Top
Image Alt

شرح حديث ابن عباس في بيان حكم الحج عن الشيخ الكبير

  /  شرح حديث ابن عباس في بيان حكم الحج عن الشيخ الكبير

شرح حديث ابن عباس في بيان حكم الحج عن الشيخ الكبير

الحديث السادس:

وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: كان الفضل بن عباسٍ رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت امرأة من خثعم؛ فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: ((يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة؛ أفأحج عنه؟ قال: نعم. وذلك في حجة الوداع)) متفق عليه واللفظ للبخاري.

قوله: كان الفضل بن عباس: هو الفضل بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم غزا معه حنينًا، وثبت معه فيمن ثبت، وشهد حجة الوداع، وحضر غسل النبي صلى الله عليه وسلم وقد اختلف في سنة وفاته؛ فقيل: إنه خرج إلى الشام مجاهدًا ومات بها سنة ثماني عشرة، وقيل: مات في خلافة أبي بكرٍ رضي الله عنهما.

وهذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في حجة الوداع في منى راكبًا وكان الفضل بن العباس رديفًا له على الراحلة، والرديف: هو الراكب خلف الراكب، يقال: ردِفته -بالكسر- إذا ركبت خلفه، وأردفته إذا أركبته خلفي.

كان الفضل بن عباس رديفًا له على الراحلة صلى الله عليه وسلم فاعترضت له امرأة من خثعم، وخثعم قبيلة قحطانية معروفة تقع ديارها على طريق الطائف إلى أبهى، وكانت المرأة شابة وسيمة، وكان الفضل رضي الله عنه شابًّا كذلك؛ فجعل ينظر إليها وتنظر إليه والنبي صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل عنها خوفًا عليه من الفتنة وإنكارًا للمنكر.

وليس في الحديث ما يستدل به دعاة السفور الآن من أنها كانت كاشفة لوجهها؛ فالحديث ليس فيه أنها كانت كاشفة لوجهها، وإنما الفضل ينظر إلى جسدها، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقره على ذلك، وصرف وجهه عنها.

وفيه: إنكار المنكر وتحريم النظر إلى النساء بشهوة، ولو كان كشف الوجه جائزًا لما صرف وجه الفضل عن النظر؛ كيف يصرفه عن شيء مباح كما يزعمون؛ فهم يحملون الحديث هنا ما لا يحتمل، والرجل قد ينظر إلى المرأة وإن لم تكن كاشفة، وينظر إلى جسدها وتفاصيل بدنها، ولا يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة نظر الشهوة ولو كانت محتجبة، وفيه جواز الإرداف على الدابة إذا كانت الدابة تطيق ذلك.

والحديث أيضًا يدل على فضل الفضل بن عباس حيث جعله النبي صلى الله عليه وسلم رديفه على الراحلة، وهو أكبر أولاد العباس بن عبد المطلب؛ ولهذا يكنَّى العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم يكنَّى -أو يكنَى- بأبي الفضل -أي: بأكبر أولاده.

هذا الحديث دلَّ على أن القادر على الحج بماله وهو عاجز عنه ببدنه أنه ينيب من يحج عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرَّ المرأة على قولها: “إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة”؛ فدل على أن الشيخ الكبير الطاعن في السن الذي لا يستطيع أن يثبت على الراحلة أنه لا يلزمه أداء الحج بنفسه؛ وإنما ينيب من يحج عنه لأن الحج واجب عليه، ومثل هذا من كان مريضًا مرضًا لا يرجى بُرؤه، ومعلوم أن الذي لا يمكنه الوقوف نادر جدًّا في هذا الزمان؛ وذلك بسبب وجود وسائل المواصلات المريحة من السيارات والطائرات؛ لكن لو حصلت له مشقة في ركوبه في هذه الوسائل أيضًا؛ فإنه يلحق بمن نصَّ عليه الحديث، فلا يلزمه المسير وله أن ينيب غيره.

وقد شرط الفقهاء أن يكون الحج عنه من بلده، وفي هذا نظر؛ فإن السفر إلى مكة ليس مقصودًا لذاته، ولو أن رجلًا جاء من الهند إلى مكة للتجارة، ثم بدا له أن يحج؛ فإنه لا يؤمر بالرجوع إلى بلده ثم يأتي للحج من هناك؛ فالظاهر أنه لو أناب عنه رجلًا من الميقات صح؛ بل لو حج عنه رجل من مكة أجزأه؛ لأن الواجب على النائب إنما هو أعمال الحج، وما قبل ذلك فإنما هو وسيلة إليه.

وما استدلوا به من أنه كان يجب على المنوب عنه السعي من بلده إلى الحج وهذا مثله؛ فهو استدلال ضعيف، ثم أنه مخالف للأدلة الشرعية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز النيابة في الحج ولم يشترط أن يكون هذا من بلده؛ ولو كان شرطًا لبينه، والفرض في الحج هو الإحرام وما بعده من أفعال؛ وأما ما قبله فلا دليل على وجوبه.

كما دلَّ هذا الحديث على جواز أن تحج المرأة عن الرجل وأن تنوب عنه في أداء المناسك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر المرأة على أن تحج عن أبيها حين قالت: “أفأحج عنه؟” وهي تسأل النبي صلى الله عليه وسلم فأجابها بالإيجاب، وأقرها على أن تحج عن أبيها، وشرط أهل العلم أن تكون قد حجت عن نفسها أولًا.

دلَّ أيضًا هذا الحديث على مشروعية السؤال والاستفتاء عن أمور الدين حين يريد المسلم أن يسلك طريقًا قاصدًا إلى طاعة الله، وأن يسلم من الخطأ في عبادته ومعاملاته، وهذا -لا شك- من تعظيم شعائر الله -تبارك وتعالى.

كما دلَّ هذا الحديث على أن الحج تدخله نيابة عن العاجز لهرمٍ وكبرٍ ومرضٍ مزمن لا يُرجى برؤه مثل الهرم، وأن ذلك يبرئ ذمَّة المنوب عنه، ورأينا النبي صلى الله عليه وسلم يعنى بالشباب، ويعنى بإبعادهم عن مواقف الفتنة ومواقعها؛ حتى لا تزل بهم قدم بعد ثبوتها، وعليه -أي: على القائم على أمر الشباب- أن يوجَّه إلى الخير بالقول والفعل؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم صرف وجه الفضل عن النظر إلى هذه المرأة؛ فهذا من باب الإنكار بالفعل؛ ولذا قال البدر العيني: “إن من فوائد الحديث: إزالة المنكر باليد”.

والحديث دلَّ على تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية التي ليست بذات محرم ووجوب غض البصر.

error: النص محمي !!