Top
Image Alt

شرح باب: قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين} إلى باب: قوله تعالى: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم}

  /  شرح باب: قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين} إلى باب: قوله تعالى: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم}

شرح باب: قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين} إلى باب: قوله تعالى: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم}

. باب قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين}:

حديث أبي موسى الأشعري:

قال البخاري -رحمه الله: باب قول الله تعالى: “إني أنا الرزاق ذو القوّة المتين”.

ثم قال: حدثنا عبدان، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن أبي عبد الرحمن السّلمي، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أحدٌ أصبَرَ على أذًى سمِعَه من الله، يدّعون له الولد، ثم يعافيهم ويَرزقهم)).

قول البخاري: “باب قول الله تعالى: “إني أنا الرّزاق ذو القوّة المتين”، هكذا قرأها ابن مسعود رضي الله عنه وقال: إنه أقرأه إيّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رواه الإمام أحمد بسند صحيح، وأبو داود والنسائي، والترمذي، وقال: حديث صحيح. وهذه الآية مرتبطة بالآية قَبْلها في المعنى، وهي قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُون * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين} [الذاريات: 56 – 58]. 

والمعنى: أنه تعالى خلَق العباد؛ لِيعبدوه ولا يشركوا به شيئًا؛ فمَن أطاعه في ذلك جازاه أتمّ الجزاء وأحسَنَه، ومَن أبَى وعصاه عذّبه أشدّ العذاب، وأخبر سبحانه وتعالى: أنه غير محتاج إليهم؛ بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم؛ فهو خالِقهم ورازقهم، وهو -جلّ وعلا- لم يَخلُقهم ليستعين بهم، أو ليَقوى بهم، كما يقصد السادة من عبيدهم.

قوله: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ}، هذه القراءة المُجمَع عليها، المتواترة، وقراءة ابن مسعود، تتّفق معها في المعنى، والمعنى: أنّ الله تعالى هو المتكفِّل بأرزاق الخلْق وحاجاتهم.

وأكّد الجملة بـ {إِنَّ}، والضمير: {إِنَّ اللَّهَ}؛ لِقَطْع توهّم مَن يعتمد على قوّته، أو علْمه، أو صنْعته أو غير ذلك من أمور الرزق؛ ليصرف اعتمادهم إلى الله وحْده.

{ذُو الْقُوَّةِ}، أي: القوّة العظيمة التي لا تُضاهَى ولا تُقاس بقوّة، ولا تقاس بقوّة خلْقه مهما بلغت قوّتُهم؛ فهو تعالى على كلِّ شيء قدير، لا يمتنع عليه شيء.

و{الْمَتِين}: الشديد القوّة الذي لا يطرأ عليه عجز أو ضعف –تعالى، وتقدّس- وهذا المرويّ عن ابن عباس، كما ذكَره الطبري.

قال ابن الجوزي: و{الْمَتِين}: شديد القوّة الذي لا تنقطع قوّته، ولا يلحقه في أفعاله مشقّة.

وهذه الآية، ونظائرها تدلّ بوضوح على أنّ الله -تعالى- موصوف بالصِّفات العليا، كما أنه مسمًّى بالأسماء الحسنى؛ فالقوّة صِفته، والرزّاق اسمه -والله أعلم.

وأمّا معنى الحديث، فقال النووي: قال العلماء: معناه أن الله -تعالى- واسع الحِلْم حتى على الكافر الذي يَنسب إليه الولد والنِّدّ.

وقال القاضي عياض: و”الصّبور”، من أسماء الله -تعالى- وهو: الذي لا يُعاجل العصاة بالانتقام، وهو بمعنى: “الحليم”، في أسمائه سبحانه وتعالى و”الحليم”، هو: الصفوح مع القدرة على الانتقام.

وقوله في الحديث: ((ما أحدٌ أصبرَ)): أفعل تفضيل مِن الصّبر.

ومن أسمائه الحسنى: “الصّبور”، ومعناه: الذي لا يُعاجل العصاة بالعقوبة، وهو قريب من معنى “الحليم”، و”الحليم”، أبلغ في السلامة من العقوبة.

وقال الزجاج: أصْل “الصبر”، في الكلام: الحبس، يقال: صبرته على كذا صبرًا إذا حبسْته، ومعنى “الصبر”، و”الصبور”، في اسم الله -تعالى- قريب من معنى الحِلْم.

وقال ابن الأثير: “الصبور”: الذي لا يعاجل العصاة بالانتقام منهم؛ بل يؤخِّر ذلك إلى أجل مسمىً؛ فمعنى “الصبور”، في صفة الله -تعالى- قريب من معنى “الحليم”، إلَّا أنّ الفرْق بين الأمريْن: أنهم لا يأمنون العقوبة في صفة “الصبور”، كما يأمنون منها في صفة “الحليم”؛ لأنّ في معنى “الحليم”، الصفح، يقصد: أنّ صفة “الحِلْم”، أكثر رجاء ورحمة، وأوسع لعبادِه من صفة “الصبور” -والله أعلم.

وصبْر الله -تعالى- لا يماثل صبْرَ المخلوق؛ بل يختلف عنه من وجوه:

منها: أنه عن قُدرة تامّة.

ومنها: أنه لا يخاف الفَوْت والعبد؛ إنما يستعجل لخوف الفوْت.

ومنها: أنه تعالى لا يَلحقه بصبره ألَم، ولا حُزن، ولا نقْص بوجه من الوجوه.

وظهور هذا الاسم الكريم، مشهود في العالَم بالأعيان، كظهور اسمه: “الحليم”.

والفرْق بين “الصبْر”، و”الحِلْم”: أنّ الصّبر ثمرة الحِلْم وموجبه، والحِلْم في صفاته -تعالى- أوسع من الصبر؛ ولهذا جاء في القرآن، في مواضع كثيرة، وجاء مقرونا مع اسمه العليم، بقوله تعالى: { وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا } [الأحزاب: 51]، وقوله تعالى: { وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيم } [النساء: 12].

