Top
Image Alt

شرح أبواب: غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش، وقوله تعالى: {إِنّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّـيّئَاتِ} ، وقبول توبة القاتل وإن كثر قتله

  /  شرح أبواب: غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش، وقوله تعالى: {إِنّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّـيّئَاتِ} ، وقبول توبة القاتل وإن كثر قتله

شرح أبواب: غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش، وقوله تعالى: {إِنّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّـيّئَاتِ} ، وقبول توبة القاتل وإن كثر قتله

باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش:

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، قال إسحاق: أخبرنا، وقال عثمان: حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال -أي: ابن مسعود قال-: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش)).

وفي رواية ساقها الإمام مسلم بعد ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب، وأرسل الرسل)) الغَيْرَة بفتح الغين، وهي في حقنا الْأَنَفَة، وأما في حق الله تعالى فقد فسرها هنا في حديث عمرو الناقد بقوله صلى الله عليه وسلم: ((وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه)) أي: غيرته منعه وتحريمه.

وننبه هنا إلى أن صفات الله تعالى تختلف عن صفات المخلوقين؛ فصفات المخلوقين فيها نقص، ويعتريهم التغير والحدوث وغير ذلك.

أما صفات الله سبحانه وتعالى فهي صفات إلهية -أي: صفات كمال وتنزيه عن كل نقص- وعن كل تغيير أو حدوث أو غير ذلك مما يكون في صفات المخلوقين سبحانه وتعالى:
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].

وفي الحديث: ((ولا أحد أحب إليه المدح من الله تعالى)) وحقيقة هذا مصلحة للعباد؛ لأنهم يثنون عليه سبحانه وتعالى فَيُثِيبهم، فينتفعون وهو سبحانه وتعالى غني عن العالمين، لا ينفعه مدحهم، ولا يضره تركهم ذلك، وفيه تنبيه على فضل الثناء عليه سبحانه وتعالى وتسبيحه وتهليله وتحميده وتكبيره، وسائر الأذكار، فكلها ثناء ومدح على الله عز وجل.

وهنا أيضًا نقول: إن مدح الله عز وجل فيه الخير، فنحن نثني عليه بما هو أهله سبحانه وتعالى ولا نحصي ثناءًً عليه هو كما أثنى على نفسه -تبارك وتعالى- ذا الجلال والإكرام.

أما مدح المخلوقين فقد يؤدي ذلك إلى الإضرار بهم، وإلى الكذب والى الخداع، وإلى الاغترار بالمدح بما يؤدي ذلك إلى هلاكهم معنويًّا، أو غير ذلك، ولذلك جاء في بعض الروايات النهي عن مدح المخلوقين إلا بما هو فيهم، وبما لا يؤدي إلى إضرارهم.

وجاء قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب)) من أجل هذا المعنى.

أما ثناء الله عز وجل فهو ثناء مطلق ليس فيه إلا الخير للعباد الذين يثنون على ربهم بما هو أهل له، وبما هو أقل مما هو عليه سبحانه وتعالى فلن يبلغوا حقيقة الثناء عليه سبحانه وتعالى.

باب قوله تعالى: {إِنّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّـيّئَاتِ}:

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثنا قتيبة بن سعيد، وأبو كامل فضيل بن حسين الجحدري كلاهما عن يزيد بن زريع، واللفظ لأبي كامل قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا التيمي عن أبي عثمان عن عبد الله بن مسعود: ((أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له قال: فنزلت: {وَأَقِمِ الصّلاَةَ طَرَفَيِ النّهَارِ وَزُلَفاً مّنَ الْلّيْلِ إِنّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّـيّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَىَ لِلذّاكِرِينَ} [هود: 114] قال: فقال الرجل: ألي هذه يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: لمن عمل بها من أمتي)).

هذا تصريح بأن الحسنات تُكَفِّرُ السيئات، واختلفوا في المراد بالحسنات هنا؛ فنقل الثعلبي أن أكثر المفسرين على أنها الصلوات الخمس، واختاره ابن جرير وغيره من الأئمة.

وقال مجاهد: “هي قول العبد: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر”.

قال الإمام النووي: “وَيُحْتَمَلُ أن المراد الحسنات مطلقًا”.

وقد سبق في كتاب “الطهارة والصلاة” ما يكفر من المعاصي بالصلاة، وسبق في مواضع، وهي غير الكبائر التي يرتكبها المرء، وتحتاج إلى توبة وإلى وصول الحقوق إلى أهلها.

