Top
Image Alt

شرح أبواب: بيان تفاضل الإسلام، وأي أموره أفضل، وبيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، ووجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه

  /  شرح أبواب: بيان تفاضل الإسلام، وأي أموره أفضل، وبيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، ووجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه

شرح أبواب: بيان تفاضل الإسلام، وأي أموره أفضل، وبيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، ووجوب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه

باب بيان شعب الإيمان وأفضلها وأدناها:

حديث أبي هريرة:

في نهاية الدرس السابق ذكرنا حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان بضع وسبعون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان)).

وبينا أن الرواة اختلفوا في متن هذا الحديث ما بين قائل: بضع وسبعون، وقائل: بضع وستون، وبالشك: بضع وسبعون أو بضع وستون.

قال الإمام النووي: اختلف العلماء في الراجحة من الروايتين فقال القاضي عياض: الصواب ما وقع في سائر الأحاديث ولسائر الرواة: بضع وستون، وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله: هذا الشك الواقع في رواية سهيل هو من سهيل، كذا قال الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله، وقد روي عن سهيل بضع وسبعون من غير شك، وأما سليمان بن بلال فإنه رواه عن عمرو بن دينار على القطع من غير شك، كما في هذه الرواية التي معنا.

قال ابن الصلاح: وهي الرواية الصحيحة أخرجاها في (الصحيحين)، غير أنها فيما عندنا من كتاب مسلم: بضع وسبعون، وفيما عندنا من كتاب البخاري: بضع وستون، وقد نقلت كل واحدة عن كل واحد من الكتابين، ولا إشكال في أن كل واحدة منهما رواية معروفة في طرق روايات الحديث، واختلفوا في الترجيح.

قال ابن الصلاح: والأشبه بالإتقان والاحتياط ترجيح رواية الأقل، قال: ومنهم من رجح رواية الأكثر وإياها اختار أبو عبد الله الحليم، فإن الحكم لمن حفظ الزيادة جازمًا بها، قال الشيخ: ثم إن الكلام في تعيين هذه الشعب يطول وقد صنفت في ذلك مصنفات ومنها كتاب الحافظ أبي بكر البيهقي رحمه الله في كتابه الجليل الحفيل كتاب (شعب الإيمان) وقال القاضي عياض رحمه الله: البضع والبضعة بكسر الباء فيهما وفتحها، هذا في العدد، فأما بضعة اللحم فالفتح لا غيره، والبضع في العدد ما بين الثلاث والعشر وقيل: من ثلاث إلى تسع، وقال الخليل: البضع سبع وقيل: ما بين اثنين إلى عشرة وما بين اثني عشرة إلى عشرين ولا يقال في اثني عشرة.

قال الإمام النووي: هو الأشهر الأظهر، وأما الشعبة فهي القطعة من الشيء فمعنى الحديث: بضع وسبعون خصلة، قال القاضي رحمه الله: وقد تقدم أن أصل الإيمان في اللغة التصديق، وفي الشرع: تصديق القلب واللسان، وظواهر الشرع تطلقه على الأعمال كما وقع هنا أفضلها لا إله إلا الله، وآخرها: إماطة الأذى عن الطريق، وكمال الإيمان إنما يكون بالأعمال وتمامه بالطاعات، وأن التزام الطاعات وضم هذه الشعب من جملة التصديق ودلائل عليه، وأنها خلق أهل التصديق، فليست خارجة عن اسم الإيمان الشرعي ولا اللغوي، وقد نبه صلى الله عليه وسلم على أن أفضلها التوحيد المتعين على كل أحد، والذي لا يصح شيء من الشعب إلا بعد صحته، وأدناها ما يتوقع ضرره بالمسلمين من إماطة الأذى عن طريقهم، وبقي بين هذين الطرفين أعداد لو تكلف المجتهد تحصيلها بغلبة الظن وشدة التتبع لأمكنه، وقد فعل ذلك بعض من تقدم، وفي الحكم بأن ذلك مراد النبي صلى الله عليه وسلم صعوبة، ثم إنه لا يلزم معرفة أعيانها ولا يقدح جهل ذلك في الإيمان؛ إذ أصول الإيمان وفروعه معلومة محققة والإيمان بأنها هذا العدد واجب في الجملة، وقال الحافظ أبو حاتم بن حبان: تتبعت معنى هذا الحديث مدة وعددت الطاعات فإذا هي تزيد على هذا العدد شيئًا كثيرًا فرجعت إلى السنن فعددت كل طاعة عدها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين فرجعت إلى كتاب الله تعالى فقرأته بالتدبر وعددت كل طاعة عدها الله تعالى من الإيمان فإذا هي تنقص عن البضع والسبعين، فضممت الكتاب إلى السنن وأسقطت المعاد فإذا كل شيء عدّه الله تعالى ونبيه من الإيمان تسع وسبعون شعبة لا يزيد عليها ولا ينقص فعلمت أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا العدد في الكتاب والسنن، وذكر ابن حِبان رحمه الله جميع ذلك في كتاب (وصف الإيمان وشعبه) وذكر أن رواية من روى بضع وستون شعبة أيضًا صحيحة فإن العرب قد تذكر للشيء عددًا ولا تريد نفي ما سواه وله نظائر أوردها في كتابه منها في أحاديث الإيمان والإسلام، والله تعالى أعلم.

