Top
Image Alt

سيادة الطبيعة على الدين والعقل معًا بانتهاء القرن الثامن عشر

  /  سيادة الطبيعة على الدين والعقل معًا بانتهاء القرن الثامن عشر

سيادة الطبيعة على الدين والعقل معًا بانتهاء القرن الثامن عشر

بانتهاء القرن الثامن عشر انتهى عصر التنوير تقريبًا، وابتدأ عصر آخر من عصور الفكر الأوربي تميز بسيادة الفكر المادي، وظهر ذلك مع بداية القرن التاسع عشر، حيث أخذت فلسفة هذا القرن تتجه نحو سيادة الطبيعة على الدين والعقل معًا. وإلى اعتبار الواقع مصدرًا للمعرفة اليقينية مقابل الدين والعقل. وما الدين والوحي في نظر هذا الاتجاه إلّا وهم أو خداع، وما العقل إلَّا وليد الطبيعة التي تتمثل في الوراثة البيئية والحياة الاقتصادية.. إلخ. ومن هذا المنطلق كانت وضعية “كونت” وماركسية “كارل” .

ترجع نواة هذا المذهب إلى القرن الخامس قبل الميلاد على يد الفيلسوف الإغريقي “بروتا جوراس”، ثم تطور بعمل الفيلسوف الفرنسي “بايل” في النصف الثاني من القرن السابع عشر، الذي رفض التعليل العقلي للحقائق الدينية، أي: رفض أن يقوم من العقل دليل على وجود تلك الحقائق. وكان لذلك أثره في دفع الحياة العلمية في فرنسا إلى الواقعية، وصار مفهوم العلم في فرنسا آنذاك مقصورًا على التجربة الطبيعية والإنسانية، أي: التي يجربها الإنسان في محيط الطبيعة فقط دون غيرها.

ثم عرف بهذا المذهب في القرن الثامن عشر الفيلسوف الإسكتلندي “هيوم”، الذي رأى أن مهمة العقل متوقفة على ما تأتي به الحواس والتجارب، والربط بين المدركات الحسية في العالم الخارجي. إلَّا أن المذهب لم يأخذ مكانه في تاريخ الفلسفة كمدرسة، إلَّا على يد الفيلسوف الفرنسي “أوجست كونت” في القرن التاسع عشر، ومنذ ذلك التاريخ عرف بالمذهب الوضعي، فـ “أوجست كونت” يعتبر المؤسس الأول للفلسفة الوضعية، وهي الفلسفة التي لا تعتبر شيئًا ما حقيقيًّا، إلا ما جاء إثر التجارب الحسية.

واعتبر “أوجست كونت” أن العقل الإنساني مر بحالات مسماة بقانون الدورة الثلاثية، أو قانون المراحل الثلاث، وهي الدين والميتافيزيقيا والواقعية، ، فاعتبر الدين في القرون الوسطى مصدرًا للمعرفة، ثم جعل للعقل اعتباره بدلًا من الدين في عصر التنوير في القرن الثامن عشر. ثم صارت المعرفة الحسية أو الوضعية وحدها هي المعتبر، وفي العقل والدين معًا في القرن التاسع عشر، وكان يقصد بالدين المسيحية.

وجاء بعد “كونت” تلميذه “لودفيج فيرباخ” أحد الفلاسفة الألمان في القرن التاسع عشر، الذي تعتبر فلسفته من الأسس القوية في بناء الماركسية، حيث يرى أن الفلسفة هي علم الواقع في حقيقته وعمومه، وجوهر الواقع والحس كلهم سواء. وفي نظره من جانب آخر أن علم الإنسان هو الدين، والدين محصول العقل الإنساني، وليس موحى به خارج الإنسان، والحياة الأخروية في نظره ليست شيئًا غير هذه الحياة الإنسانية.

