Top
Image Alt

شرح باب: وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول، وباب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم، ووجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن

  /  شرح باب: وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول، وباب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم، ووجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن

شرح باب: وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول، وباب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم، ووجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن

باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول:

لا زلنا مع أحاديث من (صحيح الإمام مسلم بن الحجاج) في كتاب الإمارة وفي باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول.

قال الإمام مسلم -رحمه الله-: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن فرات القزاز عن أبي حازم، قال: قاعدت أبا هريرة رضي الله عنه خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء تكثر، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فُوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم)).

ثم قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو الأحوص ووكيع، ثم حول الإسناد، فقال: وحدثني أبو سعيد الأشجُّ، قال: حدثنا وكيع، ثم حول الإسناد، فقال: وحدثنا أبو كريب وابن نمير، قالا: حدثنا أبو معاوية، ثم حول الإسناد، فقال: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، وعلي بن خشرم، قالا: أخبرنا عيسى بن يونس كلهم عن الأعمش، ثم حول الإسناد قال: وحدثنا عثمان بن أبي شيبة واللفظ له، قال: حدثنا جرير عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنه ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله، كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم)).

ثم قال الإمام مسلم: حدثنا زهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، قال إسحاق: أخبرنا، وقال زهير: حدثنا، جرير عن الأعمش عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، قال: دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة، والناس مجتمعون عليه، فأتيتهم فجلست إليه، فقال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا منزلًا فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره، إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعة، فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خيرِ ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمهُ لهم، وإن أمتكم هذه جُعِلَ عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاءٌ وأمورٌ تنكرونها، وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة فلتأته منيته، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يدِهِ، وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر)) فدنوت منه فقلت له: أنشدك الله، أأنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه، وقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي، فقلت له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ونقتل أنفسنا والله يقول: {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوَاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوَاْ أَنْفُسَكُمْ إِنّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} قال: فسكت ساعة، ثم قال: أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله.

لا بد للناس من إمام يجمعهم ويراعي مصالحهم، وينصف المظلوم من الظالم، وللإمام حقوق على رعيته، وللرعية حقوق على إمامهم، وقد أجمعت النصوص على وجوب التزام الرعية بواجباتها نحو الإمام، سبق بعضها، وسيأتي الكثير منها في الباب التالي، أما حقوقها على راعيها فتكاد النصوص تجمع على نصح الإمام، وطلب الحقوق منه بالحسنى، وعدم اللجوء معه إلى القوة خوف الفتنة إلا إذا رأى الرعية في راعيها كفرًا صريحًا واضحًا لا يقبل التأويل.

قوله: ((كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء)) أي تتولى أمورهم الأنبياء، كما يتولى الحكام أمور الرعية، وقيل: المعنى أنهم كانوا إذا ظهر فيهم فساد بعث الله لهم نبيًّا يقيم لهم أمرهم بينهم، ويزيل ما غيروا من أحكام التوراة، والأول أظهر في هذا المقام. يقال: ساس الناس يسوسهم سياسة: تولى رياستهم وقيادتهم.

((وأنه لا نبي بعدي)) أي فيفعل ما كان أولئك يفعلون، ((وستكون خلفاء فتكثر)) وفي رواية البخاري: ((وسيكون خلفاء)) أي بعدي، وتذكير الفعل وتأنيثه جائزان مع الفاعل إذا كان جمع تكسير، قال النووي: قوله: “فتكثر” بالثاء من الكثرة، هذا هو الصواب المعروف، قال القاضي عياض: وضبطه بعضهم فتكبر بالباء كأنه من إكبار قبيح أفعالهم وهذا تصحيف، وفي رواية للبخاري: “فيكثرون” وضبط أيضًا “فيكبرون” بالباء، وهو تصحيف.

