Top
Image Alt

شرح الأحاديث النبوية والآثار, وأقوال أهل اللغة الواردة في صفة العلو

  /  شرح الأحاديث النبوية والآثار, وأقوال أهل اللغة الواردة في صفة العلو

شرح الأحاديث النبوية والآثار, وأقوال أهل اللغة الواردة في صفة العلو

1. بعض الأحاديث النبوية في صفة العلوّ:

نذكر بعض الأدلة التي ذكرها الحافظ الذهبي -رحمه الله- أي: بعض الأحاديث الواضحة جدًّا من باب تضافر الأدلة, ولمثل هؤلاء الأئمة كلمات جميلة حينما يسمعها الإنسان يعرف قدرها ومكانتها، فالحافظ الذهبي -رحمه الله- له في دنيا العلم مكان، فحينما يفرد كتابًا عن هذه الصفة، ويذكر فيه شيئًا ويتكلم بكلمات عظيمة جليلة القدر، دلنا ذلك على أننا مع سلف هذه الأمة الصالحين.

والحافظ الذهبي -رحمه الله- ساق بعض الآيات المثبتة للعلو والفوقية، ثم قال قبل أن يسوق الأحاديث: “فإن أحببتَ يا عبد الله الإنصاف فقف مع نصوص القرآن والسنن، ثم انظر ما قاله الصحابة والتابعون وأئمة التفسير في هذه الآيات، وما حكوه من مذاهب السلف؛ فإما أن تنطق بعلم, وإما أن تسكت بحلم”, وهذه كلمة جميلة, لعلها لو صارت مثلًا لكان مثلًا عظيمًا.

“ودع المراء والجدال؛ فإن المراء في القرآن كفر كما نطق بذلك الحديث الصحيح، وسترى أقوال الأئمة في ذلك على طبقاتهم بعد سرد الأحاديث النبوية، جمع الله قلوبنا على التقوى، وجنبنا المراء والهوى، فإننا على أصل صحيح، وعقد متين من أن الله تقدس اسمه لا مثل له، وأن إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدسة؛ إذ الصفات تابعة للموصوف, فنعقل وجود الباري، ونميز ذاته المقدسة عن الأشباه من غير أن نتعقل الماهية، فكذلك القول في صفاته نؤمن بها، ونعقل وجودها، ونعلمها في الجملة من غير أن نتعقلها أو نشبّهها, أو نكيّفها أو نمثلها بصفات خلقه -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. فالاستواء -كما قال الإمام مالك رحمه الله وجماعةٌ- معلوم، والكيف مجهول”.

ثم بعد ذلك قال -رحمه الله-: فمن الأحاديث المتواترة الواردة في العلوّ حديثُ معاوية بن الحكم السُّلمي -رحمه الله- قال: ((كانت لي غنيمة ترعاها جارية لي في قِبَل أحد والجوانية، فاطلعت عليها ذات يوم وقد ذهب الذئب منها بشاة، وأنا من بني آدم آسف كما يأسفون ، فصككتها صكة فعظم ذلك علَيّ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها، فأتيته بها فقال: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة)).

ساق هذا الحديث الإمام الذهبي -رحمه الله- ثم قال: هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وغير واحد من الأئمة في تصانيفهم يمرونه كما جاء، ولا يتعرضون له بتأويل ولا تحريف.

وهكذا رأينا كل من يسأل: أين الله؟ يبادر بفطرته ويقول: في السماء، ففي الخبر مسألتان، وهذا كلام الذهبي -رحمه الله- معقبًا به على هذا الحديث، حيث قال: “ففي الخبر مسألتان: إحداهما شرعية, قول المسلم: أين الله؟ وثانيتهما قول المسئول: في السماء. فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على المصطفى صلى الله عليه وسلم”.

ولذلك يقول الشيخ الألباني -رحمه الله- أيضًا, معقّبًا على هذا الحديث وهذا التخريج: “وهذا الحديث صحيح بلا ريب, لا يُشَكّ في ذلك, ولا يَشك في ذلك إلا جاهل أو مغرض من ذوي الأهواء, الذين كلما جاءهم نص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالف ما هم عليه من الضلال حاولوا الخلاص منه بتأويله، بل تعطيله؛ فإن لم يمكنهم ذلك حاولوا الطعن في ثبوته كهذا الحديث, فإنه مع صحة إسناده وتصحيح أئمة الحديث إياه دون خلاف بينهم أعلمه؛ منهم الإمام مسلم حيث أخرجه في صحيحه، وكذا أبو عوانة في مستخرجه عليه، والبيهقي في الأسماء والصفات، حيث قال عقبه: وهذا صحيح قد أخرجه مسلم.