وأمّا صبْره -تعالى- فمتعلّق بكفْر عباده، وشرْكهم، ومسبّتهم له -تعالى وتقدّس عن ذلك- ومتعلق بسائر معاصيهم وفجورهم؛ فلا يَدعوه ذلك إلى تعجيل عذابهم؛ بل يصبر عليهم ويُمهلهم ويرفق بهم، ويستصلحهم بحِلمه، وصبره، ونِعَمه؛ حتى إذا لم يبقَ فيهم موضع للصنيعة، ولا يصلحون على الإمهال، ولم يُنيبوا إليه لا من باب الإحسان والنِّعم، ولا من باب البلاء والنقم، أخذَهم أخْذَ عزيز مقتدر، بعد غاية الإعذار إليهم، وبذل النصيحة لهم، ودعائهم من كلِّ باب.

وقوله: ((على أذًى سمِعَه))؛ لفظ: “الأذى”، في اللغة: لِما خفّ أمْرُه وضعُف أثرُه مِن الشِّرك والمكروه؛ ذكره الخطابي.

قال شيخ الإسلام: وهو كما قال، بخلاف الضّرر؛ فقد أخبر سبحانه وتعالى: أنّ العباد لا يَضرّونه، كما قال تعالى: {وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً} [آل عمران: 176]، فبيّن: أنّ الخلْق لا يَضُرّونه، لكن يُؤذونه.

فابن آدم يؤذي الله -تعالى- ويسُبّه في إضافة ما يتعالى ويتقدّس عنه، مثْل: نِسبة الولد إليه تعالى، والنّد والشريك في العبادة التي يجب أن تكون خالصة له وحْده، ومثْل: إسناده نِعَمه وأفعاله إلى غيره من الدّهر، والطبيعة، والكوْن، والمخلوقات وغير ذلك، ثم يسبّون ما أسندوا تلك الحوادث إليه؛ ففي “الصحيحيْن”، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالى: يُؤذيني ابن آدم؛ يسُبّ الدّهر وأنا الدّهر، أقلِّب ليلَه ونهارَه)).

قال ابن المنير: وجْه مطابقة الحديث للآية الكريمة: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين}: اشتماله على صفتَيِ الرّزق، والقوّة الدالة على القدرة، أما الرّزق، فواضح من قوله: ((ويرزقهم))، وأما القوةُ، فمن قوله: ((أصبَر))؛ فإن فيه إشارة إلى القوة على الإحسان إليهم مع إساءتهم، بخلاف طبْع البشر، فإنه لا يقدر على الإحسان إلى المسيء إلَّا من جهة تكلّفه ذلك شرعًا، وسبب ذلك: أن خَوْف الفوْت يحمله على المسارعة إلى المكافأة بالعقوبة، والله سبحانه وتعالى قادر على ذلك حالًا ومآلًا، لا يعجزه شيء ولا يفوت.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ثم يُعافيهم ويَرزقهم))، أي: إنه -تعالى- يقابل إساءتهم بالإحسان؛ فهم يُسيئون إليه -تعالى- بالعيب والسب، ودعوة ما يتعالى عنه ويتقدّس، وتكذيب رُسله، ومخالفة أمره، وفعْل ما نهاهم عن فعْله، وهو يُحسن إليهم بصحّة أبدانهم، وشفائهم من أسقامهم، وكلاءتهم بالليل، والنهار ممّا يعرض لهم، ويرزقهم بتسخير ما في السموات والأرض لهم؛ وهذا غاية الصبر، والحِلم، والإحسان -والله أعلم.

2. باب قول الله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا} [الجن: 26]، و{ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } [لقمان: 34]، و{ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } [النساء: 166]، و{وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} [فاطر: 11]، و{ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ }:

أ. حديث ابن عمر:

قال البخاري -رحمه الله: حدثنا خالد بن مخلد، قال: حدثنا سليمان بن بلال، قال: حدثني عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مفاتيح الغيْب خمْسٌ، لا يَعلمها إلَّا الله: لا يَعلم ما تغيض الأرحام إلَّا الله، ولا يَعلم ما في غدٍ إلَّا الله، ولا يَعلم متى يأتي المطرُ أحَدٌ إلَّا الله، ولا تدري نفس بأيِّ أرض تموت إلَّا الله، ولا يَعلم متى تقوم السّاعة إلَّا الله)).

قوله: ((مفاتيح الغيب))، ذكر البخاري هذا الحديث، في: الاستسقاء، بلفظ: ((مِفتاح الغيب))، وفي بعض النسخ: ((مَفاتِح))، وفي تفسير سورة “الأنعام”، وسورة “الرعد”، بلفظ: ((مفاتح))، وفي بعض النسخ: ((مفاتيح)).

و”المفاتح”، جمع مِفتاح -بكسر الميم: اسم الآلة التي يُفتح بها، مثل: منجل ومناجيل، وهي لغة قليلة.

والمشهور: مِفتاح، وجمعه: مفاتيح، وقد قرئ بها.

ويُطلق المفتاح، على ما كان محسوسًا ممّا يَحُلّ غلْقًا كالقفل، وعلى ما كان معنويًّا، كما جاء في الحديث الذي صحّحه ابن حبان: ((إنّ من الناس مفاتيحَ للخير)).

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((مفاتيحُ الغيْب خمْس، لا يعلمُها إلَّا الله))؛ قد بيّن هذه الخمس، بأنها: ما يغيض من الأرحام -أي: ما يَنقص- وما يكون في الغد من الحوادث والأعمال وغيرها، ومجيء المطر، والمكان الذي يموت به الإنسان، ووقت مجيء الساعة.

