Top
Image Alt

شرح باب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، وباب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا

  /  شرح باب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، وباب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا

شرح باب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، وباب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا

باب الدليل علي صحة إسلام من حضره الموت:

وننتقل إلى حديث آخر، في باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، ما لم يشرع في النزخ وهو الغرغرة ونسخ جواز الاستغفار للمشركين، والدليل على أن من مات على الشرك فهو من أصحاب الجحيم ولا ينقذه من ذلك شيءٌ من الوسائل.

قال الإمام مسلم: وحدثني حرملة بن يحيى التجيبي أخبرنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهابٍ قال: أخبرني سعيد بن المسيب عن أبيه، قال: ((لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمي قل لا إله إلا الله كلمةً أشهد لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله لأستغفرن لك ما لم أُنهَ عنك. فأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوَاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوَاْ أُوْلِي قُرْبَىَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113] وأنزل الله تعالى في أبي طالب فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِنّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـَكِنّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56])).

حديث وفاة أبي طالب حديثٌ اتفق البخاري ومسلم على إخراجه في (صحيحيهما) من رواية سعيد بن المسيب عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يروه عن المسيب إلا ابنه سعيد كذا قاله الحفاظ، وفي هذا ردٌ على الحاكم أبي عبد الله في قوله: لم يخرج البخاري ولا مسلم رحمهما الله عن أحدٍ مما لم يرو عنهم إلا راوٍ واحد، ولعله أراد من غير الصحابة، والله أعلم.

وأما قوله: ((لما حضرت أبا طالبٍ الوفاة)) فالمراد قربت وفاته وحضرت دلائلها وذلك قبل المعاينة والنزع، ولو كان في حال المعاينة والنزع لما نفعه الإيمان، لقول الله تعالى: {وَلَيْسَتِ التّوْبَةُ لِلّذِينَ يَعْمَلُونَ السّيّئَاتِ حَتّىَ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنّي تُبْتُ الاَنَ} [النساء: 18]، ويدل على أنه قبل المعاينة، محاورته للنبي صلى الله عليه وسلم ومع كفار قريش.

قال القاضي عياض رحمه الله: وقد رأيت بعض المتكلمين على هذا الحديث، جعل الحضور هنا على حقيقة الاحتضار وأن النبي صلى الله عليه وسلم رجا بقوله ذلك حينئذٍ أن تناله الرحمة ببركته صلى الله عليه وسلم. قال القاضي رحمه الله: وليس هذا بصحيحٍ لما قدمناه، وأما قوله: ((فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة)) فهكذا وقع في جميع الأصول كما يقول الإمام النووي. ويعيد له يعني أبا طالب وكذلك نقله القاضي رحمه الله عن جميع الأصول والشيوخ، قال: وفي نسخةٍ: ((ويعيدان له)) على التثنية لأبي جهلٍ وابن أبي أمية، قال القاضي: وهذا أشبه، وقوله: ((يعرضها)) بفتح الياء وكسر الراء، وأما قوله: ((قال أبو طالب آخر ما كلمهم به: هو على ملة عبد المطلب)) فهذا من أحسن الآداب والتصرفات، وهو أن من حكى قول غيره القبيح أتى به بضمير الغيب، لقبح صورة لفظه الواقع، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((أما والله لأستغفرن لك)) ففيه جواز الحلف من غير استحلاف، وكان الحلف هنا لتوكيد العزم على الاستغفار، وتطييبًا لنفس أبي طالب، وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة بقليل، قال أبو فارس: مات أبو طالب ولرسول الله صلى الله عليه وسلم تسعٌ وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يومًا، وتوفيت خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام، وأما قول الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوَاْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 113]، قال المفسرون وأهل المعاني: معناه: ما ينبغي لهم، قالوا: وهو نهي، والواو في قوله: {وَلَوْ كَانُوَاْ أُوْلِي قُرْبَىَ} واو الحال، والله أعلم.