قالوا: “فما تأمرنا؟” أي فما تأمرنا أن نفعل إذا وقع ذلك؟ وفي الرواية الثانية: “كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟” قال: ((فوا ببيعة الأول فالأول))، “فُوا” فعل أمر من الوفاء، والمعنى أنه إذا بُويِعَ لخليفةُ بعد خليفة فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة، وسيأتي تفصيل ذلك، ((وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم)) أي أطيعوهم وعاشروهم بالسمع والطاعة هذا حقهم عليكم، أما حقكم عليهم فمحاسبهم عليه هو الله تعالى، وهو سائلٌ كلَّ راعٍ عما استرعاه.

وفي الرواية الثانية: ((تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم)) أي الحق الذي لكم عندهم، أي أدُّوا للأمراء الحق الذي وجب لهم عليكم، سواء ما يخصهم من السمع والطاعة لهم، أو ما يعمهم والرعية والإسلام من بذل المال الواجب في الزكاة وغيرها، وبذل النفس في الخروج إلى الجهاد المتعين، ونحو ذلك. أما حقكم عليهم إن حُرِمْتُمُوه فسلوا الله تعالى أن يلهمهم إنصافكم، أو يبدلكم خيرًا منهم.

وفي الرواية الثالثة: ((وليأتِ إلى الناس الذي يحبُّ أن يؤتى إليه)) أي يفعل مع الناس مع يحب أن يفعلوه معه ((عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به لا بما يعاملونك به)).

وقوله في الرواية: عن عبد الله هو ابن مسعود، وقوله: دخلت المسجد، أي الحرام بمكة، والناس مجتمعون عليه يطلبون العلم منه فمنا من يصلح خباءه، الخباء بيت من وبر أو شعر أو صوف، يكون على عمودين أو ثلاثة وجمعه أخبية، وأصله “أخبأة” خففت الهمزة، والمقصود هنا من إصلاحه إقامته في المكان الذي نزلوا فيه، ومِنَّا من ينتضل، أي يرمي بالنشاب ويتدرب على الرمي والإصابة؛ تمهيدًا للمعركة أو استعدادًا لما قد يكون منها، وهو من المناضلة. يقال: نضله بفتح الضاد ينضله بضمها إذا سبقه وغلبه في الرماية، ومنا من هو في “جَشَرِهِ” بفتح الجيم والشين وهو الدواب التي ترعى وتبيت مكانها، يقال: “جشر الدواب” أخرجها للرعي قريبًا من البيوت، الصلاة جامعة بنصب الصلاة على الإغراء، وجامعة على الحال.

وتجيء فتنة فيرقق بعضها بعضًا، قال النووي: لفظة “فيرقق” رويت على أوجه:

أحدها: “يُرَقِّقُ” بضم الياء وفتح الراء وبقافين، أولهما مشددة مكسورة أي يصير بعضها رقيقًا، أي تأتي الفتنة ثم الأعظم منها فتصير كل واحدة ما قبلها رقيقة خفيفة بالنسبة لما بعدها، وقيل: يدور بعضها في بعض، ويذهب ويجيء، وقيل: يشبه بعضها بعضًا، وقيل: معناه يسوق بعضها إلى بعض السوءَ والشر.

والوجه الثاني الذي رويت به اللفظة: “فَيَرْفُقُ” بفتح الياء وإسكان الراء بعدها فاء مضمومة أي فيصاحب بعضها بعضًا؛ فيصير رفيقًا له.

والوجه الثالث: “فَيَدْفِقُ” بفتح الياء وإسكان الدال وكسر الفاء وضمها، “فَيَدْفِقُ” و”يَدْفُقُ” والدفق الدفع والصب.

وقوله: ((وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي)) من شدة ما يرى من أهوالها، ثم تنكشف دون أن يهلك، ((وتجيء الفتنة أكبر وأشد من الأولى فيقول المؤمن: هذه هذه)) الإشارة خبر لمبتدأ محذوف تقديره المهلكة حقًّا هذه لا غيرها، والإشارة ثانية تأكيد للأولى، ((فمن أحب أن يزحزح عن النار)) ببناء الفعل “يُزَحْزَحُ” للمجهول وكذا يدخل الجنة: ((فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)) أي أن النجاة من الفتن إنما يكون بتحكيم الإيمان وشرائعه وأن يضع الإنسان نفسه في مكان الآخرين وأن يفعل معهم ما يحب أن يفعلوه معه.

((ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع)) كانت المبايعة بوضع اليد في اليد، ثم بذكر المبايع، يقال: ((أعطاه صفقة يده)) أي أعطاه عهده، ومعنى: ((فليطعه إن استطاع)) أي ما وجد إلى طاعته قدرةً وسبيلًا.

قال: ((فإن جاء آخر ينازعه)) أي ينازع الإمام الذي أخذ البيعة أولًا ((فاضربوا عنق الآخر)) أي ادفعوا الثاني، فإنه خارج على الإمام، فإن لم يندفع إلا بالحرب والقتال فقاتلوه، فإن دعت المقاتلة إلى قتله جاز قتله ولا ضمان؛ لأنه ظالم متعدٍّ في قتاله.

وقوله: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا… إلى آخره، المقصود بهذا الكلام أن هذا القائل لما سمع كلام عبد الله بن عمرو بن العاص في تحريم منازعة الخليفة الأول، وأن الثاني يقتل اعتقد أن هذا الوصف في معاوية لمنازعته عليًّا رضي الله عنه وكانت قد سبقت بيعة علي، فرأى أن الأموال التي ينفقها معاوية على الجنود وغيرهم من الأتباع في حرب عليٍّ ومنازعته، ومقاتلته إياه، من قبيل أكل المال بالباطل، ورأى أن دفع معاوية جنوده لقتال جنود عليٍّ، من قبيل قتل النفس؛ لأنه قتال بغير وجه حق، فكأنه يقول لعبد الله بن عمرو: أنت تأمر بشيء وتحذر من شيء، وابن عمك لا يعمل بما تأمر ولا يحذر ما تحذر، قال: فسكت ساعة، أي فترة من الزمن يفكر بما يجيبه، والأمر يحتاج جوابًا سياسيًّا يرضي الله ولا يعرض نفسه لسخط معاوية، قال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله.

أطعه همزة قطع، واعصه همزة وصل، ولم يُجِبْ عبد الله رضي الله عنه عن الاعتراض، وإنما ترك تطبيق القاعدة الشرعية للرجل، إذ اعتراض الرجل أن ما يفعله معاوية فتنة ومعصية، وقد بوب النووي لهذه الأحاديث بباب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول، أخذًا من قوله في الرواية الأولى: ((فوا ببيعة الأول فالأول)).

والأحاديث في هذه الأبواب متداخلة، والأمر بطاعة أولي الأمر قدرٌ مشترك بين جميعها؛ لهذا سنجمع بعض الأبواب الآتية التي وضعها النووي، سنجمعها في باب واحد، فيما بعد هذا الباب -إن شاء الله تعالى.

ويؤخذ من الأحاديث من قوله في الرواية الأولى: ((كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء)) إشارة إلى أنه لا بد للرعية من قائم بأمورها يحملها على الطريق الحسنة، وينصف المظلوم من الظالم، ومن قوله: ((كلما هلك نبي)) جواز قول: هلك فلان إذا مات، وقد كثرت الأحاديث به، وجاء في القرآن الكريم: {حَتّىَ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولاً} [غافر: 34].

ويؤخذ من قوله: ((ستكون خلفاء فتكثر)) معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكذا في قوله صلى الله عليه وسلم: ((ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها)).

قال الحافظ ابن حجر: في الحديث تقديم أمر الدين على أمر الدنيا؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بتوفية حقِّ السلطان؛ لما فيه من إعلاء كلمة الدين وكف الفتنة والشر، وأخر أمر المطالبة بحق الفرد، وعدم المطالبة بالحق لا يسقطه، فقد وعد الله أنه يُخَلِّصُهُ ويوفيه إياه ولو في الدار الآخرة، ومن قوله في نهاية الرواية الثالثة: “أطعه في طاعة الله واعصه في معصية الله” دليل لوجوب طاعة الذين يتولون الإمامة بالقهر من غير إجماع ولا عهد.

باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم ووجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن:

وننتقل إلى أبواب فرقها الإمام النووي ونجمعها في باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستئثارهم ووجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال، وتحريم الخروج من الطاعة، ومفارقة الجماعة، وحكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع، والحكم إذا بويع لخليفتين، ووجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع، وترك قتالهم ما صلوا، وخيار الأئمة وشرارهم. وتحت هذا الباب أحاديث نقف عند بعض عباراتها.