وقوله تعالى: {وَزُلَفاً مّنَ الْلّيْلِ} هي ساعته -أي: ساعة الليل- ويدخل في صلاة طرفي النهار الصبح والظهر والعصر، وفي: {وَزُلَفاً مّنَ الْلّيْلِ} المغرب والعشاء، وفي رواية: أصاب منها دون الفاحشة -أي: دون زنا الذي يوجب الحد.

وننتقل إلى حديث آخر في الباب نفسه:

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثنا نصر بن علي الجهضمي وزهير بن حرب، واللفظ لزهير قال: حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، قال: حدثنا شداد، قال: حدثنا أبو أمامة: قال: ((بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ونحن قعود معه، إذ جاءه رجل، فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًّا فأقمه علي، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أعاد فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًّا فأقمه علي، فسكت عنه، وأقيمت الصلاة، فلما انصرف نبي الله صلى الله عليه وسلم قال أبو أمامة: فاتبع الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف، واتبعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظر ما يرد على الرجل، فلحق الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدًّا فأقمه علي؛ قال أبو أمامة: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت حين خرجت من بيتك؛ أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء؟ قال: بلى، يا رسول الله، قال: ثم شهدت الصلاة معنا، فقال: نعم يا رسول الله، قال: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإن الله قد غفر لك حدك أو قال ذنبك)).

قوله: ((أصبت حدًّا فأقمه علي وحضرت الصلاة…)) إلى آخر الحديث هذا الحد معناه معصية من المعاصي الموجبة للتعزير -أي: لم تبلغ الحد- وهي هنا من الصغائر؛ لأنها كَفَّرَتْها الصلاة، ولو كانت كبيرة موجبة لحد أو غير موجبة له لم تسقط بالصلاة؛ فقد أجمع العلماء على أن المعاصي الموجبة للحدود لا تسقط حدودها بالصلاة. هذا هو الصحيح في تفسير هذا الحديث.

وحكى القاضي عن بعضهم أن المراد الحد المعروف قال: “وإنما لم يحده؛ لأنه لم يفسر موجب الحد، ولم يستفسره النبي صلى الله عليه وسلم إيثارًا للستر، بل استحب تلقين الرجوع عن الإقرار بموجب الحد صريحًا”.

والأرجح أن يكون الأول هو المراد؛ لأنه هو الذي يتلاءم مع روايات الأحاديث الأخرى التي قرأنا جانبًا منها، وهو أن المراد بالحد هنا ليس الحد المعروف، وإنما هو المعصية التي توجب التعزير، ولا توجب الحد المعروف.

قبول توبة القاتل وإن كثر قتله:

قال الإمام مسلم رحمه الله: حدثنا محمد بن مثنى، ومحمد بن بشار، واللفظ لابن المثنى، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي عن قتادة عن أبي الصديق، عن أبي سعيد الخدري أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: ((كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض؛ فدل على راهب فأتاه، فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا؛ فهل له من توبة؟ فقال: لا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ به مائة؛ ثم سئل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم فقال: إنه قتل مائة نفس؛ فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن بهم أناسًا يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء؛ فَانْطَلَقَ حتى إذا نَصَفَ الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضَيْنِ فإلى أيتهما كان أدنى فهو له؛ فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة)).

قال قتادة راوي الحديث: فقال الحسن: ذُكِرَ لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره -أي: قرب صدره نحو الأرض التي كان يتجه إليها.

قوله: ((إن رجلًا قتل تسعة وتسعين نفسًا…)) إلى آخره، هذا مذهب أهل العلم، وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمدًا، ولم يخالف أحدٌ منهم إلا ابن عباس.

وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا فمراد قائله الزجر عن سبب التوبة، لا أنه يعتقد بطلان توبته، وهذا الحديث ظاهر فيه، وهو وإن كان شرعًا لمن كان قبلنًا وفي الاحتجاج به خلاف فليس موضع الخلاف، وإنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره؛ فإن ورد كان شرعًا لنا بلا شك، وهذا قد ورد شرعنا به، وهو قوله تعالى: {إِلاّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـَئِكَ يُبَدّلُ اللّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً (70) وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً} [الفرقان: 70، 71] الآية.

وأما قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مّتَعَمّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنّمُ خَالِداً فِيهَا} [النساء: 93].

