Top
Image Alt

شرح لقاعدة ابن الجوزي عن ضابط الحديث الموضوع

  /  شرح لقاعدة ابن الجوزي عن ضابط الحديث الموضوع

شرح لقاعدة ابن الجوزي عن ضابط الحديث الموضوع

نص قاعدة ابن الجوزي:

كنا في نهاية الدرس السابق تعرضنا للقاعدة التي وضعها ابن الجوزي -رحمه الله تعالى- ونقلها عنه كل العلماء وهي:

“إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يصادم الأصول فاعلم أنه موضوع”. هنا ثلاثة قواعد: أن يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يصادم الأصول، إذا وجد ذلك في الحديث فاعلم أنه موضوع، كثير من الناس في زماننا هذا يقول: هذا الحديث لا يقبله العقل، فما هو الضابط في ذلك؟

شرح قوله: “أن يباين المعقول”:

إذا رأيت الحديث يباين المعقول، المباينة تعني: عدم الارتقاء أبدًا، مباينة ومفارقة ومفاصلة كل منهما على معنى غير الآخر تمامًا، لا يلتقي معه أبدًا بأي وجه من الوجوه، نتذكر مع حضراتكم القواعد التي أشرنا إليها قبل: أنه متى صح الحديث أصبح أصلًا من أصول الشرع، ولا يوجد أصل شرعي يتصادم مع أصل شرعي آخر، وما يبدو من ظاهرهما التعارض فهو يندفع بوجه من الوجوه، نحن لا ننتظر أبناء المدرسة العقلية لكي يعلمونا ما يُقبل من الأحاديث وما لا يُقبل، ابن الجوزي توفي -رحمه الله- في 598 في القرن السادس الهجري قبل أن يأتي أبناء المدارس العصرية الحديثة ليعلمونا ذلك.

يقول: إذا رأيت الحديث يباين المعقول، هذه أول فقرة لم يقل: يخالف المعقول أو لم يقل: لا تقبله العقول، لم يقل: إذا رأيت الحديث لا تقبله العقول؛ لأن العقول متفاوتة في إدراك الحسن والقبح ولذلك عيب على المعتزلة؛ لأن من قواعد مذهبهم: أنه يمكن إدراك الحسن والقبح بالعقل، أهل السنة والجماعة يقولون: الحسن والقبح لا يدركان إلا بالشرع، وهذه حقيقة ونحن نرى في زماننا هذا تباينًا بين العقول عند كل أمة وغيرها، هناك من يقبل عري النساء ويدافع عنه ولا يعرف معنى الاحتشام، بل ينظر إلى المحتشمين والمحتشمات أنهم متحجِّرون متخلفون، وليس هذا الفهم مقصورًا على بلاد غير مسلمة مثلًا، بل يوجد من أبناء المسلمين من يقتنع بذلك.

هل مثل هذه العقول تصلح للنظر في السنة لتقول لنا: إن هذا الحديث يخالف العقل فلا نقبله؟ هذه العقول التي أشربت حب ما يخالف الإسلام، وتربت على قواعد غير قواعد الإسلام، بل ورضعت لبنًا غير لبن الإسلام، وتأثرت به ودعت إليه، وأصبحت من المدافعة عنه، هذه العقول لا يمكن أبدًا أن تتحكم في شرع الإسلام لتقول لنا: إن هذا النص يقبله العقل أو لا يقبله العقل، إنما العقول التي تنظر في السنة، هي التي تأدبت بأدب الشرع، هي التي تفقهت في دين الله، هي التي قرأت المصادر الإسلامية.

حين قال علماؤنا: “إذا رأيت الحديث يخالف المعقول” فهم يقصدون أمرين:

أولًا: المخالفة التي لا يمكن معها الارتقاء أبدًا، وأرجو أن أتذكر أن من أهم قواعد العلماء هو: أنه لا بد من الجمع بين الأحاديث أولًا، الأحاديث التي يبدو من ظاهرها التعارض، والجمع كما ذكرنا يعني: أن يعمل بالنصين معًا؛ لأن هذا هو الأصل؛ متى صح الحديث وجب العمل به، أذكِّر بهذه القواعد الهامة، معنى أنك تجمع بين الأحاديث يعني: أنك تعمل بها جميعًا لا ترد أحدها أبدًا ما دام يمكن الجمع، وهذه القاعدة الأولى.

