Top
Image Alt

شرح أبواب: تفاضل أهل الإيمان، وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وبيان أن الدين النصيحة، وبيان نقصان الإيمان بالمعاصي

  /  شرح أبواب: تفاضل أهل الإيمان، وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وبيان أن الدين النصيحة، وبيان نقصان الإيمان بالمعاصي

شرح أبواب: تفاضل أهل الإيمان، وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وبيان أن الدين النصيحة، وبيان نقصان الإيمان بالمعاصي

حديث ابن مسعود:

وننتقل إلى حديث آخر في باب تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه.

قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو أسامة ثم حول السند فقال: حدثنا ابن نمير قال: حدثنا أبي ثم حول السند فقال: وحدثنا أبو كريب قال: حدثنا ابن إدريس كلهم عن إسماعيل بن أبي خالد وحول السند وقال: وحدثنا يحيي بن حبيب الحارث واللفظ له قال: حدثنا معتمر عن إسماعيل قال: سمعت قيسًا يروي عن أبي مسعود قال: ((أشار النبي صلى الله عليه وسلم بيده نحو اليمن فقال: ألا إن الإيمان ها هنا، وإن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند وصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر)).

حديث أبي هريرة:

وقال الإمام المسلم بعد الحديث السابق: حدثنا أبو الربيع الزهراني قال: أنبأنا حماد قال: حدثنا أيوب قال: حدثنا محمد قال: حدثنا عن أبي هريرة قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: ((جاء أهل اليمن؛ هم أرق أفئدة، الإيمان والفقه يمان، والحكمة يمانية)).

قال الإمام مسلم: قد اختلف في مواضع من هذا الحديث. وقد جمعها القاضي عياض رحمه الله ونقحها مختصرة بعده الشيخ عمرو بن الصلاح، وأنا أحكي ما ذكره قال: أما ما ذكر من نسبة الإيمان إلى أهل اليمن فقد صرفوه عن ظاهره من حيث إن مبدأ الإيمان من مكة ثم من المدينة حرسهما الله تعالى، فحكى أبو عبيد ثم من بعده في ذلك أقوالًا؛ أحدها: أنه أراد بذلك مكة فإنه يقال: إن مكة من تهامة وتهامة من أرض اليمن، والثاني أن المراد مكة والمدينة، فإن يروى في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام وهو بتبوك ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد مكة والمدينة فقال: ((الإيمان يمان)) ونسبهما إلى اليمن لكونهما حينئذٍ من ناحية اليمن، كما قالوا: الركن اليماني، وهو بمكة لكونه إلى ناحية اليمن، والثالث: ما ذهب إليه كثير من الناس وهو أحسنها: عن أبي عبيد: أن المراد بذلك الأنصار لأنهم يمانون في الأصل، فنسب الإيمان إليهم لكونهم أنصارهم قال الشيخ أبو عمرو: ولو جمع أبو عبيد ومن سلك سبيله طرق هذا الحديث بألفاظه كما جمعها مسلم وغيره وتأملوها لصاروا إلى غير ما ذكروه، ولما تركوا الظاهر ولقضوا بأن المراد باليمن وأهل اليمن على ما هو المفهوم من إطلاق ذلك؛ إذ من ألفاظه أتاكم أهل اليمن والأنصار من جملة المخاطبين بذلك؛ فهم إذن غيرهم وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((جاء أهل اليمن)) وإنما جاء حينئذ غير الأنصار، ثم إنه صلى الله عليه وسلم وصفهم بما يقضي بكمال إيمانهم ورتب عليهم الإيمان يمان، فكان ذلك إشارة للإيمان إلى من أتاه من أهل اليمن لا إلى مكة والمدينة، ولا مانع من إجراء الكلام على ظاهره، وحمله على أهل اليمن حقيقة؛ لأن من اتصف بشيء وقوي قوامه به وتأكد اطلاعه به ينسب ذلك الشيء إليه إشعارًا بتميزه به وكمال حاله فيه، وهكذا كان حال أهل اليمن حينئذ في الإيمان وحال الوافدين منه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أعقاب موته كأويس القرني وكأبي مسلم الخولاني رضي الله عنهما وشبههما ممن سلم قلبه وقوي إيمانه، فكانت نسبة الإيمان إليهم لذلك إشعارًا بكمال إيمانهم من غير أن يكون في ذلك نفي له عن غيرهم، فلا منافاة بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان في أهل الحجاز)) ثم إن المراد من ذلك الموجودون منهم حينئذ لا كل أهل اليمن في كل زمان، فإن اللفظ لا يقتضيه، ونشكر الله تعالى على هدايته لنا. هذا ما ذكره الإمام النووي.

