Top
Image Alt

شرح باب: فضائل أبي بكر الصديق، وباب: فضائل عمر رضي الله عنهما

  /  شرح باب: فضائل أبي بكر الصديق، وباب: فضائل عمر رضي الله عنهما

شرح باب: فضائل أبي بكر الصديق، وباب: فضائل عمر رضي الله عنهما

ننتقل إلى كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم وقد قدم الإمام النووي لهذا الكتاب بمقدمة طيبة ينبغي أن نتعرف عليها؛ لأهميتها في إلقاء ضوء شديد على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- من الأحاديث.

قال الإمام أبو عبد الله المازري: اختلف الناس في تفضيل بعض الصحابة على بعض، فقال طائفة: لا نفاضل، بل نمسك عن ذلك، وقال الجمهور بالتفضيل ثم اختلفوا، فقال أهل السنة: أفضلهم أبو بكر الصديق، قال الخطابية: أفضلهم عمر بن الخطاب، وقال الراوندية: أفضلهم العباس، وقالت الشيعة: علي.

واتفق أهل السنة على أن أفضلهم أبو بكر ثم عمر، قال جمهورهم: ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهما وقال بعض أهل السنة من أهل الكوفة بتقديم علي على عثمان، والصحيح المشهور بتقديم عثمان.

قال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة على الترتيب المذكور، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أحد ثم بيعة الرضوان، وممن له مزية أهل العقبتين من الأنصار، وكذلك السابقون الأولون، وهم من صلى إلى القبلتين في قول ابن المسيب وطائفة، وفي قول الشعبي أهل بيعة الرضوان، وفي قول عطاء ومحمد بن كعب: أهل بدر.

قال القاضي عياض: وذهبت طائفة -منهم ابن عبد البر- إلى أن من توفي من الصحابة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أفضل مما بقي بعده.

وهذا الإطلاق غير مرضي ولا مقبول، واختلف العلماء في أن التفضيل المذكور قطعي أم لا؟ وهل هو في الظاهر والباطن أم في الظاهر خاصة؟

وممن قال بالقطع أبو الحسن الأشعري.

وقال: وهم في الفضل على ترتيبهم في الإمامة.

وممن قال بأنه اجتهادي ظني أبو بكر الباقلاني، وذكر ابن الباقلاني اختلاف العلماء في أن التفضيل: هل هو في الظاهر أم في الظاهر والباطن جميعًا؟ وكذلك اختلفوا في عائشة وخديجة: أيتهما أفضل؟ وفي عائشة وفاطمة رضي الله عنهما.

أما عثمان رضي الله عنه فخلافته صحيحة بالإجماع، وقتل مظلومًا وقتلته فسقة ولم يجرِ منه رضي الله عنه ما يقتضيه، ولم يشارك في قتله أحد من الصحابة، وإنما قتله همج ورعاع من غوغاء القبائل وسفلة الأطراف والأرذال، تحزبوا وقصدوا بيته وعجزت الصحابة الحاضرون عن دفعهم، فحصروه حتى قتلوه رضي الله عنه.

وأما علي رضي الله عنه فخلافته صحيحة بالإجماع، وكان هو الخليفة في وقته لا خلافة لغيره.

وأما معاوية رضي الله عنه فهو من العدول الفضلاء والصحابة النجباء رضي الله عنهم، وأما الحروب التي جرت فكانت لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب أنفسها بسببها، وكلهم رضي الله عنهم عدول ومتأولون في حروبهم وفي غيرها، ولم يخرج شيء من ذلك أحدًا منهم عن العدالة؛ لأنهم مجتهدون اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد كما يختلف المجتهدون بعضهم في مسائل من الدماء وغيرها، ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم، واعلم أن سبب تلك الحروب أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام:

قسم: ظهر له بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف وأن مخالفه باغٍ فوجب عليهم نصرته، وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك، ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده.

وقسم عكس هؤلاء: ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطرف الآخر فوجب عليهم مساعدته، وقتال الباغي عليه.

