Top
Image Alt

شرح باب: ما جاء في دعاء التأمين, وباب: قوله تعالى: { قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ }

  /  شرح باب: ما جاء في دعاء التأمين, وباب: قوله تعالى: { قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ }

شرح باب: ما جاء في دعاء التأمين, وباب: قوله تعالى: { قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ }

. شرح باب: ما جاء في دعاء التأمين:

وهذه الأحاديث من كتاب “التوحيد” من (صحيح البخاري)، باب: ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أمّته إلى توحيد الله -تبارك تعالى.

أ. حديث ابن عباس:

قال البخاري -رحمه الله- في هذا الباب: وحدثني عبد الله بن أبي الأسود، حدثنا الفضل بن العلاء، حدثنا إسماعيل بن أميّة، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي، أنه سمع أبا معبد مولى ابن عباس يقول: سمعت ابنَ عباس، يقول: ((لمّا بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى نحو أهل اليمن، قال له: إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب؛ فلْيَكنْ أوّل ما تدعوهم إلى أن يوحِّدوا الله تعالى، فإذا عرفوا ذلك، فأخبِرْهم أنّ الله فرض عليهم خمْس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا صلَّوْا، فأخبرْهم أنّ الله افترض عليهم زكاةَ أموالهم، تُؤخَذ من أغنيائهم فتُرَدُّ على فقيرهم، فإذا أقرّوا بذلك، فخُذ منهم، وتوقَّ كرائمَ أموال الناس)).

قال الحافظ ابن حجر: كان بَعْثُ معاذٍ إلى اليمن سنةَ عشر قبل حجة الوادع، وعند أهل المغازي: أنّ ذلك في ربيع الآخر، سَنَة “ست”، والصحيح: ما قاله الحافظ، وقد أشار البخاري -رحمه الله- إلى ذلك بقوله: باب: بعث أبي موسى، ومعاذ إلى اليمن قبل حجّة الوداع، كان ذلك في أواخر سنة (تسع)، عند مُنصرَفِه صلى الله عليه وسلم من تبوك؛ رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن مالك.

حكى ابن سعد: أنه كان في ربيع الآخر، سنة “عشر” -والله أعلم.

وقوله: ((إنك تَقدم على قوم من أهل الكتاب))، “القوم”: الجماعة من الرجال، والنساء، أو من الرجال خاصة، وتدخل النساء على التّبعيّة. و((أهل الكتاب))، هم: اليهود، والنصارى، والمقصود هنا: اليهود. والمقصود بـ ((الكتاب)): الجنس، والمراد: التوراة والإنجيل.

وسُمِّي اليهود، والنصارى: “أهل كتاب”؛ لأنّ الله تعالى أنزل عليهم التوراة، والإنجيلَ، فيهما أوامر الله ونواهيه؛ ليعملوا بهما، وهدًى من الله ونور، يخرجهم من الظلمات إلى النور.

قال الله تعالى: {وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيل * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ} [آل عمران: 3، 4]، فتوارثوه جيلًا عن جيل، ثم إنهم حرّفوا وغيّروا فيه، وزادوا ونقصوا؛ فاختلط حقّه بباطلهم، ثم نسَخه الله تعالى بالقرآن الذي أنزله على خاتم الرّسل صلى الله عليه وسلم.

قال الحافظ: قوله: ((إنك تقدم…)) إلخ، فالتوطئة للوصيّة لِيستجمع همّته عليها، لكون أهل الكتاب أهل علْم في الجملة، فلا تكون مخاطبتهم كمخاطبة أهل الجهل من عَبَدة الأوثان، ولا يدلّ على: أنّ كلّ مَن يَقدم عليهم من أهل الكتاب؛ بل أغلبهم من عَبَدة الأوثان -كما هو معلوم.

وقوله: ((فلْيكنْ أوّل ما تدعوهم إلى أن يوحِّدوا الله تعالى))، “اللام”، للأمر، وإذا اقترنت بـ “الفاء”، أو “الواو”، فهي ساكنة في الغالب الأكثر، وقوله: ((إلى أن يُوحِّدوا الله تعالى))، ذكَره في: الزكاة، بلفظ: ((ادْعُهُم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأنِّي رسولُ الله))، وفي رواية: ((فليكنْ أوّل ما تدعوهم إليه: عبادة الله، فإذا عرفوا الله، فأخبرْهم…)) إلخ.

وفي أخرى: ((فإذا جئتَهم، فادْعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله))، وفي رواية لمسلم: ((فلْيكن أوّل ما تدعوهم إليه: عبادة الله عز وجل فإذا عرفوا الله، فأخبرهم))، وهذه الروايات متّفقة في المعنى؛ فمعنى: ((شهادة أن لا إله إلا الله)): توحيد الله بالعبادة، والبُعد عن عبادة ما سواه؛ وهذا هو الكفر بالطاغوت، والإيمانُ بالله، الذي قال الله -تعالى- فيه: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 265]، و”الطاغوت”: كلّ ما عُبد من دون الله، كما قال مالك -رحمه الله- سواء كان من البشَر، أو من الحجر، أو الشجر، أو الحيوان؛ والكفر به: الابتعاد عن عبادته.