قال: وأما ما ذكر عن الفقه والحكمة؛ فالفقه هنا عبارة عن الفهم في الدين، واصطلح بعد ذلك الفقهاء وأصحاب الأصول على تخصيص الفقه بإدراك الأحكام الشرعية بالاستدلال على أعيانها، وأما الحكمة ففيها أقوال كثيرة مضطربة قد اقتصر كل قائليها على بعض صفات الحكمة، قال فقد صفي لنا منها أن الحكمة عبارة عن العلم المتصف بالأحكام المشتمل على المعرفة بالله تعالى المصحوب بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق والعمل به والصد عن اتباع الهوى والباطل، والحكيم من له ذلك، وقال أبو بكر بن دُريد: كل كلمة وعظتك وزجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة وحكم، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن من الشعر حكمة)) وفي بعض الروايات ((حكمًا)) والله أعلم.

قال الشيخ -أي ابن الصلاح-: وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ألين قلوبًا وأرق أفئدة)) أن المشهور أن الفؤاد هو القلب، وعلى هذا يكون قد كرر لفظ القلب بلفظين، فعلى هذا يكون كرر لفظ القلب بلفظين وهو أولى من تكريره بلفظ واحد، وقيل: الفؤاد غير القلب وهو عين القلب وقيل: باطن القلب وقيل: غشاء القلب، وأما وصفها باللين والرقة والضعف فمعناه: أنها ذات خشية واستكانة سريعة الاستجابة والتأثر بقوارع التذكير، سليمة سالمة من الغلظ والشدة والقسوة التي وصف بها قلوب الآخرين، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((في الفدادين)) هو جمع فداد بتشديد الدال وهو عبارة عن البقر التي يحرث عليها، وعلى هذا المراد بذلك أصحابها، فحذف المضاف، والصواب في الفدادين تشديد الدال جمع فداد بدالين وهو من الفديد وهو الصوت الشديد فهم الذين تعلوا أصواتهم في خيلهم وإبلهم وحرثهم ونحو ذلك.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن القسوة في الفدادين)) عن أصول أذناب الإبل، معناه الذين لهم جلبة وصياح عند سوقهم لها، وقوله صلى الله عليه وسلم ((حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر)) قوله: ((ربيعة ومضر)) بدلًا من الفدادين وأما: ((قرنا الشيطان)) فجانبا رأسه وقيل: هما جمعاه اللذان يغيرهما بإضلال الناس وقيل: شيعتاه من الكفار والمراد بذلك اختصاص المشرق بمزيد من تسلط الشيطان والكفر، كما قال في الحديث الآخر: رأس الكفر نحو المشرق، وكان ذلك في عهده صلى الله عليه وسلم حين قال ذلك، ويكون حين يخرج الدجال من المشرق، وهو فيما بين ذلك منشأ الفتن العظيمة ومسار الكفرة الشديدة البأس، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((الفخر والخيلاء)) فالفخر هو الافتخار وعد المآثر تعظيمًا، والخيلاء الكبر واحتقار الناس، قولهصلى الله عليه وسلم في أهل الخيل والإبل الفدادين أهل الوبر، فالوبر وإن كان من الإبل دون الخيل فلا يمتنع أن يكون قد وصفهم بكونهم جامعين بين الخيل والإبل والوبر، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((السكينة في أهل الغنم)) فالسكينة الطمأنينة والسكون على خلاف من ذكره من صفة الفدادين، هذا آخر ما ذكره الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله. والله أعلم.

باب أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون:

حديث أبي هريرة:

وننتقل إلى حديث آخر في باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون وأن محبة المؤمنين من الإيمان وأن إفشاء السلام سببًا لحصولها.

