Top
Image Alt

سنن أبي داود

  /  سنن أبي داود

سنن أبي داود

وننتقل بعد ذلك إلى السنن الأربع التي ألّفت في هذا القرن، وأولها كتاب أبي داود، ولأهمية كتاب أبي داود -سليمان بن الأشعث، الذي وُلِدَ سنة مائتين وثنتين، وتُوفِّيَ سنة مائتين وخمس وسبعين- قال أحد العلماء: “لو أن رجلًا لم يكن عنده شيء من كتب العلم إلا المصحف الذي فيه كلام الله تعالى، ثم كتاب أبي داود لم يحتج معهما إلى شيءٍ من العلم ألبتة، ولا يتسع المجال لترجمة أبي داود، لكننا نتكلّم عن شرط أبي داود في كتابه.

ويُبيّن الخطَّابي شرط أبي داود فيذكر أن الحديث على ثلاثة أقسام: حديث صحيح، وحديث حسن، وحديث سقيم؛ فالصحيح هو ما اتّصل سنده وعدّلت نقلته، والحسن منه ما عُرف مخرجه واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، أو وهو الذي يقبله أكثر العلماء، ويستعمله عامة الفقهاء، وكتاب أبي داود جامع لهذين النوعين من الحديث، يعني: الحديث الصحيح، والحديث الحسن.

أما الحديث السقيم بأنواعه المختلفة كالموضوع، والمقلوب الإسناد، والمجهول الرّواة، فيرى الخطابي أن كتاب (السنن) قد خلا منه، وهو منه بريء من جملة وجوهه، هكذا قال الخطابي في كتابه (معالم السنن) ثم بيّن أنه قد تدعو الحاجة أبا داود إلى شيء من هذا السقيم فيميّزه حتى يعرف الناس علّتَه، يعني: تكلّم عليه أبو داود، وحتى يخرج من عُهدته، ويتّضح من كلام أبي داود نفسه شرطه في كتاب (السنن) يقول في رسالته إلى أهل مكة عندما سألوه عن كتابه: “إنكم سألتموني أن أذكر لكم الأحاديث التي في كتاب (السنن) أهي أصح؟ ما عرفت في هذا الباب، فاعلموا أنه كلّه كذلك، إلا أن يكون قد رُوي من وجهين: أحدهما: أقدم إسنادًا، والآخر: أقوم في الحفظ. فربّما كتبت ذلك، ولا أرى في كتابي من هذا عشرة أحاديث”.

يقول أبو داود أيضًا: “وأما المراسيل فقد كان يحتجّ بها العلماء فيما مضى، مثل سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي حتى جاء الشافعي، فتكلّم فيها، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره، فإذا لم يكن غير المراسيل؛ فالمرسل يحتجّ به، وليس هو مثل المتّصل في القوة، قال: وليس في كتاب (السنن) الذي صنّفته عن رجلٍ متروكٍ شيءٌ، وإذا كان فيه حديث منكر بيّنت أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره، قال أيضًا، وما في رسالته لأهل مكة: “وما كان في كتابي من حديث فيه وهنٌ شديد فقد بيّنته، ومنه ما لا يصح سنده، وما لم أذكر فيه شيئًا، فهو صالحٌ وبعضها أصحُّ من بعض، ولا أعلم بعد القرآن شيئًا ألزم للناس أن يتعلّموه من هذا الكتاب”.

ويتضح من كلام أبي داود هذا أنه جمع في كتابه الأحاديث الصحيحة التي رواها الرّواة العدول الضابطون، وإلى جانب هذه الأحاديث الصحيحة التي يشتمل عليها معظم كتابه نرى بعض الأحاديث المرسلة والضعيفة، وأنه يُبيّن الأحاديث الضعيفة، وما سكت عنه فهو صالح، وليس ضعيفًا، وأنه يختار من الأحاديث الصحيحة طريقًا أو طريقين، ويترك الطرق الأخرى حتى لا يكبر حجم كتابه. ولعلّه قد قام بهذا الاختيار لمّا رأى البخاري قد كرّر في كتابه الأحاديث، فكبُر حجمه، ومسلمًا جمع طرق الأحاديث فكبُر كتابه كذلك، فصعبت الاستفادة الفقهية منهما نوعًا ما، وهو بهذا قد خطى خطوة أخرى، ميّزته عن كتابي البخاري ومسلم.

