Top
Image Alt

شرح أبواب: إثبات خاتم النبوة، وصفته، وصفة النبي صلى الله عليه وسلم ومبعثه، وسنه، وباب أسمائه صلى الله عليه وسلم

  /  شرح أبواب: إثبات خاتم النبوة، وصفته، وصفة النبي صلى الله عليه وسلم ومبعثه، وسنه، وباب أسمائه صلى الله عليه وسلم

شرح أبواب: إثبات خاتم النبوة، وصفته، وصفة النبي صلى الله عليه وسلم ومبعثه، وسنه، وباب أسمائه صلى الله عليه وسلم

باب إثبات خاتم النبوة، وصفته، ومحله من جسده الشريف صلى الله عليه وسلم:

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن سِماك قال: سمعت جابر بن سمرة قال: ((رأيت خاتَمًا في ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه بيضة حمام)).

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: وحدثنا قتيبة بن سعيد، ومحمد بن عباد، قال: حدثنا حاتم -وهو ابن إسماعيل- عن الجعد بن عبد الرحمن قال: سمعت السائب بن يزيد يقول: ((ذهبتْ بي خالتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وجع، فمسح رأسي، ودعا لي بالبركة، ثم توضأ، فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتمه بين كتفيه مثل زِر الحجلة)).

قوله: ((ورأيت الخاتَم عند كتفه مثل بيضة الحمامة، يشبه جسده)) وفي رواية: ((بين كتفيه مثل زر الحجلة)) وهي الرواية التي معنا، وفي رواية: ((فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغِض كتفه اليسرى، جمعًا عليه خيلان كأمثال الثآليل)).

أما ((بيضة الحمامة)) فهو بيضتها المعروفة، وأما ((زر الحجلة)) فبزاي، ثم راء، والحجلة بفتح الحاء والجيم -هذا هو الصحيح المشهور- والمراد بالحجلة: واحدة الحجال، وهي: بيت كالقبة، لها أزرار كبار وعرى.

هذا هو الصواب المشهور الذي قاله الجمهور، وقال بعضهم: المراد بالحجلة، الطائر المعروف، وزرها بيضتها، وأشار إليها الترمذي، وأنكره عليه العلماء.

قال الخطابي: رُوي أيضًا بتقديم الراء على الزاي، ويكون المراد البيض، يقال: أرَزّت الجرادة بفتح الراء وتشديد الزاي: إذا كبست ذنبها في الأرض، فباضت.

وجاء في (صحيح البخاري): ((كانت)) يعني: الخاتم ((بضعة ناشزة)) أي: مرتفعة على جسده، وأما: ((ناغض كتفه)) صلى الله عليه وسلم فبالنون والغين والضاد المعجمتين، والغين مكسورة: ناغِض، وقال الجمهور: النَّغَضُ والنغْضُ والنَاغِض: أعلى الكتف، وقيل: هو العظم الرقيق الذي على طرفه، وقيل: ما يَظهر منه عند التحرك.

وأما قوله: ((جُمعًا)) فبضم الجيم وإسكان الميم، ومعناه: أنه كجمع الكف، وهو صورته بعد أن تَجمع الأصابع، وتضمها، وهذا في الرواية التي تلي ذلك وفيها أيضًا خيلان: ((عليه خيلان)) والخيلان فبكسر المعجمة، وإسكان الياء: جمع خال، وهو الشامة في الجسد.

قال القاضي عياض: وهذه الروايات متقاربة متفقة على أنه شاخص في جسده صلى الله عليه وسلم قدر بيضة الحمامة، وهو نحو بيضة الحجلة، وزر الحجلة.

وأما رواية جمع الكف، وناشز، فظاهرها المخالفة، فتأول على وفق الروايات الكثيرة، ويكون معناه: على هيئة جمع الكف، لكنه أصغر منه في قدر بيضة الحمامة، قال القاضي: وهذا الخاتم هو أثر شَق الملكين بين الكتفين.

قال الإمام النووي: وهذا الذي قاله ضعيف، بل باطل؛ لأن شَق الملكين إنما كان في صدره وبطنه.

باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم ومبعثه، وسنه:

قال الإمام مسلم -رحمه الله-: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن أنس بن مالك أنه سمعه يقول: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، وليس بالأبيض الأمهق، ولا بالآدَم، ولا بالجَعد القطط، ولا بالسبط، بعثه الله عز وجل على رأس أربعين سنة، فأقام بمكةَ عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله عز وجل على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء)).

قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى-: ذكر في الباب ثلاث روايات، هذه التي معنا أنه صلى الله عليه وسلم: “توفي وهو ابن ستين سنة” والثانية: “خمس وستون” والثالثة: “ثلاث وستون” وهي أصحها وأشهرها، رواه مسلم هنا من رواية عائشة، وأنس، وابن عباس رضي الله عنهم.

واتفق العلماء على أن أصحها: “ثلاث وستون” وتأولوا الباقي عليه، فرواية ستين اقتُصر فيها على العقود، وترك الكسر، ورواية الخمس متأولة أيضًا، وحصل فيها اشتباه، وقد أنكر عروة على ابن عباس قولَه: “خمس وستون” ونسبه إلى الغلط، وأنه لم يدرك أول النبوة، ولا كثرت صحبته بخلاف الباقين.

واتفقوا أنه صلى الله عليه وسلم أقام بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين، وبمكة قبل النبوة أربعين سنة، وإنما الخلاف في قدر إقامته بمكة بعد النبوة وقبل الهجرة، والصحيح: أنها ثلاث عشرة، فيكون عمره ثلاثًا وستين صلى الله عليه وسلم.

وهذا الذي ذكرناه -أنه بعث على رأس أربعين سنة- هو الصواب المشهور الذي أطبق عليه العلماء، وحكا القاضي عياض، عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب روايةً شاذةً: أنه صلى الله عليه وسلم بُعث على رأس ثلاث وأربعين سنة، والصواب: أربعون كما سبق.

وولد صلى الله عليه وسلم عام الفيل على الصحيح المشهور، وقيل: بعد الفيل بثلاث سنين، وقيل: بأربع سنين، وادعى القاضي عياض الإجماع على عام الفيل، وليس كما ادعى، واتفقوا على أنه وُلد يوم الاثنين في شهر ربيع الأول، وتوفي يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، واختلفوا في يوم الولادة: هل هو ثاني الشهر، أم ثامنه، أم عاشره، أم ثاني عشرة؟ ويوم الوفاة ثاني عشرة ضحًى.

وقوله: ((ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير)) المراد بالبائن: زائد الطول، أي: هو بين زائد الطول والقصير، وهو بمعنى ما سبق أنه كان مقصدًا، وقوله: ((ولا الأبيض الأمهق، ولا بالآدَم)) الأمهق بالميم: هو شديد البياض كلون الجص، وهو كريه المنظر، وربما توهمه الناظر أبرص، والآدم: الأسمر، معناه: ليس بأسمر ولا بأبيض، كريه البياض؛ بل هو أبيض بياضًا نَيرًا، كما قال في الحديث السابق: ((إنه صلى الله عليه وسلم كان أزهرَ اللون)) وكذا قال في الرواية التي بعده.

كم سن النبي صلى الله عليه وسلم يوم قُبض؟

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثني أبو غسان الرازي محمد بن عمرو قال: حدثنا حكّام بن سلم، قال: حدثنا عثمان بن زائدة، عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك قال: ((قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وعمر وهو ابن ثلاث وستين)).

كم أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة والمدينة؟

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثنا أبو معمر إسماعيل بن إبراهيم الهذلي قال: حدثنا سفيان، عن عمرو قال: قلت لعروة: “كم كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة؟ قال: عشرًا، قال: قلت: فإن ابن عباس يقول: ثلاث عشرة”.

وقد روى الإمام مسلم روايةً أخرى، عن سفيان، عن عمرو قال: قلت لعروة: “كم لبِثَ النبي صلى الله عليه وسلم بمكةَ؟ قال: عشرًا، قلت: فإن ابن عباس يقول: بضع عشرة، قال: فغفره، وقال: إنما أخذه من قول الشاعر”.

قوله: قلت لعروة: “كم لبث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة؟… ” إلى آخره، هكذا هو في جميع نسخ بلادنا: “فغفره” بالغين والفاء، وكذا نقله القاضي عن رواية الجلُّودي، ومعناه: دعا له بالمغفرة، والجلودي هو الذي يروي (صحيح مسلم) فقال: “غفر الله له” وهذه اللفظة يقولونها غالبًا لمن غلط في شيء، فكأنه قال: أخطأ، غفر الله له، قال القاضي: وفي رواية ابن ماهان -وهو من رواة مسلم أيضًا-: “فصغره” بصاد، ثم غين، أي: استصغره عن معرفته هذا، وإدراكه ذلك وضبطه، وإنما أسند فيه إلى قول الشاعر، وليس معه علم بذلك.