والإيمان بالله -تعالى- هو: إفراده بالعبادة التي تتضمّن غاية الحب ومنتهاه، مع غاية الذل وأقصاه، والانقياد لأمْره والتسليم له، وهذا هو حقيقة: ((شهادة أن لا إله إلا الله))، كما قال صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس: ((آمُركم بالإيمان بالله وحْده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟))، قالو: الله ورسوله أعلم، قال: ((شهادة أن لا إله إلا الله…)) إلخ.

وقال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [محمد: 19].

أخذ البخاري -رحمه الله- من هذه الآية: وجوبَ العلْم قبل العمل، فقال: “باب العلْم قبل القول والعمل؛ لقول الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ}؛ فالعلْم بمعنى هذه الشهادة التي لا بدّ لكلِّ داخل في دين الإسلام أن يشهد بها، هو: الإيمان المطلوب من العباد، وهو: معرفة حقّ الله على عباده الذي لا يجوز الإخلال بشيء منه، وإلَّا استحق عذابَه.

وأما معنى: “شهادة أن محمدًا رسول الله”، فهو: العلم اليقيني بأنه رسول من الله، كلّفه بإبلاغ العباد أوامر الله ونواهيه، وطاعته في كلّ ما أمر به، واجتناب ما نهاهم عنه، وأن لا يُعبَد الله إلَّا بما جاء به، وأنّ كلّ من سلَك طريقًا غير سُنَّته فمصيره إلى النار، وأنه بلّغ العباد ما أُرسل به، وبيّن لهم دينَهم أتمّ بيان، وأنه عبدُ الله أكرمه بالرسالة، وليس له من العبادة شيء؛ بل العبادة كلها لله تعالى.

وهاتان الشهادات متلازمتان، لا تُقبل إحداهما دون الأخرى؛ فمن شهد أن لا إله إلَّا الله، ولم يُشرك به شيئًا، ولم يشهد أن محمدًا رسول الله، فهو كافر بالله وخالد في النار، وإن جاء بعبادة أهل الأرض.

قال النووي -رحمه الله: واتّفق أهل السُّنة من المحدِّثين، والفقهاء، والمتكلِّمين، على: أن المؤمن الذي يُحكم بأنه من أهل القبلة ولا يُخلد في النار، لا يكون إلَّا من اعتقد بقلبه دين الإسلام، اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك، ونطَق مع ذلك بالشهادتيْن، فإن اقتصر على إحداهما، لم يكن من أهل القبلة أصلًا؛ بل يخلد في النار، إلَّا أن يعجز عن النطق لِخلل في لسانه، وهذه الشهادة أيضًا تتضمّن الإيمان بأسماء الله وصفاته؛ لأن ذلك من عبادة الله التي تَعبّد الخلْق بها.

وهذا الحديث، دليل ظاهر على: أنّ التوحيد -الذي هو إخلاص العبادة لله وحْده، والبُعد عن عبادة ما سواه، والإيمان بأسمائه وصفاته كما جاءت في وحْيه إلى رسله- هو أوّل واجب على العباد.

وفي الحديث:

  • أنه يجب على إمام المسلمين بعْثُ الدّعاة إلى توحيد الله تعالى، وتعليم الناس شرائع الإسلام، وأمْرهم بالتزامها، وجباية الزكاة ودفْعها إلى مستحقِّيها الذين ذكَرهم الله -تعالى- بقوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60].
  • أن الإنسان لا يصير مسلمًا إلَّا إذا وحّد الله -تعالى- بالعبادة، بأن لا يقصد بعبادته غيرَ الله أحدًا؛ بل تكون عبادته كلّها لله وحْده؛ وهذا هو معنى: ((شهادة أن لا إله إلا الله)).

وأمّا معنى “شهادة أنّ محمدًا رسول الله”، هو: أن يعبد الله بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والإيمان بأن الله أوحى إليه أوامرَه ونواهيه، وكلّفه إبلاغ الثقليْن ذلك.

  • أنّ أي تعبّد يَتعبّد به العبدُ، غيرُ مُعتبَر ولا مُعتدٍّ به دون التوحيد.
  • أنّ أخْذ خيارِ المال في الزكاة، ظُلْم يجب اجتنابُه.

فدلّ هذا الحديث، على: أنّ أوّل ما يجب على العبد؛ عبادةُ ربه -تعالى- بامتثال أوامره واجتناب ما نهى عنه، وأنّ المقصود من الدّعوة: وصول العباد إلى ما خُلقوا له؛ من عبادة الله وحده لا شريك له -والله أعلم.

