Top
Image Alt

سمات شعر الطبيعة عند شعراء الأندلس

  /  سمات شعر الطبيعة عند شعراء الأندلس

سمات شعر الطبيعة عند شعراء الأندلس

التشخيص:

فالشاعر يجعل المظاهر الطبيعية التي يتحدث عنها في شعره ويصفها؛ كأنها أشخاص تشعر وتحس، هذه السمة تسمى “التشخيص”، والشعراء يدركون هذه السمة في كلامهم عن طريق التصوير بأساليب الاستعارة، فيشبِّهون هذه الأشياء التي هي في طبيعتها لا تحس ولا تشعر بالأشخاص الذين يحسون ويشعرون، ثم يتناسون هذا التشبيه، ويتحدثون عن هذه الأشياء، ويخاطبونها ويتخيلون أنها بالفعل تحولت إلى أشخاص تشعر، وتحس.

الاندماج في الطبيعة:

حيث إننا نجد الشاعر يندمج فيما يصفه، والاندماج شيء يختلف عن الوصف الخارجي الذي كأن الإنسان ينظر إلى الشيء فيه من بعيد؛ أما الاندماج فهو يأتي من التعاطف مع الأشياء والإحساس بها، وتمثُّلِها، ثم بعد ذلك يأتي ما يمكن تسميته: خلع المشاعر، أو إسقاط المشاعر الإنسانية التي يحس بها الشاعر على الطبيعة؛ فإذا كان حزينًا فإنه يرى الطبيعة من حوله حزينة؛ وإذا كان فرحًا يراها من حوله كأنها تشاركه فرحه وسروره.

الرقة والعذوبة في الألفاظ، والانسياب والسلاسة في الأساليب، والروعة في التصوير:

فالشاعر يستعين بالآلات والأدوات الفنية المتمثلة في اللغة وفي الخيال على تصوير عواطفه، ومشاعره، وأفكاره؛ ممتزجة بظواهر الطبيعة ومظاهرها المختلفة؛ فينتج عن هذا الانصهار بين العواطف والمشاعر المستكنِّة في ضمير الشاعر، والمشاهد والظواهر التي يراها ويحسها ويندمج فيها، ويتفاعل معها – ينتج عن هذا الانصهار ما يسمى بشعر الطبيعة، ويتجلى هذا الانصهار في هذه المعارض الفنية التي تتكون من الألفاظ، والأساليب، والصور البيانية، وموسيقى الشعر، هذه الأدوات التي يستعين بها الشاعر على رسم لوحات نفسه ولوحات الطبيعة من حوله.

التفاعل مع عناصر الطبيعة:

لغِنَى هذا الشعر وكثرته في الأدب الأندلسي وجدنا الدارسين يخصون العناصر الطبيعية المختلفة بدراسات وشواهد ونماذج تبيِّن إلى أي مدى، وإلى أي حد استطاع الشاعر الأندلسي أن يتفاعل مع الطبيعة، وأن يصفها، ومن هذه العناصر:

الروضيات:

“الروضيات”: هي الشعر الذي يصف الرياض -جمع روضة- هذه الرياض أو تلك الحدائق والبساتين وما فيها من زهر، وورد، وشذى، وعبير، وحفيف الغصون، وتغريد الطيور، والمياه الصافية التي تجري فيها، وما يكتنف هذا كله من منظر بهيج، ومنظر رائع في هذه الحدائق، وتلك البساتين، أو تلك الرياض.

ومن هذا الشعر مثلًا هذه الأبيات التي يقول فيها أحد الشعراء:

الروض مخضرُّ الربى متجمِّلٌ

*للناظرين بأجمل الألوانِ

وكأنما بسطَتْ هناك شِوارَهَا

*خَوْدٌ زهَتْ بقلائد العقيانِ

وكأنما فُتِقَتْ هناك نوافجٌ

*من مِشْكَةٍ عُجِنتْ بصرف البانِ

والطير تسجَعُ في الغصون كأنما

*نقرُ القِيانِ حنَتْ على العيدانِ

والماء مطَّردٌ يسيل لُعابُه

*كسلاسلٍ من فضةٍ وجُمانِ

بهجاتُ حُسنٍ أُكمِلَتْ فكأنها

*حُسْنُ اليقينِ وبهجةُ الإيمانِ

وهذه الألفاظ وتلك الصور تدل على إعجاب الشاعر بهذا الروض الذي يصفه: مخضرُّ الربى متجمل للناظرين بأجمل الألوان، وهو يشبِّه هذا الجمال المتنوِّع بمشاهدٍ كأنما فتاة رائعة جميلة، زهت وتجملت بعقود الأحجار الكريمة؛ كالعقيق وغيره، وكأنما الروائح التي تهب من هذا الروض تهب من مسك عُجِن بالبان، والطير تغرد على غصونها؛ فيشبه صوتُها صوتَ الموسيقى أو الأنغام الآتية من العود الذي تحتضنه المغنية التي تلعب على هذا العود، والماء يجري في أرض هذا الروض يشبِه في صفائه وروعته سلاسل من الفضة أو الجمان، ثم الشاعر عندما أحس براحة نفسه في هذا المكان، وطمأنينة قلبه قال:

بهجاتُ حُسنٍ أُكمِلَتْ فكأنها

*حُسْنُ اليقينِ وبهجةُ الإيمانِ

وفي هذا البيت تشبيهٌ للمحسوس الذي يراه، أو تشبيهٌ لأثر هذه الرؤية؛ لهذا الروض الجميل بحسن اليقين، وبهجة الإيمان؛ فهذا تشبيه محسوس بمعنوي؛ وكأن حسن اليقين وبهجة الإيمان عند الشاعر في قلبه؛ كان لهما أثرٌ يفوق أثرَ ما يراه من جمال الطبيعة، فشبَّه جمالَ الطبيعةِ بهذا الأثر.

من هذه النماذج أيضًا ومن “الروضيات” كذلك: هذه القصيدة للقاضي أبي الحسن بن زنباع، يصف فيها قصة الطبيعة في الرياض، وفِعل السحاب بها حتى تسربلت بحُلَّتها الجميلة، وتفتحت أزهارها، ونضجت ثمارها، يقول أبو الحسن:

أبدت لنا الأيام زهرةَ طِيبِها

*وتسربلَتْ بنضيرها وقَشِيبِها

واهتزَّ عِطْفُ الأرضِ بعد خشوعها

*وبَدتْ بها النَّعماءُ بعد شحوبِها

وتطلعت في عُنفوان شبابِها

*من بعدِ مَا بلغَتْ عَتِيَّ مشيبِها

وقفَتْ عليها السحب وقفة راحمٍ

*فبكتْ لها بعيونها وقلوبها

فعجبت للأزهار كيف تضاحكت

*ببكائها وتبشَّرت بقُطوبِها

فالشاعر يقول: “عجبت للأزهار كيف تضاحكت”، أي: الأزهار، “ببكائها” أي: ببكاء السماء وهو المطر، و”تبشرت” استبشرت وفرحت بقطوبها، والقطوب هنا: هو الغيم والسحاب الممطر، ثم يقول:

وتسربلت حللًا تجرُّ ذيولَها

*من لَدْمِها فيها وشقِّ جيوبِها

فلقد أجاد المُزنُ في إنْجادِها

*وأجادَ حرُّ الشمس في تربيبِها

ثم يقول أبو الحسن:

وعلى سماء الياسَمينِ كواكبٌ

*أبدت ذُكاءُ العجزَ عن تغييبِها

و”ذُكاء”: هي الشمس.

زهرٌ توقَّدَ ليلها ونهارها

وتفوتُ شأوَ خسوفِها وغروبِها

فهذه هي “الروضيات” إذًا التي تحتل مكانًا متميزًا في باب شعر الطبيعة، أو في ديوان شعر الطبيعة في الأدب الأندلسي.

الزهريات:

“الزهريات” نسبة إلى الزهر، وقد كانت طبيعة الأندلس غنية بالأزهار؛ فهم يصفون في شعرهم: الورد، والنرجس، والشقائق، والياسمين، والقرنفل، واللوز… وغير ذلك من الأزهار التي وقعت عليها عيونهم، والتي أدخلت البهجة إلى نفوسهم؛ بل إننا نجد عندهم من التجديد في هذا الباب أن بعض الشعراء عندما تذبل باقة من الزهر في يده أو عنده يرثيها، ويبدي ألمه عليها؛ كأنما كان له شيء عزيز أو إنسان عزيز غالٍ وفقده؛ فهذا ابن حمديس يقول:

يا باقةً في يميني بالردى ذبُلت

*أذاب قلبي عليك الحزنُ والأسفُ

ألم تكوني لتاجِ الحسنِ جوهرةً

*لمَّا غرقْتِ فهلَّا صانكِ الصدفُ

وكان للشعراء الأندلسيين غرامٌ خاص بالورد؛ فلهم في وصفه شعر كثير، ومن أروع هذا الشعر الذي وصفوا فيه الوردة هذا الشعر الذي ينسب لابن غالب البلنسي الرصافي؛ يقول:

يا وردةً جادت بها يدُ متحِفِ

*فهمَى لها دمعي وهاج تأسُّفِي

حمراءَ عاطرةِ النسيمِ كأنها

*من خدِّ مقتبلِ الشبيبةِ مترَفِ

عرضت تذكِّرُني دمًا من صاحبٍ

*شرِبَتْ به الدنيا سُلافةَ قَرْقَفِ

فَنَشِقْتُهَا شغفًا وقلتُ لصاحبي

*هي ما تمُجُّ الأرضُ من دمِ يوسفِ

وانظر إلى هذه اللمحات الدينية والتاريخية التي يستحضرها الشاعر في وصف هذه الوردة؛ إذ يذكر يوسف، ويشبه هذه الوردة كأنها أخذت من خد مقتبل الشبيبة مترف؛ فكل هذا يدلك على أثر هذه الوردة -التي أهديت إليه- في نفسه.

ومن شعرهم في هذه الزهريات أيضًا: هذه الأبيات التي يقول صاحبها في وصف النرجس:

نرجسٌ باكرتُ منه روضةً

*لذَّ قطعُ الدهرِ فيها وعذُبْ

حثَّت الريحُ بها خمر حَيًا

*رقَصَ النبتُ لها ثم شرِبْ

فغدا يسفر عن وجنته

*نوره الغض ويهتز طرِبْ

خِلْتُ لمعَ البرقِ في مشرِقِه

*لهبًا يحمله منه لهبْ

وبياضَ الطلِّ في صُفرتِه

*نُقَطَ الفضةِ في خطِّ ذهبْ

أما الياسمين؛ فمما قيل فيه:

يا حبذا الياسَمين إذ يزهرْ

*فوق غصونٍ رطيبةِ النُّضَرْ

قد امتطى للجمال ذِروتَها

*فوق بساطٍ من سندسٍ أخضَرْ

كأنه والعيونُ ترمُقُه

*زُمُرُّدٌ في خِلاله جوهَرْ

الثمار:

بالإضافة إلى وصفهم للأزهار، والورود، والرياض، يصفون ثمار الفاكهة التي كانت تجود بها هذه الأرض الطيبة الخصبة، ومن الشعر الجيد الذي يصف هذه الثمار، هذه القصيدة التي جعلها صاحبها في وصف ثمرة السفرجل يقول:

ومصفرَّةٍ تختال في ثوبِ نرجسِ

*وتعبَقُ عن مسكٍ ذكيّ التنفسِ

لها ريحُ محبوبٍ وقسوةُ قلبِه

*ولونُ محبٍّ حلةَ السقمِ مكتسي

فصفرتُها من صفرتي مستعارةٌ

*وأنفاسُها في الطِّيبِ أنفاسُ مؤنسِ

فلما استتمَّتْ في القضيبِ شبابَها

*وحاكت لها الأنواءُ أبرادَ سندسِ

مددتُ يدي باللُّطف أبغي اقتطافها

*لأجعلَها ريحانتي وسط مجلسي

وكان لها ثوبٌ من الزُّغبِ أغبرٌ

*يرِفُّ على جسمٍ من التبرِ أملسِ

فلما تعرَّتْ في يدِي من لباسِها

*ولم تبقَ إلا في غُلالةِ نرجسِ

ذكرتُ بها من لا أبوحُ بذكرِه

*فأذبلَهَا في الكفِّ حرُّ تَنَفُّسِي

الشاعر شبه هذه الثمرة بمحبوبه في طيب الرائحة وقسوة القلب، ثم ذكر أن لونها الأصفر مأخوذ ومستعار من صفرته هو صفرة لونه، وصفرة لونه سببها بعد محبوبه عنه، وأنه أخذ هذه الثمرة التي تذكِّره بمحبوبه في طيب الرائحة، وقسوة القلب أخذها وجعلها ريحانته في مجلسه يتسلى بها، ويتذكر بصفاتها محبوبه؛ وأنه قشَّرها أو عرَّاها من لباسها، وأنه ذكر محبوبه بها، وذكره لمحبوبه بها جعل أنفاسه ساخنة، ومن أجل ذلك ذبلت هذه الثمرة في كفه:

ذكرتُ بها من لا أبوحُ بذكرِه

*فأذبلَهَا في الكفِّ حرُّ تَنَفُّسِي

ومن شعرهم في الثمار أيضًا: هذه الأبيات التي وصف بها أحد الشعراء التفاح -وقد بعث بهذا التفاح هدية لأحد أصدقائه- يقول:

بعثتُ بها ولا آلوكَ حمدًا

*هديةَ ذي اصطناعٍ واعتلاقِ

خدودَ أحبَّةٍ وافيْنَ صبًّا

*وعُدنَ على ارتماضٍ واحتراقِ

فحمَّر بعضَها خجلُ التلاقي

*وصفَّر بعضَها وجلُ الفراقِ

فالتفاح بعضه أو جزء منه يكون أحمر اللون، وجزء منه مصفر اللون؛ فالشاعر يقول: إن الحمرة التي في التفاح هي بسبب خجل التلاقي؛ كأنها الأحبة، والاصفرار كأنه سببه الوجل والخوف من الفراق؛ فانظر كيف امتزج هؤلاء الشعراء بالطبيعة التي يصفونها! وكيف خلعوا عليها مشاعرهم الإنسانية في مجال الحب والعشق!.

الأنهار والغدران والثلج والبرد:

لم يقتصر شعر الطبيعة في الأندلس على هذا؛ بل وصفوا كذلك الأنهار والغدران التي كانت تزيِّن الحدائق والرياض، والتي كانت تجري في هذه البيئة الجميلة، وهذه الطبيعة الساحرة؛ فوصفوا هذه الأنهار، وتلك الجداول، والدارسون جمعوا ما جاء من شعرهم في هذا العنصر، وسموه: “المائيات” -يعني: ما وصفوا به الماء الجاري أو المتفجر في بيئتهم. ومن هذا الشعر مثلًا هذه القصيدة للشاعر أبي إسحاق ابن خفاجة يصف فيها نهرًا؛ فيقول:

لِلَّهِ نَهرٌ سالَ في بَطحاءِ

*أَشهى وُرودًا مِن لمى الحَسناءِ

مُتَعَطِّفٌ مِثلَ السِوارِ كَأَنَّهُ

*وَالزَهرُ يَكنُفُهُ مَجَرُّ سَماءِ

قَد رَقَّ حَتّى ظُنَّ قُرصًا مُفرَغًا

*مِن فَضَّةٍ في بُردَةٍ خَضراءِ

وَغَدَت تَحُفُّ بِهِ الغُصونُ كَأَنَّها

*هُدبٌ يَحُفُّ بِمُقلَةٍ زَرقاءِ

وَلَطالَما عاطَيتُ فيهِ مُدامَةً

*صَفراءَ تَخضِبُ أَيدِيَ النُدَماءِ

وَالريحُ تَعبَثُ بِالغُصونِ وَقَد جَرى

*ذَهَبُ الأَصيلِ عَلى لُجَينِ الماءِ

وكما وصفوا الماء الجاري في الأنهار والغدران، وصفوا الماء المتجمد، وصفوا الثلج: والأشعار التي تصف هذا الماء المتجمد يسميها الدارسون: “الثلجيات”.

ومن شعرهم في الثلجيات أو وصف الثلج: هذه الأبيات لشاعر يُسمى أبا جعفر ابن سلام المعافري -متوفى سنة خمسمائة وخمسين من الهجرة- يقول:

ولم أرَ مثلَ الثلج في حسنِ منظرٍ

*تقرُّ به عينٌ وتشنؤه نفسُ

فنار بلا نور يضيء له سنًا

*وقطرٌ بلا ماء يقلِّبُه اللمسُ

وأصبح ثغر الأرض يفتُر ضاحكًا

*فقد ذاب خوفًا أن تقبِّلَه الشمسُ

وقد كانوا يصفون الأرض عندما يسقط عليها الثلج، أو المطر المتجمد؛ من الذين أحسنوا القول في وصف الثلج: أبو بكر محمد بن سيرين في أبيات له يقول فيها:

رعى اللَهُ من غرناطة مُتَبوَّءًا

*يسُرُّ حزينًا أو يُجيرُ طَريدا

تبرَّم منها صاحبي عندَما رأى

*مسارِحَها بالثلج عُدنَ جليدا

هي الثَغرُ صان اللَه من أهلَتْ بهِ

*وما خيرُ ثغرٍ لا يكونُ بَرُودا

فهو هنا يتحدث عن غرناطة، وقد كان يعيش فيها، ويذكر أن له صاحب “تبرم”: ظهر عليه الضيق؛ لما رأى الأرض قد غطيت بالثلج، وهو يذكر أن غرناطة بلد يسرُّ جمالُها الحزينَ، وأن هذه الأرض التي تصير جليدًا بعدمَا ينزل عليها الثلج، هو يحبها ويشيد بها، ويدعو لأهلها، ويقول: إن الأرض التي لا يكون فيها هذا البرَد، أو هذا الثلج لا خير فيها.

