Top
Image Alt

شبهة: استغلال الأمراء الأمويين والعباسيين علماء المسلمين لوضع ما يثبت ملكهم

  /  شبهة: استغلال الأمراء الأمويين والعباسيين علماء المسلمين لوضع ما يثبت ملكهم

شبهة: استغلال الأمراء الأمويين والعباسيين علماء المسلمين لوضع ما يثبت ملكهم

ويزعمون أيضًا: أن الأمراء الأمويين والعباسييين بدأً من معاوية رضي الله عنه استغلوا علماء المسلمين لوضع ما يثبِّت ملكهم!!

أما معاوية رضي الله عنه فهو صحابي جليل على رغم أنف مَن يحاول أن ينال من قدره، سُئل عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-عنه؟ فأجاب إجابةً يستنكر فيها طرح السؤال بهذه الصيغة قائلًا: معاوية صِهره، وكاتب وحيه، وأمين سرّه، وصاحبه. أيُّ ميزة من لهذه لعمر بن عبد العزيز؟

وهناك خلاف في إسلام معاوية، فروايات تقول: إنه أسلم قبل الحديبية أو بعد الحديبية، وكان عند فتح مكة مسلمًا، وكان عند الحديبية مسلمًا، وَهَبْ أنه أسلم عام الفتح لا بأسَ. فالله امتدح كل الصحابة الذين تقدَّم إسلامهم، أو تأخر إسلامهم، يقول الله -تبارك وتعالى-: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَـَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مّنَ الّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَىَ} [الحديد: 10] نعم. هناك تفاوت في الفضل بين الصحابة، لكنهم جميعًا أفضل أجيال هذه الأمة، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: ((خير القرون قرني)) إلى آخر الأحاديث الواردة في هذا.

فمعاوية صحابي جليل يَثبت له ما يثبت للصحابة من عدالة، ومن صدق، ومن أمانة، ومن عفَّة، ومن طهارة، ومن استقامة، ومن حِرص على القرآن والسنة، فأيُّ افتراء عليه لا يجوز، وأيُّ خطأ في حقّه مردود على أصحابه، وهذا من كيد الشانئة المغرضين الرافضة.

وولاه عمر الشامَ، وظل عليها إلى أن تولى الخلافةَ في سنة 40 هجرية أو في سنة 41 وهو عام جماعة الذي وحَّد الله فيه الأمة الإسلامية بعد أن كان قد ظهر الخلاف بينها بعض الشيء.

إذن الصحابة: معاوية، أبو هريرة، وغيرهم، ممن تكلموا في حقهم أجل وأعظم وأسمى من أن يكونوا جنودًا للأمراء في ذلك، ولا الأمراء أنفسهم طلبوا أحاديث، ولم نجد مواقفَ طلب فيها بعضُ الحكام من العلماء أن يضعوا أحاديث يساندون بها أي موقف لأي حاكم يريد أن يتخذه في قضية ما؛ سواء كانت قضية دينية، أو علمية، أو سياسية، أو ما شاكل ذلك.

بعض الأحاديث التي يحاولون أن يستدلوا بها على ذلك:

مثل الأحاديث التي تحث على طاعة الأمراء. ولكن بدايةً نقول: الفقه السياسي -الآن- سبق به الصحابة، وهو العمل على استقرار الأمة، وسدِّ باب الخلاف، وسدِّ باب النزاع، وعدم الجرأة على أولياء الأمر حتى لا تحدث الفتن، ولذلك الدول التي لا تدين بالإسلام تضع في دساتيرها ما يحفظ وحدة الأمة،  فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)) ماذا في هذا الحديث من الممالئة للحكام المسلمين؟ حين يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فاسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي)) فماذا في هذا أيضًا؟ فهل الانقسام أو الحفاظ على وحدة الأمة هو الأولى؟ إن فكر أهل السنة والجماعة في هذه القضية يتَّجه إلى المحافظة على استقرار الأمة، لا عند خوف، ولا عن جبن، وإنما هو ترتيب للأوليات، وإغلاق لباب الفتن الذي إذا فُتح -والعياذ بالله- لا يعلم مداها إلا الله -تبارك وتعالى.

وفي نفس الوقت هناك أحاديث تطلب النصيحة للأمة وللأمراء، منها: ((الدين النصيحة، قلن: لِمَن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكِتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم)) فغاية ما في الأمر مناقشة الأسلوب.