قال الإمام مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أوَلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم: أفشوا السلام بينكم)).

معنى الحديث: ((ولا تؤمنوا حتى تحابوا)) لا يكمل إيمانكم ولا يصلح حالكم في الإيمان إلا بالتحاب، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تدخلوا الجنة)) فهو على ظاهرة وإطلاقه، فلا يدخل الجنة إلا من مات مؤمنًا وإن لم يكن كامل الإيمان فهذا هو الظاهر من الحديث، وقال ابن الصلاح: معنى الحديث: لا يكمل إيمانكم إلا بالتحاب ولا تدخلون الجنة عند دخول أهلها إذا لم تكونوا كذلك، وهذا الذي قاله محتمل، ولكن المعنى الأول أولى، وأما قوله: ((أفشوا السلام بينكم)) ففيه الحث العظيم على إفشاء السلام وبذله للمسلمين كلهم من عرفت ومن لم تعرف، كما تقدم في حديث آخر.

والسلام أول أسباب التآلف ومفتاح استجلاب المودة، وفي إفشائه تمكن ألفة المسلمين بعضهم ببعض وإظهار شعارهم المميز لهم من غيرهم من أهل الملل مع ما فيه من رياضة النفس ولزوم التواضع وإعظام حرمات المسلمين، وقد ذكر البخاري رحمه الله في (صحيحه) عن عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه قال: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام، والإنفاق من الإقتار، وروى غير البخاري هذا الكلام مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وبذل السلام، والسلام على من عرفت ومن لم تعرف، وإفشاء السلام: كلها بمعنى واحد وفيها لطيفة أخري وهى أنها تتضمن رفع التقاطع والتهاجر والشحناء وفساد ذات البين التي هي الحالقة، وأن سلامه لله لا يتبع فيه هواه ولا يخص أصحابه وأحبابه به، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.

باب بيان أن الدين النصيحة:

حديث تميم الداري:

قال الإمام مسلم: حدثنا محمد بن عباد المكي قال: حدثنا سفيان: قال: قلت لسهيل: إن عمرًا حدثنا عن القعقاع عن أبيك قال: ورجوت أن يسقط عني رجلًا قال: فقال: سمعته من الذي سمعه منه أبي كان صديقًا له بالشام ثم حدثنا سفيان عن سهيل عن عطاء بن يزيد عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)).

هذا حديث عظيم الشأن وعليه مدار الإسلام، وأما ما قاله جماعات من العلماء أنه أحد أرباع الإسلام أي أحد الأحاديث الأربعة التي تجمع أمور الإسلام بل المدار على هذا وحده، وهذا الحديث من أفراد مسلم وليس لتميم الداري في (صحيح البخاري) عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء ولا له في مسلم غير هذا الحديث، وقال الإمام الخطابي: النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ المنصوح له.

قال: ويقال: هو من وجيز الأسماء مختصر الكلام، وليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفى بها العبارة عن معنى هذه الكلمة، كما قالوا في الفلاح: ليس في كلام العرب كلمة أجمع بخير الدنيا والآخرة منه.

قال: وقيل: النصيحة مأخوذة من نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، فشبه فعل الناصح بما يتحراه من صلاح المنصوح له بما يسده من خلل الثوب، قال: وقيل: إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من الغش بتخليص العسل من الشمع، قال: ومعنى الحديث عماد الدين وقوامه النصيحة، كقوله: ((الحج عرفة)) أي عماده ومعظمه عرفة. وأما تفسير النصيحة وأنواعها فقد ذكر الخطابي وغيره من العلماء فيها كلامًا نفيسًا خلاصته قالوا: أما النصيحة لله فمعناها منصرف إلى الإيمان به ونفي الشريك عنه وترك الإلحاد في صفاته ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها وتنزيهه سبحانه وتعالى من جميع النقائص والقيام بطاعته واجتناب معصيته والحب فيه والبغض فيه وموالاة من أطاعه ومعاداة من عصاه وجهاد من كفر به والاعتراف بنعمته وشكره عليها والإخلاص في جميع الأمور والدعاء إلى جميع الأوصاف المذكورة والحث عليها والتلطف في جمع الناس أو من أمكن منهم عليها.

