Top
Image Alt

شرح أحاديث من باب: ذكر الملائكة

  /  شرح أحاديث من باب: ذكر الملائكة

شرح أحاديث من باب: ذكر الملائكة

. شرح حديث مالك بن صَعْصَعة، في الإسراء والمعراج:

قال البخاري: “باب ذِكْر الملائكة”، ثم قال: حدثنا هُدبة بن خالد، قال: حدثنا همام، عن قتادة، وقال لي خليفة: حدثنا يَزيد بن زُريع: حدثنا سعيد وهِشام، قالا: حدثنا قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك، عن مالك بن صَعْصَعة رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بينا أنا عِند البيت بين النائِم واليقْظان -وذَكَر، يعني: رجلًا بيْن الرَّجليْن- فأُتيتُ بطَسْت مِن ذَهب ملئ حِكمة وإيمانًا، فشُقَ مِن النَّحر إلى مَراقِّ البَطْن، ثم غُسِل البَطن بماء زَمْزم، ثم مُلِئ حِكمة وإيمانًا، وأُتيتُ بدَابة أبيض، دون البَغْل وفَوق الحِمار –البُراق- فانطَلقت مَع جِبْريل حتى أتيْنا السَّماء الدُّنيا، قِيل مَن هذا؟ قال: جِبْريل، قِيل مَن معك؟ قال: محمد، قِيل: وقد أرسِل إليه؟ قال: نعم، قِيل: مَرْحبًا به، ولنِعْم المَجيء جاء، فأتيْتُ على آدم فسلَّمْت عليه، فقال: مَرْحبًا بك مِن ابنٍ ونَبي، فأتيْنا السَّماء الثانية، قِيل: مَن هذا؟ قال: جِبْريل، قِيل: مَن معك؟ قال محمد صلى الله عليه وسلم قِيل: أُرسِل إليه؟ قال: نعم، قِيل: مَرْحبًا به، ولنِعْم المَجيء جاء، فأتيت على عيسى ويحيى، فقالا: مَرْحبًا بك مِن أخٍ ونبيّ، فأتيْنا السَّماء الثالثة، قِيل: من هذا؟ قِيل: جِبْريل، قِيل: مَن معك؟ قيل: محمد، قِيل: وقد أرسِل إليه؟ قال: نعم، قِيل: مَرْحبًا به، ولنِعْم المَجيء جاء، فأتيت يوسف فسلَّمْت عليه، قال: مَرْحبًا بك مِن أخٍ ونبيّ، فأتيْنا السَّماء الرابعة، قِيل: من هذا؟ قيل: جِبْريل، قِيل: مَن معك؟ قِيل: محمد صلى الله عليه وسلم قِيل: وقد أرسِل إليه؟ قيل: نعم، قِيل: مَرْحبًا به، ولنِعْم المَجيء جاء، فأتيت على إدريس فسلَّمْت عليه، فقال: مَرْحبًا بك مِن أخٍ ونبيّ، فأتيْنا السَّماء الخَامسة، قِيل: من هذا؟ قال: جِبْريل، قِيل: ومَن معك؟ قِيل: محمد، قيل: وقد أرسِل إليه؟ قال: نعم، قِيل: مَرْحبًا به، ولنِعْم المَجيء جاء، فأتينا على هارون فسلَّمْت عليه، فقال: مَرْحبًا بك مِن أخٍ ونبي، فأتينا على السَّماء السادسة، قِيل: من هذا؟ قِيل: جِبْريل، قِيل: من معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم قِيل: وقد أرسِل إليه؟ مَرْحبًا به، ولنِعم المَجيء جاء، فأتيت على موسى فسلَّمْت عليه، فقال مَرْحبًا بك مِن أخٍ ونبيّ، فلما جاوزتُ بَكى، فقِيل: ما أبكاك؟ قال: يا رب، هذا الغُلام الذي بُعِث بعدي، يَدخل الجَنة مِن أمّته أفضل ممّا يدخل مِن أمتي، فأتينا السَّماء السابعة، قِيل: من هذا؟ قِيل: جِبْريل، قِيل: من معك؟ قِيل: محمد، قِيل: وقد أرسِل إليه؟ مَرْحبًا به، ونِعْم المَجيء جاء، فأتيت على إبراهيم فسلَّمْت عليه، فقال: مَرْحبًا بك من ابنٍ ونبي، فرُفع لي البيت المَعمور، فسألت جِبْريل، فقال: هذا البيت المَعمور يصلّي فيه كلَّ يوم سَبعون ألْفَ مَلكٍ، إذا خَرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم، ورُفِعت لي سِدرة المُنتهى، فإذا نَبْقها كأنه قِلال هَجَر، ووَرقها كأنه آذان الفُيول، في أصلِها أربعة أنهار؛ نَهران باطِنان، ونَهران ظاهران، فسألت جِبْريل، فقال: أما البَاطِنان: ففي الجَنة، وأما الظَّاهران: النِّيل، والفُرات، ثم فُرضت عليّ خَمسون صلاة، فأقبلت حتى جِئت موسى، فقال: ما صَنعت؟ قُلت: فُرضت عليَّ خَمسون صلاة، قال: أنا أعلم بالناس مِنك؛ عالجت بني إسرائيل أشدَّ المُعالجة، وإنَّ أمّتك لا تُطيق؛ فارجع إلى ربك فسَلْه، فرَجعتُ فسألته، فجَعلها أربعين، ثُمَّ مِثلَه، ثُمَّ ثلاثين، ثُمَّ مِثلَه فجَعل عِشرين، ثُمَّ مِثلَه فجَعل عَشرًا، فأتيت موسى فقَال مِثْله، فجَعلها خَمسًا، فأتيت موسى، فقال: ما صَنَعت؟ قُلت جَعلها خَمسًا، فقال مِثْله، قُلت: سَلَّمْتُ بخير، فنُودي: إني قدْ أمضيت فريضتي، وخَفّفت عن عِبادي، وأجزي الحَسنة عَشرًا)).

وقوله: ((بطست مِن ذهب ملآن))، في رواية، وفي رواية: ((مَلأى))، والتذكير باعتبار الإناء، والتأنيث باعتبار الطَّست؛ لأنها مؤنثة.

و((مَراقّ البَطْن))، هو ما سَفل من البَطْن، ورَقَّ مِن جِلْده، وأصله: مَراقِق؛ وسُمِّيت بذلك لأنها مَوضع رِقّة الجِلد.

وقوله: ((بدَابّة أبيض))، ذكَره باعتبار كونه مَركوبًا.

والحِكمة في شَقِّ صَدره صلى الله عليه وسلم بمَلْئه بالحِكمة والإيمان، مع أنَّ الله قادر على فِعْل ذلك بدون شَقّ، هي: زيادة قوة يَقينِه صلى الله عليه وسلم لأنه أعطيَ برؤية شَقّ صَدره وعَدم تأثّره بذلك ما أمِنَ مَعه مِن جَميع المَخاوف العَادية؛ فلذلك كان صلى الله عليه وسلم أشجع النَّاس حالًا ومقالًا، ولذلك أيضًا وُصِف بقوله تعالى: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى} [النجم: 17].

