Top
Image Alt

شرح باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، وباب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: “لا إله إلا الله”

  /  شرح باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، وباب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: “لا إله إلا الله”

شرح باب: الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، وباب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: “لا إله إلا الله”

باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام:

حديث معاذ بن جبل:

قال الإمام مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب وإسحاق بن إبراهيم جميعًا عن وكيع قال أبو بكر: حدثنا وكيع عن زكريا بن إسحاق قال: حدثني يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبى معبد عن ابن عباس عن معاذ بن جبل قال أبو بكر: ربما قال وكيع عن ابن عباس أن معاذًا قال: ((بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنك تأتى قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)).

وقبل أن نتعرض لمتن هذا الحديث نبين مسلك مسلم في هذا الإسناد، كما بين الإمام النووي:

قال الإمام النووي: قوله عن أبى معبد عن ابن عباس عن معاذ قال أبو بكر، يعنى ابن أبي شيبة وربما قال وكيع: عن ابن عباس أن معاذًا، قال الإمام النووي: هذا الذي فعله مسلم رحمه الله نهاية التحقيق والاحتياط والتدقيق، فإن الرواية الأولى قال فيها: عن معاذ، والثانية: أن معاذًا وبين “أن” و”عن” فرق، فإن الجماهير قالوا: “إن” كـ”عن”، فيحمل على الاتصال، وقال جماعة: لا تلتحق “أن” بـ”عن”، بل تحمل “أن” على الانقطاع ويكون الحديث مرسلا، ولكنه هنا يكون مرسل صحابي له حكم المتصل على المشهور من مذاهب العلماء، وفي قول الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني إنه لا يحتج به فاحتاط به مسلم رحمه الله وبيَّن اللفظين والله أعلم.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله…)) إلى نهاية الحديث، أما الكرائم فجمع كريمة وهى لفظة جامعة وهي جامعة الكمال الممكن في حقها من غزارة لبن وجمال صورة أو كثر لحم أو صوف وهكذا الرواية: ((وإياك وكرائم)) بالواو في قوله: وكرائم، قال ابن قتيبة: ولا يجوز إياك كرائم أموالهم بحذفها ومعنى: ((ليس بينها وبين الله حجاب)) أي أنها مسموعة لا ترد.

وفي هذا الحديث: قبول خبر الواحد ووجوب العمل به وفيه أن الوتر ليس بواجب أنه قال: ((خمس صلوات في كل يوم وليلة)) والرسول صلى الله عليه وسلم قد بعث معاذًا إلى اليمين قبل وفاته بقليل.

وفيه أن السنة أن الكفار يُدعون إلى التوحيد قبل القتال، وفيه أنه لا يحكم بإسلامه إلا بالنطق بالشهادتين وهذا مذهب أهل السنة.

وفيه أن الصلوات الخمس في كل يوم وليلة. وفيه بيان عظم تحريم الظلم.

باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله:

ونؤكد على بعض النقاط هنا في قوله: ((شهادة أن لا إله إلا الله)) معناها توحيد الله تعالى بالعبادة والبعد عن عبادة ما سواه وقال تعالى في هذا: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ} [البقرة: 256]، والطاغوت كل ما عُبد من دون الله كما قال مالك رحمه الله، سواءً كان من البشر أو من الحجر أو الشجر أو الحيوان، والكفر به الابتعاد عن عبادته التي هي طلب البركات منه أو الشفاعات أو دفع البليات أو إنالة الحاجات أو التوجه إليه بالدعاء، ولا بد من بُغض ذلك وعداوته وعداوة عابديه ومقاطعتهم والتبرؤ منهم؛ لقول الله تعالى: {لاّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ يُوَآدّونَ مَنْ حَآدّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوَاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22]، والإيمان بالله تعالى: هو إفراده بالعبادة التي تتضمن غاية الحب ومنتهاه مع غاية الذل وأقصاه، والانقياد لأمره والتسليم له، وهذا هو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله كما قال صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس: ((آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله))، وقال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلا اللّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [محمد: 19]، فالعلم هنا بمعنى هذه الشهادة التي لا بد لكل داخلٍ في دين الإسلام أن يشهد بها، والإيمان المطلوب من العباد، وهو معرفة حق الله على عباده الذي لا يجوز الإخلال بشيء منه وإلا استحقوا عذابه، وأما معنى: ((شهادة أن محمدًا رسول الله)) فهو العلم اليقيني بأنه رسولٌ من الله تعالى كلفه إبلاغ العباد أوامر الله ونواهيه وطاعته في كل ما أمر به واجتناب ما نهاهم عنه، وألا يعبد الله إلا بما جاء به، وأن كل من سلك طريقًا غير سنته فمصيره إلى النار، وأنه بلّغ العباد ما أُرسل به وبين لهم دينهم أتم بيان، وأنه عبد الله أكرمه بالرسالة وليس له من العبادة شيء، بل العبادة كلها لله تعالى، وهاتان الشهادتان متلازمتان لا تقبل إحداهما دون الأخرى، فمن شهد أن لا إله إلا الله ولم يشرك به شيئًا ولم يشهد أن محمدًا رسول الله فهو كافر بالله وخالدٌ في النار وإن جاء بعبادة أهل الأرض، قال النووي رحمه الله: واتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يُحكم بأنه من أهل القبلة ولا يُخلّد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك ونطق مع ذلك بالشهادتين، فإن اقتصر على أحدهما لم يكن من أهل القبلة أصلًا بل يُخلّد في النار إلا أن يعجز عن النطق لخللٍ في لسانه واطمأن قلبه على الإيمان الصحيح، وهذه الشهادة أيضًا تتضمن الإيمان بأسماء الله وصفاته؛ لأن ذلك من عبادة الله التي تعبَّدَ الخلق بها.

