Top
Image Alt

شرح أبواب: فضائل زينب أم المؤمنين، وأم أيمن، وأم سليم أم أنس بن مالك رضي الله عنهن، وأبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه

  /  شرح أبواب: فضائل زينب أم المؤمنين، وأم أيمن، وأم سليم أم أنس بن مالك رضي الله عنهن، وأبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه

شرح أبواب: فضائل زينب أم المؤمنين، وأم أيمن، وأم سليم أم أنس بن مالك رضي الله عنهن، وأبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه

باب من فضائل زينب أم المؤمنين رضي الله عنها:

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثنا محمود بن غيلان أبو أحمد قال: حدثنا الفضل بن موسي السيناني قال: أخبرنا طلحة بن يحيي بن طلحة، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا)) قالت: فكن يتطاولن أيتهن أطول يدًا؟ فقالت: فكانت أطولنا يدًا زينب؛ لأنها كانت تعمل بيدها وتصدق” أي وتتصدق.

السيدة زينب بنت جحش أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأمها أميمة عمة النبي صلى الله عليه وسلم زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم مولاه زيد بن حارثة، وكان يدعى زيد بن محمد بالتبني، فلما بطل التبني بقوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لاَبَآئِهِمْ} [الأحزاب: 5] ولم تستقم حالها مع زيد فطلقها؛ تزوجها صلى الله عليه وسلم كما حكي الله تعالى بقوله: {فَلَمّا قَضَىَ زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً زَوّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيَ أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً} [الأحزاب: 37].

وقوله: ((أسرعكن لحاقًا بي أطولكن يدًا)) أي أولاكن موتًا بعدي.

في رواية البخاري: ((أن بعضهن سأل النبي صلى الله عليه وسلم: فقلن: أينا أسرع بك لحوقًا؟ قال: أطولكن يدًا)) وعند ابن حبان أن السائلة عائشة رضي الله عنها فعنده قالت: “فقلت” أخرجه النسائي بلفظ: “فقلنا”.

و((لحاقًا)) بفتح اللام، وهو منصوب على التمييز، وفي رواية البخاري: ((لحوقًا)) و((يدًا)) منصوب على التمييز أيضًا.

“فكن يتطاولن أيتهن أطول يدًا” أي: ظنن أن المراد بطول اليد طول اليد الحقيقية، فكن يذرعن أيديهن بقصبة أو على الحائط.

وفي رواية البخاري: فأخذوا قصبة يذرعونها” أي لترى أعينهن بالمقياس أيتهن أطول يدًا. قال: فكانت أطولنا يدًا زينب بنت جحش، وفي الكلام: طي وحذف والأصل، وكانت سودة أطولنا يدًا حقيقة.

فلما توفيت زينب، وكانت أولنا لحوقًا به صلى الله عليه وسلم كانت هي أطولنًا يدًا، أي أكثرنا عطاءً، أي علمنا أن مراده صلى الله عليه وسلم طول اليد في الصدقة، وفعل الخير، وأهل اللغة يقولون: فلان طويل اليد، وطويل الباع، إذا كان سمحًا، جوادًا.

وقد فسرت رواية الحاكم هذا المراد، ولفظها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه: ((أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا)) قالت عائشة: “فإذا كنا اجتمعن في بيت إحدانا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم نمد أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش، وكانت امرأة قصيرة، ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بطول اليد: الصدقة، وكانت زينب امرأة صناعة باليد، وكانت تدبغ، وتخرز الجلود، أي: وتبيع، وتتصدق في سبيل الله عز وجل” وقد أوهمت رواية البخاري خلاف الصواب، ولفظها: “فكانت سودة أطولهن يدًا، فعلمنا -بعد- أنما كانت طول يدها الصدقة، وكانت أسرعهن لحوقًا به، وكانت تحب الصدقة” قال ابن الجوزي: هذا الحديث غلط من بعض الرواة. انتهى.

وقد أجمع أهل السير على أن زينب أول من مات من أزواجه، فقوله عن سودة “وكانت أسرعنا لحوقًا” به غير صواب، والمعروف أن زينب ماتت سنة عشرين، وأن عمر صلى عليها، أما سودة، فقد ماتت بعدها في آخر خلافة عمر على المشهور.

وحاول العلماء توجيه رواية البخاري، فمنهم من وجهها بتقدير محذوفات أي: قالت عائشة: فأخذوا قصبة يذرعونها، فكانت سودة أطولهن يدًا علي الحقيقة، فعلمنا بعد أنما أراد طول اليد بالصدقة، أي بعد وفاة زينب وكانت -أي زينب- أسرعنا لحوقًا به.

