستفز أصحاب الغيرة والاستقامة.

وفي الحقيقة هذا السبب من الأسباب القوية التي أدت إلى خروج وبروز نجم الخوارج في العصر الحديث؛ فلما ضيق على بعض المسلمين وعذبوا بلا ذنب أو جريمة ارتكبوها؛ دفع هذا التعذيب بعضًا من الناس إلى أن يخرجوا على المجتمع بصورة عامة.

السبب الخامس: الجهل بالعلم الشرعي وقلة الفقه في الدين: وهذا السبب يشترك الخوارج فيه مع الخوارج السابقين، وقد ذكرت أن من سمات وأصول الخوارج الذين خرجوا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنهم كانوا يجهلون العلوم الشرعية، ولم يكن لديهم وعي ولا فقه في دين رب العالمين سبحانه وتعالى.

وخوارج العصر اليوم يتميزون أيضًا بالجهل، وضعف الفقه في الدين، وضحالة الحصيلة في العلوم الشرعية؛ فحين يتصدرون للأمور الكبار والمصالح العظمى يكثر منهم التخبط والخلط والأحكام المتسرعة والمواقف المتشنجة.

السبب السادس: الجفوة بين العلماء والشباب، ففي أغلب بلاد المسلمين تجد العلماء بعلمهم وحكمتهم وفقههم، وتجاربهم في معزل عن أكثر الشباب، وربما يسيئون الظن بالكثير منهم كذلك، وبالمقابل تجد الشباب بحيويتهم ونشاطهم وهمتهم بمعزل عن العلماء، وربما تكون سمعتهم في أذهان الكثيرين على غير الحقيقة؛ وذلك بسبب انحراف مناهج التربية لدى بعض الجماعات، وبسبب وسائل الإعلام المغرضة التي تفرق بين المؤمنين؛ مما أوقع بعض الشباب في الأحكام والتصرفات التي لا تليق تجاه علمائهم.

السبب السابع: الخلل في مناهج الدعوات المعاصرة، فأغلب الدعوات المعاصرة تربي أتباعها على مجرد أمور عاطفية وغايات دنيوية سياسية واقتصادية ونحوها، وتحشو أذهانهم بالأفكار والمفاهيم التي لم تؤصل شرعًا، والتي تؤدي إلى التصادم مع المخالفين بلا حكمة.

السبب الثامن: ضيق العطن، وقصر النظر وقلة الصبر وضعف الحكمة: وهذا موجود لدى بعض الشباب، فإذا انضاف إلى هذه الخصال ما سبق أن ذكرته في الأسباب الأخرى من سوء الأحوال، وشيوع الفساد والإعراض عن دين الله، والظلم ومحاربة التدين… أدى ذلك إلى الغلو في الأحكام، والمواقف الذي هو من أكبر سمات الخوارج.

السبب التاسع: تصدر حدثاء الأسنان وسفهاء الأحلام وأشباههم للدعوة، ودعوة الشباب بلا علم ولا فقه؛ فاتخذ بعض الشباب منهم رءوسًا جهالًا؛ فأفتوا بغير علم وحكموا في الأمور بلا فقه، وواجهوا الأحداث الجسام بلا تجربة ولا رأي ولا رجوع إلى أهل العلم والفقه والتجربة والرأي، بل كثير منهم يستنقص العلماء والمشايخ ولا يعرف لهم قدرهم، وإذا أفتى بعض المشايخ على غيره هواه ومذهبه أو بخلاف موقفه؛ أخذ يلمزهم إما بالقصور أو التقصير، أو بالجبن أو المداهنة، أو بالسذاجة وقلة الوعي والإدراك… ونحو ذلك مما يحصل بإشاعته الفرقة والفساد العظيم، وغرس الغل على العلماء، والحط من قدرهم ومن اعتبارهم… وغير ذلك؛ مما يعود على المسلمين بالضرر البالغ من دينهم ودنياهم، وهذا في الحقيقة أمر واقع؛ فكثير من هؤلاء الشباب يطعنون على أهل العلم.

السبب العاشر: التعالم والغرور: وأعني بذلك: أنه من أسباب ظهور سمات الخوارج في بعض فئات الأمة اليوم: ادعاء العلم في حين أنك تجد أحدهم لا يعرف بدهيات العلم الشرعي والأحكام وقواعد الدين، أو قد يكون عنده علم قليل بلا أصول ولا ضوابط ولا فقه ولا رأي سديد، ويظن أنه بعلمه القليل وفهمه السقيم قد حاز علوم الأولين والآخرين؛ فيستقل بغروره عن العلماء عن مواصلة طلب العلم؛ فيهلك بغروره ويهلك، وهكذا كان الخوارج الأولون يدَّعون العلم والاجتهاد ويتطاولون على العلماء، وهم من أجهل الناس.

ب. نموذج لجماعة خارجية في العصر الحديث:

وهذه الجماعة هي جماعة التكفير والهجرة: وتعد جماعة التكفير والهجرة نموذجًا لظهور الخوارج في العصر الحديث، وهي تسمي نفسها جماعة المسلمين، وقد نشأت في مصر على يد أحد الطلاب الجامعيين في كلية الزراعة بأسيوط، ويدعى شكري مصطفى، وقد تولدت لديه أفكار الخوارج إثر اعتقاله عام ألف وثلاثمائة وخمس وثمانين من الهجرة النبوية تقريبًا، وقد تأصل لديه أثناء السجن هذه الأفكار الخارجية، وأصبح يجمع حوله بعض الشباب.