وقد روى الطيالسي، والحارث في مُسنديْهما، من حديث عائشة: “أنَّ الشَّق وَقع له صلى الله عليه وسلم مَرة أخرى عند مَجيء جِبْريل عليه السلام له بالوحي في غَار حِراء”.

ومناسبته: الاستعداد لتلقِّي الوحي من جِبْريل عليه السلام وقد قال عز وجل: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً} [المزمل: 5]، ومع هذا كان يَحْفظه صلى الله عليه وسلم: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِه * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَه} [القيامة: 16، 17]؛ وهذا بلا شَكّ يَحتاج إلى إعداد واستعداد خاصّ.

ويُفهم مِن رواية عند الطَّبراني: أنَّ شَق الصَدر وقع لغيره من الأنبياء -عليهم السلام.

هذه الرواية، تقول في شأن قِصة تابوت بني إسرائيل: إنه كان فيه الطِّست الذي كان يُغْسل فيها قُلوب الأنبياء.

وجَدير بالذِّكر: أن الله عز وجل ذكَر أنّ في هذا التَّابوت سَكينة منه تعالى، وهي شَبيهة بالإيمان الذي كان في الطَّست ليلة الإسراء والمِعْراج: {وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ} [البقرة: 248].

وشَقّ الصَّدر مِن الأمور التي لا تُعْرف كَيفيّتها؛ لأنه قَد قام به مَن لا تُعْرف هَيئته وحَقِيقة عَمله، وهم: المَلائكة، ولكن لا نُنكِره؛ بل نُسلِّم به؛ لأنَّ الرواة الذين روَوْه -كما يقول القرطبي- ثِقات مشاهير، ولأنَّ قُدرة الله لا يَستحيل عليها شَيء، وحِكمته قدْ تَخفى على عُقولنا.

ويقول ابن حجر: وجَميع ما وَرد مِن شَق الصَّدر، واستخراج القَلب، وغير ذلك مِن الأمور الخَارقة للعَادة، ممّا يَجب التَّسليم له، دون التَّعرض لِصرْفه عن حَقيقته؛ لصلاحية القُدرة.

وذُكر في الحديث: أنَّ الطَّست كان مِن ذَهب، ولا يَدلُّ هذا على جَواز استعمال الذَّهب؛ لأنه ليس آنية مِن أواني الأرض بعناصِرها التي نَعْرفها؛ وإنما شيء آخر لا نعرفه، وإنما هو على هَيئة الطَّست، ولأنّ المُستعَمِل له كان المَلَك، وهو غَير مُكلف بما نَحن مُكلفون به، ولأنَّ تَحريم الذَّهب إنما وَقع بالمَدينة، والإسراء والمِعْراج كان بمَكة.

والحِكمة في المِعْراج به صلى الله عليه وسلم راكبًا على هذه الدَّابة التي خَلقها الله عز وجل وهي البُراق، مع قُدرته تعالى على طَيّ المَسافات له، هي: طَمأنة النبي صلى الله عليه وسلم وتَأنيسه بهذا الأمر العَادي، في مَقام خَرْق العَادة مِن قَطع المسافة في مُدّة وَجيزة، أو في غير مُدّة، ثُمَّ الصُعود به إلى السَّموات السَّبع؛ فيكون في الأمر شَيء مِن العَادة التي يُؤتَنس بها ويُطْمئن إليها.

ومثلُه: وجود الطَّست، وتَمثل المَلائكة له في صُورة نَفرٍ مِن البَشر، عندما أتياه -كما في أوّل الحديث.

وأحاديث المِعْراج بكلّ تَفْصيلاتها، تُبيِّن بوضُوح الحِكمة مِن هَذه الرِّحلة المُباركة؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم يَرى فيها مِن عَالَم الغَيْب الماضي، والحَاضر، والمُستقبل: {لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} [الإسراء: 1]، {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: 18]، ولا شَكَّ في أنَّ هذا تَكريمٌ للرسول صلى الله عليه وسلم ومكانة كبرى أحلَّه الله سبحانه وتعالى فيها بكل مظاهِرها، تلك المَكانة التي يُكمل الله فيها لعبده صلى الله عليه وسلم جَميع مراتِب العِلْم، ويَخصّه بأعلى دَرجات المَعْرفة، فيَجمع له: عِلْم اليَقين، وعَيْن اليَقين، وحَقّ اليَقين.

فإذا أسري به جَسدًا وروحًا مِن مَكة بأرضِ الحِجار إلى بَيت المَقْدس بالشام، وهيَّأ ذلك الجَسد العُنصري المَادِّيّ حتى صار قابلًا لحياة المَلكوت، ورَفَع له الحُجُب، ورَقِيَ به إلى الملإ الأعلى فشاهد ما وراء المَادة، وسار مِن سَماءٍ إلى سَماء، واخترق السَّموات وما وراءها؛ فهذا عَين اليَقين، ثم عَاش وذَاق وتَحقّق، وعَرف تِلك العوالم النورانية، وامتزج بها وامتزجت به؛ فهذا غَاية حَقِّ اليَقين.

فلمْ يَبْق شَيء لم يَكن رآه إلّا رآه، فأراد ربُّنا -تبارك وتعالى- أنْ يُحقِّق لمُخْتاره مِن خَليقته كلّ هذه العُلوم، فعَرج به إلى السَّموات السَّبع، والجَنة والنَّار، وأطلَعه على المَلإ الأعلى، وأطلَعه على الأنبياء في السَّموات نَبيًّا بعد نبي، واستفاد مِنهم وكلَّمهم؛ وفي هذا -فَوق التَّكريم والمَنزلة الرَّفيعة التي أحلّها الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم- دَعمٌ لرسالته؛ إنه يُخبر قَومه بشئون الغَيب عن حَقِّ يَقين، فهو رأى ما يُخبرهُم به حتى لو كان في ضَمير الغَيب، وفي مُستَقبل الأزمان.

2. شرح حديث عبد الله بن مسعود: ((إنَّ أحدَكم يُجمع خلْقُه في بَطْنِ أمِّه…)):

قال البخاري: حدثنا الحسن بن الربيع، قال: حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، قال: قال عبد الله: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصَّادق المَصدوق، قال: ((إنَّ أحدَكُم يُجمع خَلْقُه في بَطْنِ أمِّه أربعين يومًا، ثم يَكون عَلقة مِثلَ ذلك، ثم يَكون مُضغَة مِثلَ ذلك، ثم يَبعث الله ملَكًا فيُؤمر بأربع كَلمات، ويُقال له: اكتب عَمله، ورِزقَه، وأجله وشَقيّ، أو سَعيد، ثمَّ يُنْفَخ فيه الرُّوح؛ فإنَّ الرَّجل مِنكم ليَعْمل حتى ما يَكون بَينه وبَين الجَنة إلّا ذِراع، فيَسْبِق عليه كِتابُه فيَعْمل بعَمل أهل النار، ويَعْمَل حتى ما يَكون بَينه وبين النار إلّا ذِراع، فيَسبِق عليه الكِتاب فيَعمل بعَمل أهل الجَنة)).