ولا ينتقلون إلى القول بالنسخ أو القول بالترجيح على خلاف بين المدرسة الحديثية والمدرسة الأصولية في تقديم أيهما أولًا، لا ينتقلون إلى أحدهما إلا بعد أن يستحيل الجمع، بل إنهم قالوا: إن الجمع ولو على وجه ضعيف أولى؛ لأن عدم الجمع يترتب عليه رد أحد الحديثين، ونحن نكرر أن الحديث متى ثبتت صحته وجب العمل به.

إذن لا بد أن تكون المخالفة واضحة جلية لا يمكن معها أبدًا أن يلتقي النصان، ولا أن يجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع ضعيفًا كان أو قويًّا.

ثانيًا: أن يكون هذا العقل محكومًا بكتاب الله عز وجل، وبسنة النبي صلى الله عليه  وسلم، وقلب صاحبه ممتلئ بحب الله تعالى، وحب رسوله صلى الله عليه  وسلم، وحب القرآن الكريم، وحب السنة الشريفة، وحب الإسلام والدفاع عن الإسلام ونبي الإسلام وقرآن الإسلام، هذه هي العقول التي تصلح للنظر في السنة لتقول لنا: إن هذا الحديث يخالف المعقول مخالفة لا يمكن أبدًا أن يلتقي معها بأي وجه من الوجوه.

شرح قوله: “أن يخالف المنقول”:

الفقرة الثانية: “أو يخالف المنقول” : أي يخالف المنقول من القرآن والسنة؛ ولذلك أذكِّر بما ذكرناه من قواعد وضعها العلماء لتمييز الصحيح من غيره، قالوا: “ما يناقض نص الكتاب والسنة المتواترة أو يناقض الإجماع القطعي.

إذن لا بد أن يكون إجماعًا مقطوعًا به يناقض السنة مناقضة بينة؛ ولذلك نذكِّر بإضافة الزركشي -رحمه الله- بهذه الجملة حين قال: “هذا إن لم يكن سقط من المروي بعض ألفاظه الذي تزول به المنافاة” يعني: هذه المناقضة التامة إذا لم يكن في النص سقط لو ذكر هذا السقط لاكتمل المعنى ولزال هذه التباين- ولذهبت تلك المناقضة- وضرب مثلًا لذلك بحديث النبي صلى الله عليه  وسلم الموجود في الصحيحين: ((أريتكم الليلة ما من نفس منفوسة منكم اليوم على ظهر الأرض يمر عليها مائة عام)). كلمة: “منكم” سقطت في بعض الروايات فتوهم البعض أن الحديث يناقض الواقع، وقال: إن هناك أناسًا كثيرين قد عاشوا أكثر من مائة عام، الحديث لا يقصد أبدًا إلا جيل الصحابة؛ ولذلك قال: ((منكم اليوم)). وفي رواية: ((على ظهر الأرض)) يقصد: الآن، وذكرنا أن ذلك قبل وفاته صلى الله عليه  وسلم بشهر.

إذن المنقول هو: القرآن والسنة وهو الإجماع، والذي يقول: إن هذا الحديث يناقض القرآن والسنة أو الإجماع القطعي -وهو المفهوم من قول ابن الجوزي: “أو يخالف المنقول”- يناقضه أن هذا الأمر يقتضي عالمًا قد أحاط بالقرآن الكريم بتفسيره، وفهمه، ولغته، وبلاغته، وناسخه، ومنسوخه، وعامّه، وخاصه، ومطلقه، ومقيده… إلى آخره. وكذلك أحاط بالسنة، من أمراء المؤمنين في الحديث، ويعلم الإجماع، ويعلم المسائل التي أجمع عليها بشكل قطعي لم يختلف فيه أحد أو اختلف فيه من لا يعتد بخلافه، أين ذلك العالم؟ هم قلة على مدار التاريخ كله، لم يصل إلى هذه المرتبة، هذه الإحاطة شبه الكاملة بالقرآن الكريم، وبالسنة المطهرة، وبالناسخ والمنسوخ كما ذكرنا، وبكل قواعد الشرع وأصوله، لم يصل إلى هذه الدرجة إلا القليل عبر مراحل التاريخ كلها، فكيف بهذا العصر الذي انعدم فيه أمثال هؤلاء، هل نفتح الباب لكل أحد ليقول لنا: إن هذا الحديث يناقض ويباين ويخالف نص الكتاب ونص السنة المتواترة ويخالف الإجماع القطعي وهو ليس من أهل ذلك؟.

شرح قوله: “أن يصادم الأصول”:

القاعدة الثالثة التي قالها ابن الجوزي -رحمه الله-: “أو يصادم الأصول”. والنص مرة ثانية: “إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يصادم الأصول فاعلم أنه موضوع”.