ففي الرواية حذف، وقد خلفت الضمائر مع الحذف هذا الإيهام، قال زين بن المنير: فقولها: فعلمنا بعد يشعر إشعارًا قويًّا أنهن حملنا طول اليد على ظاهره، ثم علمن بعد ذلك خلافه، وأنه كناية عن كثرة الصدقة.

والذي علمنه أخيرًا خلاف مع ما اعتقدنه أولًا، وقد جمع الطيبي بين الحديثين، فقال: يمكن أن يقال فيما رواه البخاري: المراد الحاضرات من أزواجه، دون زينب فلم تكن حاضرة، وكانت سودة أولهن موتًا.

قال الحافظ ابن حجر: لكن يعكر على هذا أن في رواية ابن حبان: أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم اجتمعن عنده، لم تغادر منهن واحدة، والتحقيق أن في روية البخاري وهمًا من الرواة.

وفي الحديث: منقبة جليلة لزينب بنت جحش رضي الله عنها.

وفيه: فضل الصدقة، وفيه معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفيه: أن من حمل الكلام على ظاهره وحقيقته لا يلام، وإن كان مراد المتكلم مجازًا، لأن النسوة حملن الكلام على الحقيقة فلم ينكر عليهن، قال المهلب: في الحديث دلالة على أن الحكم للمعاني لا للألفاظ، لأن النسوة فهمن من طول اليد الجارحة، وإنما المراد بالطول كثرة الصدقة، لكن ما قاله لا يطرد.

باب من فضائل أم أيمن رضي الله عنها:

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثنا أبو كريب محمد بن علاء، قال: حدثنا أبو أسامة، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: ((انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم أيمن. فانطلقت معه، فناوَلته إناء فيه شراب، قال: فلا أدري؛ أصادفته صائمًا أو لم يُرِده، فجعلت تصخب عليه وتذمر عليه)).

وقال الإمام مسلم أيضًا -في فضل أم أيمن- حدثنا زهير بن حرب قال: أخبرني عمرو بن عاصم الكلابي، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت عن أنس قال: قال أبو بكر رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: “انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها، فلما انتهينا إليها بكت، فقال لها: ما يبكيكِ؟ ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم قالت: ما أبكي ألا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله صلى الله عليه وسلم ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما فجعلا يبكيان معها”.

أم أيمن مولاة النبي صلى الله عليه وسلم وحاضنته:

قالوا: كان النبي صلى الله عليه وسلم ورثها عن أمه، فأعتقها حين تزوج خديجة، وقالوا: كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب والد النبي صلى الله عليه وسلم وكانت من الحبشة، فلما ولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما توفي أبوه، كانت أم أيمن تحضنه حتى كبر، وتزوجها عبيد بن زيد، من بني الحارث بن الخزرج قبل الإسلام، فولدت له أيمن، أسلم، وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم واستشهد في خيبر، ولما تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وزوجه أم أيمن، ولدت له أسامة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزورها، وكانت تدل عليه، وترفع صوتها كما تفعل الأم، وكان يعاملها معاملة الأم.

وقد روي البخاري وأحمد: أن الرجل كان يجعل للنبي صلى الله عليه وسلم النخلات، حتى فتحت عليه قريظة، والنضير، فجعل يرد بعد ذلك، فسأل أحدهم أن يرد عليه بعض الذي أخذه، وكان أعطاه لأم أيمن، فأعطاه له، فجاءت أم أيمن، فجعلت تلوح بالثوب، وتقول: كلا والله لا يعطيكهن، وقد أعطانيهن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لك كذا وكذا، وتقول: كلَّا، حتى أعطاها عشرة أمثاله.

وحفظ الصحابة مودتها كما حفظها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أبو بكر وعمر يزورانها بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.

وتوفيت في خلافة عثمان رضي الله عنه.

((انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أم أيمن، فانطلقت معه)) الظاهر أن هذا الانطلاق كان لمجرد زيارتها، فقد كان صلى الله عليه وسلم يزورها كثيرًا، كما هو صريح الرواية الثانية، وكان خادمه أنس يصحبه في أغلب زياراته: ((فناولته إناء فيه شراب)) أي: فلم يأخذه، ولم يشرب منه، وكان قصدها إكرامه وتحيته.