ب. حديث معاذ، في حقّ العباد على الله:

قال البخاري -رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا غندر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي حصين، والأشعث بن سليم، سمعا الأسود بن هلال عن معاذ بن جبل، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا معاذ! أتدري ما حقّ الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئًا، أتدري ما حقّهم عليه؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يُعذِّبهم)).

جاء الحديث بصيغة الاستفهام؛ ليكون أوقعَ في النفس، وأبلغ في التعليم؛ لأنّ الإنسان إذا سُئِلَ عن شيء لا يعلمه ثم أُخبر به بعد الامتحان بالسؤال، صار ذلك أدعى لفهْمه وحفْظه، وهذا من حُسن تَعليمه وإرشاده صلى الله عليه وسلم وهذا الأسلوب ورَد عنه صلى الله عليه وسلم كثيرًا.

و”الحق”: كلّ موجود متحقّق، أو ما سيوجد لا محالة.

ويقال للكلام الصِّدق: “حق”؛ لأن وقوعه متحقّق لا تردّد فيه، ولأنه مطابق للواقع، وكذا المستحق على الغير، إذا كان لا تردّد فيه، فهو: حق.

والمراد هنا: ما يستحق الله -تعالى- على عباده ممّا جعله متحتّمًا عليهم، وألزمهم إيّاه بخطابه؛ فحقُّه تعالى على عباده: أن يعبدوه مخلصين له العبادة، ممتثلين ما أمَرهم به، وأوجبه عليه -وأعظمُه: التوحيد- ومُجتنبين ما نهاهم عنه، وحرّمَه عليهم -وأعظَمُه: الشِّرْك. فإذا فعلوا ذلك، فحقّهم عليه: أن يغفر لهم، ولا يعذِّبهم، وأن يدخلهم الجنة، وقد وعدَهم ذلك، ووعْده حقّ لا يُخلف.

وقول معاذ رضي الله عنه: “الله ورسوله أعلم”، يؤخذُ منه: حُسن الأدب في التّعلّم، وأنه لا ينبغي لمن سُئل عمّا لا يعلمه، أن يتكلّف الجواب بدون يقين، ولكن يكِل العلْم إلى عالِمه.

وذكَر يعقوب بن سفيان، بإسناده عن ربيعة، قال: قال ابن خلدة: “إذا جاءك الرجل يسأل، فلا يكن همُّك أن تُخرجه ممّا وقع فيه، ولْيكن همّك أن تتخلّص ممّا سألك عنه”.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أن يعبدوه ولا يُشركوا بي شيئًا))؛ المراد بـ “العبادة”: فعْل الطاعات، واجتناب المعاصي.

و”العبادة”، في اللغة: الذّلّ والخضوع، وأمّا العبادة الشرعية: فقد قال ابن تيمية: “العبادة: اسم جامع لكلِّ ما يُحبّه الله ويرضاه، من الأقوال، والأعمال الباطنة، والظاهرة”.

وعطف على العبادة: عدَم الشّرك؛ لأن العبادة لا تنفع عند الله، ولا تُعتبر إلَّا إذا كانت خالصة من الشرك، والمشركون كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيرَه؛ ولهذا اشترط نفْي الشرك، والجملة حالية، والتقدير: يعبدونه في حال عدم الإشراك به.

قال ابن حبان: عبادة الله: إقرار باللسان، وتصديق بالقلب، وعمل بالجوارح؛ ولهذا قال في الجواب: ((فما حقّ العباد إذا فعلوا ذلك؟))، فعبّر بالفعل، ولم يُعبِّرْ بالقول.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أتدري ما حقّهم عليه؟))، فسّره بقوله: ((أن لا يعذِّبَهم))، وفي رواية أخرى: ((أن لا يعذِّب مَن لا يشرك به شيئًا))، والتقدير: أن لا يعذِّب مَن يَعبده ولا يشرك به شيئًا؛ لأنّ عدم الشرك مع عدم العبادة لا ينفع؛ وهذا معلوم من نصوص الشرع.

قال الحافظ: اقتصر على نفْي الشرك؛ لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء، ويستدعي إثباتَ الرسالة باللزوم؛ إذ مَن كذّب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كذّب الله تعالى، ومَن كذّب الله تعالى فهو مشرك، أو هو مثل قول القائل: “مَن توضّأ صحّتْ صلاتُه”، أي: مع سائر الشروط؛ فالمراد: من مات حال كونه مؤمنًا بجميع ما يجب الإيمان به، فحقّه هو كذا.

و((حقّ العباد على الله))، هو: مِن فضْله وكرَمِه، وليس استحقاق عِوَض وجزاء، كما تقول المعتزلة.