قوله: “وهو الصَّادِق المَصدوق”، معناه: الصَّادق في قوله، المَصدوق فيما يأتي به من الوحي الكريم.

وقال الحافظ، في (الفَتح): الصَّادق: معناه المُخْبر بالقَول الحَق.

وتُطْلق على الفِعل، يُقال: صَدق القِتال، وهو صَادق فيه.

والمَصدوق: الذي يُصدَق له في القول، يُقال: صَدقته الحديث إذا أخبرته به إخبارًا جازمًا، أو معناه: الذي صَدَقه الله -تعالى- وعْده.

وهذا الحديث إخبار عن عِلم الله عز وجل وليس فيه حُجّة لمن يقول: بأننا مُجبَرون؛ لأنَّ الله عز وجل أعطانا إرادةً وعقلًا نعْمل بمقتضاهما، ونُسأل عنها، ولم يُخبرنا الله عز وجل بما إذا كنا مِن أهلِ الجَنة أو مِن أهلِ النار حتى نجعل هذا الإخبار حُجة لنا؛ وإنما نَعْمل على وِفق ما نُقرّره مِن طاعة أو مَعْصية بإرادتنا وباختيارنا، ونُحاسب على هذه المَسئولية، وهذه الإرادة، وهذا الاختيار، فليس مَن هو مُجْبِرٌ لنا على شيء، كما هو واقع مَلموس.

ومثله قوله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُون} [الأنعام: 148]، فليس عِندهم عِلْم، وليس عِندهم إلّا الحُجة عَليهم على اختيارِهم، وما أشركوا وما صَنعوا.

وفي الحديث: أنَّ الأعمال حَسنَها وسَيِّئها أمارات وليست بموجِبات، أي: لا تُوجِب ثَوابًا، ولا تُوجِب جَنةً ولا نَارًا؛ وإنما الأمر راجع إلى الله سبحانه وتعالى وأنَّ مَصير الأمور في العَاقِبة إلى ما سَبق به القضاء، وجَرى به القَدر في الابتداء.

وفيه: القَسَمُ على الخَبر الصِّدق؛ تأكيدًا في نَفس السَّامِع.

وفيه: التَّنبيه على صِدق البَعث بعد المَوت؛ لأنَّ مَن قَدر على خَلْق الشَّخص مِن ماء مَهين، ثم نَقْله إلى العَلقة، ثم إلى المُضغة، ثم يَنْفُخ فيه الروح، قادر على نَفْخِ الروح بعد أنْ يَصير تُرابًا، وتُجْمع أجزَاؤه بعد تَفريقها، ولقد كان الله عز وجل قادرًا على أنْ يَخْلقَه دَفْعَةً واحدة، ولكن اقتضت الحِكمة بنَقله مِن الأطوار رِفقًا بالأمّ؛ لأنها لم تَكن مُعْتادة، فكانت المَشقة تَعْظم عليها؛ فهيأه في بَطْنِها بالتَّدريج إلى أنْ تكامل، وإذا تأمّل الإنسان في أصل خَلْقه مِن نُطفة، وتَنقّله في تِلك الأطوار إلى أنْ صار إنسانًا جميل الصورة، مفضّلًا بالعَقل والفَهم والنَّطق، كان حقًّا عليه أنْ يَشكُر مَن أنشأه وهيّأه، ويَعْبده حَق عِبادته، ويُطيعه ولا يَعصيه.

وفيه: الحث على الاستعاذة من سُوء الخَاتمة؛ وقد عمِل به جَمع جَمّ من السَّلف وأئمة الخَلف.

وفيه: أن الله يعْلم الجُزئيات كما يعْلم الكُليات؛ لتصريح الخَبر بأنه يأمر بكتابة أحوال الشخص مُفصّلة.

وفيه: أنه سبحانه وتعالى مُريدٌ لجَميع الكَائنات، بمعنى: أنه خَالِقها ومُقدِّرها، لا أنه يُحبّها ويَرضاها جَميعها.

وفيه: أنَّ الأقدار غَالبة؛ فلا يَنبغي لأحدٍ أنْ يغْترّ بظاهِر الحال، ومِن ثَمَّ شُرع الدُّعاء بالثَّبات على الدِّين وبحُسْن الخاتمة.

3. شرح حديث أبي هريرة: ((إذا أحبّ الله عبدًا نادى جِبْريل…)):

قال البخاري: حدثنا محمد بن سَلام، قال: أخبرنا مَخْلد، قال: أخبرنا ابن جُريج، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن نافع، قال: قال أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وتابعه أبو عاصم عن ابن جُريج، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن نافع، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أحبَّ الله عَبدًا، نادى جِبْريل: إنَّ الله يُحِب فُلانًا فأحِبه، فيُحِبّه جِبْريل، فينادي جِبْريل في أهل السَّماء: إنَّ الله يُحِب فُلانًا فأحبّوه، فيُحِبّه أهل السَّماء، ثُم يُوضع له القَبول في أهل الأرض)).

((فينادي جِبْريل في أهل السماء))، وفي حديث ثَوبان: ((أهل السَّموات السَّبْع. ثُم يُوضع له القَبول في الأرض))، زاد في رواية: ((ثم قَرأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم: 96]))، وثَبتت هذه الزيادة في آخر هذا الحديث عند الترمذي، وزاد مسلم فيه: ((وإذا أبْغَض عَبدًا، دعا جِبْريل…))، فساقَه على مِنوال الحُب، وقال في آخره: ((ثم يُوضَع له البَغْضاء في الأرض))، ونحوه في حديث أبي أمامة عند أحمد.

وفي حديث ثَوبان عند الطبراني: ((وإنَّ العَبد يَعْمل بسَخَطِ الله، فيقول الله: يا جِبْريل، إنَّ فُلانًا يَستَسخِطُني…))؛ فذكر الحديث على مِنوال الحُب أيضًا، وفيه: ((فيقول جِبْريل: سُخْطة الله على فُلان))، وفي آخره مثل ما في الحُب، حتى يقوله أهل السموات السَّبْع، ثم يَهْبط إلى الأرض.

وقوله: ((يوضع له القبول))، هو من قوله تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} [آل عمران: 37]، أي: رَضِيَها، وقد جاء مُفسّرًا في رواية: ((فيُوضع له المَحبّة والقَبول، والرِّضا بالشيء ومَيل النَّفْس إليه)).

والمُراد بـ ((القَبول))، في حديث الباب: قَبول القُلوب له بالمَحبة، والمَيل إليه، والرِّضا عنه.