وعبّر عن هذه الأمور الخمسة، بـ “المفاتيح”؛ لتقريب الأمر من السامع؛ لأنّ كلّ شيء جُعل بينك وبينه حجاب فقد غُيِّب عنك، والتوصل إلى معرفته في العادة من باب الحجاب، فإذا كان المفتاح الذي لا يمكن الوصول إلى ما في داخل الحجاب إلَّا بمعرفته لا يُعلم، فكيف بما في داخل الحجاب؟

ودلّ الحديث على: أنّ هذه الأمور ليست هي الغيْب؛ وإنما هي منه، وأن علْم الغيب من خصائص الله عز وجل وأمّا ما جاء عن الأنبياء من الأخبار ببعض المغيّبات، كإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بما يقع بعده من الفتن، والفتوح على أمّته، وبعض أشراط الساعة، وكإخبار عيسى عليه السلام بما يأكله بنو إسرائيل، وما يدّخرونه في بيوتهم، ونحو ذلك؛ فإن هذا ممّا استثناه الله -تعالى- بقوله: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ} [الجن: 26 ، 28]، وهو من معجزات الرسل التي تدلّ على صدْقهم.

وبهذا وغيره، يتبيّن ضلال فريق من الناس يدّعون علْم الغيب.

وأما أصحاب الدّجل والتمويه، الذين يحتالون على أكل أموال الناس بالباطل، كالذين يزعمون معرفة ما في المستقبل بواسطة النجوم، أو بقراءة الكف، أو الفنجان ونحو ذلك، فهؤلاء لا يخفى ضلالُهم وكذبُهم إلَّا على أجهل الناس.

وأمّا الإخبار عمّا يُسمّى بالطقس في أحوال الجو، من أمطار، أو رياح أو غيوم، أو غير ذلك؛ فهي توقّعات مبنيّة على مقدّمات مستفادة من مراصد الأحوال الجوية، التي تتأثّر بالرطوبة واليبوسة ونحو ذلك؛ ولهذا كثيرًا ما يكون الأمر على خلاف ما قالوا.

وأراد بـ ((الغيْب))، في الحديث المذكور: الغيب الحقيقي؛ إذ لبعض الغيوب علامات، ومقدّمات يُستدل بها على شيء من ذلك، وهذا ليس غيبًا حقيقيًّا؛ فالغيب الحقيقي لا يعلمه إلَّا الله تعالى.

ثم الغيب نوعان:

أحدهما: ما يتعلّق بذات الله -تعالى- وحقائق صفاته.

والثاني: يتعلّق بمخلوقاته.

وهي كلها لديه سبحانه وتعالى معلومة، وقد قال تعالى: {وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين} [الأنعام: 59]؛ فلما كان كلّ شيء محصيًا في كتاب كتبه الله -تعالى- عنده، وعِلْمه محيط وسابق لكلّ شيء، شبّه الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بالمخازن التي لها أبواب، والباب له مفتاح، فإذا كان المفتاح لا يَعلَمه أحدٌ، ولا يصل إليه، فكيف بما وراءه.  وقد قال تعالى: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُوم} [الحِجر: 21].

وحصَر صلى الله عليه وسلم مفاتيح الغيب بالخمس؛ لأنها تشمل العوالِم كلّها؛ فقوله: ((ما تَغيضُ الأرحام))، إشارة إلى ما يزيد في النفوس، وما ينقص منها، وذكَر الأرحام؛ لأن للناس عليه عوائد يعرفونها، وتجارب أدركوها، وقد قُرِّر عليها أحكام شرعية، ومع ذلك لا يعلم حقيقتَها ولا متى تزيد ومتى تنقص إلَّا الله تعالى؛ فغيْرها ممّا هو أخفى أوْلى بأن لا يعلمه الخلْق.

وأشار بقوله: ((ولا يعلم متى يأتي المطرُ أحَدٌ إلَّا الله تعالى))، إلى أمور العالَم العلوي؛ فذكَر منه المطر؛ لأنّ له مقدّمات وعلامات يُستدلّ بها عليه عادة، أجراها الله تعالى، ومع ذلك لا يعلم حقيقة الحال فيه إلَّا الله تعالى، فكيف بما وراء ذلك ممّا في السموات وما بينهما، وما يجدّ هناك من المخلوقات، والحوادث، والأوامر التي يريدها الله تعالى ويأمر بها؟

وأشار بقوله: ((وما تدري نفس بأي أرض تموت))، إلى الحوادث الأرضية، وذكر موضع الموت من الأرض، مع أنّ العادة قد جرت في الغالب أنّ الإنسان يموت في الأرض التي يستقرّ فيها، ومع ذلك لا أحد يتيقّن أنه يموت في مكانه الذي يعيش فيه، ولا يدري أين موضعه الذي يُوارَى فيه.

إذا كان الأمر في هذه الخمس غير معلوم، فكيف بالأمور الأخرى التي لا علامات لها، ولا مقدّمات يُستدل بها عليها؟

وأشار بقوله: ((ولا يَعلم ما في غدٍ إلَّا الله))، إلى أنواع الزمان، وما فيه من الحوادث والتّقلّبات الطارئة، وخَص منه غدًا؛ لأنه أقربُ الأزمنة من المخاطَب؛ فإذا خفي ما فيه فما بَعْده أخفى، وأبعد عن معرفته.

وأشار بقوله: ((ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله))، إلى أمور الآخرة، وذكَر منها يوم القيامة؛ لأنه أوّلها وأقربها إلى الدنيا، ولا يعلم وقت مجيئه إلَّا الله، فما بعْده أوْلى بأن لا يُعلم.

فهذا من أبدعِ الكلام وأبْلغِه؛ فقد حصر فيه جميعَ أنواع الغيوب، وأبطل جميعَ الدعاوى الفاسدة، ويُقصد بالدعاوى الفاسدة: كلّ مَن يَدّعي شيئًا في علْم الغيْب.

وهذا الحديث إيضاح لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ} [لقمان: 34].

ب. حديث عائشة، في نفْي الرُّؤية:

قال البخاري -رحمه الله: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدّثنا سفيان، عن إسماعيل، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها قالت: “مَن حدّثك أنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربّه فقد كذَبَ، وهو يقول: {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ} [الأنعام: 103]، ومَن حدّثك أنه يَعلم الغيب فقد كذَب، وهو يقول: “لا يَعلمُ الغيبَ إلَّا الله”.