ومن قال: للمخلوق على الله حق، فهو صحيح كظاهر هذا الحديث، إذا أراد به الحق الذي أخبر الله بوقوعه؛ فإن الله لا يُخلف الميعاد، وهو الذي أوجبه على نفْسه بحِكمته وفضْله ورحمته؛ وهذا القول هو الحق الذي دلّت عليه نصوص الكتاب والسُّنة.

والمقصود من الحديث هنا: بيان أنّ حقّ الله على عباده، هو: عبادته الخالصة من الشرك، وهي: طاعته بفعْل ما أمَر به، واجتناب ما نهَى عنه، فلا يخالف ما جاء عن الله، أو جاء عن رسوله؛ لِغرض، أو منفعة عاجلة أو آجلة وغير ذلك.

ومن ذلك -يعني: حقّ الله على عباده: اتّباع ما وصَف الله به نفسَه، أو وصَفه به رسولُه، من غير تحريف ولا إلحاد فيه؛ ولهذا ترجم على هذا الحديث، في كتاب: الرّقاق، بقوله: باب مَن جاهد نفْسَه في طاعة الله عز وجل ومراده: أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد بيّن ما يجب لله على عبادِه؛ من عبادته باتّباع أمْره، واجتناب نهْيه، وعبادته بأسمائه وصفاته، وتنزيهه عن مشابهة المخلوق، وما يستحقّه من فعْل ذلك -والله أعلم.

جـ. حديث عائشة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلًا على سريّة)):

قال البخاري -رحمه الله: حدثنا محمد، قال: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثنا عمرو، عن ابن أبي هلال: أن أبا الرجال محمد بن عبد الرحمن حدّثه، عن أمّه -عمرة بنت عبد الرحمن- وكانت في حِجر عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن عائشة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلًا على سريّة))، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته، فيختم بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} [الإخلاص: 1]، فلما رجعوا، ((ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: سَلوه لأي شيء يصنع ذلك؟))، فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أخبِروه أنّ الله يُحبّه)).

قول عائشة رضي الله عنها: ((بعث رجلًا على سَريّة))، هذا غير الرجل المتقدّم ذكْره في باب: الجمع بين السورتيْن في ركعة واحدة؛ للفروق الواضحة بين القصتيْن.

و”السريّة”: قطعة من الجيش، وسمِّيَتْ: “سَريَة”؛ لأنها تَسري ليلًا في خفْية؛ لئلَّا يَعلم الأعداء فيحذروا ويمتنعوا.

وقوله: “فيختم بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد}”، قال ابن دقيق العيد: يدلّ على أنه كان يقرأ بغيرها، والظاهر: أنه كان يقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد}، مع غيرها في ركعةٍ واحدةٍ، ويختم بها في تلك الركعة، وإن كان اللفظ يحتمل أن يكون يختم بها في آخِر ركعة يقرأ فيها السورة.

وقوله: “لأنها صفة الرحمن”، قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يراد: أن فيها ذكْر صفة الرحمن، يريد بيان وجْه تخصيص الصحابي لها بما ذكر أنها خالصة لذكْر وصف الرحمن -تعالى وتقدس.

قال ابن التين: إنما قال: “لأنها صفة الرحمن”؛ لأن فيها أسماءَه، وأسماؤه مشتقّة من صفاته.

وقال غيره: يحتمل أنّ الصحابي قال ذلك؛ مستندًا إلى شيء سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم إمّا بالنص، أو بالاستنباط.

وروى البيهقي، في (الأسماء والصفات)، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن اليهود أتوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: صِف لنا ربّك! فأنزل الله عز وجل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} إلى آخِرها، فقال: ((هذه صفة ربي عز وجل)).

وفي الحديث: حجّة لِمَن أثبت أنّ لله صفات؛ وهو قول الجمهور.

وشذ ابن حزم، فقال: هذه لفظة اصطلح عليها أهل الكلام من المعتزلة ومَن تَبِعهم، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه، فإن اعترضوا بحديث الباب، فهو من أفراد سعيد بن أبي هلال، وفيه ضعف، وعلى تقدير صحته، فـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد}، صفة الرحمن كما في هذا الحديث، ولا يُزاد عليه، بخلاف الصفات التي يطلقونها، فإنها في لغة العرب لا تُطلق إلا على جوهر، أو عَرَض.

و”سعيد”: متفق على الاحتجاج به؛ فلا يُلتفت إلى تضعيف ابن حزم، وكلامه الأخير مردود باتفاق الجميع على إثبات الأسماء الحسنى، قال تعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]، وقال تعالى: {لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} [طه: 8]، والأسماء المذكورة فيها صفات؛ ففي إثبات أسمائه إثباتُ صفاته سبحانه وتعالى.

وقوله: ((أخبِروه أن الله يُحبّه))؛ قد يكون سبب محبّة الله له: محبّته لهذه السورة، أو لمحبّته ذكْر صفات الرب عز وجل وحُسن فهمه وعقيدته، أو لمجموع الأمريْن؛ وهو الأوْلى.