وأما قوله عز وجل: {إِنّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـَكِنّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص: 56]، فقد أجمع المفسرون على أنها نزلت في أبي طالب، وكذا نقل إجماعهم على هذا الزجاج، وغيره، وهي عامة فإنه لا يهدي ولا يضل إلا الله سبحانه وتعالى، قال الفراء وغيره: قوله: {مَنْ أَحْبَبْتَ}يكون على وجهين: أحدهما معناه من أحببته لقرابته، والثاني: من أحببت أن يهتدي، قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل وغيرهم، {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}أي بمن قدر له الهدى، والله أعلم.

باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا:

قال الإمام مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب كلاهما عن إسماعيل بن إبراهيم قال أبو بكر: حدثنا ابن عُلية عن خالدٍ قال: حدثني الوليد بن مسلم عن حمران عن عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة)) قال الإمام النووي: اعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف، أن من مات موحدًا دخل الجنة قطعًا، على كل حال؛ فإن كان سالمًا من المعاصي كالصغير والمجنون والذي اتصل جنونه بالبلوغ والتائب توبةً صحيحةً من الشرك أو غيره من المعاصي إذا لم يحدث معصيةً بعد توبته والموفق الذي لم يبتلَ بمعصية أصلًا، فكل هذا الصنف يدخلون الجنة ولا يدخلون النار أصلًا، بإذن الله تعالى، لكنهم يردونها على الخلاف المعروف في الورود، والصحيح أن المراد به: المرور على الصراط، وهو منصوب على ظهر جهنم، أعاذنا الله منها ومن سائر المكروه.

وأما من كانت له معصيةٌ كبيرةٌ ومات من غير توبة، فهو في مشيئة الله عز وجل، فإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة أو لا، وجعله كالقسم الأول، وإن شاء عذبه القدر الذي يريده سبحانه وتعالى، ثم يدخله الجنة، فلا يُخلد في النار أحدٌ مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل، كما أنه لا يدخل الجنة أحدٌ مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل، هذا مختصرٌ جامع لمذهب أهل الحق في هذه المسألة، وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به من الأمة على هذه القاعدة وتواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعي فإذا تكررت هذه القاعدة، حُمل عليها جميع ما ورد من أحاديث الباب وغيرها، فإذا ورد حديث في ظاهره مخالفة وجب تأويله عليها ليجمع بين نصوص الشرع.