كأن سبب هذا القول من عائشة رضي الله عنها: ما أخرجه عبد الرزاق، في هذا الحديث، من طريق مجالد، عن الشعبي، قال: لقي ابن عباس كعبًا، فقال ابن عباس: إنّا بنو هاشم، نقول: إن محمدًا رأى ربّه مرّتيْن، فكبّر كعب، وقال: إن الله قسّم رؤيتَه وكلامه بين موسى ومحمد، فكلّم موسى مرّتيْن، ورآه محمد مرّتيْن، قال مسروق: فدخلت على عائشة، فقلت: هل رأى محمّد ربه؟ فذكر الحديث.

قال النووي: لم تنفِ عائشة وقوع الرؤية بحديث مرفوع، ولو كان معها لذكرته؛ وإنما اعتمدت الاستنباط على ما ذكرتْه من ظاهر الآية، وقد خالَفها غيرها من الصحابة، والصحابي إذا قال قولًا وخالفه غيرُه منهم، لم يكن ذلك حجة اتفاقًا.

والمراد بالإدراك: الإحاطة، وهو لا يُنافي الرؤية، وأرى أن هذا القول من الإمام النووي، يجمع بين صحة الحديثيْن؛ لأننا إذا رجّحنا كلام عائشة، فمعنى ذلك: أن ما صح عن ابن عباس، هو في الحقيقة غير صحيح؛ وهذا مسلك ليس محمودًا؛ لأننا بذلك نكذِّب الأحاديث الصحيحة التي صحّحها العلماء بقواعدهم وبدقّتهم.

وقوله: “وهو يقول: ولا تدركه الأبصار”، استدلّت عائشة رضي الله عنها بظاهر الآية على نفْي الرؤية؛ وقد قال بذلك بعض المفسرين، كما رواه ابن جرير، في سنده عن السدي، قال: لا يراه شيء سبحانه وتعالى وهو يرى الخلائق.

وذكَر ابن كثير، ما رواه ابن أبي حاتم، بسنده إلى إسماعيل بن علية، أنه قال: هذا في الدنيا، وعن هشام بن عبيد الله، نحوه.

وذكر السيوطي: أنّ الحسن قال مثل ذلك، قال: أخرجه أبو الشيخ، والبيهقي، في كتاب: الرؤية، وكل هؤلاء اقتدى بالسيدة عائشة رضي الله عنها في قولها.

وبهذه الآية، تعلّق المعتزلة لنفْي رؤية الله -تعالى- في الآخرة، وجْه ذلك: أنه جعل متعلّق الإدراك البصر، فلمّا نفاه عنه كان ظاهر ذلك نفْي الرؤية.

والحق: ثبوت رؤية المؤمنين لله -تعالى- في الآخرة، كما تواترت النصوص في ذلك.

والجواب عما استدلوا به: أنّ الرؤية ثبتت في آيات أُخَر، كقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة } [القيامة: 22، 23]، وقوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون} [المطفِّفين: 15]، والأخبار بذلك ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل متواترة.

فيتعيّن أنّ المراد بالإدراك المنفي في الآية، هو: الإحاطة؛ وبذلك فسّره ابن عباس رضي الله عنه وغيره من السلف.

وقول السيدة عائشة رضي الله عنها: “ومن حدّثك أنه يعلم الغيب فقد كذب، وهو يقول: ولا يعلم الغيب إلا الله”؛ والضمير في قوله: “أنه يعلم”، يعود على محمد صلى الله عليه وسلم أي: مَن زعَم أنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب فقد كذب؛ لأن علْم الغيب يختص بالله -تعالى- كما قال تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم وآمرًا له أن يقول: {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ } [الأنعام: 50]، والآيات في هذا كثيرة.

وعلْم الغيب من خصائص الله -تعالى- التي بعث رُسله، وأنزل كُتبه لبيانها، ونفى ذلك عمّن سواه سبحانه وتعالى.

وأمّا قوله تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ} ، فهو كقوله تعالى: { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء } [البقرة: 255]؛ فهي تبيِّن: أن الله -تعالى- يُطلع من يشاء من رسله، على ما يشاء من المغيبات؛ وذلك بوحْيه إليهم، وذلك مثْل: إخباره عمّا جرى من الأمم الماضية، وما أصيبوا به من العذاب وغيره، كما قال تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا} [هود: 49]، وكذلك الإخبار عن المستقبل من المعاد، والجنة، والنار التي أطلع الله عليها رسوله، فآمن بها المؤمنون، وعرفوها من كتاب الله -تعالى- ومن سُنّة رسوله صلى الله عليه وسلم إجمالًا.

وأمّا الإحاطة بغير ذلك من المعلومات التي لها كلِّيات وجزئيات، ما كان منها وما يكون، فهذا إلى الله وحده لا يضاف إلى غيره من الخلْق، فَمَن ادّعى شيئًا من ذلك لغير الله -تعالى- فقد أعظم الفرية على الله -تعالى- وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم.

فعلْم الغيب لله وحده، ولا يقال لغيره: “عالم الغيب”، ومن اطّلع على شيء منه بواسطة الوحي أو غيره، قال: أطلعه الله عليه، كالإخبار عن حال البرزخ، والحساب، والجنة والنار، وما أشبه ذلك -والله أعلم.

3. باب: قول الله تعالى: {السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ} [الحشر: 23]:

حديث عبد الله بن مسعود:

قال البخاري -رحمه الله- تعالى: حدثنا أحمد بن يونس، قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا مغيرة، قال: حدثنا شقيق بن سلمة، قال: قال عبد الله: كنا نصلي خلْف النبي صلى الله عليه وسلم فنقول: “السلام على الله”، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله هو السلام؛ ولكن قولوا: التّحيّات لله، والصّلوات والطّيِّبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أن مُحمدًا عبدُه ورسولُه)).