وفيه: ثبوت محبّة الله تعالى لأهل طاعته من عباده؛ فلذلك صار إنكاره ضلالًا بيِّنًا، ومحبّته -تبارك وتعالى- لعبده المؤمن شيء فوق إنعامه وإحسانه، وعطائه وإثابته، فإنّ هذا أثر المحبّة ومُوجبها، أمّا هي فأعظم من ذلك وأشرف، وهي التي يتسابق إليها أنبياؤه، وملائكته، وأولياؤه، وعباده الصالحون، وكم في كتاب الله، وسُنّة رسوله من نص صريح، بأنه يُحبّ عباده المؤمنين ويحبّونه، كقوله تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31].

 وقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين} [البقرة: 222]. وقوله تعالى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين} [آل عمران: 76]. وقوله تعالى: {وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين} [آل عمران: 134]. وقوله تعالى: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين} [آل عمران: 159].

والآيات في هذا كثيرة.

وأمّا الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تنصّ على أنّ الله يحبّ عبادَه المؤمنين، فإحصاؤها عسير، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((لأُعطِيَنَّ الراية غدًا رجلًا يُحبّه الله ورسولُه، ويُحبّ اللهَ ورسولَه))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يُحبّ العبد التّقيّ، والغنيَّ الخفِيَّ)).

وقد علم المؤمنون: أنّ محبة العباد لربِّهم، هي حياة القلوب، ونعيم الروح؛ بل هي أعلى نعيم في الدنيا والآخرة، وهي فوق كلِّ محبة تفترض، ولا نسبة لسائر المحابِّ إليها، وهي حقيقة: “لا إله إلا الله”، وبتمامها وكمالها تتفاوت منازل العباد عند الله في الدنيا، والآخرة، يعني: لا يبقى في القلب موضع لغير محبة الله تعالى.

وفي “الصحيحيْن”، مرفوعًا: ((ثلاث مَن كُنَّ فيه وجَد بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكونَ اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحبّ المرءَ لا يُحبّه إلَّا لله، وأن يَكره أن يعود في الكفر بعد؛ إذ أنقذه الله منه كما يَكره أن يُقذف في النار)).

ومعنى: {أَحَد} [الإخلاص: 4]، و”صمد”: الصّمديّة تُثبت الكمال المنافي لكل نقص وعيب، والأحديّة تُثبت الانفراد بذلك الكمال؛ فهي تدلّ على أنه تعالى: {أَحَد}، ليس من جنس شيء من المخلوقات، وأنه “صمَد”، ليس من مادة؛ بل هو صَمد: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد} [الإخلاص: 3]، وإذا نُفي عنه أن يكون مولودًا من مادة الوالد، فلأن يُنفى عنه أن يكون من سائر المواد أوْلى وأحرى؛ فإن المولود من نظير مادّته أكمل من المولود من مادة أخرى؛ فقوله تعالى: {أَحَد}، مع قوله: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَد} [الإخلاص: 4]، ينفي المماثلة والمشاركة.

وقوله تعالى: {الصَّمَد} [الإخلاص: 2]، يتضمّن إثبات جميع صفات الكمال، فالنقائص منتفية عن الله تعالى، وكلّ ما يختص به المخلوق فهو من النقائص التي تنزّه ربّنا -جل وعلا- عنها، والمعني الصحيح، الذي هو: نفي المثل، والشريك، والنِّد قد دل عليه قوله سبحانه وتعالى: {وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَد}، وقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد} [الإخلاص: 1]، وقوله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65]، وأمثال ذلك.

فالمعاني الصحيحة لصفات الله نفْيًا وإثباتًا، ثابتة بالكتاب، والسُّنّة، والعقل يدل على ذلك.

ودلّ الحديث، على استحباب قراءة الآيات التي تشتمل على صفات الله تعالى، خلافًا للمبتدعة الذين يكرهون قراءة آيات الصفات عند العامة.

وفيه: تصريح بأن الله تعالى يُحبّ ذلك، ويحبّ مَن يُحبّه سبحانه وتعالى.

2. باب: قول الله تعالى: {قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ}[الإسراء: 110]:

أ. حديث جرير بن عبد الله:

قال البخاري -رحمه الله- تعالى: حدثنا محمد، قال: أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهب وأبي ضبيان، عن جرير بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يَرحم الله مَن لا يرحم الناس)).

قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يَرحم اللهُ من لا يرحم الناس))، وفي رواية لمسلم: ((من لا يرحم الناس لا يرحمه الله))، وعند الطبراني: ((مَن لا يرحم من في الأرض لا يرحمه من في السماء))، ورُواته ثقات.