قال الإمام مسلم -رحمه الله تعالى-: حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك عن أسيد بن حضير: ((أن رجلًا من الأنصار خلا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألا تستعملني كما استعملت فلانًا؟ فقال: إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)).

ثم قال الإمام مسلم: حدثنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال: ((سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقَّنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله فأعرض عنه ثم سأله في الثانية أو في الثالثة، فجذبه الأشعث بن قيس، وقال: اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم)).

ثم قال الإمام مسلم: حدثني محمد بن المثنى قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي، أنه سمع أبا إدريس الخولاني يقول: ((سمعت حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر؛ مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر، فقلت: هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاةٌ على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها، فقلت: يا رسول الله، صفهم لنا؟ قال: نعم، قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم، فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك)).

ثم قال الإمام مسلم -رحمه الله-: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عاصم، وهو ابن محمد بن زيد عن زيد بن محمد عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحَرَّةِ ما كان زمن يزيد بن معاوية، فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة؟ فقال: إني لم آتكَ لأجلس؛ أتيتك لأحدثك حديثًا: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)).

ثم قال الإمام مسلم: حدثني أبو بكر بن نافع ومحمد بن بشار، قال ابن نافع: حدثنا غُندَر، وقال ابن بشار: حدثنا محمد بن جعفر، قالا: حدثنا شعبة عن زياد بن علاقة قال: سمعت عرفجة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنه ستكون هَنَاتٌ وهَنَاتٌ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع؛ فاضربوه بالسيف كائنًا من كان)).

ثم قال الإمام مسلم-رحمه الله تعالى-: وحدثني وهب بن بقية الواسطي قال: حدثنا خالد بن عبد الله عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)).

قال: وحدثنا هداب بن خالد الأسدي قال: حدثنا همام بن يحيى قال: حدثنا قتادة عن الحسن عن ضَبَّةَ بن مِحْصَنٍ عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف بَرِئَ، ومن أنكر سَلِمَ، ولكن من رَضِيَ وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صَلّوْا)).

ثم قال الإمام مسلم: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: أخبرنا عيسى بن يونس، قال: حدثنا الأوزاعي عن يزيد بن يزيد بن جابر عن رزيق بن حيان عن مسلم بن قرظة، عن عوف بن مالكٍ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدًا من طاعة)).

هذه الأحاديث جميعها تدور حول معنى واحد، وهو ما ينبغي أن تكون عليه علاقة الحاكمين بالمحكومين، وعلاقة المحكومين بالحاكم.

وقوله في الرواية الأولى: “ألا تستعملني؟” أي: ألا تصيرني عاملًا لك على الصدقات، أو على القضاء أو الولاية على بلد، و”ألا” بفتح الهمزة للعرض والتحضيض، وهو الطلب برفق، ((قال: إنكم ستلقون بعدي أثرة)) بفتح الهمزة والثاء، ويقال: بضم الهمزة، وإسكان الثاء “أُثرة” وبكسر الهمزة وإسكان الثاء “إِثرة”، ثلاث لغات، وهي الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا، أي اسمعوا وأطيعوا واصبروا، وإن اختص جماعة غيركم بالولايات وبالدنيا، والخطاب في إنكم للأنصاري، أي إنكم معشر الأنصار ستلقون من غيركم بعدي أثرة: قال: “أرأيت إن قامت علينا أمراء” أرأيت بمعنى أخبرني وقوله: “يسألون حقهم ويمنعون حقنا” كان حقه أن يقول يسألوننا ويمنعوننا، ولكنه حذف نون الأفعال الخمسة؛ تخفيفًا على لغة.

“فأعرض عنه” أي عن جوابه، إما لأن الأمر لا يعنيه؛ لأنه لن يدركه، والسؤال عما لا يعني من الحكمة الإعراض عنه، وإما لأن الظروف غير مناسبة لمثل هذا السؤال.