وهذا الحديث: دليلٌ ظاهر على أن التوحيد الذي هو إخلاص العبادة لله وحده والبعد عن عبادة ما سواه والإيمان بأسمائه وصفاته كما جاءت في وحيه إلى رسله هو أول واجب على العباد، ومعلوم أن بعث معاذ إلى اليمن كان في آخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي هذا الحديث أيضًا: أنه يجب على إمام المسلمين بعث الدعاة إلى توحيد الله تعالى وتعليم الناس شرائع الإسلام وأمرهم بالتزامها وجباية الزكاة ودفعها إلى مستحقيها الذين ذكرهم الله تعالى بقوله: {إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] الآية الكريمة.

وفي الحديث: أن الإنسان لا يصير مسلمًا إلا إذا وحَّد الله تعالى بالعبادة بألا يقصد بعبادته غير الله، بل تكون عبادته كلها لله وحده وهذا هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وأما معنى: ((شهادة أن محمدًا رسول الله)) هو أن يعبد الله بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، والإيمان بأن الله أوحى إليه أوامره ونواهيه وكلفه إبلاغ الثقلين بذلك.

وفي الحديث: أن أخذ خيار المال من الزكاة ظُلمٌ يجب اجتنابه، والله أعلم.

باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله:

وننتقل إلى حديثٍ آخر من (صحيح مسلم) في كتاب الإيمان وترجم النووي لهذا الباب بقوله: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وأن من فعل ذلك عصم نفسه وماله إلا بحقها ووكلت سريرته إلى الله تعالى وقتال من منع الزكاة أو غيرها من حقوق الإسلام واهتمام الإمام بشعائر الإسلام.

وقول الإمام النووي: باب الأمر بقتال الناس… يراد به الخصوص وهم المشركون في جزيرة العرب كما سيأتي من شرح الحديث.

قال الإمام مسلم: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا ليث بن سعد عن عقيل عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة قال: ((لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستُخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أُمرت أن أقاتل الناس على أن يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله؟ فقال أبو بكر رضي الله عنه: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكرٍ للقتال فعرفت أنه الحق)).