وفي بعض الروايات: ((فقربت إليه لبنًا، قال: فلا أدري أصادفته صائمًا، أو لم يرده)) لم يرد الإناء، أي: لا يدري أنس سر إحجامه صلى الله عليه وسلم عن الشرب، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يبين عن ذلك لأم أيمن، ولم يكن يعلم أنس حاله؛ إذ كان صلى الله عليه وسلم كثير الصوم دون أن يخبر عن صومه، والغالب أنه كان صائمًا، ومن المستبعد أن يعاف صلى الله عليه وسلم شرابها فهي حاضنته، ومربيته: ((فجعلت تصخب عليه)) أي تصيح وترفع صوتها عليه، تنكر عليه رفض الشراب، وتلح عليه أن يشرب.

و((تَذَّمَّر عليه)) بفتح التاء والذال وتشديد الميم، وأصله تتذمر حذفت إحدى التاءين تخفيفًا، والتذمر الكلام بغضب، يقال: ذمر يذمر كقتل يقتل إذا غضب أو إذا تكلم بالغضب، وكان هذا منها دلالًا عليه صلى الله عليه وسلم وكان يتقبل مثل هذا منها، وفاءً بحقها، وكان يقول: ((أم أيمن أمي بعد أمي)).

قال أبو بكر رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: “انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها” هذا من قبيل الوفاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإكرامه، فتكريم من كان يكرمه من باب الإحسان إليه، فقال لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسول الله. القائل واحد منهما، وأسند القول إليهما، لموافقة الثاني ورضاه.

وقد ظنا أن بكاءها أسفًا على موت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحزنًا على فراقه، فصبراها بما قالا، قالت أم أيمن: “ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء” الكلام معطوف على محذوف، والتقدير: لا أبكي أسفًا وحزنًا على فراقه صلى الله عليه وسلم. فأنا أعلم أنه فارقنا إلى ما هو خير له، ولكن أبكي انقطاع الوحي من السماء إلى الأرض، وكان في نزوله الرحمة، وَوَصْلُنَا بالسماء.

ويؤخذ من الحديث: فضيلة لأم أيمن وتقدير رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، ومن بعده تقدير الصاحبين لها.

قال النووي: فيه أن للضيف الامتناع عن الطعام والشراب الذي يحضره المضيف إذا كان له عذر من صوم أو غيره، مما هو مقرر في كتب الفقه، وفيه زيارة الصالحين، وفضلها وزيارة الصالح لمن هو دونه، وزيارة الإنسان لمن كان صديقه يزوره، وزيارة المسلم لأهل ود صديقه، وزيارة جماعة من الرجال للمرأة الصالحة، وسماع كلامها، واستصحاب العالم والكبير صاحبًا له في الزيارة والعيادة.

باب من فضائل أم سليم أم أنس بن مالك رضي الله عنها:

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثنا حسن الحلواني، قال: حدثنا عمرو بن عاصم قال: حدثنا همام عن إسحاق بن عبد الله، عن أنس قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخل على أحد من النساء إلا على أزواجه، إلا أم سليم، فإنه كان يدخل عليها، فقيل له في ذلك، فقال: إني أرحمها، قتل أخوها معي)) ومعنى هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدخل على أحد من النساء الأجنبيات غير المحارم، وقد سبق دخوله صلى الله عليه وسلم على أم حرام بنت ملحان أخت أم سليم.

وفي قوله: ((إلا على أزواجه إلا أم سليم)) استثناء من الاستثناء ومثله في قوله تعالى: {إِنّآ أُرْسِلْنَآ إِلَىَ قَوْمٍ مّجْرِمِينَ (58) إِلاّ آلَ لُوطٍ إِنّا لَمُنَجّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلاّ امْرَأَتَهُ} وقد رتب عليه الفقهاء مسائل في الطلاق والإقرار، يعني في هذا الاستثناء إذا كان في الطلاق والإقرار.

((فقيل له في ذلك)) أي: سئل عن سر ذلك فقال صلى الله عليه وسلم: ((إني أرحمها، قتل أخوها معي)) يعنى حرام بن ملحان وكان قد قتل يوم بئر معونة، وما ذكر لعله جزء علة، وقد عقبنا عليه في فقه الحديث في كتاب الفضائل في باب عرق النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: إنهن كن من محارمه صلى الله عليه وسلم وأنهما كانتا خالتين لرسول الله صلى الله عليه وسلم محرمتين؛ إما من الرضاع، وإما من النسب فتحل له الخلوة بهما، وكان يدخل عليهما خاصة لا يدخل على غيرهما من النساء إلا أزواجه، وقيل: إن هذا كان خصوصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال العلماء: ففيه جواز دخول المحرم على محرمه، وفيه إشارة إلى منع دخول الرجل على الأجنبية، وإن كان صالحًا، وقد تقدمت الأحاديث الصحيحة المشهورة في تحريم الخلوة بالأجنبية.