قوله: “فنقول: “السلام على الله”، كأنهم رأوا السلام من قبيل الحمد والشكر، فجوّزوا ثبوتَه لله تعالى، وهو تعالى: “السلام”، والسلام منه بدأ وإليه يعود؛ إذ هو -تعالى- واهب السّلام لعباده، الذي به يَسْلَمون من شرور أنفسهم، ومن شرور أعدائهم من الجن والإنس، وهو -تعالى- السالم من كلِّ ما فيه النقص أو الشيْن؛ فلا يطلب له السلام.

ولهذا قال لهم مُعلِّم الهدى صلى الله عليه وسلم: ((إن الله هو السّلام))، أي: السّالم من أن يلحقه حاجة، أو يناله التغير أو آفة؛ بل هو الكامل في أوصافه العُليا، وأسمائه الحسنى، وهو الغني بذاته عن كلِّ ما سواه.

وهذا الجزء من الحديث، هو محلّ الشاهد الذي سيق من أجْله؛ لأنه يدلّ على: أنّ الله -تعالى- سالم من جميع العيوب والنواقص التي تَلحَق الخلْق، فإذا سمَّى نفسه باسم قد يتسمّى به بعضُ خلْقه، أو وصَف نفسه بصفة قد يتّصف بها بعضُ خلْقه، فالمعاني التي يدلّ عليها اسمه، أو صفته تخصّه -تعالى- لا يشاركه فيها مخلوق، وكلّ نقص في المخلوق، فهو -تعالى- سالم منه ومنزّه عنه؛ فهو السلام المؤمن.

وقوله: ((التّحيّات لله))؛ قال في (اللسان): التحيات لله، معناه: البقاء لله، والسلامة من الآفات كلّها التي تلحق العباد من العناء، وأسباب الفناء.

وكذا قال غيره من أهل اللغة: وجيء بلفظِ الجمع؛ ليدل على أن الله -تعالى- يستحق جميع الكمالات، من: العظمة، والبقاء، والملك، والسلامة، من الآفات والنقص، وغير ذلك.

قال الخطابي: لم يكن في تحيتاهم شيء يصلح به الثناء على الله تعالى؛ فلهذا أُبهمت ألفاظها، واستعمل منها معنى التعظيم، فقال: ((قولوا: التحيات لله))، أي: أنواع التعظيم له.

وقوله: ((لله))، يفيد وجوب الإخلاص له سبحانه وتعالى في العبادة، أي: أنّ ذلك لا يجوز أن يكون لغير الله منه شيء.

و((الصلوات))، أي: جميع العبادات له؛ استحقاقًا بمقتضى العقل وبالشرع، وذلك مثل الركوع والسجود، والقيام والدعاء، وأنواع العبادة وحده لا شريك له في ذلك.

و((الطيبات))، أي: الأعمال الطيبات له -تعالى- يتوسّل بها إليه، وهو -تعالى- لا يقبل إلَّا طيبًا، وما طاب من الكلام وحَسُن أن يثني به على الله دون ما لا يليق بصفاته.

والوصف بالطّيِّب يفيد: خلوص الأعمال من الشرك وشوائبه، وسلامتها من البدع.

وقوله: ((السلام))، هو: اسم لله -تعالى- دالّ على سلامته من كلِّ نقْص وعيْب؛ فيُدعَى الله -تعالى- به؛ ليسلم من ذُكر عليه هذا الاسم الشريف من المكاره والمخاوف.

قوله: ((عليك أيها النبي))، أمرهم أن يُفردوه بالسلام، ويُقدِّموه على أنفسهم؛ لوجوب حقِّه عليهم، ووجوب محبّته التي يجب أن تكون مقدّمة على النسخ وما دونها.

والأحاديث متّفقة على لفظ الخطاب: ((عليك أيها النبي))، وذكْر حرف النداء.

وقد عدل بعض الصحابة بعد وفاته صلى الله عليه وسلم إلى لفظ الغائب، فقالوا: السلام على النبي، كما ذكَره البخاري، في: “الاستئذان”، وأبو عوانة، في (مسنده) وغيرهما.

وقال عبد الرزاق عن ابن جريج، عن عطاء: أنّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يسلّمون، والنبي صلى الله عليه وسلم حي: ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته))، فلما مات، قالوا: “السلام على النبي ورحمة الله وبركاته”، وبهذا السند أيضًا سمعت ابن عباس، وابن الزبير، يقولان في التشهد في الصلاة: “التحيات المباركات لله، الصلوات الطيبات لله، السلام على النبي ورحمة الله وبركاته”.

والأوْلى: اتّباع لفظ الحديث، كما عليه الجمهور من الصحابة ومَن بَعْدهم من أهل العلْم، وكما أنه لا فرْقَ بين الحاضر معه في وقت حياته، وبين من كان غائبًا، فكذلك بعد وفاته؛ فيقول كلّ منهم:

“السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته”، والنداء لطلب استحضار المنادى في القلب، فيخاطبه كأنه شاهد في قلبه، ومثل هذا معروف في كلام العرب وأشعارهم، يخاطِب أحدُهم من يتصوّره في نفسه، وإن لم يكن في الخارج مَن يسمع خطابَه.

وهذه الصيغة، هي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يقولها في تشهدّه، والأمّة تَبَعٌ له، تقول مثل ما كان يقول، كما في (شرح الآثار) للطحاوي، بسنده إلى عبد الله بن جبير، قال: إن تشهّد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يتشهّد به: ((بسم الله، وبالله خير الأسماء، التحيات الطيبات، الصلوات لله، أشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبدُه ورسوله، أرسله بالحق بشيرًا ونذيرًا، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم اغفر لي واهْدني))، وهو أيضًا عند البزار.

قال الحافظ: فإن قيل: لِم عدَل عن الوصف بالرسالة إلى الوصف بالنبوة -((السّلام عليك أيها النبي))- مع أن الوصف بالرسالة أعمّ في حق البشر؟

أجاب بعضهم: بأن الحكمة فيه: أن يجمع له صلى الله عليه وسلم الوصفيْن؛ لأنه وصفَه بالرسالة في آخِر التشهد، وإن كانت الرسالة تستلزم النّبوّة، لكن الجمع بينهما أبلغ؛ ولأنها وُجدت في الخارج مقدّمة على الرسالة في الوحي، كما في قوله تعالى: {الَّذِي خَلَق} [العلق: 1] -والله أعلم.