قوله: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر رضي الله عنه وكفر من كفر من العرب، قال الخطابي رحمه الله في شرح هذا الكلام كلامًا حسنًا لا بد من ذكره لما فيه من الفوائد، قال رحمه الله: مما يجب تقديمه في هذا أن يعلم أن أهل الردة كانوا صنفين صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعادوا للكفر وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله: وكفر من كفر من العرب، وهذه الفرقة طائفتان: إحداهما من أصحاب مسيلمة من بني حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على دعواه في النبوة وأصحاب الأسود العنسي ومن كان من مستجيبيه من أهل اليمن وغيرهم، وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، مدعية النبوة لغيره، فقاتلهم أبو بكر رضي الله عنه حتى قتل الله مسيلمة باليمامة والعنسي بصنعاء وانفضت جموعهم وهلك أكثرهم، والطائفة الأخرى ارتدوا عن الدين وأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور الدين وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، فلم يكن يُسجد لله تعالى في بسيط الأرض إلا في ثلاثة مساجد: مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد عبد القيس في البحرين في قرية يقال لها جواثا. والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الزكاة والصلاة فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها إلى الإمام وهؤلاء على الحقيقة أهل بغي، وإنما لم يدعوا بهذا الإثم في هذا الزمان خصوصًا لدخولهم في غمار أهل الردة فأُضيف الاسم في الجملة إلى الردة إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما، وأُرخ قتال أهل البغي في زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذ كانوا منفردين في زمانه لم يختلطوا بأهل الشرك، وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بالزكاة ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم كبني يربوع؛ فإنهم قد جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر رضي الله عنه فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم، وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر رضي الله عنه فراجع أبا بكرٍ رضي الله عنه وناظره واحتج عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم نفسه وماله))، وكان هذا من عمر رضي الله عنه تعلقًا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره ويتأمل شرائطه فقال له أبو بكر رضي الله عنه: إن الزكاة حق المال، يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دمٍ ومال معلقة بإيفاء شرائطها والحكم المعلق بشرطين لا يصلح بأحدهما والآخر معدوم، ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها، وكان في ذلك من قوله دليلٌ على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعًا من الصحابة وكذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه، فاجتمع في هذه القضية الاحتجاج من عمر رضي الله عنه بالعموم ومن أبي بكر رضي الله عنه بالقياس، ودل ذلك على أن العموم يُخص بالقياس وأن جميع ما تضمنه الخطاب الوارد في الحكم الواحد من شرط واستثناء مراعى فيه ومعتبرٌ صحته به، فلما استقر عند عمر صحة رأي أبي بكر رضي الله عنه وبان له صوابه تابعه على قتال القوم، وهو معنى قوله: ((فلما رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال عرفت أنه الحق)) يشير إلى انشراح صدره بالحجة التي أدلى بها والبرهان الذي أقامه نصًّا ودلالةً، وقد زعم زاعمون من الرافضة أن أبا بكرٍ رضي الله عنه أول من سبى من المسلمين وأن القوم كانوا متأولين في منع الصدقة وكانوا يزعمون أن الخطاب في قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ إِنّ صَلَوَاتَكَ سَكَنٌ لّهُمْ} [التوبة: 103] خطابٌ خاصٌّ في مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره وأنه مقيدٌ بشرائط لا توجد فيمن سواه؛ وذلك لأنه ليس لأحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدق ما للنبي صلى الله عليه وسلم ومثل هذه الشبهة إذا وجدت كان مما يعذر في أمثالهم ويرفع به السيف عنهم، وزعموا أن قتالهم كان عسفًا.

زعم بعض الرافضة أن قتال هؤلاء المرتدين والمانعين للزكاة كان عسفًا وقد رد الخطابي رحمه الله فقال: وهؤلاء الذين زعموا ما ذكرناه قومٌ لا خلاق لهم في الدين وإنما رأس مالهم البهت والتكذيب والوقيعة في السلف، وقد بينا أن أهل الردة كانوا أصنافًا منهم من ارتد عن الملة ودعا إلى نبوة مسيلمة وغيرهم، ومنهم من ترك الصلاة والزكاة وأنكر الشرائع كلها وهؤلاء هم الذين سماهم الصحابة كفارًا ولذلك رأى أبو بكر رضي الله عنه سبي زراريهم وساعده على ذلك أكثر الصحابة واستولد علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه جارية من سبي بنى حنيفة، فولدت له محمدًا الذي يدعونه ابن الحنفية، ثم لم ينقضِ عصر الصحابة حتى أجمعوا على أن المرتد لا يسبى فأما مانعو الزكاة منهم المقيمون على أصل الدين، فإنهم أهل بغي ولم يسموا على الانفراد منهم كفارًا، وإن كانت الردة قد أضيفت إليهم بمشاركتهم المرتدين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدين، وذلك أن الردة اسمٌ لغوي وكل من انصرف عن أمر كان مقبلًا عليه فقد ارتد عنه، وقد وجد من هؤلاء القوم الانصراف عن الطاعة ومنع الحق وانقطع عنهم اسم الثناء والمدح بالدين، وعلق بهم الاسم القبيح بمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقًّا، وأما قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} وما ادعوه من كون الخطاب خاصًّا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن خطاب كتاب الله تعالى على ثلاثة أوجه: خطابٌ عام، كقوله تعالى: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصّلاةِ} [المائدة: 6]، وكقوله تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ} [البقرة: 183]، وخطابٌ خاص للنبي صلى الله عليه وسلم لا يشركه في غيره وهو ما أبين به عنه غيره بسمة التخصيص وقطع التشريك، كقوله تعالى: {وَمِنَ الْلّيْلِ فَتَهَجّدْ بِهِ نَافِلَةً لّكَ} [الاسراء: 79]، وقوله تعالى: {خَالِصَةً لّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب: 50]، وخطابٌ موجه للنبي صلى الله عليه وسلم هو وجميع أمته في المراد بها سواء في قوله تعالى: {أَقِمِ الصّلاَةَ لِدُلُوكِ الشّمْسِ} [الاسراء: 78]، وكقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ} [النحل: 98]، وكقوله تعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصّلاَةَ} [النساء: 102]، ونحو ذلك من خطاب المواجهة فكل ذلك غير مختص برسول الله صلى الله عليه وسلم بل تشاركه فيه الأمة، كذا قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103]، فعلى القائم بعده صلى الله عليه وسلم بأمر الأمة أن يحتذي حذوه في أخذها منهم، وإنما الفائدة في مواجهة النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب أنه هو الداعي إلى الله تعالى والمبين عنه معنى ما أراد فقدم اسمه في الخطاب ليكون سلوك الأمر في شرائع الدين على حسب ما ينهجه ويبينه لهم وعلى هذا المعنى قوله تعالى: {يَأيّهَا النّبِيّ إِذَا طَلّقْتُمُ النّسَآءَ فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ} [الطلاق: 1]، فافتتح الخطاب بالنبوة باسمه خصوصًا ثم خاطبه وسائر أمته بالحكم عمومًا، وربما كان الخطاب له مواجهةً لغيره، والمراد غيره كقوله تعالى: {فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} [يونس: 94]، إلى قوله تعالى: {فَلاَ تَكُونَنّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} ولا يجوز أن يكون صلى الله عليه وسلم قد شك قط في شيء مما أنزل إليه.