وأما معنى الحديث وما أشبهه: فقد جمع فيه القاضي عياض رحمه الله كلامًا حسنًا، جمع فيه نفائس، يقول الإمام النووي: فأنا أنقل كلامه مختصرًا ثم أضم بعده إليه ما حضرني من زيادة، قال القاضي عياض رحمه الله: اختلف الناس فيمن عصى الله تعالى من أهل الشهادتين، فقال المرجئة: لا تضره المعصية مع الإيمان، وقالت الخوارج: تضره ويكفر بها، وقالت المعتزلة: يخلد في النار إذا كانت معصيته كبيرة ولا يوصف بأنه مؤمنٌ ولا كافر ولكن يوصف بأنه فاسق، وقالت الأشعرية: بل هو مؤمن وإن لم يغفر له وعذب، فلا بد من إخراجه من النار وإدخاله الجنة. قال: وهذا الحديث حُجةٌ على الخوارج والمعتزلة، وأما المرجئة فإن احتجت بظاهره قلنا: محمله على أنه غُفر له أو أخرج من النار بالشفاعة ثم أدخل الجنة، فيكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((دخل الجنة)) أي دخلها بعد مجازاته بالعذاب، وهذا لا بد من تأويله لما جاء في ظواهر كثيرة من عذاب بعض العصاة، فلا بد من تأويل هذا لئلا تتناقض نصوص الشريعة وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ((وهو يعلم)) إشارة إلى الرد على من قال من غلاة المرجئة: إن مظهر الشهادتين يدخل الجنة وإن لم يعتقد ذلك بقلبه، قد قيد ذلك في حديثٍ آخر بقوله صلى الله عليه وسلم: ((غير شاكٍ فيهما)) وهذا يؤكد ما قلناه، قال القاضي: وقد يحتج به أيضًا من يرى أن مجرد معرفة القلب نافعة دون النطق بالشهادتين لاقتصاره على العلم، ومذهب أهل السنة أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين، لا تنفع إحداهما ولا تنجي من النار دون الأخرى إلا لمن لم يقدر على الشهادتين لآفة بلسانه أو لم تمهله المدة ليقولها بل اخترمته المنية، ولا حجة لمخالف الجماعة بهذا اللفظ إذ قد ورد مفسرًا في الحديث الآخر: ((من قال: لا إله إلا الله، ومن شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)) وقد جاء هذا الحديث وأمثاله كثيرة في ألفاظها اختلاف، ولمعانيها عند أهل التحقيق ائتلاف، فجاء هذا اللفظ في هذا الحديث، وفي رواية مُعاذ عنه صلى الله عليه وسلم: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)) وفي رواية عنه صلى الله عليه وسلم: ((من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة)) وعنه صلى الله عليه وسلم: ((ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا حرمه الله على النار)) ونحوه في حديث عبادة بن الصامت وعتبان بن مالك وزاد في حديث عبادة: ((على ما كان من عمل)). وفي حديث أبي هريرة: ((لا يلقى الله تعالى بهما عبد غير شاكٍ فيهما إلا دخل الجنة وإن زنى وإن سرق)). وفي حديث أنس: ((حرم الله على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله تعالى))، وهذه الأحاديث كلها سردها مسلمٌ رحمه الله في كتابه، فحكى عن جماعة من السلف رحمهم الله منهم ابن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهي، وقال بعضهم: هي مجملة تحتاج إلى شرح، ومعناه: من قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها، وهذا يعني من قال الشهادتين وأدى حقهما وفريضتهما، وهذا قول الحسن البصري، وقيل: إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك، وهذا قول البخاري، وهذه التأويلات إنما هي إذا حملت الأحاديث على ظاهرها.

إذا نُزِّلت هذه الأحاديث منازلها، فلا يشكل تأويلها على ما بينه المحققون، فنقرر أولًا: أن مذهب أهل السنة بأجمعهم من السلف الصالح وأهل الحديث والفقهاء، أن أهل الذنوب في مشيئة الله تعالى، وأن كل من مات على الإيمان وتشََهَّد مخلصًا من قلبه بالشهادتين فإنه يدخل الجنة، فإن كان تائبًا أو سليمًا من المعاصي دخل الجنة برحمة ربه وحرم على النار بالجملة، وهذا معنى تأويلي الحسن والبخاري، وإن كان هذا من المخلطين بتضييع ما أوجب الله تعالى عليه، أو بفعل ما حرم عليه، فهو في المشيئة لا يقطع في أمره بتحريمه على النار، ولا باستحقاقه الجنة لأول وهلة، بل يقطع بأنه لا بد من دخوله الجنة آخرًا، وحاله قبل ذلك في خطر المشيئة، إن شاء الله عذبه بذنبه، وإن شاء عفا عنه بفضله، ويمكن أن تستقل الأحاديث بنفسها ويجمع بينها، فيكون المراد باستحقاق الجنة ما قدمناه، من إجماع أهل السنة أنه لا بد من دخولها لكل موحد، إما معجلًا معافًا وإما مؤخرًا بعد عقابه، والمراد بتحريم النار، تحريم الخلود خلافًا للخوارج والمعتزلة، ويجوز في حديث: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة)) أن يكون خصوصًا لمن كان هذا آخر نطقه وخاتمة لفظه، وإن كان قبل مخلطًا فيكون سببًا لرحمة الله إياه ونجاته رأسًا من النار وتحريمه عليها بخلاف من لم يكن ذلك آخر كلامه من الموحدين المخلطين، وكذلك ما ورد في حديث عبادة من مثل هذا ودخوله من أي أبواب الجنة شاء يكون خصوصًا لمن قال ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم وقرن بالشهادتين حقيقة الإيمان والتوحيد، الذي ورد في حديثه، فيكون له من الأجر ما يرجح على سيئاته ويوجب له المغفرة والرحمة، ودخول الجنة لأول وهلة إن شاء الله تعالى، وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى تأويلًا في الظواهر الواردة بدخول الجنة بمجرد الشهادة فقال: يجوز أن يكون ذلك اقتصارًا من بعض الرواة، نشأ من تقصيره في الحفظ والضبط، لا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدلالة مجيئه تامًّا في رواية غيره وقد تقدم نحو هذا التأويل، قال: ويجوز أن يكون اختصارًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما خاطب به الكفار عبدة الأوثان الذين كان توحيدهم لله تعالى مصحوبًا بسائر ما يتوقف عليه الإسلام ومستلزمًا له والكافر إذا كان لا يقر بالوحدانية كالوثني والثنوي، فقال: لا إله إلا الله وحاله الحال التي حكيناها حكم بإسلامه، ولا نقول والحالة هذه ما قاله بعض أصحابنا من أن من قال: لا إله إلا الله، يحكم بإسلامه ثم يجبر على قبول سائر الأحكام فإن حاصله راجع إلى أنه يجبر حينئذ على تمام الإسلام ويجعل حكمه حكم المرتد إن لم يفعل من غير أن يحكم بإسلامه بذلك في نفس الأمر، وفي أحكام الآخرة، ومن وصفناه مسلم في نفس الأمر وفي أحكام الآخرة، والله أعلم.