ولأبي داود، والترمذي، والحاكم: ((ارحموا من في الأرض، يرحمْكم من في السماء))، وفي الطبراني: ((من لا يرحمِ المسلمين لم يرحمْه الله))، ومعنى هذه الروايات واحد.

ففي هذه الأحاديث، دليل على أنّ الرحمة صفة تقوم بمن يشاء الله من عباده الذين يريد -جل وعلا- رحمتَهم، وتتخلّف عن الأشقياء الذين لا يرحمهم الله تعالى.

وقد روى البخاري، في (الأدب المفرد)، من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تُنزع الرحمة إلَّا مِن شقِيّ))، وقد عُلم من دِين الرسل، وكُتب الله تعالى: أن الله مُتّصف بالرحمة.

وقد قال الله تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون} [يونس: 58]، فعطف الرحمة على الفضل يدلّ على المغايرة، وفضل الله تعالى، الذي هو: الثواب والجزاء، مخلوق، ليس من صفات الله تعالى القائمة به، وفي هذا ردّ على مَن يقول: إن الرحمة هي الفضل.

وإذا كان الإجماع حاصل بين الأمّة بأن الله -تبارك وتعالى- ليس كمثله شيء في ذاته المقدّسة، فيجب أن تكون صفاتُه ليست كصفات خلْقه؛ لأن الصفة تتبع الموصوف، فصفات الله تعالى من الرحمة، والرضا، والغضب وغير ذلك، تليق بعظمته وتناسبه، وصِفة المخلوق من ذلك وغيره، تليق بضعفه وعجزه وفقْره، وإن من الضلال والبعد عن كتاب الله، وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم وسبيل المؤمنين حقًّا: نفْي صفات الله تعالى وتعطيله منها؛ اعتلالًا بأنها تُفيد التشبيه؛ لأن المخلوق يوصف بتلك الصفات، وهل هذا إلَّا مثل من يقول: أنا لا أُقِرّ بوجود الله تعالى؛ لأن المخلوق موجود.

وقد تقدّمت الإشارة إلى: أن مجرد الاشتراك في الإسم أو في المعاني العامّة لا يقتضي تشبيهًا، فمجرّد الاشتراك في صفة الرحمة عند الله تعالى وعندنا، لا يقتضي هذا تشبيهًا؛ فهذه صفة الله عز وجل وهذه صفة المخلوقين، وفرق كبير؛ بل لا فرْق؛ فهذه غير تلك.

ب. حديث أسامة بن زيد:

قال البخاري -رحمه الله: حدثنا أبو النعمان، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة بن زيد، قال: ((كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ جاءه رسول إحدى بناته، تَدعوه إلى ابنها في الموت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارجِعْ، فأخْبِرْها أنّ لله ما أخَذ وله ما أعطى، وكلُّ شيء عنده بأجل مسمّى، فمُرها فلْتصْبر! ولْتحتسب! فأعادت إليه الرسول أنها أقسمت لتأتينّها، فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقام معه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، فدفع الصبي إليه ونفْسُه تَقَعْقَع كأنها في شنّ، ففاضت عيناه، فقال له سعد: يا رسول الله ما هذا؟ قال: هذه رحمة جعَلها الله في قلوب عباده؛ وإنما يرحم الله من عباده الرحماء!)).

قوله: ((إحدى بناته))، قال الحافظ: هي زينب، كما جاء في (مصنف ابن أبي شيبة)، وهو يشير إلى ما رواه ابن أبي شيبة بالسّند المذكور هنا، قال: ((دمعتْ عينُ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أُتِي بابنة زينب ونفْسها تقعقع كأنها في شنّ، قال: فبكى، قال: فقال له رجل: تبكي وقد نَهْيَت عن البكاء؟))، فذكَر بقيّة الحديث كما ذكَر البخاري هنا.

ثم قال الحافظ: وجدْتُ في (الأنساب) للبَلَاذُرِي: ((أنّ عبد الله بن عثمان بن عفان من رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم لمّا مات وضَعَه النبي صلى الله عليه وسلم في حِجره، وقال: إنّما يرحم الله من عباده الرحماء)).

وفي (مسند البزار)، عن أبي هريرة، قال: ((ثقل ابن لفاطمة، فبعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم))، فذكَر نحو الحديث المذكور هنا.

فعلى هذا؛ فالابن، هو: محسن بن علي بن أبي طالب.

وقد اتّفق أهل العلْم من الأخبار: أنه مات صغيرًا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فهذا أوْلى أن يُفسّر به “الابن”، لكن الصّواب: أن المرسِلة، هي: زينب، وأن الولد صبيّة، كما ثبت في (مسند أحمد) بالسند المذكور، ولفظه: ((أُتِي النبي صلى الله عليه وسلم بأُمامة بنت زينب، ونفْسها تَقَعْقَع كأنها في شنّ))، وذكَر بقية الحديث.