وقسم ثالث: اشتبهت عليه القضية وتحيروا فيها ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين، فاعتزلوا الفريقين وكان الاعتزال هذا هو الواجب في حقهم، لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك، ولو ظهر لهؤلاء رجحان أحد الطرفين وأن الحق معه لما جاز لهم التأخر عن نصرته في قتال البغاة عليه فكلهم معذرون رضي الله عنهم.

ولهذا اتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم، وكمال عدالتهم رضي الله عنهم.

إذا عرفت هذا؛ هذا الكلام الطيب الصادق من الإمام النووي، عرفنا مكانة هؤلاء الصحابة، وازددنا قربًا من مكانتهم بقراءة فضائلهم رضي الله عنهم.

فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنه:

ونبدأ بأفضلهم وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه:

قال الإمام المسلم: حدثنا زهير بن حرب وعبد بن حميد وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي قال عبد الله: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا حبان بن هلال قال: حدثنا همام قال: حدثنا ثابت قال: حدثنا أنس بن مالك: “أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حدثه، قال: نظرت إلى أقدام المشركين على رءوسنا، ونحن في الغار فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه، فقال: ((يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما)).

قال الإمام النووي -رحمه الله- تعالى: معناه ثالثهما بالنصر والمعونة والحفظ والتسديد، وهو داخل في قوله تعالى: {إِنّ اللّهَ مَعَ الّذِينَ اتّقَواْ وّالّذِينَ هُم مّحْسِنُونَ} [النحل: 128] والأفضل أن نقول: إن الله معهم معية إلهية، وليست مثل معية الأشخاص والمخلوقين بعضهم مع بعض، لكنها معية خاصة إلهية كاملة منزهة عن النقص، وعن الانتقال وعن التغير.

قال الإمام النووي: وفيه بيان عظيم توكل النبي صلى الله عليه وسلم حتى في هذا المقام، وفيه فضيلة لأبي بكر رضي الله عنه وهي من أجل مناقبه، والفضيلة من أوجه، منها: هذا اللفظ، ومنها: بذله نفسه ومفارقته أهله وماله ورياسته في طاعة الله تعالى ورسوله، وملازمة النبي صلى الله عليه وسلم ومعاداة الناس فيه. ومنها: جعله نفسه وقاية عنه وغير ذلك.

أما الحديث الثاني:

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثنا عبد الله بن جعفر بن يحيى بن خالد قال: حدثنا معن قال: حدثنا مالك عن أبي النضر عن عبيد بن حنين عن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر فقال: ((عبدٌ خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده، فبكى أبو بكر، وبكى، فقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا به)) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أمنّ الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإسلام، لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر)).

قوله صلى الله عليه وسلم: ((عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده، فبكى أبو بكر، وبكى)) قال الإمام النووي هكذا هو في جميع النسخ: ((فبكى أبو بكر، وبكى)) معناه: بكى كثيرًا، ثم بكى والمراد بـ ((زهرة الدنيا)) نعيمها وأعراضها، وحدودها، وشبهها بزهرة الروض.

وقوله: ((فديناك)) دليل لجواز التفدية، وكان أبو بكر رضي الله عنه علم أن النبي صلى الله عليه وسلم هو العبد المخير، فبكى حزنًا على فراقه، وانقطاع الوحي وغيره من الخير دائمًا، وإنما قال صلى الله عليه وسلم: ((إن عبدًا)) وأبهمه لينظر فهم أصحاب المعرفة ونباهة أهل الحذق.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن أمنّ الناس عليّ في ماله، وصحبته أبو بكر)) قال العلماء: معناه أكثرهم جودًا، وسماحة لنا بنفسه وماله، وليس هو من المن الذي هو الاعتداد بالصنيعة؛ لأنه أذى مبطل للثواب، ولأن المنة بمعنى العطية في حقيقتها لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم في قبول ذلك. وفي غيره.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإسلام)) وفي رواية: ((لكن أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلًا)) قال القاضي: قيل: أصل الخُلة الافتقار والانقطاع، فخليل الله المنقطع إليه، وقيل: لقصره حاجته على الله تعالى، وقيل: الخلة الاختصاص، وقيل الاصطفاء، وسمي إبراهيم خليلًا؛ لأنه والى في الله وعادى فيه، وقيل: سمي به لأنه تخلق بخلال حسنة وأخلاق كريمة، وخلة الله تعالى له نصره وجعله إمامًا لمن بعده، وقال ابن فورك: الخلة صفاء المودة بتخلل الأسرار، وقيل: أصلها المحبة ومعناه الإسعاف والإلطاف، وقيل: الخليل من لا يتسع قلبه لغير خليله.