حديث أبي هريرة:

قال الإمام مسلم: حدثنا أبو بكر بن أبي النضر قال: حدثني أبو النضر هاشم بن القاسم قال: حدثنا عبيد الله الأشجعي عن مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف عن أبي صالحٍ عن أبي هريرة قال: ((كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير، قال: فنفذت أزواد القوم، قال: حتى هم بنحر بعض حمائلهم، قال: فقال عمر: يا رسول الله لو جمعت ما بقي من أزواد القوم فدعوت الله عليها، قال: ففعل، قال: فجاء ذو البُرِّ ببُرِّه وذو التمر بتمره، قال: وقال مجاهد: وذو النواة بنواة، قلت: وما كانوا يصنعون بالنواة؟ قال: كانوا يمصونه ويشربون عليه الماء، قال: فدعا عليها حتى ملأ القوم أزودتهم، قال: فقال عند ذلك: أشهد أن لا إله الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاكٍ فيهما إلا دخل الجنة)).

بين الإمام النووي أن هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم وعلله هو والحديث الذي يليه عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة في الباب نفسه، فأما الأول فعلله الدارقطني من جهة أن أبا أسامة وغيره خالفوا عبيد الله الأشجعي، الذي روى مسلم عنه هذا الحديث، فرووه عن مالك بن مغول عن طلحة عن أبي صالح مرسلًا، يعني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرةً، وأما الحديث الثاني فعلله لكونه اختلف فيه عن الأعمش فقيل فيه أيضًا: عن أبي صالح عن جابر، وكان الأعمش يشك فيه، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله: هذان الاستدراكان من الدارقطني مع أكثر استدراكاته على البخاري ومسلم قدحٌ في أسانيدهما غير مخرجٍ لمتون الأحاديث من حيز الصحة، يعني إذا كان هذا قدحًا في أسانيدهما فإنه ليس قدحًا في متونهما، وقد ذكر في هذا الحديث أبو مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقي الحافظ فيما أجاب الدارقطني عن استدراكاته على مسلم رحمه الله.

قال أبو مسعود الدمشقي فيما أجاب به الدارقطني عن استدراكاته على مسلم رحمه الله في هذا الحديث: إن الأشجعي ثقة مجود فإذا جود ما قصر فيه غيره، يعني رواه مرسلًا حكم له به، ومع ذلك فالحديث له أصل ثابتٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، برواية الأعمش له مسندًا وبرواية يزيد بن أبي عبيد، وإياس بن سلمة بن الأكوع عن سلمة، قال الشيخ: رواه البخاري عن سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما شك الأعمش فهو غير قادح في متن الحديث، فإنه شك في عين الصحابي الراوي له وذلك غير قادح لأن الصحابة رضي الله عنهم كلهم عدول، هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو رحمه الله.