ومع ذلك نرى الكوثري الهالك في تعصبه, يحاول التشكيك في صحته بادعاء الاضطراب فيه” وهذا في الحقيقة بُعد عن المنهج، وعدم تسليم للنصوص الواردة عن الرب سبحانه وتعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.

أيضًا من الأحاديث المثبتة للعلوّ: حديثُ جابر بن عبد الله رضي الله عنه الذي ساقه في حجة الوداع، وفيه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم عرفة: ألا هل بلغت؟ فقالوا: نعم. فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إليهم, ويقول: اللهم اشهد)) وهذا أيضًا أخرجه مسلم من حديث جابر الطويل, في حجة النبي صلى الله عليه وسلم.

كذلك حديث أبي هريرة المتفق عليه في البخاري ومسلم، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الْمَلَائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ؛ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ. وَقَالَ: يَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ, ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَقَالُوا: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ, وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ)) وهذا حديث متفق عليه.

كذلك أيضًا الحديث الذي أخرجه أبو داود، والترمذي، وصححه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ, ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ)).

ومن ذلك أيضًا حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا تأمنونني وأنا أمين من في السماء, يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء؟)).

ونختم الأحاديث -وهي كثيرة- بحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه؛ لأنه صريح للغاية, وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد بن معاذ: ((لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع سموات)) قال الحافظ الذهبي: “هذا حديث صحيح أخرجه النسائي”, قال الألباني: “وأخرجه البيهقي أيضًا في الأسماء والصفات، وإسناده حسن”, وقال: “والحديث أصله في الصحيحين, من حديث أبي سعيد الخدري مختصرًا”.

2. آثار واردة في صفة العلوّ:

أ. آثار الصحابة:

ذكر الحافظ الذهبي -رحمه الله- في كتابه بعض الآثار عن بعض الصحابة. ومن ذلك ما ذكره عبد الرحمن بن غنيم قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: “ويل لديان الأرض من ديان السماء يوم يلقونه؛ إلا من أمر بالعدل فقضى بالحق, ولم يقض على هوى ولا على قرابة ولا على رغبة ولا رهبة، وجعل كتاب الله مرآة بين عينيه”. فيقول أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه بأن المخلوقين المربوبين كما هو معلوم في الأرض، أما الخالق جل في علاه فهو ديان السماء.

ومثله قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: “العرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم” وهذه آثار صحيحة عن صحابة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

وأيضًا حديث عائشةرضي الله عنها قالت: “وايم الله, إني لأخشى لو كنت أحب قتله لقُتلتُ -تعني: عثمان رضي الله عنه ولكن علم الله فوق عرشه أني لم أحب قتله” أي: عائشة تُبرئ نفسها من محبة قتل أمير المؤمنين الخليفة الراشد الزاهد عثمان بن عفان رضي الله عنه, فقد قالت: “ولكن علم الله فوق عرشه” فهي أيضًا تثبت أن الله سبحانه وتعالى فوق عرشه.

ب. آثار التابعين:

عن كعب الأحبار، قال: قال الله عز وجل في التوراة: “أنا الله فوق عبادي، وعرشي فوق جميع خلقي، وأنا على عرشي أدبر أمور عبادي، لا يخفى عليّ شيء في السماء ولا في الأرض”.

قال الحافظ الذهبي: رواته ثقات. والشيخ الألباني أيضًا -رحمه الله- صحّح هذا القول، وقال بأن سنده صحيح.

أيضًا من الأقوال المأثورة عن التابعين في إثبات صفة العلوّ للرب سبحانه وتعالى: قول مسروق؛ أنه كان إذا حدّث عن عائشة رضي الله عنها قال: “حدثتني الصدّيقة بنت الصدّيق، حبيبة حبيب الله، المبرأة من فوق سبع سموات”.