وأنا هنا لن أتحدث عن هذه النشأة التاريخية بتفصيل؛ ولكن يكفي أن ذكرت مؤسس هذه الجماعة، وكيف نشأ بفكره من داخل السجن أثناء اعتقاله فيه؛ لأنتقل إلى أمرٍ مهم عند هذه الجماعة، ولا بد من الحديث عنه، وهو أنني أبين أصول الخوارج المعاصرين، والمتمثلة في جماعة التكفير والهجرة كنموذج لجماعة خارجية في العصر الحاضر.

أصول جماعة التكفير والهجرة:

الأصل الأول: التكفير، ويشمل ذلك عندهم تكفير مرتكب الكبيرة، والقول بخروجه من الملة، وأنه خالد مخلد في النار -كما تقول فرق الخوارج الأولى- تكفير المخالفين لهم من المسلمين، تكفير من يخرج عن جماعتهم ممن كان منهم أو من يخالف بعض أصولهم، فلو كان مثلًا واحد معهم ثم خرج عليهم كفروه، وإن استطاعوا قتله قتلوه.

أيضًا هذا التكفير يشمل تكفير المجتمعات المسلمة -سواهم لا شك- والحكم عليها بأنها مجتمعات جاهلية، ويشمل أيضًا تكفير كل من حكم بغير ما أنزل الله مطلقًا دون تفصيل، وتكفير من لم يهاجر إليهم ومن لم يهجر المجتمع ومؤسساته.

الأصل الثاني: وجوب الهجرة والعزلة، ويشمل ذلك عندهم: هجر مساجد المسلمين، وترك الصلاة بها، وترك الجمعة، وهجر المجتمعات المسلمة من حولهم مطلقًا، وهجر التعلم والتعليم، وتحريم الدخول في الجامعات والمدارس، وهجر الوظائف الحكومية، وهجر العمل بمؤسسات المجتمع، وتحريم مزاولة أي عمل فيما يطلقون عليه المجتمع الجاهلي، وهو كل من سوى جماعتهم.

الأصل الثالث: الدعوة إلى الأمية ومحاربة التعليم: وذلك بدعوى أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم كانوا أميين إلا النادر، وأنه لا يمكن التوفيق بين طلب العلوم الدنيوية، وبين عبادة الله تعالى بالصلاة والصوم والحج والدعاء والذكر وتلاوة كتاب الله والجهاد والبلاغ، وأنه يمكن أن يتلقى المسلم القدر الضروري من العلم الشرعي بالتلقي المباشر دون اللجوء إلى تعلم القراءة والكتابة، ونحو ذلك من التلبيسات.

الأصل الرابع: القول بالتوقف والتبيُّن، ويقصدون به -كما يقصد أسلافهم الخوارج الأولون: التوقف في أمر مجهول الحال من غير جماعتهم؛ فلا يحكمون عليه بالكفر ولا يحكمون له بالإسلام إلا بالبينة: وهي لزوم جماعتهم، هذه هي البينة عندهم، ومبايعة إمامهم؛ فمن أجاب فهو مسلم، ومن لم يجب فهو كافر.

الأصل الخامس: القول بأن زعيمهم شكري مصطفى هو المهدي الذي يخرج آخر الزمان، ويُظْهر الله به الدين على سائر الأديان في الأرض.

الأصل السادس: زعمهم بأن جماعتهم هي الجماعة المسلمة، وهي جماعة آخر الزمان التي تقاتل الدجال، وأن ظهور الدجال ونزول عيسى عليه السلام قد أوشك.

الأصل السابع: القول بتعارض الفرائض، ويقصدون به: جواز إسقاط بعض الواجبات والفرائض الشرعية حين لا يتم العمل بما هو أهم منها إلا بذلك؛ فزعموا سقوط الجمعة عنهم؛ لأنهم في حالة استضعاف وشرطها التمكين، وأباحوا لأفرادهم حلق اللحية؛ لأنها تعوق حركتهم وتعرضهم للخطر.

الأصل الثامن: أذكر تحته بعض الأصول والسمات البدعية الأخرى بصورة سريعة، وهي كما يلي:

القول بمرحلية الأحكام، وأنهم يسعهم ترك بعض شعائر الدين وأحكامه كالجمعة والعيدين، وارتكاب بعض المحرمات كالزواج من الكافرات، وحلق اللحى وأكل ذبائح الكافرين؛ لأنهم في مرحلة الضعف كالعهد المكي.

وأيضًا من البدع التي أحدثوها في ذلك: إحداث أصول تشريعية جديدة تخالف منهج السلف، وردهم للإجماع، ومنع التقليد والاقتداء مطلقًا، وإلزام جميع الناس بالاجتهاد.

كما أن أيضًا من سماتهم البدعية: عدم اعتماد فهم الصحابة والعلماء وأئمة الهدى للقرآن والسنة؛ كما أنهم لا يعتدون بالخلافة الإسلامية من القرن الرابع، ويكفرون هذه العصور.

وأيضًا عندهم عنف وحِدَّة شديدة في التعامل مع الآخرين، وهم يتعالمون ولديهم غرور وتعالٍ وشعور بالتميز عن سائر المسلمين، وقد استحلوا دماء المسلمين وحاولوا قتل بعضهم، وقد ذكر أنهم قتلوا بعض الأئمة وعلماء المسلمين، والله أعلم بذلك.

ولكن على كل حال؛ هذه هي سمات وأصول جماعة التكفير والهجرة أردت أن أعرضها، وأنا أتحدث عن الخوارج حتى أربط حاضر الأمة بماضيها؛ ولأقول لعموم الناس: بأن الخوارج ما زالوا إلى يومنا هذا، وأنهم يسيرون في هذه الأمة، ويسلكون مسلكَ الخوارج السابقين من تكفير المسلمين واستحلال دمائهم، وغير ذلك.

error: النص محمي !!