4. باب: قوله تعالى: {مَلِكِ النَّاس} [الناس: 2]:

حديث أبي هريرة:

 قال البخاري -رحمه الله- في هذا الباب: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد، وهو: ابن المسيّب، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يَقبض الله الأرضَ يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملِك! أين ملوك الأرض؟)).

قوله صلى الله عليه وسلم: ((يَقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه))؛ “القبض” هو: أخْذ الشيء باليد وجمْعه، و”الطّيّ”، هو: ملاقاة الشيء بعضه على بعض، وجمْعه، وهو: قريب من القبض، وهذا من صفات الله -تعالى- الاختيارية، التي تتعلّق بمشيئته وإرادته، وهي ثابتة بآيات كثيرة، وأحاديث صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ممّا يجب الإيمان به؛ لأن ذلك داخل في الإيمان بالله -تعالى- وهو -تعالى- حيّ قيوم، فعّال لما يريد، فَمَن أنكر قيام الأفعال الاختيارية به -تعالى- فإن معنى ذلك: أنه ينكر خلْقه لهذا العالَم المشاهد وغير المشاهَد، وينكر قوله: {الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [فُصِّلَت: 39]؛ فالعقل دالّ على ما جاء به.

وهذا القبْض، والطّيّ من هذه الأفعال؛ فالعقل دلّ على ما جاء به الشرع، وما صرّح به في هذا الحديث من القبض، والطيّ قد جَاءَ صريحًا أيضًا في كتاب الله، كما قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون} [الزُّمَر: 67].

والأحاديث، والآثار عن السلف في صريح الآيات، والحديث المذكور في الباب، كثيرة وظاهرة جليّة، لا تحتمل تأويلًا، ولا تحتاج إلى تفسير؛ ولهذا صار تأويلها تحريفًا.

وقوله: ((ثم يقول: أنا الملِك، أين ملوك الأرض؟))، أي: إنه -تعالى- ينفرد بالمُلْك؛ فهو الملِك حقًّا، الذي لا منازع له، ولا معاون ولا ظهير، ولا شريك.

 وفي ذلك اليوم، عندما يقبض الأرض بيده، ويطوي السموات بيمينه، ويصبح كل شيء في قبضته، يُنادى الذين كانوا ينازعونه في الدنيا مُلكَه، ويتعدّون على سلطانه، من المتكبِّرين والمتجبِّرين من ملوك الدنيا، وقد انفرد مالِك المُلك الواحد القهار، ذو السلطان، وهو متفرد به في كلِّ آن، غير أنه في ذلك اليوم ينكشف جليًّا، فيناديهم بما يتضمّن توبيخَهم وتهديدهم: ((أين ملوك الدنيا؟))، فهل يستطيعون منعًا أو ردًّا، وهل لديهم قوة، أو حيلة، أو فداء؟ لقد ذهب منهم كلّ شيء، وبقي التبعات والذّلّ والحسرات.

قال بعض شراح البخاري: قوله: {مَلِكِ النَّاس} ، داخل في معنى: ((التّحيّاتُ لله))، أي: الملك لله؛ وكأنه صلى الله عليه وسلم أمَرهم بأن يقولوا: ((التّحيّاتُ لله))؛ امتثالًا لأمْر ربه: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس * مَلِكِ النَّاس} [الناس: 1، 2].

قال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر لي: أنه أشار بهذه الترجمة إلى ما قاله شيخُه نعيم بن حماد: يقال للجهمية: أخبرونا عن قول الله -تعالى- بعد فناء خلْقه: {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر: 16]، فلم يُجِبْه أحَد، فيردّ على نفسه: {لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار} [غافر: 16]، وذلك بعد انقطاع ألفاظ خَلْقه بموْتهم! أفهذا مخلوق؟

قال بعض العلماء: يظهر لي: أنّ مراده بهذا الباب -كالباب الذي قبله: أنّ هذا الاسم الكريم: ((الْمَلِك))، من أسمائه الحسنى، وقد أُطلِق على بعض خلْقه، ولم يكن في ذلك تشبيه؛ إذ المعنى الذي يختصّ به الله -تعالى- لا يُشاركه فيه أحَد من خلْقه، وهو مالِك الملْك، وله الملك التّام المطلق، وهو الذي يهب للمخلوق المُلك مع أنّ ملْك المخلوق ناقص يناسب نقصَه، قال تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [آل عمران: 26].

وأمّا التوفيق بين الحديث والترجمة فظاهر، وهو: أنّ الناس الذين يوجد منهم الملوك والجبابرة، والذين يذل لهم ويخضع بعض العباد، وقد يصرفون لهم ما هو خالص حقّ الله -تعالى- من العبادة، هؤلاء ملْك له، تحت قهْره، آخذ بنواصيهم، يتصرّف فيهم كيف يشاء، ويظهر ذلك جليًّا لكل أحَد يوم يقبض الله الأرض، ويطوي السموات بيمينه، ويقول: ((أنا الملِك! أين ملوك الأرض؟))؛ فيُعرف قدْرُهم وقدْرُ مُلكِهم الذي أورثهم الذّلّ والصّغار -والله أعلم.

باب: قوله تعالى: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم}:

حديث ابن عباس:

قال البخاري: باب قول الله تعالى: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم}. {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون} [الصافات: 180]، و{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ} [المنافقون: 8]، ومَن حلف بعزّة الله وصفاته.

ثم قال: حدثنا أبو معمر، قال: حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا حسين المعلّم، قال: حدثني عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عباس، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((أعوذ بعزّتك، الذي لا إله إلَّا أنت، الذي لا يموت، والجنّ والإنس يموتون)).