وممن ذكروا البَرَدَ في شعرهم ووصفوه: الشاعر عبد الجبار بن حمديس الصقلي إذ يقول:

نَثَرَ الجوُّ على الأرْضِ بَرَدْ

*أيّ دُرٍّ لنحورٍ لو جَمَدْ

لؤلؤٌ أصْدافُهُ السُّحْبُ التي

*أنْجَزَ البارقُ منها ما وَعَد

منحتْهُ عاريًا من نَكَدٍ

*واكتساب الدُّرّ بالغَوصِ نَكد

ولقد كادَتْ تُعادِي لَقْطَهُ

*رغبةً فيه كريماتُ الخُرُد

وتُحلّي منهُ أجيادًا إذا

*عَطِلَتْ راقَتكَ في حَلي العَبَد

ذَوّبَتْهُ من سماءٍ أدْمُعٌ

*فَوْقَ أرْضٍ تتلقاهُ نجَد

فَجَرَتْ منهُ سيولٌ حولَنا

*كثعابين عجالٍ تَطّرِد

فالشاعر ذكر البرد، وقال: إنه مثل الدر لو ظلّ جامدًا؛ فهو درٌّ كان يمكن أن تتحلى به الفتيات، لكنه لا يلبث أن يصير ماء، وتجري منه سيولٌ، ويسقي الزرع والأعشاب.

مزج وصف الطبيعة بأغراض الشعر المختلفة:

فهم في غزلهم كثيرًا ما يذكرون الطبيعة، وفي حنينهم إلى أوطانهم، وتعبيرهم عن الاغتراب يذكرون الطبيعة، وهم في مدائحهم يشبِّهون كذلك بالطبيعة؛ فشعر الطبيعة عندهم أحيانًا يكون غرضًا مستقلًّا، وأحيانًا يكون مختلطًا بغيره من الأغراض. وإذا أردت مثالًا على ذلك؛ فإن هذه القصيدة للشاعر ابن عمار في مدح المعتضد مثال على ذلك؛ يقول:

أدِر الزجاجة فالنسيم قد انبرى

*والنجم قد صرف العنانَ عن السُّرى

والصبح قد أهدى لنا كافورَه

*لما استردَّ الليلُ منه العنبرا

والروضُ كالحسناءِ كساه زهرُه

*وشيًا وقلَّده نداه جوهرا

أو كالغلام زهَا بورد رياضِه

*خجلًا وتاه بآسِهنَّ مُعذِّرا

روضٌ كأن النهر فيه معصمٌ

*صافٍ أطل على رداءٍ أخضرا

وتهزه ريحُ الصَّبا فتخاله

*سيفَ ابنِ عبادٍّ يبدد عسكرا

عباد المخضرُّ نائلُ كفِّه

*والجوُّ قد لبس الرداءَ الأخضرا

أندى على الأكباد من قطر الندى

*وألذَّ في الأجفانِ من سِنَةِ الكرى

قدَّاحُ زَندِ المجدِ لا ينفكُّ مِن

*نارِ الوغى إلا إلى نارِ القِرى

أيقنتُ أنِّي من ذُرَاه بجنةٍ

*لمَّا سقاني من نداهُ الكوثرا

فهذه القصيدة في المديح، وتأمل كيف بدأها الشاعر بذكر الطبيعة؛ فذكر النسيم، والنجم، والصبح، والليل، والروض، وشبه الروض بالحسناء، وذكر الزهر، والورد، والآس، والنهر، وشبه النهر في الروض بالمعصم:

روض كأن النهر فيه مِعصَمٌ

*صافٍ أطل على رداءٍ أخضرا

وذكر ريح الصبا، ومن هنا شبه سيف ابن عباد، وذكر ما مدح به ابن عباد بالكرم والشجاعة كذلك؛ فهو:

قدَّاحُ زَندِ المجدِ لا ينفكُّ مِن

*نارِ الوغى إلا إلى نارِ القِرى

فهو هنا يثبت له الشجاعة، ويثبت له الكرم كذلك.

على هذا النحو كان شعر الطبيعة في الأدب الأندلسي غنيًّا وثريًّا وبديعًا؛ ومن أجل ذلك اهتم به الدارسون، وأفردوا له الدراسات، وذكروا أن الأندلسيين تفوقوا في هذا الباب من الشعر، وأن شعرَهم فيه لم يكن مجرد تقليد، أو محاكاة لشعر المشارقة في العراق والشام ومصر.

error: النص محمي !!