حديث ابن عمر: الحياء من الإيمان

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((والحياء شعبة من الإيمان)) وفي رواية: ((الحياء من الإيمان)).

وفي أخرى: ((الحياء لا يأتي إلا بخير)) وفي رواية: ((الحياء خير كله، أو قال: كله خير)).

والحياء هو: الاستحياء، قال أهل اللغة: الاستحياء من الحياء، واستحيى الرجل من قوة الحياة فيه لشدة علمه بمواقع الغيب، قال: فالحياء من قوة الحس ولطفه وقوة الحياة، وقال أبو القاسم القشيري عن الجنيد: الحياء رؤية الآلاء أي النعم، ورؤية التقصير، فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء وقال القاضي عياض وغيره من الشراح: إنما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة؛ لأنه قد يكون تخلقًا واكتسابًا كسائر أعمال البر، وقد يكون غريزة ولكن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى اكتساب ونية وعلم، فهو من الإيمان بهذا ولكونه باعثًا على أفعال البر ومانعًا من المعاصي وأما كون الحياء خيرًا كله ولا يأتي إلا بخير فقد يشكل على بعض الناس من حيث إن صاحب الحياء قد يستحي أن يواجه بالحق من يجله ويترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق وغير ذلك مما هو معروف في العادة، وجواب هذا ما أجاب به الجماعة من الأئمة منهم الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله؛ أن هذا المانع الذي ذكر ليس بحياء حقيقة بل هو عجز وخور ومهانة، وإنما تسميته حياء من إطلاق بعض أهل العرف أطلقوه مجازًا لمشابهته الحياء الحقيقي، وإنما حقيقة الحياء خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، ونحو هذا، ويدل عليه ما ذكرناه عن الجنيد رحمه الله، والله أعلم.

حديث عمران بن الحصين: الحياء لا يأتي إلا بخير:

قال الإمام مسلم: حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار واللفظ لابن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت أبا الثوار يحدث: ((أنه سمع عمران بن حصين يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الحياء لا يأتي إلا بخير)).

فقال بشير بن كعب: أنه مكتوب في الحكمة أنه منه وقارًا ومنه سكينة، فقال عمران: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن صحفك، فقد أنكر عليه ذلك. وفي رواية لمسلم وهي الرواية التي تلي ذلك قال صلى الله عليه وسلم: ((الحياء كله خير)) فقال بشير بن كعب: إنا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة أن منه سكينة ووقارًا لله ومنه ضعف، قال: فغضب عمران حتى احمرت عيناه، وقال: ألا أراني أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارض فيه، قال: فأعاد عمران الحديث قال: فأعاد بشير فغضب عمران قال: فما زلنا نقول فيه إنه منا يا أبا نجيد إنه لا بأس به. فهذه الرواية تبين سبب غضب عمران لأنه عارض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ومنه ضعف؛ لأن هذا يتعارض مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يتبين فيه أن الحياء كله خير، أما الرواية الأولى التي معنا والتي ليس فيها فالاحتمال أنه غضب لأنه يكمل شيئًا ناقصًا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما يضيف من الحكمة كما زعم أن منها كذا وكذا، والاحتمال أن عمران رضي الله عنه غضب من هذا ومن ذاك قوله: فقال بُشير بن كعب: إنا لنجد في بعض الكتب كذا وكذا. قال الإمام النووي: إنكار عمران رضي الله عنه لكونه قال: منه ضعف، بعد سماعه قول النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى تعارض كما في الرواية الثانية يعني تأتي بكلام في مقابلة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعترض بما يخالفه، وقولهم في الرواية الثانية: إنه منا إنه لا بأس به، معناه: ليس هو ممن يتهم بنفاق أو زندقة أو بدعة أو غيرها مما يخالف به أهل الاستقامة والله أعلم.