ومعنى الحديث: أن حب الله تعالى لم يبقِ في قلبه موضعًا لغيره، ولو كان هناك موضع لكان لأبي بكر رضي الله عنه.

قال القاضي: وجاء في أحاديث أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا وأنا حبيب الله)) فاختلف المتكلمون: هل المحبة أرفع من الخلة أم الخلة أرفع أم هما سواء؟ فقالت طائفة: هما بمعنى فلا يكون الحبيب إلا خليلًا، ولا يكون الخليل إلا حبيبًا، وقيل: الحبيب أرفع؛ لأنها صفة نبينا صلى الله عليه وسلم وقيل: الخليل أرفع، وقد ثبتت خلة نبينا صلى الله عليه وسلم لله تعالى بهذا الحديث، ونفى أن يكون له خليلًا غيره، وأثبت محبته لخديجة وعائشة وأبي بكر -على الرغم من أنه نفى الخلة هنا- وأسامة وأبيه فسمي الحِبّ بن الحب، وفاطمة وابنيها، وغيرهم.

هذا ومحبة الله تعالى لعبده تقتضي تمكينه من طاعته، وعصمته، وتوفيقه وتيسير ألطافه، وهدايته، وإفاضة رحمته عليه، هذه مجاليها ومبانيها.

وأما غايته: فكشف الحجب عن قلبه حتى يراه ببصيرته فيكون كما قال في الحديث الصحيح: ((فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره…)) إلى آخر الحديث. هذا كلام القاضي.

وأما قول أبي هريرة وغيره من الصحابة رضي الله عنهم: سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم فلا يخالف هذا؛ لأن الصحابي يحسن في حقه الانقطاع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وقوله: ((لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر)) “الخوخة” بفتح الخاء وهو الباب الصغير بين البيتين أو الدارين ونحوه، وفي الحديث فضيلة وخصيصة ظاهرة لأبي بكر رضي الله عنه ، وفيه أن المساجد تصان عن تطرق الناس إليها في خوخات ونحوها، إلا من أبوابها وإلا لحاجة مهمة.

الحديث الثالث:

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: قال: حدثنا يحيى بن يحيى قال: أخبرنا خالد بن عبد الله عن خالد عن أبي عثمان أخبرني عمرو بن العاص: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعثه على جيش ذات السلاسل فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من؟ قال: عمر، فعد رجالًا…)).

وقوله: ((بعثه على جيش ذات السلاسل)) وهو عمرو بن العاص رضي الله عنه هو بفتح السين الأولى وكسر الثانية، وهو ماء لبني جذام بناحية الشام، ومنهم من قال: هو بضم السين الأولى وكذا ذكره ابن الأثير في (النهاية) وأظنه استنبطه من كلام الجوهري في (الصحاح) ولا دلالة فيه، والمشهور والمعروف فتحها، وكانت هذه الغزوة في جمادى الأخرى سنة ثمان من الهجرة، وكانت مؤتة قبلها في جمادى الأولى من سنة ثمان أيضًا.

قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر: كانت ذات السلاسل بعد مؤتة، فيما ذكره أهل المغازي إلا ابن إسحاق، فقال: قبلها.

وقوله: ((أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها. قلت: ثم من؟ قال: عمر، فعد رجالًا)) هذا تصريح بعظيم فضائل أبي بكر وعمر وعائشة رضي الله عنهم وفيه دلالة بينة لأهل السنة في تفضيل أبي بكر ثم عمر على جميع الصحابة.

وننتقل إلى حديث آخر من فضائل أبي بكر رضي الله عنه:

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثنا محمد بن أبي عمر المكي قال: حدثنا مروان بن معاوية الفزاري عن يزيد -وهو ابن كيسان- عن أبي حازم الأشجعي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة)).

