Top
Image Alt

شرح أبواب: إثبات حوض نبينا وصفاته صلى الله عليه وسلم، وإكرامه صلى الله عليه وسلم بقتال الملائكة معه، وشجاعته صلى الله عليه وسلم

  /  شرح أبواب: إثبات حوض نبينا وصفاته صلى الله عليه وسلم، وإكرامه صلى الله عليه وسلم بقتال الملائكة معه، وشجاعته صلى الله عليه وسلم

شرح أبواب: إثبات حوض نبينا وصفاته صلى الله عليه وسلم، وإكرامه صلى الله عليه وسلم بقتال الملائكة معه، وشجاعته صلى الله عليه وسلم

باب إثبات حوض نبينا صلى الله عليه وسلم وصفاته:

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا يعقوب يعني ابن عبد الرحمن القاري، عن أبي حازم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب ومن شرب لم يظمأ أبدًا، وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم)).

قال أبو حازم: فسمع النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعت سهلًا يقول، قال: فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيدٍ الخدري لسمعته يزيد فيقول: ((إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن بدل بعدي)) ثم قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثنا داود بن عمرو الضبي، قال: حدثنا نافع بن عمر الجمحي، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ قال: قال عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من الورق، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبدًا)).

ثم قال الإمام مسلم -رحمه الله-: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر المكي، واللفظ لأبي شيبة، قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العَمِّي عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذرٍ رضي الله عنه قال: ((قلت: يا رسول الله ما آنيةُ الحوض؟ قال: والذي نفس محمدٍ بيدهِ لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها، ألا في الليلة المظلمة المصحية، آنية الجنة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه، يشخب فيه ميزابان من الجنة من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله ما بين عَمَّانَ إلى أيلة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن وأحلى من العسل)).

قوله صلى الله عليه وسلم: ((أنا فَرَطُكُمْ على الحوض)) “الفَرَطُ” بفتح الفاء والراء وهو الذي يتقدم الوارد ليصلح له الحياض والدلاء ونحوها من أمور الاستسقاء، فمعنى: ((أنا فرطكم على الحوض)) أي سابقكم؛ لأهيئ وأعدَّ لكم حوضي للشرب منه.

والحوض “أل” فيه للعهد، أي حوض النبي صلى الله عليه وسلم وجمع الحوض “حِيَاضٌ” و”أَحْوَاضٌ “وهو مجمع الماء، وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم حوض واحد أو أكثر وهل للأنبياء أحواض؟ وأين مكان الحوض من أحداث يوم القيامة قبل الصراط أو بعده؟ وسيأتي تفصيل ذلك، وكثرة أوانيه وأوصافها تدل على عظمة هذا الحوض، فهي من حيث العدد أكثر من عدد نجوم السماء، وزاد في الرواية التي معنا: ((ألا في الليلة المظلمة المُصْحِيَةِ)) و”ألَا” للتنبيه والتأكيد، ورؤية النجوم في الليلة المظلمة التي لا قمر فيها أكثر وضوحًا ولمعانًا وأكثر عددًا.

قال النووي: المختار والصواب أن هذا العدد للآنية على ظاهره، وأنها أكثر عددًا من نجوم السماء، ولا مانع من حيث العقل والشرع يمنع من ذلك، بل ورد الشرع به مؤكِّدًا كما قال صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسُ محمدٍ بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء)) وهي من حيث الجنس من الذهب والفضة، ومن حيث اللون أشد بياضًا من اللبن، وأبيض من الفضة اللامعة، ومن حيث الطعم أحلى من العسل، ومن حيث الرائحة أطيب من المسك.