وهذا الحديث يدل على قيمة كبيرة وتعليم عظيم وهو أنه ما ينبغي أن يعارض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قيل إنه في حكمة أو في غير ذلك، مما قد يثيره بعض الناس أو بعض المتحذلقين.

باب بيان تفاضل الإسلام، وأي أموره أفضل:

حديث عبد الله بن عمرو:

ننتقل إلى حديثين في باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل.

قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا ليث وحول الإسناد فقال: حدثنا محمد بن رمح بن المهاجر قال: أخبرنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو: ((أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)).

قال: وحدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عمرو بن صرح المصري قال: أخبرنا ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: ((أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المسلمين خير؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده)) تختلف الروايات في أي المسلمين خير؛ ففي رواية: ((أي المسلمين خير؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده)) كما قرأنا في الحديث السابق، وفي رواية جابر: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)) قال العلماء رحمهم الله: قوله: ((أي الإسلام خير؟)) معناه أي خصاله وأموره وأحواله، قالوا: وإنما وقع اختلاف الجواب في خير المسلمين لاختلاف حال السائل والحاضرين، فكان في أحد الموضعين الحاجة إلى إفشاء السلام وإطعام الطعام أكثر وأهم لما حصل من إهمالهما والتساهل في أمورهما ونحو ذلك، وفي موضع الكف عن إيذاء المسلمين وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من سلم المسلمون من لسانه ويده)) معناه: من لم يؤذِ مسلمًا بيد؛ بقول ولا فعل، وخص اليد بالذكر لأن معظم الأفعال بها، وقد جاء القرآن العزيز بإضافة الاكتساب والأفعال إليها بما ذكرناه والله تعالى أعلم، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من سلم المسلمون من لسانه ويده)) معناه: المسلم الكامل وليس المراد نفي أصل الإسلام عمن لم يكن بهذه الصفة، بل هذا كما يقال: العلم ما نفع؛ أي الكامل أو المحبوب، وكما يقال: الناس العرب والمال الإبل، فكله على التفضيل لا الحصر، ويدل على ما ذكرناه من معنى الحديث قوله: ((أي المسلمين خير؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده)) ثم إن كمال الإسلام والمسلم متعلق بخصال أخر كثيرة، وإنما خص ما ذكر لما ذكرناه من الحاجة الخاصة والله أعلم.

ومعنى ((تقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)) أي تسلم على كل من لقيته عرفته أو لم تعرفه، ولا تخص به من تعرفه كما يفعله كثيرون من الناس؛ فقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ذلك يكون في آخر الزمان، ومن علامات الساعة أن يلقي السلام على من يعرف ولا يلقيه على من لم يعرف، ثم إن هذا العموم مخصوص بالمسلمين فلا يسلم ابتداءً على كافر.

وفي هذه الأحاديث جمل من العلم؛ ففيها الحث على إطعام الطعام والجود والاعتناء بنفع المسلمين والكف عما يؤذيهم بقول أو فعل بمباشرة أو سبب والإمساك عن احتقارهم، وفيها: الحث على تألف قلوب المسلمين واجتماع كلمتهم وتوادهم واستجلاب ما يحصل ذلك.

قال القاضي عياض رحمه الله: والألفة إحدى فرائض الدين وأركان الشريعة ونظام شمل الإسلام، قال: وفيه بذل السلام لمن عرفت ولمن لم تعرف وإخلاص العمل فيه لله تعالى، لا مصانعة ولا ملقًا، وفيه مع ذلك استعمال خلق التواضع وإفشاء شعار هذه الأمة وهو السلام. والله تعالى أعلم.

باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان:

حديث أنس:

قال الإمام مسلم: حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن يحيى بن أبي عمر ومحمد بن بشار جميعًا عن الثقفي: قال ابن أبي عمر: حدثنا بن عبد الوهاب عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعض أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار)).