ويُؤخَذ منه: أنَّ مَحبة قُلوب النَّاس عَلامة مَحبّة الله.

ويُؤيده ما تَقدم في “الجَنائز”، عند البخاري: ((أنتم شُهداء الله في الأرض)).

والمُراد بمَحبّة الله: إرادة الخَير للعَبد وحُصول الثَّواب له.

وبمَحبّة المَلائكة: استغْفارُهم له، وإرادتُهم خَير الدَّارين له، ومَيل قُلوبهم إليه، لكونِه مُطيعًا لله مُحبًّا له.

ومَحبة العِباد له: اعتقادهم فيه الخَير، وإرادتهم دَفع الشَّر عنه ما أمكن.

وقد تُطْلق مَحبة الله -تعالى- للشيء على إرادة إيجاده، وعلى إرادة تَكميله.

والمَحبة التي في هذا الباب مِن القبيل الثاني. وحَقيقة المَحبة عند أهل المَعرفة مِن المَعلومات التي لا تُحدّ؛ وإنما يَعْرفها مَن قامت به وجْدانًا لا يمْكِن التَّعْبير عنه.

والحُب على ثلاثة أقسام: إلهي، ورَوحانيّ، وطَبيعيّ.

وحديث الباب، يَشْتمل على هذه الأقسام الثلاثة:

فحُبّ الله العبد حُبٌّ إلهي، وحُب جِبْريل والمَلائكة له حُبٌّ رَوحاني، وحُب العِباد له حُبٌّ طَبيعي.

4. شرح حديث عائشة: ((إنَّ المَلائِكة تَنْزل في العَنان)):

قال البخاري: حدثنا محمد، قال: حدثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا الليث، قال: حدثنا ابن أبي جعفر عن محمد بن عبد الرحمن، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أنها سَمِعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنَّ المَلائِكة تَنْزل في العَنان -وهو السَّحاب- فتَذكُر الأمر قُضي في السماء، فتَسْترق الشَّياطين السَّمْع فتَسْمَعه، فتُوحيه إلى الكُهَّان، فيَكذِبون معها مِائة كذبة مِن عِند أنفُسِهم)).

الكَاهِن: القاضي بالغَيب، وقيل: العَرب تُسمي كل مَن أذَّن بشيء قَبل وقوعِه: كاهِنًا.

وقال الخطَّابي: الكَهَنة: قَوم لهُم أذهَانٌ حادّة ونُفوس شِريرة وطِباعٌ نَارية، فألفَتهُم الشياطين لِمَا بينَهم مِن التناسُب في هَذه الأمور، ومساعَدتهم بكلِّ ما تَصل قُدرتهم إليه.

وكانت الكَهَانة في الجاهلية فاشية، خُصوصًا في العَرب؛ لانقطاع النبوة فيهِم؛ وهي على أصناف؛ منها: ما يتَلقَّونه من الجِن؛ فإنَّ الجِن كانوا يَصعَدون -كما جاء في هذا الحديث- إلى جِهة السَّماء، فيَركَب بعضُهم بعضًا إلى أنْ يدنو الأعلى بحَيث يَسْمع الكَلام، فيُلقيه إلى الذي يَليه، إلى أنْ يتلقَّاه مَنْ يُلقِيه في أذن الكَاهِن، فيَزيد فِيه. فلما جاء الإسلام ونَزل القُرآن، حُرِست السماء مِن الشياطين، وأُرسلت عليهم الشُّهُب، فبقي مِن استراقِهم ما يتَخَطفه الأعلى فيُلقيه إلى الأسفل قَبل أنْ يُصيبه الشِّهاب. وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِب} [الصافات: 10].

وكانت إصابة الكُهَّان كَثيرة جدًّا، وأمّا في الإسلام، فقدْ نَدَر ذلك جِدًّا حتى كاد يَضْمحِل، ولله الحمد.

5. شرح حديث أبي هريرة: ((إذا كان يوم الجُمعة…)):

قال البخاري: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا ابن شهاب عن أبي سَلمة والأغر، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان يوم الجُمعة، كان على كلِّ باب مِن أبواب المَسجِد المَلائِكة يَكتُبون الأولَ فالأول، فإذا جَلس الإمام طَوَوُا الصُّحف، وجاءوا يَستَمِعون الذِّكِر)).

وهذا الحديث مُخْتصر، وقد رواه البخاري في “كتاب الجُمعة”، في “باب فَضل الجُمعة”، قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن اغتَسل يوم الجُمعة غُسْل الجَنابة ثم راح، فكأنما قرَّب بَدنَة، ومَن راح في السَّاعة الثانية، فكأنما قرَّب بقَرة، ومن راح في السَّاعة الثالثة، فكأنما قرَّب كبشًا أقرَنَ، ومن راح في السَّاعة الرابعة، فكأنما قرَّب دَجاجة، ومَن راح في السَّاعة الخامسة، فكأنما قرَّب بَيضة، فإذا خَرج الإمام، حَضرت المَلائِكة يَسْتَمِعون الذِّكر)).

قوله صلى الله عليه وسلم: ((يَكتُبون الأوّلَ فالأول))، يعني: يكتُبونه على قَدَر حَظّه مِن التَّبكير، وممّا يَأخُذ مِن الثَّواب على تَبْكيره على هذه المُستويات التي ذُكِرت في الحديث.

قال صلى الله عليه وسلم: ((فإذا جَلس الإمام طَوَوُا الصُّحف، وجاءوا يَسْتَمِعون الذِّكر)). استنبط منه بعض العُلماء: أنَّ التَّبْكير لا يُسْتَحبّ للإمام.

قال: ويَدخُل للمسجد مِن أقرب أبوابه إلى المِنْبر.

قال ابن حجر: وما قاله غير ظاهِر، لإمكان أنْ يجْمع الأمريْن، بأنْ يُبكِّر ولا يَخْرج مِن المَكان المُعَدّ له في الجَامع إلّا إذا حَضَر الوَقت، أو يُحْمل على مَنْ ليس له مَكان مُعَدّ.

وزاد في رواية: ((طَوَوْا صُحُفهم)).

ولمسلم: ((فإذا جَلس الإمام طَووُا الصُّحف، وجاءوا يَسْتَمِعون الذِّكر)).

وكأن ابتداء طَيّ الصُّحف عند ابتداء خُروج الإمام وانتهائه بجُلوسه على المِنبر، وهو أوّل سَماعِهم للذِّكر.

والمُراد بالذِّكر: ما في الخُطبة من المَواعِظ وغيرها.

وفي رواية: ((إذا كان يوم الجُمعة، وقَفت المَلائِكة على باب المَسجِد يَكْتُبون الأوّلَ فالأوّل))، وهو دالٌّ على أنَّ المَلائِكة المَذكورين غير الحَفَظة.

والمُراد بطَيِّ الصُّحف: طَيّ صُحُف الفضائِل المُتَعلِّقة بالمُبادرة إلى الجُمعة، دون غَيرها مِن الخُطبة، وغيرها من الصلاة، وهكذا.