قال الإمام النووي: وهذان الاستدراكان لا يستقيم واحد منهما، أما الأول فلأنا قدمنا في الفصول السابقة أن الحديث الذي رواه بعض الثقات موصولًا كما هنا وبعضه مرسلًا كالرواية التي أعل بها الدارقطني فالصحيح الذي قاله الفقهاء وأصحاب الأصول والمحققون من المحدثين أن الحكم لرواية الوصل سواء أكان راويها أقل عددًا من رواية الإرسال أم مساويًا لها؛ لأنها زيادة ثقة فهذا موجودٌ هنا، و هو كما قال الحافظ أبو مسعود الدمشقي جوّد وحفظ ما قصر فيه غيره، وأما الثاني فلأنهم قالوا: إذا قال الراوي: حدثني فلان أو فلان وهما ثقتان احتج به بلا خلاف؛ لأن المقصود الرواية عن الثقة مسمى وقد حصل، وهذه قاعدة ذكرها الخطيب البغدادي في (الكفاية) وذكرها غيره، وهذا في غير الصحابة ففي الصحابة أولى فإنهم كلهم عدول فلا غرض في تعيين الراوي منهم والله أعلم، وقوله: ((حتى همَّ بنحر بعض حمائلهم)) روي بالحاء وبالجيم يعني جمائلهم وحمائلهم، وقد نقل جماعة من الشراح الوجهين، لكن اختلفوا في الراجح منهما، قال ابن الصلاح: وكلاهما صحيح فهو بالحاء جمع حمولة بفتح الحاء وهي الإبل التي تحمل وبالجيم جمع جمالة بكسرها جمع جمل، وقوله: ((فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله لو جمعت ما بقي من أزواد القوم)) هذا فيه بيان جواز عرض المفضول على الفاضل، ما يراه مصلحةً لينظر الفاضل فيه، فإن ظهرت له مصلحة فعله، وفي هذا الحديث جواز خلط المسافرين أزوادهم وأكلهم منها مجتمعين وإن كان بعضهم يأكل أكثر من بعض، وقد نص بعض العلماء على أن ذلك سُنة، وقوله: الأزودة جمع زاد وهي لا تملأ، وإنما تملأ بها أوعيتها، وجهه أن يكون المراد حتى ملأ القوم أوعية أزودتهم فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، قال القاضي عياض: ويحتمل أنه سمى الأوعية أزواد باسم ما فيها كما في نظائره والله أعلم.

وفي هذا الحديث: علم من أعلام النبوة الظاهرة وما أكثر نظائره التي يزيد مجموعها على شرط التواتر، ويحصل العلم القطعي وقد جمعها العلماء وصنفوا فيها كتبًا مشهورة والله أعلم.

حديث عبادة بن الصامت:

قال الإمام مسلم: حدثنا داود بن رشيد قال: حدثنا الوليد يعني ابن مسلم عن ابن جابر قال: حدثني عمير بن هانئ قال: حدثني جنادة بن أبي أمية قال: حدثنا عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قال: أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله وابن أمته وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق وأن النار حق؛ أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء)).

قوله صلى الله عليه وسلم: ((من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له…)). إلى آخر الحديث… هذا حديث عظيم الموقع وهو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد فإنه صلى الله عليه وسلم جمع فيه ما يخرج عن جميع ملل الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدها، فاختصر صلى الله عليه وسلم في هذه الكلمات على ما يباين به جميع ملل الكفر وسمى عيسى عليه السلام كلمة لأنه كان بكلمة كن فحسب من غير أبٍ بخلاف غيره من بني آدم، قال الهروي: سمي كلمة لأنه كان عن الكلمة فسمي بها كما يقال للمطر رحمة، قال الهروي: وقوله تعالى: {وَرُوحٌ مّنْهُ} أي رحمة، قال: وقال ابن عرفة: أي ليس من أبٍ وإنما نفخ في أمه الروح وقال غيره: {وَرُوحٌ مّنْهُ} أي مخلوقة من عنده، وعلى هذا يكون إضافته إليه إضافة تشريف، كناقة الله وبيت الله، وإلا فالعالم له سبحانه وتعالى ومن عنده، والله أعلم. وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أدخله الجنة على ما كان من عمل)) هذا محمول على إدخاله الجنة في الجملة، فإن كانت له معاصٍ من الكبائر فهو في المشيئة، فإن عذب ختم له بالجنة والله أعلم.