قوله صلى الله عليه وسلم: ((من أصبح منكم اليوم صائمًا…)) إلى آخر الحديث قال القاضي: معناه دخل الجنة بلا محاسبة ولا مجازاة على قبيح الأعمال، وإلا فمجرد الإيمان يقتضي دخول الجنة بفضل الله عز وجل.

 باب من فضائل عمر رضي الله عنه:

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثنا سعيد بن عمرو الأشعثي وأبو الربيع العتكي وأبو كريب محمد بن العلاء -واللفظ لأبي كريب- قال أبو الربيع: حدثنا وقال الآخران: أخبرنا ابن المبارك عن عمر بن سعيد بن أبي حسين عن ابن أبي مليكة قال: سمعت ابن عباس يقول: وضع عمر بن الخطاب على سريره، فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع، وأنا فيهم -أي ابن عباس- قال: فلم يَرُعْني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفت، فإذا هو علي، فترحم على عمر، وقال: ما خلفت أحدًا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله، إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صحابيك، وذاك أني كنت أكثر أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو أو لأظن أن يجعلك الله معهما)).

قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى- قوله: “فتكنفه الناس” أي: أحاطوا به، والسرير هنا النعش. وقوله: “فلم يرعني إلا برجل” بفتح الياء وضم الراء ومعناه: لم يفجأني إلا ذلك، وقوله: “برجل” هكذا هو في النسخ برجل بالباء، أي لم يفجأني الأمر أو الحال إلا برجل.

وفي هذا الحديث: فضيلة أبي بكر وعمر، وشهادة علي لهما، وحسن ثنائه عليهما، وصدق ما كان يظنه بعمر قبل وفاته رضي الله عنه.

وننتقل إلى حديث آخر في فضائل عمر رضي الله عنه:

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان ثم حول الإسناد فقال: وحدثنا زهير بن حرب والحسن بن علي الحُلواني وعبد بن حميد -واللفظ لهم- قالوا: حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب قال: حدثني أبو أمامة بن سهل أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون، وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، ومر عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره قالوا: ماذا أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين)).

قوله صلى الله عليه وسلم في رؤيا المنام: ((ومر عمر وعليه قميص يجره، قالوا: ما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين)) قال الإمام النووي: قال أهل العبارة: القميص في النوم معناه الدين، وجره يدل على بقاء آثاره الجميلة، وسننه الحسنة في المسلمين بعد وفاته ليُقتَدَى به، وبطبيعة الحال أيضًا، جره يدل على سبوغه بقرينة قوله قبل ذلك على الناس: ((عليهم قمص منها ما يبلغ الثدي فقط ومنها ما يبلغ دون ذلك)).

وننتقل إلى حديث آخر من فضائل عمر رضي الله عنه:

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثنا حرملة بن يحيى قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب أن سعيد بن المسيب أخبره أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذنوبًا أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم استحالت غربا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريًّا من الناس ينزع نزع عمر بن الخطاب حتى ضرب الناس بعطن)).

قوله صلى الله عليه وسلم: ((رأيتني على قليب…)) إلى آخره أما القليب فهي البئر غير المطوية، أي: غير المبنية، والدلو يذكر ويؤنث، والذنوب بفتح الذال الدلو المملوءة، والغرب بفتح الغين المعجمة وإسكان الراء هي الدلو العظيمة، والنزع الاستقاء، والضُعف والضَعف بضم الضاد وفتحها لغتان مشهورتان والضم أفصح، ومعنى استحالت: صارت وتحولت من الصغر إلى الكبر، وأما العبقري فهو السيد، وقيل: الذي ليس فوقه شيء، ومعنى: ((ضرب الناس بعطن)) أي: أرووا إبلهم ثم آووها إلى عطنها، وهي الموضع التي تساق إليه بعد السقي لتستريح.