وقال عبيد بن عمير -رحمه الله-: “ينزل الرب عز وجل شطر الليل إلى السماء الدنيا، فيقول: من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، حتى إذا كان الفجر صعد الرب عز وجل” قال الحافظ الذهبي: “أخرجه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب (الرد على الجهمية), الأئمة هم الذين رووا هذه الأقوال عن هؤلاء التابعين”.

ومن ذلك قول قتادة -رحمه الله-: “قالت بنو إسرائيل: يا ربّ, أنت في السماء ونحن في الأرض, فكيف لنا أن نعرف رضاك من سخطك؟ قال: إذا رضيت عنكم استعملت عليكم خياركم، وإن غضبت استعملت عليكم شراركم” وهذا أيضًا دليل على أن عموم الأمم السابقة كانت تُثبت علوّ الله سبحانه وتعالى على خلقه.

وعن حماد بن زيد قال: سمعت أيوب السختياني, وذكر المعتزلة وقال: “إنما مدار القوم على أن يقولوا: ليس في السماء شيء”.

و”مدار القوم” أي: المعتزلة “على أن يقولوا: ليس في السماء شيء”. قال الحافظ الذهبي -رحمه الله-: “هذا إسناد كالشمس وضوحًا، وكالأسطوانة ثبوتًا عن سيد أهل البصرة وعالمهم -رحمه الله-“.

وعن صدقة قال: سمعت سليمان التيمي يقول: لو سُئلتُ: أين الله؟ لقلت: في السماء. وسليمان من أئمة أهل البصرة علمًا وعملًا، كما ذكر الحافظ الذهبي -رحمه الله-.

ج. أقوال أئمة اللغة, والشارحين لأسماء الله الحسنى:

بعض أقوال أئمة اللغة العربية:

وقد ذكر ذلك الإمام الحافظ العلامة شيخ الإسلام ابن القيم -رحمه الله- فقال: ذكر البغوي -رحمه الله- في (معالم التنزيل) في قول الله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} [البقرة: 29] قال أبو عبيدة وهو إمام من أئمة اللغة: صعد. وحكاه عنه ابن جرير عند قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 59].

أيضًا ذكر قول يحيى بن زياد الفراء إمام أهل الكوفة، في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] قال: أي: صعد, قاله ابن عباس، قال: فهو كقول الرجل: كان قاعدًا فاستوى قائمًا، وكان قائمًا فاستوى قاعدًا. ذكره البيهقي عنه في (الأسماء والصفات). قال ابن القيم -رحمه الله-: مراد الفراء: اعتدال القائم والقاعد في صعوده على الأرض.

أما أبو العباس ثعلب -رحمه الله- فقال: {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]: علا، واستوى الوجه: اتصل، واستوى القمر: امتلأ، واستوى زيد وعمرو: تشابَهَا، واستوى إلى السماء: أقبل، هذا الذي نعرف من كلام العرب.

وذكر ابن القيم أيضًا -رحمه الله- قول الخليل بن أحمد وهو شيخ سيبويه, قال فيما ذكره أبو عمر بن عبد البر عنه في (التمهيد): قال الخليل بن أحمد: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} [فُصِّلَت: 11] يعني: ارتفع إلى السماء.

هذه بعض أقوال علماء اللغة العربية الذين ذكروا معنى “استوى”, وأنه بمعنى العلو والارتفاع، وهذا يدل أيضًا على أن أهل اللغة وعلماءها الذين كانوا في الزمن الأول -كانوا يثبتون ذلك لرب العزة والجلال سبحانه وتعالى.

ذكر قول بعض الشارحين لأسماء الله الحسنى:

قال القرطبي -رحمه الله- في شرحه: “وقد كان الصدر الأول لا ينفون الجهة، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى, كما نطق كتابه وأخبر رسوله صلى الله عليه وسلم, ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على العرش حقيقة، وخص العرش بذلك دون غيره؛ لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء”.

فلنتأمل الكلام الدقيق للعلامة القرطبي -رحمه الله- حيث يقول: لم ينكر أحد من السلف أنه استوى على العرش حقيقة، ولكن الكيف هو المجهول، والسؤال عن الكيف بدعة. وهذا مروي ومنقول عن إمام دار الهجرة الإمام مالك -رحمه الله-.

error: النص محمي !!