6. شرح حديث سعيد بن المسيَّب: “مرَّ عمر في المسجد”:

قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سُفيان، حدثني الزُّهري، عن سعيد بن المسيَّب، قال: “مرَّ عمر في المَسجد، وحسَّان يَنْشُد، فقال: كُنْت أنشُد فيه، وفيه مَن هو خَير مِنك”.

وكأنَّ في الحديث حَذف، وكأنَّ عمر قدْ اعترض عليه في إنْشادِه في المَسجد، قال: “ثم التَفت إلى أبي هريرة، فقال: أنْشُدك بالله، أسَمِعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أجبْ عني، اللهم أيِّدْه بروح القُدس))، قال: نَعم”.

في رواية: “لمَّا كان يومُ الأحزاب، وردَّهم الله بغَيظِهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن يَحمي أعراض المُسلمين؟))؛ فقام كَعب، وابن رَواحة، وحسَّان؛ فقال لحسَّان: ((اهجُهم أنت، فإنَّه سَيُعِينك عليهم روحُ القُدس))”.

ويوم بني قُريظة مُسبّب عن يوم الأحزاب؛ لأنه وردت رواية: أنَّ هذا كان في يوم بني قُريظة، ولا مانع -كما يقول ابن حجر- أنْ يتعدّد وقوع الأمر له بذلك، وأورد ابن إسحاق لحسَّان في شأن بني قُريظة عدّة قصائد.

7. شرح حديث البَراء: ((اهجُهم وجِبْريل مَعك)):

قال البخاري: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شُعبة، عن عَدي بن ثابت، عن البَراء رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسَّان: ((اهجُهم -أو هاجِهم- وجِبْريل مَعك)).

8. شرح حديث أنس: “كأني أنظر إلى غُبار سَاطِع”:

قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا جرير، قال: وحدثنا إسحاق، أخبرنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، قال: سَمِعت حُميد بن هِلال، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “كأني أنظر إلى غُبارٍ سَاطِع في سِكة بني غَنْم”، زاد موسى: “مَوكِب جِبْريل”.

قوله: “بنو غَنْم” -بفتح المعجمة، وسكون النون: بَطْن من الخَزرج؛ وهم: بنو غَنْم بن مالك بن النَّجار، منهم أبو أيوب الأنصاري وآخرون.

ووهِم مَن زَعم -كما يقول ابن حجر: أنَّ المُراد بهم هنا -بنو غَنْم: حي مِن بني تَغْلب؛ فإنَّ أولئك لم يكونوا بالمدينة يومئذٍ.

ووقع هذا الحديث عند ابن سعد من طريق سليمان بن المغيرة، عن حُميد بن هِلال مُطوّلًا، لكن فيه أنس، وأوّله: ((كان بين بني قُريظة وبين النبي صلى الله عليه وسلم عَهد، فلما جاءت الأحزاب نَقضوه وظاهَروهُم، فلما هَزمَ الله عز وجل الأحزاب تَحصَّنوا، فجاء جِبْريل ومَنْ مَعه مِنْ المَلائكة، فقال: يا رسول الله، انهَض إلى بني قُريظة، فقال: إنَّ في أصحابي جُهدًا، قال: انهَض إليهم فلأضعْضِعنَّهُم، قال: فأدبر جِبْريل ومَن مَعه مِن المَلائكة حتى سَطَع الغُبار في زُقاق بني غَنْم مِن الأنصار)).

9. شرح حديث أبي هريرة: ((مَن أنفَق زوجيْن في سبيل الله…)):

قال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شيبان، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي سَلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سَمِعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَن أنفَق زَوجيْن في سبيل الله، دَعته خَزَنة الجنة أيْ فُلُ هَلمَّ، فقال أبو بكر: ذاك الذي لا تَوى عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أرجو أنْ تَكون مِنهم)).

وهذا الحديث مُختصر، وقد رواه البخاري، في “الصوم”، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن أنفَق زَوجيْن في سبيل الله، نُودي مِن أبواب الجَنة: يا عبد الله، هذا خَير، فمَن كان مِن أهل الصلاة دُعي مِن باب الصلاة، ومَن كان مِن أهل الجِهاد دُعي مِن باب الجِهاد، ومَن كان مِن أهل الصيام دُعي مِن باب الرَّيان، ومَن كان مِن أهل الصَدقة دُعي مِن باب الصَدقة؛ فقال أبو بكر رضي الله عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على مَن دُعي مِن تلك الأبواب مِن ضَرورة، فهل يُدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟ قال: نعم، وأرجو أنْ تكون مِنهُم)).

فاختصره البخاري هنا، وفصَّله في “كتاب الصوم”.

((أيْ فلُ هلمّ))، هذا تَرخيم: “أيْ فلان هلمّ”.

وقول أبي بكر رضي الله عنه: “ذاك الذي لا تَوى عليه”، أي: لا ضياع ولا هلاك عليه، إذا كان مآله هكذا.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((مَن أنفَق زَوجيْن في سبيل الله))، زاد في رواية: ((مَنْ أنفَق زَوجيْن في سبيل الله مِن مالِه))، واختلف في المُراد بقوله: ((في سبيل الله))؛ فقال: أراد الجِهاد، كما هو في آية الصدقات، عندما قال: { وَفِي سَبِيلِ اللّهِ }، عَنى بها المُجاهدين: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ} [التوبة: 60]، أي: المجاهدون الذين يُعدّون في سبيل الله.  والمُراد بالزَّوجيْن: الصِّنفيْن.

وقِيل: ما هو أعمّ مِن ذلك: كلّ ما يَتصدَّق فيه المَرء مِن صِنفيْن مِن ماله في سبيل الله، أو للفقراء، أو للمساكين، أو لأيّ عمل من أعمال الخير، كصِلة الرَّحم وغيرها؛ فهو مُراد بهذا الحديث.

والحديث الذي في “الصوم”، يُرشِّح هذا المعنى؛ لأنه قال: ((فمَن كان مِن أهل الصلاة دُعي مِن باب الصلاة، ومَن كان مِن أهل الجِهاد دُعي مِن باب الجِهاد، ومَن كان مِن أهل الصيام دُعي مِن باب الرَّيان، ومَن كان مِن أهل الصّدقة دُعي مِن باب الصّدقة))؛ فكل هذا يمكن أنْ يُفسّر به في سبيل الله؛ لأنه جاء في سياق ذلك، وصدّره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((مَن أنفَق زَوجيْن في سبيل الله، نُودي مِن أبواب الجنة…)) إلخ.

والمُراد بالزَّوجيْن -كما قلنا: انفاق شَيئيْن مِن أيّ صِنف مِن أصناف المال مِن نَوع واحد.

وقوله: ((هذا خَيرٌ))، ليس اسم تفضيل؛ بل معناه: “هذا خير من الخِيرات”، والتنوين فيه: للتَّعظيم؛ وبه تظهر الفَائدة.