حديث معاذ بن جبل:

قال الإمام مسلم: حدثنا هداب بن خالد الأسدي قال: حدثنا همام قال: حدثنا قتادة قال: حدثنا أنس بن مالك: عن معاذ بن جبل قال: ((كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل فقال: يا معاذ بن جبل، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعةً ثم قال: يا معاذ بن جبل، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، ثم سار ساعةً ثم قال: يا معاذ بن جبل، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: هل تدري ما حق الله على العباد؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، ثم سار ساعة ثم قال: يا معاذ بن جبل، قلت: لبيك رسول الله وسعديك، قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ألا يعذبهم)).

الردف والرديف هو الراكب خلف الراكب، وأصله من ركوبه على الردف وهو العجز، وقوله: ((ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل)) يعني آخرة الرحل، وهو العود الذي يكون خلف الراكب وقوله: ((لبيك وسعديك)) لبيك الأظهر أن معناها إجابةً لك بعد إجابة للتأكيد، وقيل معناه: قربًا منك وطاعةً لك، وقيل معناها: أنا مقيم على طاعتك وقيل: محبتي لك، ومعنى: ((سعديك)) أي ساعدت طاعتك مساعدةً بعد مساعدة، وأما تكريره صلى الله عليه وسلم نداء معاذ رضي الله عنه فلتأكيد الاهتمام بما يخبره وليكمل تنبيه معاذ فيما يسمعه، وقد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا لهذا المعنى، وجاء السؤال من النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بصيغة الاستفهام ليكون أوقع في النفس وأبلغ في التعليم؛ لأن الإنسان إذا سئل عن شيء لا يعمله ثم أخبر به بعد الامتحان بالسؤال صار ذلك أدعى لفهمه وحفظه وتيقظه، وهذا من حسن تعليمه وإرشاده صلى الله عليه وسلم، وهذا الأسلوب ورد عنه صلى الله عليه وسلم كثيرًا والدراية في قوله: ((هل تدري)) الدراية هي المعرفة والحق كل موجود متحقق أو ما سيوجد لا محالة ويقال للكلام الصدق: حق؛ لأن وقوعه متحقق لا تردد فيه، ولأنه مطابق للواقع والمراد هنا ما يستحقه الله تعالى على عباده مما جعله متحتمًا عليهم وألزمهم إياه بخطابه فحقه تعالى على عباده أن يعبدوه مخلصين له العبادة ممتثلين ما أمرهم به وأوجبه عليهم وأعظمه التوحيد ومجتنبين ما نهاهم عنه وحرمه عليهم وأعظمه الشرك، فإذا فعلوا ذلك فحقهم عليه أن يغفر لهم ولا يعذبهم وأن يدخلهم الجنة وقد وعدهم ذلك ووعده حق لا يتخلف. وقول معاذ: ((الله ورسوله أعلم)) يؤخذ منه حسن الأدب في التعلم، وأنه لا ينبغي لمن سئل عما لا يعلمه أن يتكلف الجواب بدون يقين، وقوله: ((أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا)) المراد بالعبادة فعل الطاعات واجتناب المعاصي، والعبادة في اللغة: هي الذل والخضوع، قال الأزهري: معنى العبادة في اللغة الطاعة مع الخضوع، وقال الجوهري: أصل العبودية الخضوع والذلة، والتعبيد التذليل، والعبادة الطاعة، والتعبد النسك، وأما العبادة الشرعية فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، وقيل: هي كمال الحب مع كمال الخضوع؛ لأن الحب الكامل مع الذل التام يتضمن طاعة المحبوب والانقياد له فالعبد هو الذي ذلـله الحب والخضوع لمحبوبه، فطاعة العبد لربه تكون بحسب محبته وذله له، وعطف على العبادة عدم الشرك لأن العبادة لا تنفع عند الله ولا تعتبر إلا إذا كانت خالصة من الشرك، والمشركون كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره، ولهذا اشترط نفي الشرك، والجملة حالية والتقدير يعبدونه في حال عدم الإشراك به، قال ابن حبان: عبادة الله إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح، ولهذا قال في الجواب: فما حق العباد إذا فعلوا ذلك؟ فعبر بالفعل ولم يعبر بالقول، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أتدري ما حقهم عليه؟)) وفسره بقوله: ((ألا يعذبهم)) وفي رواية: ((ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا)) والتقدير: ألا يعذب من يعبده ولا يشرك به شيئًا؛ لأن عدم الشرك مع عدم العبادة لا ينفع، وهذا معلوم من نصوص الشرع، قال الحافظ ابن حجر مبينًا أنه لم يتكلم عن الرسالة قال: اقتصر على نفي الشرك لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم؛ إذ من كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كذب الله ومن كذب الله فهو مشرك أو هو مثل قول القائل: من توضأ صحت صلاته، أي مع سائر الشروط فالمراد من مات حال كونه مؤمنًا بجميع ما يجب الإيمان به، وحق العباد على الله تعالى كما جاء في هذا الحديث هو من فضله وكرمه وليس استحقاق عوض وجزاء كما تقول المعتزلة، والناس في هذه المسألة ثلاث فرق، منهم من يقول: للمخلوق على الله حق يعلم بالعقل، فهم يقيسون الخالق تعالى على المخلوق، ومنهم من يقول: لا حق للمخلوق على الله تعالى بحال ولكن يعلم ما يفعله بعبده بحكم وعده وخبره، وهذا قول أتباع جهم وبعض من ينتسب إلى السنة ومنهم من يقول: بل أوجب الله تعالى على نفسه حق لعباده المؤمنين كما حرم الظلم على نفسه ولم يوجب ذلك عليه مخلوق، ولا يقاس بمخلوقاته تعالى بل هو برحمته وحكمته وعدله كتب على نفسه الرحمة وحرم على نفسه الظلم كما جاء في الحديث الذي في (صحيح مسلم) وغيره: ((يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا)) وقال تعالى: {كَتَبَ رَبّكُمْ عَلَىَ نَفْسِهِ الرّحْمَةَ} [الأنعام: 54]، وقال تعالى: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ} [الروم: 47]، فمن قال: ليس للمخلوق على ربه حق فهو صحيح إذا أراد أنه ليس عليه حق بالاعتبار والقياس على خلقه، كما يجب للمخلوق على مثله وكما يظن جهال العباد أن لهم على الله حق بعبادتهم؛ لأن النفوس الجاهلة تتخيل أن الإنسان بعبادته وعلمه يصير له على الله حق، من جنس ما يصير للمخلوق على المخلوق كمن يطيع سيده ورئيسه فيجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة ويبقى يتقاضى العوض والمجازاة على ذلك ويقول عند الجفاء والإعراض: ألم أفعل كذا، يمن عليه بما فعل معه وإن لم يقله بلسانه كان ذلك في قلبه، وتخيل مثل هذا في حق الله من جهل الإنسان وظلمه، ولهذا بيّن تعالى أن عمل الإنسان يعود نفعه عليه، وأن الله تعالى غنيٌّ عن الخلق قال تعالى: {وَمَن شَكَرَ فَإِنّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنّ رَبّي غَنِيّ كَرِيمٌ} [النمل: 40]، وقال تعالى: {مّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبّكَ بِظَلاّمٍ لّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]، ومن قال للمخلوق: على الله حق فهو صحيح إذا أراد به الحق الذي أخبر الله بوقوعه فإن الله لا يخلف الميعاد وهو الذي أوجبه على نفسه بحكمته وفضله وكرمه ورحمته، وهذا القول هو الحق الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وأما القول الأول فهو ضلال بيّن حيث لم يفرق قائله بين ما يجب على الخالق تعالى وبين ما يجب على المخلوق.

error: النص محمي !!