ومصدر مَائِهِ كما قال صلى الله عليه وسلم: ((يَغُدُّ فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من الوَرِقِ)) ومعنى “يَغُدُّ” بفتح الياء، وضم الغين وكسرها، وتشديد الدال أي يَدْفُقَانِ فيه من أعلى، وقيل يصبان فيه دائمًا صبًّا شديدًا، ووقع في بعض النسخ: ((يَعُبُّ)) بضم العين بعدها باء، والعب الشرب بسرعة في نَفَسٍ واحد، ووقع في رواية: ((يثعب)) بثاء وعين وباء أي ينفجر، وميزابان تثنية ميزاب، وأصله مئزاب فخففت إلى ياء، وهو أنبوب أو قناة يصرف بها الماء من سطح بناء إلى وضع عال.

وفي رواية: ((آخر ما عليه يشخب فيه ميزابان من الجنة)) يشخب بضم الخاء وفتحها والشخب السيلان وأصله ما خرجا من تحت يدي الحالب عند كل غمرة وعصرة لضرع الشاة.

وقال الحافظ ابن حجر: الكوثر نهر داخل الجنة ماؤه يصب في الحوض، ويطلق على الحوض كوثر؛ لأنه يُمَدُّ منه، فهو مادة الحوض، كما جاء صريحًا في حديث البخاري: ((بينما أنا أسير في الجنة إذا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكَ ربُّكَ، فإذا طيبه أو طينه مسك أذفر)).

وأما عمن يرده ويشرب منه ومن يحال بينهم وبينه، فتقول الرواية: ((من شرب لا يظمأ أبدًا، وليردَنَّ عليَّ أقوامٌ أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم، فأقول: إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن بدل بعدي)) وقوله: ((من ورد شرب)) أي من ورد حوضي، وفي الكلام قيْدٌ ملَاحَظٌ أي من ورد الحوض ومكن من الشرب.

ففي الأحاديث السابقة: ((أن قومًا يردون فيذادون فلا يشربون)) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني)) أي بعلامات وليست المعاصرة والرؤية الدنيوية شرطًا للمعرفة، ففي روايةٍ: ((مني ومن أمتي)). وفي روايةٍ: ((ليردن على الحوض رجال ممن صاحبني)).

وفي روايةٍ: ((فأقول: يا رب، أصحابي أصحابي، فيقول: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)). فالظاهر أن المراد المعرفة بالرؤية والصحبة الشرعية، وأيضًا المعرفة بعلاماتٍ كما جاء في بعض الأحاديث: ((يأتون يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلِيْنَ من آثار الوضوء)) ويعرفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، قال: ((ثم يحال بيني وبينهم)) بينت رواية البخاري السابقة أحداث هذه الحيلولة، وإلى أين يذهبون.

وقوله: ((إنك لا تدري ما عملوا بعدك)). وفي روايةٍ: ((أما شعرت ما عملوا بعدك والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم)) كناية عن الردة والرجوع عن الإسلام، وفي رواية: ((إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًا سحقًا لمن بدل بعدي)) معناه بعدًا بعدًا أي ألزمهم الله سحقًا، يقال: سحقه الله وأسحقه أي أبعده وسحقته الريح أي طردته وأبعدته والجملة خبرية.

قال الإمام النووي في فقه هذه الأحاديث:

قال القاضي عياض -رحمه الله-: أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة لا يُتَأَوَّلُ ولا يختلف فيه.

قال القاضي: وحديثه متواتر النقل رواه خلائق من الصحابة، وقال القرطبي في (المُفْهِمِ): مما يجب على كل مكلفٍ أن يعلمه، ويصدق به أن الله تعالى قد خص نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة، التي يحصل بمجموعها العلم القطعي، وقد أجمع على إثباته السلف وأهل السنة من الخلف، وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة وأحالوه عن ظاهره، وغالوا في تأويله من غير استحالة عقلية، وعلى عادية تلزم من حمله على ظاهره وحقيقته، ولا حاجةَ تدعو إلى تأويله.

وقد اختلف العلماء في موقع الحوض والشرب منه من أحداث الآخرة.

قال القرطبي: والصحيح أن للنبي صلى الله عليه وسلم حوضين: أحدهما في الموقف قبل الصراط، والآخر داخل الجنة، وكل منهما يسمى كوثرًا.

ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم: من قوله صلى الله عليه وسلم: ((وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن)).

قال النووي: هذا تصريحٌ بأن الحوض حوض حقيقي على ظاهره، وأنه مخلوق موجودٌ الآن.

وفيه جواز الحلف من غير استحلاف؛ لتفخيم الشيء وتوكيده، قال الحافظ ابن حجر: وقد اشتهر اختصاص نبينا صلى الله عليه وسلم بالحوض، لكن أخرج الترمذي من حديث سمرة رفعه: ((إن لكل نبي حوضًا)).

قد أشار الترمذي إلى أنه اختلف في وصله وإرساله، وأن المرسل أصح، قال الحافظ ابن حجر: والمرسل أخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح عن الحسن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ لكلِّ نبيٍّ حوضًا، وهو قائم على حوضه بيده عصًا، يدعو من عرف من أمته، إلا أنهم يتباهون أيهم أكثر تبعًا، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تبعًا)).

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أصحابي أصحابي أعرفهم ويعرفوني)) دليل لصحة تأويل من تأول أنهم أهل الردة؛ ولهذا قال فيهم: ((سحقًا سحقًا)) ولا يقول ذلك من مذنبي الأمة، بل يشفع لهم ويهتم لأمرهم.

باب إكرامه صلى الله عليه وسلم بقتال الملائكة معه:

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن بشر وأبو أسامة عن مِسْعَر عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن سعد رضي الله عنه قال: ((رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بياض ما رأيتهما قبل ولا بعد)) يعني جبريل وميكائيل -عليهما السلام.

قوله: ((رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين)) الكلام على التوزيع أي عن يمينه رجل -أي ملك في صورة رجل- وعن شماله رجل أو كانا يتبادلان المواقع، فكل منهما عن يمينه وشماله، والظاهر الأول، وقوله: “ما رأيتهما قبل ولا بعد” كناية عن كونهما غريبين وجبريل وميكائيل بالنسبة له كذلك.

“يقاتلان عنه أشد قتال” فرق بين يقاتلان عنه -أي يدافعان عنه ويصدان ضربات الكفار الموجهة إليه، ويحميانه، ويعصمانه- وبين يقاتلان معه، أي يضربان الكفار ويحاربونهم معه ومع أصحابه.

وقوله: “كأشد قتال” صفة لمصدر محذوف أي قتالًا مشبهًا أشد القتال، قتال الملائكة أو نزول الملائكة في المعارك ثابتٌ بنص القرآن الكريم، في قوله تعالى مثلًا: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلّةٌ فَاتّقُواْ اللّهَ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدّكُمْ رَبّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مّنَ الْمَلآئِكَةِ مُنزَلِينَ (124) بَلَىَ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هَـَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبّكُمْ بِخَمْسَةِ آلآفٍ مّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاّ بُشْرَىَ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النّصْرُ إِلاّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفاً مّنَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ} [آل عمران: 123-127].

قال الحافظ ابن حجر: اختلف أهل التأويل في مُتَعَلَّقِ قوله: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ} فمنهم من قال: إنها متعلقة بقوله: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ} فهي في قصة بدر، وعليه عمل البخاري، وهو في قول الأكثر، وبه جزم الداودي، وقيل: هي متعلق بقوله: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران: 121].

فعلى هذا هي متعلقة بغزوة أحد، وهو قول عكرمة وطائفة.

يؤخذ من الحديث: فضيلة الثياب البيض وأن رؤية الملائكة لا تختص بالأنبياء، ومنقبة لسعد بن أبي وقاص، وفيه كرامة للنبي صلى الله عليه وسلم على الله تعالى، وإكرامه إياه بإنزال الملائكة تقاتل عنه، وبيان أن الملائكة تقاتل، وأن الملائكة تنزل في صورة الرجال.