10. شرح حديث عائشة: ((هذا جِبْريل يقْرأ عليك السَّلام)):

قال البخاري: حدثني عبد الله بن محمد، حدثنا هشام، أخبرنا مَعْمر، عن الزُّهري، عن أبي سَلمة، عن عائشة رضي الله عنها: “أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ((يا عائشة، هذا جِبْريل يقْرأ عليك السَّلام))، فقالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، تَرى ما لا أرى”، يعني: تريد أن تقول له صلى الله عليه وسلم: أنت رأيت جِبْريل وأنا لم أرَه، على الرَّغم أنه كان مَوجودًا وألقى عليها السَّلام.

ومعناه أيضًا: أنك ترى ما لا أرى، وتَسمَع ما لا أسمَع مِن كلام جِبْريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومِن سَلامه.

وورد ذلك في حديث أم سَلمة رضي الله عنها.

11. شرح حديث ابن عباس: ((ألا تزورنا؟)):

ثم قال البخاري: وحدثنا يحيى بن جعفر، قال: حدثنا وكيع، عن عمر ابن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجِبْريل: ((ألَا تَزورنا أكثر ممّا تَزورنا؟!))، قال: فنزلت الآية الكريمة، من سورة “مريم”: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا} [مريم: 64].

12. شرح حديث ابن عباس: ((أقرأني جِبْريل على حَرف)):

قال البخاري: حدثنا إسماعيل قال: حدثني سليمان، عن يونس، عن ابن شِهاب، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود، عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أقرأني جِبْريل على حَرف، فلم أزل أستَزيده حتى انتهى إلى سَبعة أحرف)).

((أقرأني جِبْريل على حَرف))، أي: وَجْه مِن وُجوه القِراءة، وعلى ((سَبعة أحرُف))، يعني: على سَبعة أوجه يَجوز أنْ يُقرأ بكل وجّه منها، وليس المُراد: أنَّ كلّ كلمة ولا جملة منه تُقرأ على سَبعة أوجه؛ بل المُراد: أنَّ غاية ما انتهى إليه عَدد القِراءات في الكلمة الواحدة إلى سَبعة، فإنْ قيل: فإنّا نجد بعض الكلمات يُقرأ بها على أكثر مِن سَبعة أوجه؟ فالجواب: أنَّ غالب ذلك إمّا لا يَثبُت، وإما أنْ يكون مِنْ قَبيل الاختلاف في كَيفية الأداء، كما في المدِّ والإمالة ونحوهما.

وقِيل: ليس المُراد بـ “السبعة”، حقيقة العدد؛ بل المُراد: التَّسهيل والتَّيسير، ولفظ “السَّبعة”، يُطْلق على إرادة الكَثرة في الآحاد، كما يُطلق “السبعين”، في العشرات، و”السبعمائة”، في المِئين، ولا يُراد العَدد المُعيَّن، وإلى هذا جَنح عِياض ومَنْ تَبعه.

وذَكر القرطبي عن ابن حِبان: أنه بلغ الاختلاف في معنى “الأحرف السبعة”، إلى خَمسة وثلاثين قولًا، ولم يذكر القرطبي منها سوى خمسة، وقال المُنذري: أكثرها غير مختار.

قوله: ((أقرأني جِبْريل على حَرف))، في أول حديث النسائي، عن أُبيّ بن كعب: ((أقراني رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة، فبينما أنا في المَسجد؛ إذ سَمِعت رجلًا يَقْرؤها يُخالف قِراءتي…)) الحديث.

ولمسلم من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيّ بن كعب، قال: ((كُنت في المسجد، فدخل رجل يُصلّي فقرأ قِراءة أنكَرتُها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قِراءة سوى قِراءة صاحبه، فلما قضينا الصلاة، دخلنا جميعًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقُلت: إنَّ هذا قَرأ قِراءة أنكَرتُها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قِراءة صاحِبه، فأمرهما فقرءا، فحسّن النبي صلى الله عليه وسلم شَأنَهما، قال: فسَقط في نفسي، ولا؛ إذ كنت في الجاهلية، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صَدري، ففِضت عَرقًا، وكأنما أنظر إلى الله عز وجل فَرقًا؛ فقال لي: يا أُبيّ، أُرسِلَ إليّ أنْ أقرأ القرآن على حَرف…)) الحديث.

وعند الطبراني في هذا الحديث: ((فوجدتُ في نَفسي وسوسة الشَّيطان حتى احمرّ وجهي، فضرب في صَدري، وقال: اللهم اخسأ عنه الشيطان)).

قوله صلى الله عليه وسلم: ((فلم أزَل أستَزيده))، وفي رواية: ((فراجَعتُه))، وفي رواية مسلم عن أبيّ: ((فرددت عليه أنْ هوِّن على أمّتي))، وفي رواية له: ((إنَّ أمتي لا تُطيق ذلك))، ولأبي داود من وجه آخر، عن أُبيّ: ((فقال لي المَلَك الذي معي: قُلْ على حَرفيْن، حتى بلغتُ سَبعة أحرف))، وفي رواية للنسائي من طريق أنس، عن أُبيّ بن كعب: ((أنَّ جِبْريل وميكائيل أتياني، فقال جِبْريل: اقرأ القرآن على حَرف، فقال ميكائيل: استزده))، ولأحمد من حديث أبي بكرة نحوه.

قال: ((فلم أزل أستزيده))، في حديث أُبيّ: ((ثم أتاه الثانية، فقال: على حرفيْن، ثم أتاه الثالثة، فقال: على ثلاثة أحرف، ثم جاء الرابعة، فقال: إنَّ الله يَأمرك أنْ تُقرئ أمّتك على سَبعة أحرف؛ فأيَّمَا حَرف قَرءوا عليه فقد أصابوا))، وفي رواية للطبري: ((على سَبعة أحرف مِن سَبعة أبواب مِن الجنة)).

وهذه الأحاديث تُقوّي أنَّ المُراد بالأحرُف: اللُغات، أو القِراءات، أي: أُنزل القُرآن على سَبْع لُغات، أو قِراءات.

والأحرف: جَمع حَرْف، مثل: فَلْس وأفلُس؛ فعلى الأوّل: يكون المعنى: سَبعة أوجه مِن اللُغات؛ لأنَّ أحدَ معاني “الحَرف”، في اللغة: الوَجه، كقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} [الحج: 11]، أي: وجه، وعلى الثاني: يكون المُراد مِن إطلاق الحَرف على الكَلمة: مجازًا؛ لكونه بعضها.