قوله: “أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول”، يدلّ على: أنه سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم مِرارًا؛ لِما يفهم من لفظة: “كان”.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أعوذ بعزّتِك))؛ “العوْذ”، هو: الالتجاء والاعتصام، وحقيقته: الهرب من المخُوف إلى المُجير العاصم؛ فالعائذ بالله -تعالى- قد هرب ممّا يخافه ويُؤذيه أو يهلكه، إلى ربِّه ومالِكه العزيز الذي لا يغالَب، يُعزّ من يشاء ويُذل من يشاء، ويُجير من اهتمّ به.

فالاستعاذة، هي: الالتجاء إلى الله، والاحتماء بجنابه، من شرّ كلِّ ذي شر، والعوْذ يكون لدفْع الشر، واللّوذ يكون لطلب الخير، كما قال بعض الشعراء:

يا مَن ألوذُ به فيما أؤمِّلُهُ

*ويا مَن أعوذ به فيما أحاذِره

و”عزّة” الله تعالى: صِفته، كما تقدّم؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أعلم الخلْق بالله وأتقاهم له، يتعوّذ بصفاته تعالى؛ لأنّ ذلك من عبادة الله؛ بل هو مِن أفضلها؛ امتثالًا لقوله تعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]، ومثل الاستعاذة بصفات الله تعالى، الحَلِف بها.

وقوله: ((الذي لا إله إلَّا أنت))، أي: أنت الإله الحق الذي تجب عبادته على عباده، وكلّ تألّه لغيره فهو ضلال يوجب الشقاء الأبديّ والخلود في النار؛ فلذلك لا أتوجه بتألّه إلَّا إليك يا ربّ؛ فلا إله لي غيرك، فبك أعوذ، وإليك ألوذُ.

((الذي لا يموت))، أي: فأنت يا إلهي الحيّ القيوم الذي لا تأخذه سِنة ولا نوم، لا مبدأ لوجودك، ولا منتهى لبقائك، وأنت الغني بذاتك عن كل ما سواك، والخلْق كلّهم فقراء إليك، وكانوا عدمًا قبل إيجادك إيّاهم، وهم عرضة للأمراض والآفات والتغيرات والفناء، وأنت يا رب الباقي وحْدَك، والخلْق كلّهم يموتون، فلا ربّ سواك يتصرّف بالخلْق كيف يشاء، ويُغيِّر ولا يتغيّر.

وقوله: ((والجن والإنس يموتون))؛ المقصود بذكْر الجنّ والإنس: جنس الخلْق، والمعنى: أنّ الخلْق كلَّهم يموتون، ولا يبقَى إلَّا الحيّ القيّوم، كما قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَام} [الرحمن: 26، 27]، وسُمِّيت الجنّ جنًّا؛ لاستتارهم عن أعين الناس، من الاجتنان، كما قال تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27]، وأما الإنس فسُمّوا بذلك؛ لأن بعضهم يأنَس ببعض غالبًا، أو لأنهم يُروْن ويُؤنسون، أي: يُحسّ بهم ويُشاهَدون.

وذكْر الجن، والإنس لا يَنفي عن الملائكة الموت؛ لأن هذا خاص قُصِد به الجنّ، والإنس، أو على ما تقدم ذكْر الجنس، والمقصود: عموم الخلْق.

وقد جاء ما يدلّ على هلاك عموم الخلق، كقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88]، فقيل: إن الملائكة يدخلون في الجن؛ لاجتنانهم واستتارهم عن أعين الناس -والله أعلم.

ب. حديث أنس: ((يُلقى في النار…)):

قال البخاري: حدثنا ابن أبي الأسود، قال: حدثنا حرمي، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يُلقى في النار))، ثم حوّل الإسناد، فقال البخاري: وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدّثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس. ثم حول الإسناد مرة أخرى فقال: وعن المعتمر: سمعت أبي، عن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يزال يُلقَى فيها، وتقول: “هل مِن مزيد؟”، حتى يضَع فيها ربّ العالمين قدَمَه، فينزوي بعضها إلى بعض، ثم تقول: “قدْ! قدْ! بعزّتك وكرمك”، ولا تزال الجنة تفضل حتى يُنشئ الله خلْقًا فيُسكنهم فضلَ الجنة)).

قوله: ((لا يزال يُلقَى فيها))، الضمير ((فيها))، يعود إلى جنهم، والمعنى: أنه يستمرّ إلقاؤه من يستحق النار فيها، وهي تطلب الزيادة منهم، قال الله تعالى: {يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيد} [ق: 30]، قال ابن كثير: يخبر الله تعالى أنه يقول لجهنم: {هَلِ امْتَلأْتِ}؛ وذلك أنه وعَدها أن يملأها من الجِنّة والناس أجمعين، فهو سبحانه يأمُر بمن يأمر به إليها، ويُلقى فيها، وهي تقول: “هل من مزيد؟”، أي: هل بقي شيء تزيدني؛ هذا هو الظاهر من سياق الآية، وعليه تدلّ الأحاديث، ويقصد بالأحاديث: مثل هذا الحديث، فإنّ ظاهره: أنّ الاستفهام لِطلب الزيادة؛ وهو الصحيح الذي يدلّ عليه ظاهر القرآن، والأحاديث الصحيحة.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((حتى يضع فيها ربُّ العالمين قدَمه))، وفيه رواية: ((حتى يضع ربُّ العزّة فيها قدَمه))؛ هذه الرواية هي المناسبة لهذا الباب، ولكنّ البخاري، اكتفى بالإشارة إليها -على عادته- في هذا الحديث الذي معنا، وفي رواية أبي هريرة: ((يقال لجهنم: “هل امتلأت؟”، وتقول: “هل من مزيد؟”)).

قوله صلى الله عليه وسلم: ((حتى يضع فيها ربّ العالمين قدَمَه))، وفي رواية: ((حتى يضع فيها قدَمَه فتمتلِئ))، وفي أخرى: ((حتى يضَع رجْله، فتقول: “قَط! قَط!))؛ وهذه الروايات كلّها في البخاري، واتّفق معه مسلم عليها.