قال العلماء: هذا المنام مثالٌ واضح لما جرى لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما في خلافتهما، وحسن سيرتهما، وظهور آثارهما، وانتفاع الناس بهما وكل ذلك مأخوذ من النبي صلى الله عليه وسلم ومن بركته، وآثار صحبته، فكان النبي صلى الله عليه وسلم هو صاحب الأمر، فقام به أكمل قيام، وقرر قواعد الإسلام، ومهد أموره، وأوضح أصوله وفروعه، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وأنزل الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً} [المائدة: 3] ثم توفي صلى الله عليه وسلم فخلفه أبو بكر رضي الله عنه سنتين وأشهرًا، وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: ((ذنوبًا أو ذنوبين)) وهذا شك من الراوي، والمراد “ذنوبان”، كما صرح به في الراوية الأخرى التي ساقها الإمام مسلم، وحصل في خلافته قتال أهل الردة، وقطع دابرهم، واتساع الإسلام، ثم توفي فخلفه عمر رضي الله عنه فاتسع الإسلام في زمنه، وتقرر له من أحكامه ما لم يقع مثله، فعبر بالقليب عن أمر المسلمين؛ لما فيها من الماء الذي به حياتهم وصلاحهم، وشبه أميرهم بالمستقي لهم وسقيه، وهو قيامه بمصالحهم وتدبير أمورهم.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم في أبي بكر رضي الله عنه: ((وفي نزعه ضعف)) فليس فيه حط من فضيلة أبي بكر، ولا إثبات فضيلة لعمر عليه، إنما هو إخبار عن مدة ولايتهما، وكثرة انتفاع الناس في ولاية عمر لطولها ولاتساع الإسلام، وبلاده والأموال وغيرها من الغنائم والفتوحات، ومصّر الأمصار ودون الدواوين.

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((والله يغفر له)) فليس فيه تنقيص له ولا إشارة إلى ذنب، وإنما هي كلمة كان المسلمون يدعمون بها كلامهم ونعمت الدعامة، وقد سبق في الحديث في (صحيح مسلم) أنها كلمة كان المسلمون يقولونها “افعل كذا والله يغفر لك”، قال العلماء: وفي كل هذا إعلام بخلافة أبي بكر وعمر وصحة ولايتهما، وبيان صفتها وانتفاع المسلمين بها.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فجاء أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليروحني)) في الرواية التي بعد روايتنا قال العلماء: فيه إشارة إلى نيابة أبي بكر عنه وخلافته بعده، وراحته صلى الله عليه وسلم بوفاته من نَصَبِ الدنيا ومشاقها، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((مستريح أو مستراح منه…)) الحديث و((الدنيا سجن المؤمن)) و((لا كرب على أبيك بعد اليوم)) هكذا قال الإمام النووي.

وما كان ينبغي له أن يستشهد بحديث: ((مستريح أو مستراح منه)) لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم استراح ولم يُسترَح من فقده صلى الله عليه وسلم في أمته في عصره وفيما بعد عصره، بل الكل يتمنى أن يستريح برؤيته صلى الله عليه وسلم والكل يستريح ويستروح بما ترك من العلم ومن الخير ومن الفضل ومن القدوة إلى ما شاء الله وإلى يوم الدين، لكنه -رحمه الله تعالى.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فلم أرى عبقريًّا من الناس يفري فريه)) أما “يفري” فبفتح الياء وإسكان الفاء وكسر الراء وأما “فريه” فروي بوجهين أحدهما “فرْيه” بإسكان الراء وتخفيف الياء والثانية بكسر الراء وتشديد الياء “فرْيّه” وهما لغتان صحيحتان، وأنكر الخليل التشديد وقال: هو غلط، اتفقوا على أن معناه: لم أرَ سيدًا يعمل عمله ويقطع قطعه وأصل الفري بالإسكان القطع، يقال: فريت الشيء أفريه فريًا قطعته للإصلاح، وأفريته إذا شققته على جهة الإفساد، وتقول العرب: تركته يفري الفري، إذا عمل العمل فأجاده ومنه حديث حسان “لأفرينهم فري الأديم” أي أقطعهم بالهجاء كما يقطع الأديم.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((حتى ضرب الناس بعطن)) سبق تفسيره قال القاضي: ظاهره أنه عائد إلى خلافة عمر خاصة.