13. شرح حديث عروة: “أما إنّ جِبْريل قد نزل فصلّى…”:

قال البخاري: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا ليث عن ابن شِهاب: “أن عمر بن عبد العزيز أخّر العصر شيئًا، فقال له عروة: أمَا إنّ جِبْريل قد نزل فصلّى أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: اعْلَمْ ما تقول يا عروة، قال: سَمِعت بشير بن أبي مسعود يقول: سَمِعت أبا مسعود يقول: سَمِعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((نزل جِبْريل فأمّني فصلّيْتُ معه. ثم صلّيتُ معه. ثم صلّيتُ معه. ثم صلّيْتُ معه. ثم صلّيتُ معه. يَحسِب بأصابعه خَمس صلوات))”.

هذا الحديث -حديث إمامة جِبْريل للرسول صلى الله عليه وسلم لتَحديد له المَواقيت- ساقه البخاري هنا في: “بَدء الخَلق” مُختصرًا، ولكنّه ذكَره بتمامه في أوّل “كِتاب مَواقيت الصلاة”، قال البخاري: حدثنا عبد الله بن مَسلمة، قال قرأت على مالك، عن ابن شهاب: “أنَّ عمر بن عبد العزيز أخَّر الصلاة يومًا، فدخل عليه عروة بن الزبير فأخبره أنَّ المُغيرة بن شُعبة أخَّر الصلاة يومًا وهو بالعراق، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري، فقال: ما هذا يا مُغيرة؟ أليس قد عَلمت أنَّ جِبْريل نَزل فصلّى، فصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صلّى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صلّى، فصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صلّى، فصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صلّى، فصلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: ((بهذا أُمِرت))، فقال عمر لعروة: اعْلَم ما تُحدِّث، أوَ إنَّ جِبْريل هو أقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الصلاة؟ قال عروة: كذلك كان بشير بن أبي مسعود يُحدِّث عن أبيه”؛ فهذا الحديث تَفصيل لما هو مختصر هنا.

14. شرح حديث أبي ذر: ((مَن مات مِن أمّتك لا يُشْرك بالله…)):

قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن شُعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((قال لي جِبْريل: مَن مات مِن أمّتك لا يُشْرك بالله شيئًا دخل الجنة، أو لم يَدخل النار، قال: وإنْ زَنى وإنْ سَرق؟ قال: وإنْ))؛ يعني: وإنْ زَنى، وإنْ سَرق.

قوله: ((مَن مات مِن أمّتك))، أي: مِن أمّة الإجابة، التي استجابت وأسْلَمت، ويُحتَمل أنْ يَكون أعمَّ مِن ذلك، أي: أمة الدَّعوة، وهو متَّجَه.

قوله: ((لا يُشْرك بالله شيئًا))، وفي رواية: ((ما مِن عَبد قال: لا إله إلّا الله، ثم مات على ذلك…)) الحديث؛ وإنما لم يُوردْه المُصنِّف هنا؛ جَريًا على عادته في إيثار الخَفيّ على الجَليّ؛ وذلك أنَّ نفي الشِّرك ((مَن مات لا يُشْرك بالله شيئًا))، يَستلزِم إثبات التوحيد.

وقال القرطبي: “معنى نَفي الشِّرك: أنْ لا يتَخذ مع الله شَريكًا في الإلهية”.

قال: ((وإنْ زَنى وإنْ سَرق))، حديث أبي ذر بهذه العِبارة، مِن أحاديث الرجاء التي أفضى الاتّكال عليها ببعض الجَهلة إلى الإقدام على المُوبقات، وليس هو على ظاهره؛ فإنَّ القَواعد استقرت على أنَّ حُقوق الآدميِّين لا تَسقُط بمُجرد الموت على الإيمان، ولكن لا يلزم مِن عدم سقوطها أنْ لا يتكفّل الله بها عَمَّن يُريد أن يُدخله الجنة؛ ومِن ثَمَّ ردّ صلى الله عليه وسلم على أبي ذرٍ استبعاده.

ويُحتمل أنْ يَكون المُراد بقوله: ((دخل الجنة))، أي: صار إليها؛ إما ابتداءً مِن أوّل الحَال، وإمّا بعد أنْ يَقع ما يَقع مِن العَذاب، نسأل الله العفو والعافية.

 وفي هذا حديث: ((مَن قال: لا إله إلّا الله نَفعته يومًا مِن الدهر، أصابه قَبل ذلك ما أصابه)).

وفي الحديث: أنَّ أصحاب الكَبائر لا يُخلَّدون في النار، وأنَّ الكبائر لا تَسلُب اسم الإيمان، وأنّ غير الموحِّدين لا يَدخُلون الجنة.

والحِكمة في الاقتصار على الزِّنى، والسَّرقة: الإشارة إلى جِنس حقّ الله تعالى، وحقّ العباد، وكأن أبا ذر استحضر قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يَزني الزَّاني حين يَزني وهو مُؤمن، ولا يَسرق حين يَسرق وهو مُؤمن))؛ لأن ظَاهِره مُعارض لظاهر هذا الخَبر؛ لكن الجَمع بينهما على قَواعد أهل السّنّة، بحَمل هذا على الإيمان الكامل، ويُحمل حديث الباب هذا على عَدم التَّخليد في النار.

15. شرح حديث أبي هريرة: ((المَلائِكة يتَعاقَبون فيكُم…)):

قال البخاري: حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شُعيب قال: حدثنا أبو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((المَلائِكة يتَعاقَبون: مَلائِكة بالليل، ومَلائِكة بالنَّهار، ويجتَمعون في صَلاة الفَجر، وصلاة العَصر، ثم يَعْرجُ إليه الذين باتوا فيكُم، فيسألهم -وهو أعلَم- فيقول: كَيف تركتُم عِبادي؟ فيقولون: تركناهُم يُصلّون، وأتيناهم يُصلّون)).

المَلائِكة في هذا الحديث، قِيل: هم الحَفَظَة؛ نقله عِياض وغيره عن الجُمهور. وقال القرطبي: “الأظهر عندي: أنهم غيرُهم، ويقوِّيه: أنه لم يُنْقل أنَّ الحَفَظَة يُفارقون العَبد، ولا أنَّ حَفَظَة الليل غير حَفَظَة النَّهار، وبأنهم لو كانوا هم الحَفَظَة لم يَقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حال التَّرك دون غيرها، في قوله: ((كيف تركتم عبادي؟))”.

قال عِياض: “والحِكمة في اجتماعهم في هاتيْن الصلاتيْن مِن لُطف الله عز وجل بعباده، وإكرامِه لهم، بأن جعل اجتماع مَلائكته في حال طَاعة عِباده؛ لتكون شهادتهم لهم بأحسن الشهادة”.

قال ابن حجر: “والأوْلى أنْ يُقال: الحِكمة في كونه تعالى لا يسألُهم إلّا عن الحالة التي تركوهم عليها: ما ذكر القاضي عِياض، ويُحتمل أنْ يُقال: إنَّ الله تعالى يَستر عنهم ما يَعملونه ما بين الوَقتيْن؛ لكنه بناءً على أنهم غير الحَفَظَة، وفيه إشارة إلى الحديث الآخر: ((إنَّ الصَّلاة إلى الصَّلاة كفَّارة لِمَا بينهما))، فمن ثَمَّ وقع السؤال مِن كل طائفة عن آخر شيء فارقوهم عليه”.