قال الإمام النووي: “فالصواب في معناها أن جزاءه جهنم، وقد يجازى بغيره، وقد لا يُجْازى، بل يعفو الله عنه، فإن قتل عمدًا مستحلًّا له بغير حق ولا تأويل، فهو كافر مرتد يخلد به في جهنم بالإجماع”.

قلنا: إن قَتَلَ عمدًا غير مستحلٍّ، فقد يجازى بما ذكر في الآية، وقد لا يجازى، وقد يعفو الله عنه؛ أما إن قتل عمدًا مستحلًّا له بغير حق ولا تأويل، فهو كافر مرتد يخلد به في جهنم بالإجماع، وإن كان غير مستحل بل معتقدًا تحريمه فهو فاسق عاصٍ مرتكب كبيرة، جزاؤه جهنم خالدًا فيها، لكن بفضل الله تعالى أخبر أنه لا يخلد من مات موحدًا فيها، فلا يُخَلَّدُ هذا ولكن قد يعفو عنه فلا يدخل النار أصلًا، وقد لا يُعْفَى عنه، بل يعذب كسائر العصاة الموحدين، ثم يخرج معهم إلى الجنة، ولا يخلد في النار، فهذا هو الصواب في معنى الآية الكريمة، ولا يلزم من كونه يستحق أن يُجَازَى بعقوبة مخصوصة أن يتحتم ذلك الجزاء، وليس في الآية إخبار بأنه يخلد في جهنم، وإنما فيها أنها جزاؤه؛ أي: يستحق أن يجازى بذلك، وبالخلود لكن قد لا يجازى بفضل الله وكرمه كما ذكرنا.

وهناك أقوال ضعيفة أو فاسدة، كما قال الإمام النووي، منها:

إن المراد: من قَتَلَ مستحلًّا -يعني: في قوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مّتَعَمّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنّمُ خَالِداً فِيهَا} [النساء: 93] وقيل: وردت الآية في رجل بعينه، وقيل: المراد بالخلود طول المدة لا الدوام، وقيل: معناها هذا جزاؤه إن جازاه.

وهذه الأقوال -كما قال الإمام النووي-: كلها ضعيفة أو فاسدة لمخالفتها حقيقة لفظ الآية.

وأما هذا القول فهو شائع على ألسنة كثير من الناس؛ يعنى: القول بأن هذا معناه جزاؤه إن جازاه، وهو فاسد؛ لأنه يقتضي إذا عفى عنه خرج عن كونها كانت جزاءً، وهي جزاء له، لكن ترك الله مجازاته عفوًا عنه وكرمًا فالصواب ما قدمناه.

وقوله: ((انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن فيها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء)) قال العلماء: في هذا استحباب مفارقة التائب المواضع التي أصاب بها الذنوب، والأخدان المساعدين له على ذلك، ومقاطعتهم ما داموا على حالهم، وأن يستبدل لهم صحبة أهل الخير والصلاح والعلماء والمتعبدين الورعين، ومن يقتدي بهم، وينتفع بصحبتهم، وتتأكد بذلك توبته.

قوله: ((فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت)) هو بتخفيف الصاد أي: بلغ نصفها.

قوله: ((نأى بصدره)) أي: نهض ويجوز تقديم الألف على الهمزة، وعكسه: ناءٍ بصدره، وأما قياس الملائكة بين القريتين، وحكم الملك الذي جعلوه بينهم بذلك، فهذا محمول على أن الله تعالى أمرهم عند اشتباه أمره عليهم واختلافهم فيه أن يحكموا رجلًا ممن يمرُّ بهم فمر الملك في صورة رجل فحكم بذلك.

باب سعة رحمة الله تعالى على المؤمنين:

قال الإمام مسلم -رحمه الله- تعالى في هذا الباب: حدثنا زهير بن حرب، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، قال: قال رجل لابن عمر: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى: قال: سمعته يقول: ((يُدْنَى المؤمن يوم القيامة من ربه عز وجل حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي ربي أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، فُيْعَطَى صحيفة حسناته؛ وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الخلائق، هؤلاء الذين كذبوا على الله)).

أما كَنَفُه في قوله صلى الله عليه وسلم: ((حتى يضع عليه كنفه)) فبنون مفتوحة، وهو ستره سبحانه وتعالى وعفوه، والمراد بالدنو هنا: دنو كرامة وإحسان والله تعالى منزه عن المسافة وقربها.

والأولى أن نقول: الدنو هنا هو بالنسبة للمؤمن -أي: يدنو من مكانة يكون فيها مخاطبًا لله عز وجل وملقيًا عليه سبحانه وتعالى ستره وعفوه وكرمه.

error: النص محمي !!