وقيل: يعود إلى خلافة أبي بكر وعمر جميعًا؛ لأن بنظرهما وتدبيرهما وقيامهما بمصالح المسلمين تم هذا الأمر، وضرب الناس بعطن؛ لأن أبا بكر قمع أهل الردة، وجمع شمل المسلمين وألفهم، وابتدأ الفتوح، ومهد الأمور، وتمت ثمرات ذلك، وتكاملت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وننتقل إلى حديث آخر في باب فضائل عمر رضي الله عنه:

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثنا منصور بن أبي مزاحم قال: حدثنا إبراهيم -يعني ابن سعد- ثم حول الإسناد فقال: حدثنا حسن الحلواني وعبد بن حميد قال عبد: أخبرني وقال حسن: حدثنا يعقوب، وهو ابن إبراهيم بن سعد، قال: حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب قال: أخبرني عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد أن محمد بن سعد بن أبي وقاص أخبره أن أباه سعدًا قال: ((استأذن عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نساء من قريش يكلمنه، ويستكثرنه عالية أصواتهن، فلما استأذن عمر، قمن يبتدرن الحجاب، فأذن له رسول صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب، قال عمر: فأنت يا رسول الله أحق أن يهبن، ثم قال عمر: أي عدوات أنفسهن أتهبنني، ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلن: نعم. أنت أغلظ وأفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجك)).

قال الإمام النووي في إسناد هذا الحديث: هذا الحديث اجتمع فيه أربعة تابعيون يروي بعضهم عن بعض، وهم صالح وابن شهاب وعبد الحميد ومحمد، وقد رأى عبد الحميد ابن عباس.

وقوله: ((وعنده نساء من قريش يكلمنه، ويستكثرنه عالية أصواتهن)) قال العلماء: معنى: ((يستكثرنه)) يطلبن كثيرًا من كلامه وجوابه بحوائجهن وفتاويهن، وقوله: ((عالية أصوتهن)) قال القاضي: يحتمل أن هذا كان قبل النهي عن رفع الصوت فوق صوته صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن علو أصواتهن إنما كان باجتماعها لا أن كلام كل واحدة بانفرادها أعلى من صوته صلى الله عليه وسلم.

وقوله: ((قلن: أنت أغلظ وأفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم)) الفظ والغليظ عبارة عن شدة الخلق وخشونة الجانب، قال العلماء: وليست لفظة أفعل هنا للمفاضلة، بل هي بمعنى فظ غليظ، وقال ذلك حتى لا تكون هناك فظاظة وغلظة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر يزيد عليها.

فالقرآن الكريم نفى كونه صلى الله عليه وسلم فظًّا غليظًا وقال: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159].

وقد حاول القاضي عياض أن يؤول تأويلًا هو بعيد في الحقيقة، قال: وقد يصح حملها على المفاضلة، وأن القدر الذي منها في النبي صلى الله عليه وسلم هو ما كان من إغلاظه على الكافرين والمنافقين، كما قال تعالى: {يَأَيّهَا النّبِيّ جَاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 73].

وكان يغضب صلى الله عليه وسلم ويغلظ عند انتهاك حرمات الله تعالى والله أعلم.

ولكن لا يصلح هذا؛ لأن القرآن الكريم قد نفى الغلظة والفظاظة عنه صلى الله عليه وسلم فينبغي أن نقف عند ذلك، ونقول كما قال العلماء: ليست لفظة “أفعل” هنا للمفاضلة، بل هي بمعنى: فظ غليظ فقط، قال الله تعالى نافيًا الغلظة والشدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والخشونة والفظاظة، قال تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88] وقال تعالى: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضّواْ مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] وقال تعالى: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رّحِيمٌ} [التوبة: 128].

وعلى كل حال، ففي هذا الحديث فضل لين الجانب والحلم، والرفق ما لم يفوت مقصودًا شرعيًّا.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجك)).

الفج: الطريق الواسع، ويطلق أيضًا على المكان المنخرق بين الجبلين.

وهذا الحديث محمول على ظاهره، أن الشيطان متى رأى عمر رضي الله عنه سالكًا فجًّا هرب هيبة من عمر، وفارق ذلك الفج وذهب في فج آخر لشدة خوفه من بأس عمر أن يفعل فيه شيئًا.

قال القاضي عياض: ويحتمل أنه ضرب مثلًا لبعد الشيطان وإغوائه منه، وأن عمر في جميع أموره سالك طريق السداد خلاف ما يأمر به الشيطان والصحيح الأول.

error: النص محمي !!