((ثم يَعْرُج الذين باتوا فيكُم))، استَدلَّ به بعضُ الحَنفية على استحباب تأخير صلاة العَصر؛ لِيقع عُروج المَلائِكة إذا فُرغ منها آخر النَّهار. وتُعقِّب: بأن ذلك غَير لازم؛ إذ ليس في الحديث ما يقتضي أنهم لا يَصعدون إلّا ساعة الفَراغ من الصَّلاة؛ بل جائز أن تفرغ الصَّلاة ويتأخر بعد ذلك إلى آخر النَّهار، ولا مانع أيضًا مِن أنْ تَصعَد مَلائِكة النَّهار وبعض النَّهار باقٍ، وتقيم مَلائِكة الليل ولا يَرِد على ذلك وصفهم بالمَبيت، بقوله: ((باتوا فيكُم))؛ لأن اسم المَبيت صادق عليهم، ولا تقدمت إقامتهم بالليل قِطعة من النَّهار.

قوله: ((الذين باتوا فيكُم))، اختلف في سبب الاقتصار على سؤال الذين باتوا دون الذين ظلوا، فقيل: هو من باب الاكتفاء بذكر أحد المثليْن على الآخر، كقوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى} [الأعلى: 9]، أي: وإن لمْ تَنفع، وقوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81]، أي: والبرد، وإلى هذا أشار بعض العلماء.

ثم قِيل: الحِكمة في الاقتصار على ذلك: أنَّ حُكم طَرفي النَّهار يُعلم من حُكم طَرفي الليل، فلو ذكره لكان تكرارًا، ثم قِيل: الحِكمة في الاقتصار على هذا الشِق دون الآخر: أنَّ الليل مَظنّة المَعصية، فلمَّا لم يَقع منهم عصيان -مع إمكان دواعي الفعل؛ من إمكان الإخفاء ونحوه، وذلك يكون بالليل- واشتغلوا بالطَّاعة بالليل، كان النَّهار أولَى بذلك؛ فكان السؤال عن الليل أبلغَ من السؤال عن النَّهار؛ لكون النَّهار مَحل الاشتِهار.

قال ابن حجر: “وقد وقع لنا هذا الحديث مِن طَريق أخرى واضحًا، وفيه: التَّصريح بسؤال كلٍّ مِن الطائفتيْن، وذلك فيما رواه ابن خُزيمة، في (صحيحه)، وأبو العباس السَّرَّاج، عن يوسف بن موسى، عن جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تَجْتمع مَلائِكة الليل وملائكة النَّهار في صلاة الفَجر، وصلاة العَصر، فيجتمعون في صلاة الفَجر، فتصعد مَلائِكة الليل، وتبيت مَلائِكة النَّهار، ويجتمعون في صلاة العَصر، فتصعد مَلائِكة النَّهار، وتبيت مَلائِكة الليل، فيسألهم ربهم: كيف تركتم عبادي؟ …)) الحديث. وهذه الرواية تُزيل الإشكال، والله المستعان.

((فيسألهم))، قِيل: الحِكمة فيه: استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخَير، واستنطاقهم بما يقضي التَّعطف عليهم؛ وذلك لإظهار الحكمة في خَلق نَوع الإنسان في مُقابلة مَن قال مِن المَلائِكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُون} [البقرة: 30]، أي: وقدْ وُجِد فيهم مَن يُسبِّح ويُقدِّس مِثلكم، بنصِّ شهادتِكم.

وقال القاضي عِياض: “هذا السؤال على سبيل التَّعبد للملائكة، كما أُمِروا أنْ يكتبوا أعمال بني آدم، وهو سبحانه وتعالى أعلم مِن الجَميع بالجَميع”.

وقال ابن أبي جَمرة، في قوله: ((كيف تركتم عبادي؟)): “وقع السؤال عن آخر الأعمال؛ لأنَّ الأعمال بخواتيمها، قال: والعِباد المسئول عنهم، هم المَذكورون في قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42]”.

وقوله: ((تركناهم وهم يُصلّون، وأتيناهم وهم يُصلّون))، لم يُراعوا الترتيب الوجودي؛ لأنهم بَدءوا بالتَّرك قبل الإتيان، والحِكمة فيه: أنهم طابقوا السؤال؛ لأنه قال لهم: ((كيف تركتم؟))، ولأن المخبَرَ به صلاة العِباد، والأعمال بخواتيمها؛ فناسب ذلك إخبارهم عن آخر عمَلهم قبل أوّله.

وقوله: ((تركناهم وهم))، ظاهره أنهم فارقوهم عند شُروعهم في العَصر، سواءٌ تمّت، أو مَنعَ مَانِع مِن إتمامها، وسواءٌ شَرع الجميع فيها، أو لا؛ لأنَّ المُنتظر للصلاة في حُكم المُصلِّي.

وقال ابن التين: “الواو، في قوله: ((وهُم يصلّون))، واو الحال، أي: تركناهم على هذه الحال، ولا يلزم مِنهم أنهم فارقوهم قَبل انقضاء الصَّلاة، فلم يَشهدوها معهم، والخَبر ناطق بأنهم يَشهدونها؛ لأنَّا نقول: هو مَحمول على أنهم شهدوا الصَّلاة مع مَن صلاها في أول وقتها، وشهدوا مَن دخل فيها بعد ذلك، ومَن شَرع في أسباب ذلك”.

ويُستفاد مِن هذا الحديث: أنَّ الصَّلاة أعلى العِبادات؛ لأنه عنها وقع السؤال والجواب.

وفيه: الإشارة إلى عِظم هاتيْن الصلاتيْن؛ لكونهما تَجتمع فيهما الطائفتان، وفي غيرهما طائفة واحدة، والإشارة إلى شَرف الوقتيْن المذكوريْن.

وقد ورد: أنَّ الرِّزق يُقسَّم بعد صلاة الصبح، وأنَّ الأعمال تُرفع آخر النَّهار، فمن كان حينئذٍ في طاعة بورك في رِزقه وفي عَمله، والله أعلم.

ويترتب عليه حِكمة الأمر بالمحافظة عليهما، والاهتمام بهما.

وفيه: الإخبار بالغُيوب، ويترتب عليه زيادة الإيمان، وفيه: الإخبار بما نحن فيه من ضبط أحوالنا حتى نستيقظ، ونتحفَّظ في الأوامر والنواهي، ونفرح في هذه الأوقات بقُدوم رُسل ربنا، وسؤال ربنا عنا. وفيه: إعلامنا بحب مَلائِكة الله لنا؛ لنزداد فيهم حُبًّا، ونتقرب إلى الله بذلك.

وفيه: كلام الله تعالى مع مَلائِكته، وغير ذلك مِن الفوائد، والله تعالى أعلم.

error: النص محمي !!