والأساس الخاص الذي قامت عليه هو تقدير الطبيعة، وتقييمها وحدها كمصدر للمعرفة والطبيعة أو الحقيقة أو الواقع أو الحس، كلها تدل على معنى واحد في نظر الوضعيين، وتقدر هذه الفلسفة الطبيعية لا كمصدر مستقل فحسب للمعرفة، بل كمصدر فريد للمعرفة اليقينية أو المعرفة الحقة. ومعنى تقديرها للطبيعة على هذا النحو أن الطبيعة في نظرها هي التي تنقش الحقيقة في عقل الإنسان، وهي التي توحي بها وترسم معالمها الواضحة، هي التي تكون عقل الإنسان، والإنسان لهذا لا يملي عليه من ذاته الخاصة. إذ ما يأتي من ما وراء الطبيعة خداع للحقيقة وليس الحقيقة، وكذلك ما يتصوره العقل من نفسه، وهم وتخيل للحقيقة وليس حقيقة أيضًا، وبناء على ذلك يكون الدين وهو وحي أي ما بعد طبيعة خداع.

أما الجو الذي نشأت فيه الوضعية، فهو سيطرة اللعبة على بعض الفلاسفة في معارضة الكنيسة، وبما أن الكنيسة تملك نوعًا خاصًّا من المعرفة تستغله في خصوص المعارضين، هو المعرفة الدينية فقد جاء ذلك لمعارضتها، ومعارضة معرفتها. وأخذ المذهب الوضعي ينكر دين الكنيسة، ويضع دينا جديدًا مكانه يسمى بالإنسانية.

لقد تفانى الغرب في التطور المادي، وتمكن من استخدام منافع الأرض وتسخيرها في رفع مستوى المعيشة، وتسهيل الخدمات الإنسانية. ويتمثل ذلك في الثورة الصناعية الهائلة، والأبحاث الكيمائية الفائقة، كصناعة الأدوية، والمركبات العضوية وغيرها، وتطور واسع في بحوث العلوم الطبيعية، المساهمة في رفع المستوى الصحي والاجتماعي والاقتصادي للإنسان.

هذا التطور الحضاري في ناحيته: ناحية الصناعة، وناحية البحث الطبيعي والكيمائي، له أثره الإيجابي المحايد في الحياة الإنسانية، سواء في جانب رفع المستوى المادي في المعيشة، أو في جانب الإنتاج العقلي والفني.

إذ مما لا شك فيه أن الإنتاج الذهني مرتبط ارتباطًا وثيقًا -ارتفاعًا وانخفاضًا- بالحالة الصحية والنفسية للإنسان.

وللغرب بجانب هذا وذاك -بجانب الفكر، والحضارة الصناعية والبحوث الطبيعية البحتة- بحوث عقلية توجيهية هي ما تعرف باسم الثقافة.

ولابد قبل البدء بالحديث عن تفاصيل الوضعية أو الفلسفة الوضعية، أن ننوه بأن المناخ التاريخي والإيديولوجي لها، هو مناخ فرنسا في القرن التاسع عشر، هذا الزمن المليء بالاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها فرنسا، وبصفة خاصة في أعقاب الثورة الفرنسية الكبرى، كما سبق بيانه.

لقد كان الصراع قائمًا بين الفئات المحافظة في المجتمع، وهي التي كانت تسعى إلى أن تفرض على المجتمع الجديد قوانين المجتمع القديم، وبين القوى الثورية التي كانت أفكارها تتسم بالغموض.

وبالتالي كان من الضروري أن يكون هناك نوع من التآلف بين فكرتي النظام والتقدم، بغية رفع الفوضى السياسية، هذا بالنسبة للوضع السياسي والاجتماعي القائم.

أما على الصعيد المعرفي، فإن القرن التاسع عشر قد شهد درجةً كبيرة من تطور العلوم الرياضية والفيزيائية والكيمائية، ولذلك رأى الفيلسوف “أوجست كونت” أن إقامة علم بالمجتمع أصبح أمرًا ضروريًّا؛ لإتمام سلسلة العلوم المكونة للمعرفة الوضعية.

ولو حاولنا أن نستقرئ المعنى الذي استخدمت به لفظة علم بالتصنيفات العلمية، لوجدنا أن العلم كان مرادفًا لمعنى المعرفة، فكل معرفة يمكن أن يحدد لها ضمن نسق معرفي معين، وبالتالي فإن العلم هو المعرفة المنظمة المتعلقة بموضوع واحد.

error: النص محمي !!