هذا حديث عظيم أصل من أصول الإسلام، قال العلماء رحمهم الله: معنى حلاوة الإيمان استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في رضا الله عز وجل وفي رضا رسوله وإيثار ذلك على عرض الدنيا ومحبة العبد ربه سبحانه وتعالى، بفعل طاعته وترك مخالفته وكذلك محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال القاضي عياض: هذا الحديث بمعنى حديث: ((ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولًا)). وذلك أنه لا تصح المحبة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم حقيقة وحب الآدمي في الله وكراهة الرجوع إلى الكفر إلا لمن قوي بالإيمان يقينه واطمأنت به نفسه وانشرح له صدره وخالط لحمه ودمه، وهذا هو الذي وجد حلاوته، قال: والحب في الله من ثمرات حب الله، قال بعضهم: المحبة مواطأة القلب على ما يرضي الرب سبحانه وتعالى، فيحب ما أحب ويكره ما كره واختلفت عبارات المتكلمين في هذا الباب بما لا يئول إلى اختلاف إلا في اللفظ، وبالجملة: أصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب ثم الميل قد يكون لما يستلذه الإنسان ويستحسنه كحسن الصورة والصوت والطعام ونحوها، وقد يستلذه بعقله للمعاني الباطنة كمحبة الصالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقًا، وقد يكون لإحسانه إليه ودفعه المضار والمكاره عنه وهذه المعاني كلها موجودة في النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما جمع من جمال الظاهر والباطن وكمال خلال الجلال وأنواع الفضائل وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم، ودوام النعم والإبعاد من الجحيم، وقد أشار بعضهم إلى أن هذا متصور في حق الله عز وجل؛ فإن الخير كله منه سبحانه وتعالى.

قال مالك وغيره: المحبة في الله من واجبات الإسلام. والله أعلم.

باب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

حديث أنس:

وننتقل إلى باب آخر باب وجوب محبة صلى الله عليه وسلم أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين، وإطلاق عدم الإيمان على من لم يحبه هذه المحبة.

قال الإمام مسلم رحمه الله: وحدثني زهير بن حرب قال: حدثنا إسماعيل ابن علية ثم حول السند فقال: حدثنا شيبان بن أبي شيبة قال: حدثنا عبد الوارث كلاهما عن عبد العزيز عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن عبد)) وفي حديث عبد الوراث: ((لا يؤمن الرجل حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين)).

قال الإمام الخطابي: لم يرد به حب الطبع، بل أراد به حب الاختيار؛ لأن حب الإنسان نفسه طبع ولا سبيل إلى قلبه. قال: فمعناه لا تصدق في حبي حتى تفني في طاعتي نفسك وتؤثر رضاي على هواك، وإن كان فيه هلاكك. هذا كلام الخطابي. وقال القاضي عياض وغيره: المحبة ثلاثة أقسام: محبة إجلال وإعظام كمحبة الوالد، ومحبة شفقة ورحمة كمحبة الولد، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة سائر الناس، فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصناف المحبة في محبته.

قال ابن بطال رحمه الله: ومعنى الحديث أن من استكمل الإيمان علم أن حق النبي صلى الله عليه وسلم آكد عليه من حق أبيه وابنه والناس أجمعين؛ لأن به صلى الله عليه وسلم استنقذنا من النار وهدينا من الضلال، قال القاضي عياض: ومن محبته صلى الله عليه وسلم نصرة سنته والذب عن شريعته وتمني حضور حياته فيبذل ماله ونفسه دونه، قال: وإذا تبين ما ذكرناه تبين أن حقيقة الإيمان لا يتم إلا بذلك، ولا يصح الإيمان إلا بتحقيق إعلاء قدر النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلته على كل والد وولد ومحسن ومفضل، ومن لم يعتقد هذا واعتقد سواه فليس بمؤمن. هذا كلام القاضي عياض. والله تعالى أعلم.

باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير:

حديث أنس:

قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه أو قال لجاره ما يحب لنفسه)).

قوله: ((لا يؤمن أحدكم…)) الحديث هكذا في مسلم لأخيه أو لجاره على الشك، وكذا هو في (مسند عبد بن حميد) على الشك، وهو في البخاري وغيره لأخيه من غير شك، قال العلماء رحمهم الله: معناه لا يؤمن الإيمان التام، وإلا فأصل الإيمان يحصل لمن لم تكن هذه صفته، والمراد: يحب لأخيه من الطاعات والأشياء المباحات، ويدل عليه ما جاء في رواية النسائي في هذا الحديث: حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه. وقال أبو عمرو بن الصلاح في هذا الحديث: وهذا -أي محبة المرء لأخيه- من الصعب الممتنع، وليس كذلك؛ إذ معناه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام مثل ما يحب لنفسه، والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئًا من النعمة عليه؛ وذلك سهل على القلب السليم وإنما يعثر على القلب الذي فيه دغل -عافانا الله وإخواننا أجمعين. والله أعلم.

error: النص محمي !!