قال العلماء: أراد امتناع الأمة من الدخول على الأجنبيات، وفيه بيان ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الرحمة والتواضع وملاطفة الضعفاء، وفيه صحة الاستثناء من الاستثناء كما قلنا.

باب من فضائل أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه:

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثني محمد بن حاتم بن ميمون، حدثنا بهز، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: ((مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه. قال: فجاء فقربت إليه عشاء؛ فأكل وشرب. فقال: ثم تصنعت له أحسن ما كان تَصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع، وأصاب منها. قالت: يا أبا طلحة: أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا. قالت: فاحتسب ابنك. قال: فغضب، وقال: تركتني حتى تلطخت، ثم أخبرتني بابني؟ فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لكما في غابر ليلتكما، قال: فحملت. قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، وهي معه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقًا، فدنوا من المدينة، فضربها المخاض، فاحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يا رب إنه يعجبني أن أخرج مع رسولك إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل، وقد احتبست بما ترى، قال: تقول أم سليم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد، انطلق. فانطلقنا، قال: وضربها المخاض حين قدما، فولدت غلامًا، فقالت لي أمي: يا أنس، لا يرضعه أحد حتى تغدو به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح احتملته، فانطلقت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فصادفته ومعه ميسم، فلما رآني، قال: لعل أم سليم ولدت، قلت: نعم. فوضع الميسم، قال: وجئت به فوضعته في حِجره ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعجوة من عجوة المدينة، فلاكها في فيه حتى ذابت، ثم قذفها في فيّ الصبي، فجعل الصبي يتلمظها، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انظروا إلى حب الأنصار التمر. قال: فمسح وجهه وسماه عبد الله)).

((قالت أم سليم لأهلها)) أي: للمقيمين معها في البيت والذين علموا بموته، قال: ((ثم تصنعت له أحسن ما كان تَصَنَّع قبل ذلك)) أصله أحسن ما كانت تتصنع له، أي: أحسن ما كانت تتزين له، فتجملت وتعطرت له ليعاشرها.

((قالت: فغضب قال: تركتني حتى تلطخت ثم أخبرتني بابني؟!)) الكلام على الاستفهام التنكيري التوبيخي أي: ما كان ينبغي أن تفعلي ذلك، والمراد من التلطخ الجنابة.

و((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله لكما في غابر ليلتكما)) من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي في ليلتكما الغابرة أي الماضية، فحملت من أبي طلحة في تلك الليلة.

((فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وهي معه)) هذا شروع في قصة ولادتها بعد الحمل، وكانت تسافر معه صلى الله عليه وسلم في غزواته، تسقي العطشى، وتداوي المرضى وتحرس وتعين، وكان زوجها أبو طلحة لا يتخلف عن الغزو أيضًا، وفي عودتهم من غزوة وقرب المدينة جاءها المخاض.

وقوله: ((إذا أتى المدينة صلى الله عليه وسلم من سفر لا يطرقها طروقًا)) أي: لا يطرقها، ولا يدخلها مفاجئًا، وبخاصة في الليل، بل كان يضرب الخيام، وينزل قريبًا منها، حتى يصل خبر العودة للنساء: ((فضربها المخاض)) أي جاءها طلق الولادة وآلامها.

((فاحتبس عليها أبو طلحة، وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم)) أي تحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه نحو المدينة، ولم يستطع أبو طلحة أن يتحرك معهم لمرافقتها وعدم قدرتها على السير، فرفع الله عنها الطلق استجابة لدعوة زوجها، فرافق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

((وضربها المخاض حين قدم)) أي حين وصلا المدينة.

((فولدت غلامًا)) وهو عبد الله الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند صلاة الغداة، أي صلاة الصبح.

ويؤخذ من الحديث هذا والذي قبله: منقبة ظاهرة لأم سليم، ولها مناقب كثيرة، وقد اشتركت في كثير من الغزوات، قال النووي: قال العلماء: فيه جواز دخول المحرم على محارمه، للحديث الأول، وهذا على ثبوت كون أم سليم محرمًا له، فإذا كانت غير محرم؛ فهذه خصوصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه إشارة إلى منع دخول الرجل على الأجنبية، وإن كان صالحًا؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدخل على الأجنبيات باستثناء زوجاته، وهن لسن أجنبيات، وباستثناء أم سليم وأختها.

error: النص محمي !!