Top
Image Alt

(سُنن أبي داود السجستاني)

  /  (سُنن أبي داود السجستاني)

(سُنن أبي داود السجستاني)

ركَّز أبو داود في كتابه على أحاديث الأحكام، دون أحاديث الفضَائل والرقَائق والآداب، ويرى وليّ الدِّين أبو زرْعة  أنه يضمُّ مُعْظم أحاديث الأحكام التي يُحْتج بها. وخرَّج أبو داود في كتابه: الحديث الصحيح لِذَاته ولغيره، والحَسنَ لذَاته ولغيره، والضعيف الشديد الوَهن، والمُحْتَمل، فإن كان في الحديث وَهن شديد نبَّه عليه.

شروط أبي داود في سننه:

وشَرْطه أن لا يُخرِّج عن رجلٍ أجمع النُّقاد على تَرْكه. وقال النووي: “الحقُّ: أنّ ما و جدناه في “سُننه” مما لم يبيِّنه ولم ينصَّ على صحَّته أو حسَّنه أحَدٌ ممن يُعتمد عليه، فهو حَسن. وإن نصَّ على ضعْفه مَن يُعْتمد، ولا جابِر له، حُكِم بضعفه. ولم يُلتَفت إلى سُكوت أبي داود على الأحاديث التي في سَندها انقطاع أو إبْهام أو إرسَال، للعِلمِ بضعْفِها من هذا الوجه؛ فلا يُحْتاجُ للتَّنبيه على ذلك، أو لكونه له جابِر وإن كنا نَعْلمه. وما لم يكنْ كذلك، فلعلَّ سُكوته عليه لكونِه غير شَديد الضَّعف عنده. وأما سببُ تَخريجِه للضعيف، فلأنه لم يَجْد في الباب غَيرَه، وعِنْده أنّ الحديث الضعيف أقوى مِن رأي الرجال.

ويَبلغُ عدد أحاديث (سُنن أبي داود): أربعة آلاف وثمانمائة (4800) حديث، انتقاها من خمسمائة ألْف حديث كان قد كتبها. وأمّا في ترقيم طبعة الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، فَبلغت (5274) حديث، وربَّما يرجع تَغايُر الأرقام إلى اختلاف النُّسخ أو تَكرّر بعض الأحاديث في عدّة مَواضع، لاشتمالها على عِدّة أحكام، أو إدخَال بعض الأسانيد المُختَلفة للحديث الواحد في العدد”.

وقد اختار أبو داود أصحَّ ما عرف في الباب، مُقتصرًا عليها خَوف الإطَالة؛ فلم يَكْتب في الباب إلّا حديثًا أو حديثيْن، وإنْ كان عندَه أحاديث أخرى صَحيحة في الباب نفسِه. ولا يُعيد الحديث من وجهَيْن أو ثلاثة، إلّا لوجُود زيادة في المعنى. كما راعى في تَكْرار الحديث أنْ يكون أحَد الطريقيْن أقومَ إسنادًا، والآخر أعلى -أقدم في الحفظ على حدِّ تَعْبيره-.

ورغْم حِيطَته الشَّديدة، فقدْ تَعقَّبه النُّقاد، فكشفوا في رِجاله عن ستّة عشر راويًا متروكًا: منهم ثلاثة حَذَف مروياتهم عند تَنْقيح كِتابه في العَرضة الرابعة وغيْرها، وبقي في كتابه خمسة عشر حديثًا مِن مرويّاتهم: منها ستة أحاديث ما بين صحيح وحسن، وذلك لمجيئها من طُرق أخرى صحيحة أو حسَنة. وخمسة أحاديث أسانيدها ضعيفة، وبيّن أبو داود ضعفَها أو نَكارتها. وأربعة أحاديث ضعيفة جدًّا، وسَكت عليها أبو داود: ثلاثة منها ليس لها مُتابعة، فضعفُها بضعْف رواتها وتَفرّدِهم بها، وهي الأحاديث رقم: (3176) في الجنائِز، ورقم: (3892) في الطِّب، ورقم: (5273) في الأدب. والرابع له شاهِد ضعيف لا يَنهض به، وهو حديث رقم: (5076) في الأدب. وهذه الأحاديث الأربعة ليست في كتاب (الموضوعات) الابن الجوزي.

أما الّرواة المجهولون في (سُنن أبي داود) فبلغَ عددُهم: (106) راوٍ، وعدد مروياتهم: (105) حديث، منها (87) حديثًا لها طُرقٌ أخرى ما بيْن صحيح وحسَن. وحديث واحد مُخْتَلف فيه، وهو: حديث معاذ في الاجتهاد. ومنها (17) حديثًا أسانيدها ضَعيفة أو واهِية: أربعة منها بيَّن أبو داود ضَعْفها أو نَكَارتها، وسَكت عن الباقي، وهي ثلاثة عشر حديثًا. وقد حَكَم ابن الجوزي على ثمانية أحاديث في (سُنن أبي داود) بالوضْع، أو بأنَّها لا تَصحّ: منها ستة أحاديث صحيحة أو حسَنة لوجود طُرق أخرى صحيحة أو حسَنة. ومنها حديثان يُحكم عليهما بالضَّعف أو النكَارة، لا بالوَضْع، لأن الطريق الذي أخرجه أبو داود ليسَ فيه كذَّاب ولا مُتَّهم بالكَذب.

وقد أجاد أبو داود تَرتيب أحاديثه، فأثنى عليه العُلماء، ونَصحوا المُشتَغلين بالفقه خَاصة بالرجوع إليه، ويَقف كتاب (سُنن أبي داود) في مقدّمة كُتب السُّنن الأربعة. وقد طُبع كتاب (السّنن) عِدّة  طبعات في الهند والقاهرة، وهي تتفاضل في جوْدة التحقيق. وقد شَرحه عدَد من أجِلّاء العلماء، منهم: أبو سليمان الخطَّابي (ت 388هـ) في كتابه (معَالِم السنن)، وهو مختصر، وللنووي شرح عليه كتب منه قِطعة، ولابن القيِّم مجلد لطيف جمَع فيه بين الخطَّابي والمُنذري، ولمغْلطاي شرح سماه: (السنن)، ولولي الدين العراقي شرْح عليه مَبْسوط، ولو كمُل لجاء في أربعين مُجلّدًا، ولابن رَسْلان شَرح كامل، ولشرف الحق محمد أشرف الصِّدِّيقي في كتابه (عَون المعْبود على سنن أبي داود)، وكلاهما مطبوع.

ولا يَزال الكتاب بِحاجة إلى تَحْقيق علْمي يَسْتند على الأصول الخطِّيّة المهمّة التي وَصلت إلينا من روايات اللؤلؤي (ت 333هـ)، وابن دَاسة (ت 346هـ)، وابن العبد (ت 328هـ)، وأبي سعيد بن الأعْرابي (ت 340هـ)، عن أبي داود. وينبَغي الاعتماد على أصلِ اللؤلؤي؛ فهي من أصحّ الروايات لأنها مِن آخِر ما أملى أبو داود، وعليها مات. وقد قرأ (السُّنن) على أبي داود عشرين سنة. والزيادات التي في رواية ابن دَاسة حَذَفها أبو داود في آخر أمْره لشيء كان يُريبه في إسناده، فلهذا تَفارقا.

وقال وليّ الدّين أبو زرْعة: “قد سمع اللؤلؤي مِن أبي داود سنَة وفاته، وهي سنة خَمس وسَبعين ومائتيْن، فينبغي أن يكون العَملُ على روايته”.

error: النص محمي !!