باب شجاعته صلى الله عليه وسلم:

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي وسعيد بن منصور وأبو الربيع العتكي وأبو كاملٍ واللفظ ليحيى قال يحيى: أخبرنا وقال الآخران: حدثنا حماد بن زيد عن ثابتٍ عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعًا وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة عُريٍ في عنقه السيف، وهو يقول: لم تراعوا لم تراعوا، قال: وجدناه بحرًا، أو إنه لبحر، قال: وكان فرسًا يُبَطَّئُ)).

قوله: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس)) أي خَلْقًا وخُلُقًا. ((وأشجع الناس)) الشجاعة وسطًا بين التهور والجبن، ((ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة)) الفزع الخوف الشديد المفاجئ، وكان خوفهم من إغارة أعدائهم الكفار من حولهم الذين يتربصون بهم، وكان فزعهم لسماعهم أصواتًا خارج المدينة، ظنوها جيش أعداء، وفي الرواية الثانية: ((كان بالمدينة فزع)) أي وجد بالمدينة فزع، ((فانطلق ناس قبل الصوت)) أي جهة الصوت لاستطلاع الخبر ولرد الاعتداء إذا وجدوا اعتداءً: ((فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعًا وقد سبقهم إلى الصوت)) أي إلى مكان مصدر الصوت، فلم يجد ما يخيف فرجع إلى المدينة سريعًا ليطمئنهم فالتقى في طريق عودته بالناس المنطلقين نحوه: ((وهو على فرسٍ لأبي طلحة عري)) أي ليس عليه سراج ولا أداة.

قال النووي: وقع في هذا الحديث تسمية هذا الفرس مندوبًا، قال القاضي: وقد كان في أفراس النبي صلى الله عليه وسلم مندوب فلعله سار إليه بعد أبي طلحة، هذا كلام القاضي، قلت: ويحتمل أنهما فرسان اتفقا في الاسم، وقوله: ((في عنقه السيف)) تعليق السيف في العنق يحتاجه الفارس كثيرًا؛ ليكون أعون له على مهامه الأخرى وهو يشير إلى أنه لم يخرج صلى الله عليه وسلم أعزل مخاطرًا بل مسلحًا مقدامًا.

وقوله: ((لم تراعوا)) قال النووي: لم تراعوا أي روعًا مستقرًا أو روعًا يضركم، يجيب بذلك عما قد يقال: كيف ينفي عنهم الروع؟ وقد حصل لهم الروع، وقد أجبنا بأن النفي موجهًا إلى سبب الروع، لا إلى الروع نفسه حتى يجيب بما أجاب، وجوابنا أقرب إلى المراد، قال: ((وجدناه بحرًا أو إنه لبحر، قال: وكان فرسًا يبطئ)) أي كان فرس أبي طلحة يتهم بالبطء ويوصف بسوء السير، وفي الكلام تقديم وتأخير والأصل: ((وكان فرس أبي طلحة فرسًا يُبْطِئُ)) بضم الياء وفتح الباء، وجدناه بعد أن ركبه النبي صلى الله عليه وسلم بحرًا أي واسع الخطو سريع الجري.

ويؤخذ من الحديث: من شدة عجلته صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى العدو قبل الناس كلهم، وتعريض نفسه لمواجهة العدو بمفرده.

يؤخذ من ذلك: شجاعته صلى الله عليه وسلم وفيه جواز سبق الإنسان وحده في الكشف عن أخبار العدو، ما لم يتحقق الهلاك، واستحباب تقلد السيف في العنق، واستحباب تبشير الناس بعدم الخوف وبث الاطمئنان فيهم، إذا ذهب ما يخيف، وفيه عظيم بركته صلى الله عليه وسلم. ومعجزته في انقلاب الفرس سريعًا بعد أن كان يُبَطَّئُ، وفيه جواز ركوب الفرس العري، وفيه تواضعه صلى الله عليه وسلم وفيه ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الفروسية البالغة، فإنَّ الركوب المذكور لا يفعله إلا من أحكم الركوب، وأدمن على الفروسية، وفيه جواز استعارة الفرس ونحوه.

error: النص محمي !!