قال الخطابي رحمه الله: وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصحه نفسه فالله تعالى غني عن نصح الناصح، وأما النصيحة لكتابه سبحانه وتعالى: فالإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحدٌ من الخلق، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته وتحسين هذه التلاوة والخشوع فيها وإقامة حروفه في التلاوة والذب عنه لتأويل المحرفين وتعرض الطاعنين والتصديق بما فيه والوقوف مع أحكامه وتفهم علومه وأمثاله والاعتبار بمواعظه والتفكر في عجائبه والعمل بمحكمه والتسليم بمتشابهه والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه ونشر علومه والدعاء إليه وإلى ما ذكرنا من نصيحته. وأما النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: فتصديقه على الرسالة والإيمان بجميع بما جاء به وطاعته في أمره ونهيه ونصرته حيًّا وميتًا ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه وإعظام حقه وتوقيره وإحياء طريقته وسنته وبث دعوته ونشر شريعته ونفي التهمة عنها واستثارة علومها والتفقه في معانيها والدعاء إليها والتلطف في تعلمها وتعليمها وإعظامها وإجلالها والتأدب عند قراءتها والإمساك عن الكلام فيها بغير علم وإجلال أهلها لانتسابهم إليها والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه ومحبة أهل بيته وأصحابه ومجانبة من ابتدع في سنته أو تعرض لأحد من أصحابه ونحو ذلك. وأما النصيحة لأئمة المسلمين: فمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وتذكيرهم بلطف ورفق وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين وترك الخروج عليهم وتألف قلوب الناس لطاعتهم. قال الخطابي رحمه الله: ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم والجهاد معهم وأداء الصدقات إليهم وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة وألا يغر بالثناء الكاذب عليهم وأن يدعو لهم بالصلاح وهذا كله على أن المراد بأئمة المسلمين الخلفاء وغيرهم ممن يقوم بأمور المسلمين من أصحاب الولايات وهذا هو المشهور.

بعد أن بين الخطابي أن المراد بأئمة المسلمين الخلفاء وغيرهم ممن يقوم بأمور المسلمين من أصحاب الولايات قال: وقد يتأول ذلك على أن الأئمة هم علماء الدين وأن من نصيحتهم قبول ما رووه وتقليدهم في الأحكام وإحسان الظن بهم.

وأما نصيحة علماء المسلمين: وهم من عدا ولاة الأمر: فإرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم وكف الأذى عنهم فيعلمهم ما يجهلونه من دونهم ويعينهم عليه بالقول والفعل وستر عوراتهم وسد خلاتهم ودفع المضار عنهم وجلب المنافع لهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص والشفقة عليهم وتوقير كبيرهم ورحمة صغيرهم وتخولهم بالموعظة الحسنة وترك غشهم وحسدهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير ويكره لهم ما يكرهه لنفسه من المكروه، والذب عن أموالهم وأعراضهم وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل وحثهم على التخلق بجميع ما ذكرناه من أنواع النصيحة وتنشيط هممهم إلى الطاعات، وقد كان في السلف رحمهم الله من تبلغ به النصيحة إلى الإضرار بدنياه والله أعلم.

هذا آخر ما تلخص في تفسير النصيحة.

قال ابن بطال رحمه الله: في هذا الحديث أن النصيحة تسمى دينًا وإسلامًا وأن الدين يقع على العمل كما يقع على القول، قال: والنصيحة فرض يُجزى فيه من قام به ويسقط عن الباقين؛ أي هي فرض كفاية، قال: والنصيحة لازمة على قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه ويطاع أمره وأمن على نفسه المكروه فإن خشي على نفسه أذى فهو في سعة، والله تعالى أعلم

باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي:

حديث أبي هريرة:

وننتقل إلى حديث آخر في باب نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبس بالمعصية على إرادة نفي كماله.

قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثني حرملة بن يحيى بن عبد الله بن عمران التُجيبي قال أنبأنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب يقولان: قال أبو هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)).

قال ابن شهاب: فأخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن أن أبا بكر كان يحدثهم هؤلاء عن أبي هريرة ثم يقول: وكان أبو هريرة يلحق معهن: ((ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)).

قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن… إلخ)) وفي رواية: ((ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن)) وفي رواية: ((والتوبة معروضة بعد)) هذا الحديث مما اختلف العلماء في معناه فالقول الصحيح الذي قاله المحققون: إن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله ومختاره كما يقال: لا علم إلا ما نفع ولا مال إلا الإبل ولا عيش إلا عيش الآخرة.

قال الإمام النووي: وإنما تأولناه على ما ذكرناه لحديث أبي ذر وغيره: ((من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق)) وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور أنهم بايعوه صلى الله عليه وسلم على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا إلى آخره ثم قال صلى الله عليه وسلم: ((فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن فعل شيئًا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته، ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله تعالى إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه)) فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح مع قول الله عز وجل: {إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48].

مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة؛ فإن شاء الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولًا وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة، وكل هذه الأدلة تضطرنا إلى تأويل هذا الحديث وشبهه، ثم إن هذا التأويل ظاهر سائغ في اللغة مستعمل فيها كثيرًا، وإذا ورد حديثان مختلفان ظاهرًا وجب الجمع بينهما وقد وردا هنا فيجب الجمع وقد جمعنا وتأول بعض العلماء هذا الحديث على من فعل ذلك مستحلًّا له مع علمه بورود الشرع بتحريمه، وقال بعض العلماء: معناه ينزع منه اسم المدح الذي يسمى به أولياء الله من المؤمنين ويستحق اسم الذم فيقال: سارق وزانٍ وفاجر وفاسق، وحكي عن ابن عباس أن معناه أن ينزع الله منه نور الإيمان وفيه حديث مرفوع، وقال المهلب: ينزع منه بصيرته في طاعة الله تعالى، وذهب الزهري إلى أن هذا الحديث وما أشبهه يؤمن بها ويمر على ما جاءت ولا يخاض في معناها وإنا لا نعلم معناها، وقال: أمروها كما أمرها من قبلكم، وقيل في معنى الحديث غير ما ذكرناه مما ليس بظاهر، وهذه الأقوال التي ذكرت في تأويله كلها محتملة، والصحيح في معنى الحديث ما قدمناه أولًا من أن نفي الإيمان هنا نفي الكمال والله أعلم. وقوله: وكان أبو هريرة يلحق معهن: ((ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن)) فظاهر هذا الكلام أن قوله: ((ولا ينتهب)) إلى آخره ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو من كلام أبي هريرة رضي الله عنه ، ولكن جاء في رواية أخرى أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جمع أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى في ذلك كلامًا حسنًا، فقال: روى أبو نعيم في مستخرجه على كتاب مسلم رحمه الله من حديث همام بن منبه هذا الحديث: ((والذي نفسي بيده لا ينتهب أحدكم)) وهذا مصرح برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: ولم يستغن عن ذكر هذا بأن البخاري رواه من حديث الليث بإسناده هذا الذي ذكره مسلم عنه معطوفًا فيه ذكر النهبة على ما بعد قوله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نسقًا من غير فصل بقوله: وكان أبو هريرة يلحق معهن ذلك، وذلك مراد مسلم رحمه الله بقوله: واقتص الحديث، يذكر مع ذكر النهبة ولم يذكر ذات شرف، وإنما لم يكتفِ بهذا في الاستدلال على كون النهبة من كلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قد يعد من قبيل المدرج في الحديث من كلام بعض رواته استدلالًا بقول من فصّل، وقال: كان أبو هريرة يلحق معهن، وما رواه أبو نعيم يرتفع عن أن يتطرق إليه هذا الاحتمال، وظهر بذلك أن قول أبي بكر بن عبد الرحمن: وكان أبو هريرة يلحق معهن، معناه: يلحقها رواية صلى الله عليه وسلم لا من عند نفسه، وكأن أبا بكر خصها بذلك لكونه بلغه أن غيره لا يرويها، وأما قوله: ذات شرف، فهو في الرواية المعروفة والأصول المشهورة المتداولة بالشين المعجمة المفتوحة، ومعناه: ذات قدر عظيم، وقيل: ذات استشراف يستشرف الناس لها ناظرين إليها رافعين أبصارهم، والله أعلم.

error: النص محمي !!