إذن، المسألة لم تكن خنوعًا؛ إنما كانت محافظة على روح الأمة في ضوء الأدلة، فعندنا مثلًا مَن قام لمروان بن الحكم وهو يريد أن يخطب قبل الصلاة في العيد على خلاف ما كانت عليه السنة، ونبهه إلى أن هذا مخالف للسنة، وهذا الموقف هو الذي رُوي فيه الحديث الذي عند مسلم من رواية أبي سعيد الخدري: ((مَن رأى منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطِع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)).

فهذه الأحاديث التي تطلب الطاعة لولي الأمر ما دامت مستقية من كتاب الله -تبارك وتعالى- ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم فالأخذ بها واجب، بل إنه من المعروف أنه: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)) حتى هذا الأمر بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم نفسه وهو الذي لا يأمر إلا بالمعروف، وسجل له ذلك في القرآن الكريم: {الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الاُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُواْ النّورَ الّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] فمحلّ الشاهد: {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ}.

وفي الحديث المتفق على صحته من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وحوله عصابة من أصحابه: بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادَكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف)) انظروا إلى قيد: ((في معروف)) مَن الذي يبايع؟ النبي صلى الله عليه وسلم وهل النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بغير معروف -والعياذ بالله-؟ كلا، إنما هذا القيد لأمراء الأمة فيما بعد، لماذا لم يكتم العلماء هذا القيد؟ ولماذا لم يكتموا: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق))؟ ولماذا لم يكتموا: ((الدين النصيحة لله، ولرسوله، وللأئمة المسلمين ولعامتهم))؟

وعندنا كتب مؤلفة في السياسية الشرعية التي تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم في ضوء الأدلة الشرعية المأخوذة من القرآن والسنة.

لكن نحن نلفت النظر إلى أن هؤلاء انتبهوا إلى حديث يأمر بالطاعة، ويطلب الصبر على الأمراء، وحتى وإن كانوا على أثرة فيهم، وتقديمهم لأنفسهم على الرعية، فلم يقل أحد: إن هذا ليس ظلمًا -أي: ما يقع من الحكام-بل قالوا: إنه ظلم، لكن طلب الصبر عليه؛ ترتيبًا للأولويات والمسائل؛ وحفاظًا على وحدة الأمة، وإغلاقًا لباب الفتنة، فلم يكن استسلامًا ولا ضعفًا؛ إنما هو صبر يؤجَرون عليه، وفي نفس الوقت يداومون النصيحة لولاة الأمر -إن شاء الله- لعل الله يأتي بالخير على أيديهم.

إذن، هناك أحاديث هنا، وهناك أحاديث هنا، ولأنهم يريدون أن يخدموا غرضهم، اقتصروا على جانب من الأحاديث، وتصوروا أن الوضَّاعين وضعوا هذا الأمر: ((وإن تأمَّر عليكم عبد حبشي))، ((بايعنا النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، والعسر واليسر على أثرة علينا)) وما داموا يقيمون الصلاة، فليس هناك خروج على الإمام إلا أن يكون هناك كفر بواح عندكم فيه من الله برهان، وهذا لإغلاق لباب الفتنة، وحفاظ على وحدة الأمة، ولم يكن أبدًا استسلامًا، ولا ضعفًا، ولا مهانةً، ولا مذلةً، ولا انقسامًا.

إذن هذه فِرية أن يُقال: إنهم وضعوا أحاديثَ، وأن علماء المسلمين استجابوا لهم في ذلك؛ إنما هي أحاديث قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولها مناسبات، والنبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أمّر أميرًا، وهذا الأمير حاول أن يختبرهم، فأوقد نارًا، وطلب منهم أن يُلقوا بأنفسهم فيها فما استجابوا له؛ فاستحسن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك.

إذن، هو يعلمهم بشكل عملي أنه: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق))، وهذا الحديث تناقله علماء الأمة ولم يكتموه، ولم يخفوه، بالإضافة إلى الأحاديث الأخرى التي ذكرناها.

هذا الفقه الواضح الجلي يَعْلَمُه علماء الأمة، ويعلمون الفهم السديد لهذه الأحاديث، ومصادرنا مليئة بهذا الفهم، مثل: شروح البخاري، وشروح مسلم، وكتب السياسية الشرعية، وغيرها، تتكلم عن فهم هذه الأحاديث، وليس من بينها أبدًا أن هناك مَن وضع حديثًا؛ ممالأةً لحاكم؛ لكي يعينه على ظلمه، أو على بَغيه، أو أن يؤسس لملكه. كل ذلك افتراء.

error: النص محمي !!