مناقضته للأصول ماذا تعني؟ وضح ذلك السيوطي في (التدريب) وقال: ومعنى مناقضته للأصول: أن يكون خارجًا عن دواوين الإسلام من المسانيد والكتب المشهورة، بمعنى أننا نبحث عن هذا الحديث في مصادرنا الصحيحة فلا نجده، ولعله قد مر بنا ونحن نتكلم عن القرائن التي وضعها العلماء لبيان الموضوع من غيره أن لا يكون في دواوين السنة المشهورة أو في دواوين الإسلام المعروفة لدى المسلمين جميعًا مثل: الكتب الستة، ومسند الإمام أحمد، ومسند الإمام أبو داود الطيالسي، وصحيح ابن حبان، وسنن البيهقي، ومعاجم الطبراني، نبحث عن الحديث في كل مصادرنا فلا نجده أين يوجد إذًا؟ ومن الذي أتى به؟ من الذي أحاط بهذه الكتب ليقول لنا: إن الحديث موضوع؟

الجملة الثالثة: “أن يصادم الأصول” على أن مصادمة الأصول من الممكن أن نفهمها على غير هذا الوجه؛ لأن عدم وجود الحديث في كتب السنة لا يقال: إنه يصادمها، هو لا يوجد فيها فلا توجد مصادمة، إنما المصادمة هي لقواعد الشرع المستفادة من القرآن والسنة.

هناك أصول عامة للشريعة اتفق العلماء عليها استمدوها أولًا من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة مثل أن نقول: الإسلام دين السهولة واليسر، هذا أصل من أصول الشرع قامت عليه الأدلة من القرآن ومن السنة، ومبنى التشريعات الإسلامية على اليسر وعلى السهولة، والله تبارك وتعالى يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 268] فإذا رأيت حديثًا يتضمن حكمًا تكليفيًّا يناقض هذه القاعدة مناقضةً لا نستطيع أن نجمع بينها وبين هذا النص أبدًا، هذا دليل على الوضع مثل: الغُنم بالغُرم، مثل: أن التشريع في الإسلام لله -تبارك وتعالى- ولنبيه صلى الله عليه  وسلم وقد طلب منا أن لا نقدم حكمًا أو ولاءً أو طاعة بين يدي الله ورسوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1]. فإذا وجدت حديثًا يفتح الباب على غير ذلك فهذا يصادم الأصول.

أنا أقطع بأنه لا يوجد نص شرعي يتعارض مع نص شرعي آخر، أقطع بذلك وأنطلق في هذا الاقتناع من خبرة متواضعة، وصلة ببعض الكتب التي عُنِيَت بهذا الأمر، وليس عن عاطفة متهيجة بحب الإسلام والسنة فحسب يشهد الله، وأريد أن أنقل هذه القناعة إلى كل الدارسين للسنة، وأرجو أن يصلوا إليها بعد دراسات متعمقة ومتخصصة لكي يتأكدوا من سلامة القواعد التي وضعها علماؤنا للدفاع إلى السنة، ولكي يحسنوا الدفاع عن هذا الإسلام الحنيف الذي شرفنا الله -تبارك وتعالى- بالانتساب إليه، ولكي لا يفتح الباب لكل من هبَّ ودبَّ من غير أن يملك العدة لينظر في الأحاديث ويقول: هذا الحديث أقبله، وهذا الحديث لا نقبله… إلى آخره، وأنا أعلم أن الكثيرين يتابعون على الساحة هذا الكم الهائل من الهجوم على السنة ومن النظر المبدئي، بل قلت: إن بعض العلماء قد وقع في مثل هذه الأمور فنرجو أن نفهم ديننا على الوجه الطيب.

مصادمة الأصول -يعني: يصادم قواعد الشرع- وهذا الفهم هو الأرجح في نظري، أو أنه لا يوجد في دواوين السنة، وعلى الأمرين معًا فلا ينبغي أن يقول أحد: إن هذا الحديث يصادم الأصول إلا إذا كان قد أحاط بكل السنة حفظها ووعاها، أو على الأقل قرأها بإتقان وبإمعان ليتأكد أن هذا الحديث يعني: إذا كنا نقول: قد انتهى عصر الحفاظ فلا ينبغي أن ينتهي عصر القراء الذين يدققون ويبحثون ويقلبون الأمر على كل وجوهه، نستطيع والحمد لله الآن، وسبل البحث أصبحت ميسورة كثيرًا جدًّا عن ذي قبل؟

error: النص محمي !!