ومثْله في (معجم الطبراني)، وقد شفاها الله تعالى، فعاشت زمنًا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتزوّجها عليّ بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة، وقُتل رضي الله عنه وهي عنده رضي الله عنهم.

قوله: ((إن لله ما أخَذ، وله ما أعطى))؛ قال النووي -رحمه الله: هذا أحسن ما يُعزَّى به، ثم قال: وهذا الحديث من أعظم قواعد الإسلام؛ لاشتماله على مهمّات كثيرة من أصول الدين وفروعه، والآداب، والصّبر على النوازل كلّها والهموم والأسقام وغير ذلك.

معنى قوله: ((إن لله ما أخَذ)): أنّ العالَم كلّه مِلك لله تعالى، فلم يأخذ ما هو لكم؛ بل أخَذ ما هو له عندكم في معنى العارية.

ومعنى: ((وله ما أعطى)): أنّ ما وهَبَه لكم ليس خارجًا عن ملْكه؛ بل له يفعل فيه ما يشاء، وكلّ شيء عنده بأجلٍ مسمىً؛ فلا تجزعوا، فإنّ مَن قُبض قد انقضى أجلُه المسمَّى، فمحال تأخّره أو تقدّمه عنه، فاعلموا ذلك واصبروا، واحتسبوا ما نزل بكم!

وقوله: ((وكلُّ شيء عنده بأجلٍ مُسمىً))، من فقْد محبوب، أو حصول مرغوب، وتصرّف في هذا الكون الذي هو بأسْره ملْك لله، يفعل فيه ما يريد.

و”الأجلُ المسمّى”: هو المقدّر بوقت معيّن لا يتأخّر عنه ولا يتقدّم.

وفي هذه الجملة من الحديث، دليل واضح على أنّ الله تعالى قدَر كلَّ شيء وكَتَبه، وعلِم وقْتَه وحالَه، وأنّ الحوادث كلّها تقع على تقدير دقيق لا تتأخّر عن ذلك لحظة ولا تتقدّم، وهذا أصْل عظيم من أصول الدِّين الإسلامي، يجب أن يُعلم، والإيمان به من أركان الدِّين، والأدلة عليه من الكتاب، والسُّنة كثيرة.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((فلْتصبِرْ ولْتحتسِبْ!))، “الصبر”: حبْس النّفْس عن الجزع والتسخّط، وحبس الجوارح عما نهى عنه الشرع مِن شقِّ الثياب، وخمْش الوجوه ولطْمها، والكلام الذي ينافي التسليم لرب العالمين، وما أشبه ذلك ممّا يدلّ على تسخُّط الأقدار، والاعتراض على القضاء الذي قضاه الله قبْل وجود الخلْق.

و”الاحتساب”، هو: نيّة طلب الثواب من الله على الإيمان بالقَدَر، والتّسليم لأمر الله تعالى، والإيمان بوعْد الله تعالى، فإنّه وعَد على الصبر والجزاء.

قال ابن القيم -رحمه الله: حقيقة الصبر: أنه خُلُق فاضل من أخلاق النّفْس، يمتنع به من فعْل ما لا يَحسُن ولا يَجمُل.

وقوله: ((فأعادت إليه الرسول أنها أقسمت لتأتينّها))، جاء في بعض الروايات: أنها راجعته ثلاث مرّات؛ وإنما ذهب إليها بعد الثالثة.

وإلحاح ابنته صلى الله عليه وسلم لِمَا علمَتْ من أنّ حضور النبي صلى الله عليه وسلم فيه الخير والبركة، وأنه يُتوقّع أن يَرفع الله ببركة دعائه وحضوره ما هي فيه وابنتُها من ألمٍ وتوجّع، وقد حقق الله تعالى أمَلها ورغْبَتها، فشفى مريضها.

ولا يُعترض بهذا، على أنّ القدَر لا بدّ من وقوعه، فكيف يتخلّف من أجل الدعاء أو غيره؟ فإن الله تعالى جعل لكل شيء سببًا، ورتّب المسبّبات على أسبابها؛ فقدّر أنّ هذا الشيء يقع في وقت معيّن؛ فهو تعالى قدّر في هذا: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدْعو، ويُنسِئ الأجل لذلك إذا لم يكن قدّر موْت المدعوّ له، وهو -جلّ وعلا- يبتلي خلْقَه بالمصائب؛ تأديبًا لهم، وتكفيرًا لذنوبهم، رحمةً منه بهم.

وقوله: ((ونفْسه تَقَعْقع كأنها في شَنّ))؛ “القعقعة”: صوت الشيء اليابس الجافّ الخفيف إذا حُرِّق، يعني بذلك: صوت نفَسه عند صعوده ونزوله في صدره من شدة الألم.

و”الشَّنّ” -بفتح الشين، وتشديد النون: القِربة الخَلِقة اليابسة.