فأما التطهير والتزكية والدعاء من الإمام لصاحب الصدقة فإن الفاعل فيها قد ينال ذلك كله بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فيها، وكل ثواب موعود على عمل برٍ كان في زمنه صلى الله عليه وسلم فإنه باقٍ غير منقطع، ويستحب للإمام وعامل الصدقة أن يدعوا للمصدق بالنماء والبركة في ماله، ويرجى أن يستجيب الله ذلك ولا يخيب مسألته، فإن قيل: كيف تأولت أمر الطائفة التي منعت الزكاة على الوجه الذي ذهبت إليه وجعلتهم أهل بغي؟ وهل إذا أنكرت طائفةٌ من المسلمين في زماننا فرض الزكاة وامتنعوا من أدائها، يكون حكمهم حكم أهل البغي؟ قلنا: لا، فإن من أنكر فرض الزكاة في هذه الأزمان كان كافرًا بإجماع المسلمين، والفرق بين هؤلاء وأولئك أنهم إنما عذروا لأسباب وأمورٍ لا يحدث مثلها في هذا الزمان، منها قرب العهد بزمان الشريعة الذي كان يقع فيه تبديل الأحكام بالنسخ ومنها أن القوم كانوا جهالًا بأمور الدين، وكان عهدهم بالإسلام قريبًا فدخلتهم الشبهة، فعذروا. فأما اليوم وقد شاع دين الإسلام، واستفاض في المسلمين، عُلم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام، واشترك في ذلك العالم والجاهل فلا يعذر أحدٌ بتأويله في إنكارها، وكذلك الأمر في كل من أنكر شيئًا مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين، إذا كان علمه منتشرًا كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان والاغتسال من الجنابة وتحريم الزنا والخمر ونكاح ذوات المحارم، ونحوها من الأحكام، إلا أن يكون رجلًا حديث عهدٍ بالإسلام ولا يعرف حدودها فإنه إذا أنكر شيئًا منها جهلًا به لم يكفر، وكان سبيله سبيل أولئك القوم في بقاء اسم الدين عليه، فأما ما كان الإجماع فيه معلومًا من طريق علم الخاصة، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها وأن القاتل عمدًا لا يرث، وما أشبه ذلك من أحكام، فإن من أنكرها لا يكفر بل يعذر فيها لعدم استفاضة علمها في العامة.

قال الخطابي رحمه الله: وإنما عرضت الشبهة لمن تأوله على الوجه الذي حكيناه عنه، لكثرة ما دخله من الحذف في رواية أبي هريرة.