أيضًا يتّضح من كلامه أن مراده من قوله: “ليس في كتاب (السنن) الذي صنّفه عن رجل متروك الحديث شيءٌ” أنه لم يُخَرّج لمتروك الحديث عنده، على ما ظهر له، أو لمتروك متفقٍ على ترك حديثه إلا وبيّنه، ولهذا نجد في كتابه حديث مثل كثير بن عبد الله المزني، ولم يجمع على ترك حديثه؛ بل قد قوّاه قوم، وقدّم بعضهم حديثه على مرسل ابن المسيب، ولكن ما الذي يُلجئ أبا داود إلى الأخذ بأحاديث أقوام قد ضُعّفوا مثل: ابن لهيعة، وصالح مولى التوأمة… وغيرهما.

الحقيقة: أن مذهب أبي داود، كما هو مذهب شيخه أحمد بن حنبل الاحتجاج بالضعيف، إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عندهما من رأي الرجال، وهذا ما يفسّر قول الخطابي السابق: “إنه قد تدعوه الحاجة إلى الأخذ بالحديث السقيم”، وهذا يتّضح أيضًا من كلامه على المرسل، وهناك سبب آخر، وهو: أن الحديث الضعيف قد يُشبه الحديث الصحيح فيذكره أبو داود، حتى يميّز الحديث من الصحيح.

منهج أبي داود في ترتيب كتاب (السنن):

رتّب أبو داود الأحاديث في كتابه ترتيبًا فقهيًّا، وقسّمها إلى كُتب تندرج تحتها أبواب، وتوجّه من بداية الكتاب إلى أحاديث الأحكام مباشرة على غير ما عرفناه عند البخاري ومسلم، اللذين بدأ كتابيهما بالإيمان، وعلى الرغم من أن كتابه قد خصّصه لأحاديث الأحكام الفقهية، إلا أنه ختمه بكتب في الآداب، والعلم، واللباس، والطب، والزينة، والأطعمة، والأشربة، وشرح السنة، والفتن. وهذه تختلط فيها الأحكام الفقهية بغيرها، وأبو داود يترجم الأبواب بما تدلُّ عليه الأحاديث تحتها من أحكام فقهية، يُريد أن ينبّه عليها، وفي عرض أبي داود للأحاديث في أبواب الكتاب تتّضح السمات التالية:

يذكر أولًا: الأحاديث الصحيحة، ثم يذكر الأحاديثَ غير الصحيحة إن كان يُريد ذلك؛ ففي كتاب “ما يقطع الصلاة” من كتاب “الصلاة”، رَوَى حديثًا صحيحًا، ثم روى بعده حديثًا منكرًا.

ثانيًا: يذكر أكثر من طريقٍ للمتن الواحد، عندما يريد أن يُؤكّد حكمًا من الأحكام الفقهية، بتقديم أدلّته من الأحاديث الصحيحة.

ثالثًا: يُعْنَى أبو داود بالتنبيه على اختلاف الرواة في ألفاظ المتون التي تلتقي في موضوع واحد.

رابعًا: ولعناية أبي داود بالناحية الفقهية نجدُه لا يقتصر على ذكر الأحاديث، وإنما قد يذكر بجانبها ما يخدم هذه الناحية، فنراه مثلًا يذكر بعض القواعد التي تُتَّبَعُ، عندما نرى أحاديث ظاهرها التعارض حتى نتوصّل إلى الفهم الصحيح لها.

فيقول تعقيبًا على بعض الأحاديث: “إذا تنازع الخبران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نُظِرَ إلى ما عَمِلَ به بعض أصحابه من بعده” وقبل أن يذكر هذه القاعدة يمهّد لها بذكر رواية عن أبي سعيد الخدري تقول: إنه كان يصلّي، فمرّ شابٌ من قريش بين يديه فدفعه، ثم عاد فدفعه ثلاث مرّات، فلمّا انصرف قال: إنّ الصلاة لا يقطعها شيءٌ، ولكن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ادْرِءُوا ما استطعتم فإنه شيطانٌ)) كأنه يريد أن يقول: إنه إذا كانت رُويت أحاديث في قطع الصلاة فإن هذا الصحابي بيّن أن الصلاة لا يقطعها شيءٌ، وأن بعض الأحاديث تدلّ على أن الصلاة لا يقطعها شيء، هذا من عمل الصحابة، وهم أقدر على الفهم، وكانوا يتّبعون الأحدث، فالأحدث من أمره صلى الله عليه وسلم.

ينقل عن بعض الأئمة أقوالهم، تعقيبًا على بعض الأحاديث؛ ففي باب المُحْرِم يموت، كيف يُصنع به؟ فإنه بعد أن روى الحديث في ذلك قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: في هذا الحديث خمس سنن، ثم ذكر هذه السنن. والأمثلة على ذلك كثيرة سنقدّم منها شيئًا في المصوّرات.

error: النص محمي !!