وعند الدارقطني، في: (الصّفات): ((فأمّا النار، فيُلقَى فيها، وتقول: “هل من مزيد؟” -ثلاث مرات- حتى يأتيَها -تبارك وتعالى- فيضَع قدَمه عليها، فتنزوي، وتقول: قدني! قدني!))، وفي رواية: ((لا تزال جنهم يُلقى فيها، وتقول: “هل من مزيد؟”، حتى يضع الجبار -تبارك وتعالى- فيها قدَمه؛ فهناك تنزوي)). وأخرج حديث أنس هذا أبو نعيم، في (المستخرج)، بلفظ: ((حتى يضَع الله فيها قدمَه)).

ففي مجموع هذه الروايات: البيان الواضح، بأنّ “القَدَم”، و”الرِّجْل” -وكلاهما عبارة عن شيء واحد- صفة لله -تعالى- على ما يليق بعظَمته، أي: صفة إلهيّة لا يشركه فيها أحد، {فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، وقال تعالى: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَر * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا} [المدَّثر: 30، 31]، وقوله تعالى: {لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين} [هود: 119]، لا يخالف هذه الآية، كما أنه لا يخالف قولَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يَضَعُ الجبّار فيها قَدَمه)).

وإذا كانت جهنم لا تضرّ الخزَنة الذين يدخلونها ويقومون عليها، فكيف يُستنكر وضْعُ ربّ العالمين عليها قدمَه بهذه الصفة الإلهية؟ وقد صوّرت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنّ للنار كلامًا، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((تحاجّت الجنة والنار، فقالت الجنّة: “ما لي لا يدخلني إلَّا الضعفاء؟ وقالت النار: ما لي يدخلني الجبّارون والمتكبّرون؟))، أخرجاه في “الصحيحيْن”.

وفي (مسند الإِمام أحمد)، بسند فيه عطيّة العُوفي -وهو ضعيف- عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يَخرج عنق من النار يتكلّم، فيقول: وُكِلتُ اليوم بثلاثة: بكلِّ جبّار، وبِمَن جعَل مع الله إلهًا آخَر، وبمَن قتَل نفْسًا بغير نفس، فينطوي عليهم، فيقذفهم في غمرات جهنم)).

وفيه أيضًا من طريق ابن لهيعة، وفيه كلام معروف عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يَخرج عنق من النار، فينطوي عليهم، ويتغيّظ عليهم، ويقول ذلك العنق: وُكلت بثلاثة: وُكلتُ بمن دعا مع الله إلهًا آخَر، ووُكلت بمن لا يؤمن بيوم الحساب، ووُكلت بكل جبار عنيد، فتنطوي عليهم، وتطرحُهم في غمرات جهنم)).

وقد ذكر ابن رجب أحاديث بهذا المعنى، وقد: ((صَحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنّ حجرًا كان يُسلِّم عليه))، كما صحّ: أنّ الصحابة كانوا يسمعون تسبيح الطعام، وهم يأكلونه، و((من المشهور: حنين الجذع الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب عليه حين ترَكَه))، فكيف يُستنكر كلامُ جنهم؟

قوله: ((فينزوي بعضُها إلى بعض))، أي: يلتئِم بعضها على بعض، وتتضايق على مَن فيها؛ فلا يبقي فيها متّسع لغير مَن فيها.

وقوله: ((وتقول -أي: جنهم: قدْ! قدْ!)) -بفتح القاف، وسكون الدال- وفي رواية: ((قط! قط!))؛ وهو: اسم فعْل، ومعناه: “حسبي، وكسبي، وكفاني ما أُلقي فيّ! فلا مُتّسع لغيرهم”، أي: “قد امتلأت”.

وقوله: ((بعزّتك وكرَمك))، هذا محلّ الشاهد من الحديث، لِما ترجم به، وهو: قسَم من النار بعزّة الله وكرمِه أنها قد امتلأت، وأصبحت ليس فيها متّسع، وقد تكرّر عند المسلمين أن القَسم بغير الله لا يجوز.

وقوله: ((لا يزال يُلقى فيها وتقول))؛ هذا القول من جهنم؛ فالله -تعالى- يُنطقها كما يُنطق الجوارح وغيرها؛ والله على كل شيء قدير، وأمور الآخرة أعظمها على خلاف ما يَعرفه الناس في الدنيا.

والقسَم بأسماء الله وصفاته قسَمٌ به تعالى.

والمقصود: أن الله تعالى مُتّصف بالصفات، فأراد أن يُبيِّن ذلك بما ثبت منها في كتاب الله -تعالى- ومنها: العزّة، وبالأحاديث التي تبيّن ذلك وتوضِّحه.

قال الحافظ: يؤخذ منه: مشروعية الحلِف بكرَم الله، كما شرع الحلِف بعزة الله.

وقوله: ((ولا تزال الجنّة تفضل، حتى يُنشئ الله لها خلقًا فيُسكنهم فضل الجنة))، أي: إنّ أهل الجنة الذين يدخلونها ينتهون، وفيها فضْل مساكن لم يُصبْها أحد؛ لِعِظم سعتِها.

قال تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ} [عمران: 133]، وقال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ} [الحديد: 21].

وقد وعد الله -تعالى- الجنة والنار أن يملأهما من الجِنّة والناس وممّا يشاء، فأمّا النار فإن الله -تعالى- لا يُدخل فيها إلَّا مَن يستحقّها؛ ولا يظلم ربك أحدًا، ولِسعتِها أيضًا ينتهي أهلها دخولًا فيها مع كثرتهم، وهي تطلب الزيادة، وتسأل الله وعْده؛ فعند ذلك يضَع عليها قدَمه فتتضايق على أهلها، وينزوي بعضها إلى بعض، أي: تجتمع فتصبح ليس فيها موضع لأحد، فيحصل بذلك ملؤها.

أمّا الجنة، فإن الله -تعالى- يخلق لها خَلْقًا جديدًا فيُسكنهم فضْلها، أي: المساكن التي فضلت عمّن دخَلها؛ وذلك فضل الله يُؤتيه من يشاء، لا رادّ لِفضْله ولا مانع لعطائه.

error: النص محمي !!