ويرجح القاضي هذا القول، قال: والشاعر هو أبو قيس صرمة بن أبي أنس، حيث يقول:

ثوى في قريش بضعة عشرة حجة

*يذكر لو يلقى خليلًا مواتيًا

وقد وقع هذا البيت في بعض نسخ (صحيح مسلم) وليس هو في عامتها، قال الإمام النووي: وأبو قيس هذا هو صرمة بن أبي أنس بن مالك بن عدي بن عامر بن غُنم بن عدي بن النجار الأنصاري، هكذا نسبه ابن إسحاق، قال: كان قد ترهَّب في الجاهلية، ولبس المسوح، وفارق الأوثان، واغتسل من الجنابة، واتخذ بيتًا له مسجدًا، لا يدخل عليه حائض ولا جنب، وقال: أعبد رب إبراهيم، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، أسلم، فحسن إسلامه وهو شيخ كبير، وكان قوَّالًا بالحق، وكان معظمًا لله تعالى في الجاهلية، يقول الشعر في تعظيمه سبحانه وتعالى.

باب أسمائه صلى الله عليه وسلم:

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثني زهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، وابن أبي عمر -واللفظ لزهير- قال إسحاق: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، سمع محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يُمحَى بيَ الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب)) والعاقب: الذي ليس بعده نبي.

قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى-: ذكر هنا هذه الأسماء، وله صلى الله عليه وسلم أسماء أخر، ذكر أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه (الأحوذي في شرح الترمذي) عن بعضهم أن للنبي صلى الله عليه وسلم ألف اسم، ثم ذكر منها على التفصيل بضعًا وستين، قال أهل اللغة: يقال: رجل محمد ومحمود، إذا كثرت خِصالُه المحمودةُ، وقال ابن فارس وغيره: وبه سمي نبينا صلى الله عليه وسلم محمدًا، وأحمد، أي: ألهم الله تعالى أهله أن سموه به؛ لِمَا علم سبحانه وتعالى من جَميل صفاته.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((وأنا الماحي الذي يُمحى بيَ الكفر)) قال العلماء: المراد محو الكفر من مكة والمدينة وسائر بلاد العرب، وما زُوِيَ له صلى الله عليه وسلم من الأرض، ووعد أن يبلغه ملك أمته، قالوا: ويحتمل أن المراد: المحو العام، بمعنى: الظهور بالحجة والغلبة، كما قال تعالى: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ} [التوبة: 33].

وجاء في حديث آخر تفسير: ((الماحي)) بأنه: الذي مُحيت به سيئاتُ من اتبعه، فقد يكون المراد بمحو الكفر هذا، ويكون كقوله تعالى: {قُل لِلّذِينَ كَفَرُوَاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] والحديث الصحيح: ((الإسلام يهدم ما كان قبله)) أي: يمحو.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي)) وفي الرواية الثانية: ((على قدمي)).

فأما الثانية: فاتفقت النسخ على أنها: ((على قدمي)) لكن ضبطوه بتخفيف الياء على الإفراد، وتشديدها على التثنية.

وأما الرواية الأولى: فهي في معظم النسخ، وفي بعضها: ((قدمي)) كالثانية، قال العلماء: معناهما: يُحشرون على أثري، وزمان نبوتي ورسالتي، وليس بعدي نبي، وقيل: يتبعوني، وقوله صلى الله عليه وسلم في الرواية التي بعد ذلك: ((والمقفى، ونبي التوبة، ونبي الرحمة)).

وأما ((العاقب)) من أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم ففسره في الحديث: بأنه ليس بعده نبي، أي: جاء عقبهم، قال ابن الأعرابي: العاقِب والعقُوب: الذي يخلف في الخير مَن كان قبله، ومنه: عَقِبُ الرجل لولده.

وأما: ((المقفى)) فقال شَمَرُ: هو بمعنى العاقِب، وقال ابن الإعرابي: هو المتبع للأنبياء، يقال: قَفَوتُه أَقْفُوه وقفيتُه أَقْفِيهِ: إذا اتبعته، وقافيةُ كل شيء آخره.

وقوله: ((نبي التوبة، ونبي الرحمة، ونبي المرحمة)) كما جاء في الرواية التي تلي حديثنا، فمعناها متقارب، ومقصودها أنه صلى الله عليه وسلم جاء بالتوبة، والتراحم قال الله تعالى: {رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] وقال تعالى: {وَتَوَاصَوْاْ بِالصّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ} [البلد: 17].

وفي حديث آخر: ((نبي الملاحم)) لأنه صلى الله عليه وسلم بُعث بالقتال، قال العلماء: وإنما اقتصر على هذه الأسماء، مع أن له صلى الله عليه وسلم أسماء غيرها كما سبق؛ لأنها موجودة في الكتب المتقدمة، وموجودة للأمم السالفة.

error: النص محمي !!