قال: فجذبه الأشعث بن قيس، وقال: “اسمعوا وأطيعوا” الأشعث كان من ملوك كِنْدَة، وجذبه ليمنعه من تكرار السؤال مع الإعراض، والقائل: “اسمعوا وأطيعوا” هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دفع ملحق الرواية هذا الإيهام ولفظه: فجذبه الأشعث بن قيس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اسمعوا وأطيعوا)).

وقوله: “إنا كنا في جاهليةٍ وشرٍّ” يشير إلى ما كان قبل الإسلام من الكفر، وقتل بعضهم بعضًا، ونهب بعضهم بعضًا، وإتيان الفواحش، والتقاتل والتناحر والبغضاء. “فجاءنا الله بهذا الخير” يعني الإيمان والأمن، وصلاح الحال، واجتناب الفواحش.

وفي الرواية: “فجاء الله بخير فنحن فيه” ثم قال: “هل بعد ذلك الشر من خير؟ ((قال: نعم وفيه دخن)) بفتح الدال والخاء، والمراد منه الحقد، وفساد القلوب يشير إلى أن الخير الذي يجيء بعد الشر، لا يكون خيرًا خالصًا، بل فيه كدر، وقيل: المراد بالدخن الدخان، ويشير بذلك إلى كَدَرِ الحال، وقيل: المراد من الدخن كل أمر مكروه.

وقال أبو عبيد: يفسر المراد بهذا الحديث حديث: ((لا ترجع قلوب قوم على ما كانت عليه))، أي قلوبهم لا يصفو بعضها لبعض ((قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر)) المراد مخالفتهم لمنهج الرسالة مخالفةً غيرَ كاملةٍ، و”يَهْدُونَ” بفتح الياء أي يهدون أنفسهم وغيرهم ويدلونهم على غير هديي، والهدي: الهيئة والسيرة والطريقة والسنة.

وفي روايةٍ: ((على غير هديٍ)) بياء واحدة مع التنوين، وفي رواية: ((يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي)). ومعنى: ((تعرف منهم وتنكر)) أي تعرف من أعمالهم بعضًا مطابقًا للشريعة، وتنكر من أعمالهم أشياء لمخالفتها للشريعة، أي يخلطون عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وفي روايةٍ: ((يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي)). وهذا في الذي قرأناه من الروايات، قال: “هل بعد هذا الخير من شر؟” -يعني شرًّا أكثر من حالة الدخن في الخير وخليط الخير والشر-: ((قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها)).

قال النووي: قال العلماء: هؤلاء دعاة البدعة من الأمراء، أو ضُلَّالٌ آخرون كالخوارج والقرامطة وغيرهم، ودعاة بضم الدال، ووصفهم بكونهم على أبواب جهنم باعتبار ما يئول إليه حالهم، كما يقال لمن يقرب من فعل محرم: وقف على شفير جهنم، ففيه مجاز وكقوله تعالى: {إِنّيَ أَرَانِيَ أَعْصِرُ خَمْراً} [يوسف: 36] أي أعصر عنبًا يئول إلى الخمر، قوله: ((قوم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا)) أي من العرب، ويؤيده قوله: ((ويتكلمون بألسنتنا)).

وقال الداودي: أي من بني آدم، وقال القابسي: معناه أنهم في الظاهر على ملتنا، وفي الباطن مخالفون، وجِلدة الشيء بكسر الجيم ظاهره، وهي في الأصل غشاء البدن.

والحديث يشير إلى الحالات التي مرت بالأمة الإسلامية بعد النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان الخير في عهده خالصًا، ثم جاءت الفتنة الكبرى بمقتل عثمان، وقتال المسلمين في معركتي الجمل وصفين، فالظاهرة العامة حينئذٍ الشر، ثم كان الهدوء النسبي في عهد معاوية، ثم كثر شر حكام بني أمية، ثم جاء عدل عمر بن عبد العزيز، ثم طغى الشر وتفرقت الأمة شيعًا وأحزابًا.

((قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)) أي أميرهم. وفي روايةٍ: ((تسمع وتطيع الأمير وإن ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِْذَ مالك فاسمع وأطع)) والمراد بالجماعة السواد الأعظم حول أميرٍ مَا؛ ولذلك كان السؤال فيما بعد “فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟” أي فإن لم تكن لهم كثرة أو قلة بل كانت الفرق متقاربة والأئمة كثيرون، والأمور مختلطة والرؤية غير واضحة؛ ((فاعتزل تلك الفرق كلها)) أي إذا لم يكن للناس إمام وافترقوا أحزابًا؛ فلا تتبع أحدًا من الفرق، واعتزل الجميع، إن استطعت ذلك؛ خشية من الوقوع في الشر، قال: ((ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت، وأنت على ذلك معتزلًا عاضًّا على جذع شجرة)).

قال البيضاوي: المعنى إذا لم يكن في الأرض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على تحمل شدة الزمان، وعض أصل الشجرة كناية عن مكابدة المشقة، كقولهم: فلان يعض الحجارة من شدة الألم، أو المراد اللزوم كقوله في الحديث: عضوا عليه بالنواجذ.

وقوله: ((مات ميتة جاهلية)) أي مات على صفة موتهم، من حيث كانوا فوضى لا إمام لهم، أي مات ميتة تشبه ميتة الجاهلية.

وقوله: ((لقي الله يوم القيامة لا حجة له)). كما في بعض الأحاديث التي قرأناها، أي لا حجة له في فعله، ولا عذر له ينفعه، وقوله صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث: ((إنه ستكون هنات وهنات)). “الهَنَةُ” بفتح الهاء وكثيرًا ما يستعمل ذلك كناية عن الشيء الذي يستقبح ذكره، والمراد هنا أشياء خطيرة، أي شرورٌ وفسادٌ سيحدث، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)). قال النووي: هذا محمول على ما إذا لم يندفع إلا بقتله.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ ومن كره سلم، ولكن من رضي وتابع)).

قال النووي: معناه من كره ذلك المنكر فقد برئ من إثمه وعقوبته، وهذا في حقِّ من لا يستطيع إنكاره بيده، ولا لسانه، فيكرهه بقلبه ويبرأ ((فمن عرف برئ)) معناه فمن عرف المنكر، ولم يشتبه عليه؛ فقد صارت له طريق إلى البراءة من إثمه وعقوبته بأن يغيره بيديه أو بلسانه، فإن عجز فليكرهْهُ بقلبه: ((ولكن من رضي وتابع)) معناه، ولكن الإثم والعقوبة على من رضي وتابع، ولم ينكر.

وقوله صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات التي قرأناها: ((ويصلون عليكم وتصلون عليهم)) المراد من الصلاة معناها اللغوي وهو الدعاء، وقوله: “أفلا ننابذهم بالسيف؟” يقال: نابذه الحرب إذا جاهره بها، والهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على محذوف، والتقدير: “أنظل على طاعتهم فلا ننابذهم بالسيف؟ ((قال: لا)) أي لا تنابذوهم بالسيف، وفي رواية: “أفلا نقاتلهم؟” وفي رواية: ((ألا نقاتلهم؟ قال: ما أقاموا فيكم الصلاة)) أي لا تقاتلوهم مدة إقامتهم الصلاة، فـ”ما” ظرفية دوامية، -يعني ما داموا يقيمون فيكم الصلاة، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا ينزعن يدًا من طاعة)) كناية عن عدم الخروج على الإمام.

ويؤخذ من الأحاديث:

أولًا: وجوب السمع والطاعة للأمراء، وقد سبق إيضاحها قبل ذلك من الأحاديث.

ثانيًا: وجوب الصبر على ظلم الولاة واستئثارهم بالدنيا، ومن قوله في بعض الروايات في باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية: ((وألا ننازع الأمر أهله)).

إن للحاكم شروطًا تؤهله للولاية، قال النووي: قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، قال: ولا تنعقد لفاسق ابتداءً، وفي قوله: ((ومن خرج من الطاعة وفارق الجماعة)) وفي رواية: ((من فارق الجماعة شبرًا)) وفي رواية: ((من خلع يدًا من طاعة)) وفي رواية: ((لا ما صلوا)) وفي رواية: ((وألا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان)). في كل هذه الروايات حالات الخروج على الإمام.

قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أنه لو طرأ على الإمام الكفر انعزل، وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها، فلو طرأ عليه كفرٌ وتغيير للشرع؛ خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن تحقق العجز عندهم لم يجب القيام، وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها، ويفر بدينه.

أما إذا طرأ على الخليفة فِسْقٌ فقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل بالفسق والظلم، وتعطيل الحقوق، ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه، للأحاديث الواردة في ذلك، قال القاضي عياض: ولقد ادعى أبو بكر بن مجاهد الإجماع في هذا، وقد رد عليه بعضهم بقيام الحسن وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية، وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج، وتَأَوَّلَ هذا القائل قوله: ((وألا ننازع الأمر أهله)) في أئمة العدل، وحجة الجمهور في أنه لا ينعزل الإمام بالفسق والظلم أن قيامهم على الحجاج ليس لمجرد الفسق، بل لما غير من الشرع، وظاهر من الكفر. قال القاضي: وقيل: إن هذا الخلاف كان أولًا، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم، انتهى.

وقال الداودي: الذي عليه العلماء قي أئمة الجور: أنه إن قدر على غيره بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر.

ويؤخذ من الأحاديث أيضًا: وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن وفي كل حال، وتحريم الخروج من الطاعة ومفارقة الجماعة، قال ابن بطال: فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمة الجور؛ لأنه وصف الطائفة الأخيرة، الذين يخرجون على أئمة الجور بأنهم دعاة على أبواب جهنم، ولم يَقُلْ فيهم تعرف وتنكر، كما قال في الأولين، وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حق، وأمر مع ذلك بلزوم الجماعة ومن حديث حذيفة معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أخبر به صلى الله عليه وسلم أي بما سيكون.

قال الطبري في الحديث: إنه متى لم يكن للناس إمامٌ فافترق الناس أحزابًا فلا يتبع أحد في الفرقة، وينبغي أن يعتزل المسلم الجميع إن استطاع؛ ففيه فضيلة العزلة عند الفتن.

قال ابن أبي جمرة: في الحديث حكمة الله في عباده، كيف أقام كلًّا منهم فيما شاء؟ فحبب إلى أكثر الصحابة السؤال عن وجوه الخير ليعلموا بها، ويبلغوها غيرهم، وحبب لحذيفة السؤال عن الشر؛ ليجتنبه ويكون سببًا في دفعه عمن أراد الله له النجاة.

وفي بعض الأحاديث سعة صدر النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفته بوجوه الحكم كلها، حتى كان يجيب كل من سأله بما يناسبه.

ويؤخذ من بعض الأحاديث أن كل من حبب إليه شيء، فإنه يفوق فيه غيره، ومن هنا كان حذيفة صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، حتى خُص بمعرفة أسماء المنافقين، وبكثيرٍ من الأمور الغيبية.

وفي بعض الأحاديث وجوب ردِّ الباطل، وكل ما خالف الهدي النبوي، ومن قاله من رفيع أو وضيع.

وفي بعض الأحاديث أن حب الرعية للراعي وحب الراعي للرعية، ودعاء كل منهم للآخر دليل على حب الله ورضاه، وبالعكس من ذلك بغض الرعية للراعي، وبغض الراعي للرعية، وعدم دعاء كل منهم للآخر دليل على بغض الله تعالى.

قال الحافظ ابن حجر عن موقف الصحابة من الفتن، ومن هذه الأحاديث: والحق حمل عمل كل واحد من الصحابة في الفتن على السداد، فمن لابس القتال اتضح له الدليل، بثبوت الأمر بقتال الفئة الباغية، وكانت له قدرة على ذلك، ومن قعد لم يتضح له أي الفئتين هي الباغية، أو لم يكن له قدرة على القتال، وقد وقع لخزيمة بن ثابت أنه كان مع علي، وكان مع ذلك لا يقاتل، فلما قتل عمار رضي الله عنه قاتل حينئذٍ، وحدث بحديث: يقتل عمارًا الفئة الباغية.

error: النص محمي !!