نبه الخطابي على أن رواية أبي هريرة فيها حذف كثير، وذلك لأن القصد به لم يكن سياق الحديث على وجهه، وذكر القصة في كيفية الرد منهم، وإنما قصد به حكاية ما جرى بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وما تنازعاه في استباحة قتالهم، ويشبه أن يكون أبو هريرة إنما لم يعنَ بذكر جميع القصة اعتمادًا على معرفة المخاطبين بها، إذ كانوا قد علموا كيفية القصة، ويبين لك أن حديث أبي هريرة مختصر، أن عبد الله بن عمر وأنس رضي الله عنهما روياه بزيادة لم يذكرها أبو هريرة، ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله)) وفي رواية أنس رضي الله عنه: ((أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن يستقبلوا قبلتنا وأن يأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماءهم وأموالهم إلا بحقها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين)) قال الإمام النووي: وقد ثبت في الطريق الثالث الذي رواه مسلم؛ أي بعد هذا الحديث بحديث في رواية أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها))، وفي استدلال أبي بكر واعتراض عمر رضي الله عنه دليلٌ على أنهما لم يحفظا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رواه ابن عمر وأنس وأبو هريرة، وكأن هؤلاء الثلاثة سمعوا هذه الزيادات التي في رواياتهم في مجلس آخر، فإن عمر رضي الله عنه لو سمع ذلك لما خالف، ولما كان احتج بالحديث، فإنه بهذه الزيادة حجةٌ عليه، ولو سمع أبو بكر رضي الله عنه هذه الزيادة لاحتج بها ولم يحتج بالقياس والعموم، والله أعلم.

وقوله: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه، إلا بحقه وحسابه على الله)) قال الخطابي رحمه الله: وهذا مهم جدًّا، معلومٌ أن المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب، قال: ومعنى ((وحسابه على الله)) أي فيما يستسرون به ويخفونه، دون ما يخلون به في الظاهر من الأحكام الواجبة، قال: ففيه أن من أظهر الإسلام وأسر الكفر، قُبل إسلامه في الظاهر، وهذا قول أكثر العلماء وذكر القاضي عياض معنى هذا وزاد عليه وأوضحه فقال: اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال لا إله إلا الله تعبيرٌ عن الإجابة إلى الإيمان وأن المراد بهذا مشركو العرب وأهل الأوثان ومن لا يوحد، وهم كانوا أول من دعي للإسلام وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفى في عصمته بقوله: لا إله إلا الله؛ إذ كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده، فلذلك جاء في الحديث الآخر: ((وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة)) قال الإمام النووي: ولا بد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة: ((حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به)) والله أعلم.

وقوله عليه الصلاة والسلام: ((والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة)) معناه: من أطاع في الصلاة وجحد في الزكاة أو منعها، وفي جواز الحلف وإن كان في غير مجلس الحاكم، وأنه ليس مكروهًا إذا كان لحاجة من تفخيم أمرٍ ونحوه.

وقوله: ((والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه)) وفي بعض الروايات عناقًا، وهي الأنثى من ولد المعز، وأما رواية عقالًا فقد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا فيها، ولكن ذهب كثيرون من المحققين إلى أن المراد بالعقال الحبل الذي يعقل به البعير، وأن الكلام خرج مخرج التضييق والتشديد والمبالغة، فتقتضي قلة ما علق به القتال وحقارته، يعني لو منعوني حتى هذا الشيء القليل لقاتلتهم عليه، فالصحيح هنا أنه أراد به العقال الذي يعقل به البعير ولم يرد عينه وإنما أراد قدر قيمته، والدليل على هذا أن المراد به المبالغة، ولهذا قال في الرواية الأخرى: عناقًا، وفي بعضها: لو منعوني جديًا أزوط، والأزوط صغير الفك والذقن، وهذا الذي قيل هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره، والله أعلم.

وقوله: ((فما هو إلا أن رأيت الله تعالى قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق)) معنى رأيت: علمت وأيقنت، ومعنى شرح صدر أبي بكر: يعني فتح ووسع ولين، ومعناه علمت بأنه جازم بالقتال لما ألقى الله سبحانه وتعالى في قلبه من الطمأنينة لذلك واستصوابه ذلك، ومعنى قوله: ((عرفت أنه الحق)) أي بما أظهر من الدليل، وأقامه من الحجة، فعرفت بذلك أن ما ذهب إليه هو الحق، لا أن عمر قلد أبا بكرٍ رضي الله عنهما، فإن المجتهد لا يقلد المجتهد، وقد زعمت الرافضة أن عمر رضي الله عنه إنما وافق أبا بكرٍ تقليدًا وبنوه على مذهبه الفاسد في وجوب عصمة الأئمة، وهذه جهالة ظاهرة منهم، والله تعالى أعلم.

error: النص محمي !!