وقوله: ((ففاضت عيناه))، أي: ذرفَتْ عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدّموع؛ رحمةً لهذا الضعيف، وتوجّعًا لِما نزل به من الألم الشديد.

فقال سعد: “يا رسول الله ما هذا؟”؛ كان صلى الله عليه وسلم ينهَى عن البكاء على الميِّت، فظنّ سعد رضي الله عنه وغيره أنّ النهي يدخل فيه دمعُ العين وحُزنُ القلب، فبيّن لهم النبي صلى الله عليه وسلم أنّ النهي عنه، هو: التّسخط من المقدور، ودعْوى الجاهلية من العويل، والنّوْح، وتعداد محاسن الميِّت، وما أشبه ذلك مِن لطْم الوجه، وشقٍّ ونحوه، ممّا يدلّ على السّخط من الواقع، وعلى عدم الصبر، وأمّا دمْع العين، وحُزن القلب فهو من الرحمة للضعفاء، التي هي سبب رحمة أرحم الراحمين -جل وعلا.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((هذه رحمةُ جعَلها الله في قلوب عباده))، أي: الدمع الذي رأيتَه، من أثر الرحمة التي جعلها الله تعالى في قلوب عباده الذين أراد تعالى رحمتهم؛ لأن الجزاء من جنس العمل، والإضافة هنا خاصة، أي: الذين عبدوه باتّباع أمْره، واجتناب نهْيه.

قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما يرحم الله من عباده الرّحماء))، أي: رحمة الله تعالى للمحسنين إلى عباده برحمتهم.

و((الرّحماء)): من صيَغ المبالغة؛ ولهذا قال بعض الشراح: المعنى: أن الله تعالى لا يَرحم من عباده إلَّا كثير الرحمة؛ فـ ((الرّحماء)): جمْع رحيم، وهو مِن صِيَغ المبالغة.

قلت: هذا الحصر لا ينبغي، وإن كان التركيب في الحديث يُفيده، ولكن فيما يظهر فيه -والله أعلم- أنه غير مقصود؛ للأدلّة على أنّ رحمة الله وسِعَت كلّ شيء؛ وإنما المقصود هنا: رحمة خاصّة بمَن هذه صفتهم.

وهذا القَدْر من الحديث، هو محلّ الشاهد الذي سيق الحديث مِن أجْله، مع قوله: ((هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده))، وذلك أنّ القَدْر المشترك بين أسماء الله تعالى وصفاته، وبين أسماء المخلوقِين وصفاتهم في اللّفظ والمعنى لا يقتضي المشابهة؛ لأنّ أسماء الله تعالى حَسنى لا يَلحقها نقص ولا عيب، بخلاف أسماء المخلوقين -وإن كان منها الحَسن- فليست بحُسنى.

ولأنّ الصفات تابعة للموصوف، وكذلك الأسماء؛ فـ “الرحمن”، اسمه تعالى، والرحمة صفته، والمخلوق يتّصف بالرحمة التي يَرحم بها، وهي تابعة له في الخلْق والمعنى؛ فهي مخلوقة فيه لأنه مخلوق، وصفاته مخلوقة، وهو ضعيف فقير محتاج، صفاته تناسبه في ذلك، مع أنه يُسمّى: “رحيم”، و”راحم”، والله تعالى موصوف بالرحمة، ويسمّى: “رحيم”، ولا يكون في ذلك تشبيه؛ لأن المخلوق اسمه وصفته يختصّ به، والله تعالى اسمه وصفته يختص به؛ فرحمة الله صفة له عُليا، صفة كمال، وسالمة مِن كلِّ نقْص، أو عيب يمكن أن يَلحق المخلوق، فليست رحمته -تعالى- عن ضعف أو عجز؛ بل عن كمال فضْله وإحسانِه.

ورحمة المخلوق، هي: رِقّة القلب التي تحمل على الميْل إلى المرحوم؛ وهذه رحمة المخلوق وصِفتُه، وأمّا رب العالمين، فليس كمثله شيء في ذاته وصفاته؛ فليست رحمته -تعالى- من جنْس رحمة خلْقه -جل وعلا- وكل العقلاء يُدركون آثارَ رحمة الله -تعالى- في الخلْق، كما يُدركون آثار ربوبيّته أو أعظم، وهذا من أظهر الأشياء وأوضحها.

ومعلوم: أنّ الأسماء التي تَسمّى الرب -تعالى- بها -وهي كلّها حُسنى- لها معانٍ يُستدلّ بها عليها؛ لأنها مشتقة من تلك المعاني، وهذه المعاني، هي: الصفات، وليست أسماءه -تعالى- مجرّد أعلام؛ فـ “الرحمن”، يدل على الرحمة، و”العليم”، يدل على العلْم، و”الحكيم”، يدلّ على الحِكمة، وهكذا جميع أسمائه تعالى.

error: النص محمي !!