Top
Image Alt

شرط الإجماع على ثقة رجال الصحيحين إلى الصحابي المشهور، شرط: الإتقان والملازمة عند البخاري ومسلم

  /  شرط الإجماع على ثقة رجال الصحيحين إلى الصحابي المشهور، شرط: الإتقان والملازمة عند البخاري ومسلم

شرط الإجماع على ثقة رجال الصحيحين إلى الصحابي المشهور، شرط: الإتقان والملازمة عند البخاري ومسلم

أ. شرْط: الإجماع على ثقة رجال الحديث إلى الصحابيِّ المشهور:

تمهيد:

فموعدنا مع حديث أو مع أحاديث الحاكم في (مستدركه)، ذلك الكتاب الذي خصَّصه لأحاديث زائدة على أحاديث (البخاري) و(مسلم)، وهو يرى أنَّها على شرط البخاري أو شرط مسلم أو شرط أحدهما ولم يخرِّجاها. ولكننا سنكرِّر كثيرًا عبارة: “على شرطهما” أو “على شرط أحدهما”؛ ولذلك يحسن بنا قبل أن نتكلم عن (مستدرك الحاكم)، وعن كون الأحاديث التي فيه على شرطهما أو على شرط أحدهما، ينبغي لنا أن نقف على شروط البخاري ومسلم كما بيَّنها العلماء؛ ذلك أنَّهما لم يذكرا شروطَهما، وإنَّما هي أمورٌ استنبطها العلماءُ من مسالكهم ومن اختياراتهم في الصَّحيحيْن.

قال ابن طاهر المقدسي في (شروط الأئمَّة السِّتَّة): شرط البخاري ومسلم: أن يُخرجا الحديث المجمَع على ثقة رجاله إلى الصَّحابيِّ المشهور.

وانتَقَد هذا التَّعريف أو البيانَ العراقيُّ؛ لأنّ هناك أحاديثَ ليس مُجمَعًا على ثقة رجالها.

قال العراقيُّ: وليس ما قاله بجيِّد؛ لأنّ النَّسائي ضعَّف جماعةً أخرج لهم الشَّيخان، أو أخرج لهم أحدُهما؛ فهذا ينقد كلامه في قوله: الحديث المجمع على ثقة رجاله.

وأُجيبَ: بأنَّهما أخرجا من أُجمِع على ثقته إلى تصنيفهما، يعني: أنَّهما صنَّفا “كتابيْهما” قبل تضعيف النَّسائيِّ، وكان الأمر إلى ذلك الوقت قد أُجمِعَ على ثقة رجال الأحاديث التي أودعاها في “كتابيْهما”؛ فلا يقدحُ في ذلك تضعيفُ النَّسائي بعد وجود “الكتابيْن”.

وقال ابنُ حجر: تضعيفُ النَّسائيِّ إذا كان باجتهادِه أو نَقْلِه عن معاصر، فالجواب ذلك. يعني: فهذا صحيح في أنَّ الخلاف إنَّما وُجد بعد تصنيف “الكتابيْن”. أمَّا إذا كان النَّسائيّ نقلَ هذا التَّضعيف عن متقدِّم، يعني: عمَّن قبله مـمَّن هو قبل تصنيف “الكتابيْن”، فلا يصحُّ هذا الجواب.

قال ابنُ حجر: ويمكن أن يُجابَ بأنَّ ما قاله ابنُ طاهر في أنَّهما يخرجان الحديث المجمع على ثقة رجاله، هو الأصل الذي بَنيا عليه أمرَهما -يعني: هذا هو الأصل والغالب- وقد يَخرجان عن هذا الأصل لمُرجِّح يقوم مقامَه. يعني: قد يَخرجان عن أصل الحديث المجمع على ثقة رجاله، لمُرجِّحات أخرى تلافي هذا النَّقص إذا كان الخلاف في ثقة رجاله.

هل من شرط الصَّحيحيْن: أن يكون للصَّحابي أو التابعي راويان؟ وما معنى ذلك؟:

وقال الحاكم في (علوم الحديث):

وصفُ الحديث الصَّحيح: أن يرويَه الصَّحابيُّ المشهور بالرِّواية عن النَّبي صلى الله عليه وسلم وله راويان ثقتان، ثم يرويه من أتباع التَّابعين الحافظ المتقن المشهور بالرِّواية وله رواةٌ ثقات؛ وهذا تعريفٌ للصَّحيح عامٌّ، لم يُقيِّده بما في الصَّحيحيْن.

وقال في (المدخل):

الدرجة الأولى من الصَّحيح: اختيار البخاري ومسلم، وهو: أن يروي الحديثَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابيٌّ زائلٌ عنه اسمُ الجهالة بأن يرويَ عنه تابعيَّان عدلان، ثمَّ يروي عنه التَّابعيُّ المشهور بالرِّواية عن الصَّحابة وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه من أتباع التابعين حافظٌٌ مُتقن، وله رواة من الطبقة الرابعة. ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظًا مشهورًا بالعدالة في روايته. ثم يتداولُه أهلُ الحديث بالقَبول إلى وقتنا -يعني: إلى وقت الحاكم- كالشَّهادة على الشَّهادة. وهذا هو شرط أيضًا: كأن يشهد إنسان على شيء، فيشهد عنه إنسان هذا الشيء، أي: ينقله إلى إنسان آخر فيشهد بهذا الأمر الذي شهد به الأول.

وعلى هذا، فقد عمَّم الحاكم في (علوم الحديث) تعريف الحديث الصَّحيح، وعرَّفه أو وصفه من حيث هو، وخَصَّص ذلك في (المدخل) بشرط الشَّيخيْن، كأعلى درجة من درجات الحديث الصَّحيح.

وقد نقض عليه الحازميُّ ما ادَّعى أنه شرط الشَّيخيْن، بما في الصَّحيحين من الغرائب التي تفرَّد بها بعضُ الرُّواة.

وأجيب على اعتراض الحازميِِّ أو على نقضه: بأنَّ الحاكم إنَّما أراد أنَّ كلَّ راوٍ في الكتابيْن يُشترط أن يكون له راويان، لا أنَّه يشترط أن يتَّفقا في رواية ذلك الحديث بعينه.

يعني: الراوي الذي روى الحديث: الصَّحابي، أو الَّذي بعده أو دونه، إذا كان له راوٍ واحد في ذلك الحديث الذي أتيا به، فيشترط أن يكون له راوٍ آخر، قد يكونُ في هذا الحديث وقد يكون في غيره. فاشتراط الرَّاوييْن ليس في الحديث نفسه؛ فقد لا يكون للحديث إلا راوٍ واحد، وهو في أحد  الصَّحيحيْن كما بُيِّن ذلك، ولكن يُشترط أن يكون لهذا الراوي راوٍ آخَر قد روى هذا الحديث أو روى غير هذا الحديث.

قال أبو عليٍّ الغسَّانيّ -ونقله عياضٌ عنه-: ليس المرادُ منه أن يكون كلُّ خبر روياه يجتمع فيه راويان عن صحابِيِّه ثم عن تابعِيِِّه فمَن بعده؛ فإنَّ ذلك يَعِزُّ وجوده، وإنما المراد: أن هذا الصحابي وهذا التابعي روى عنه رجلان خرجا بهما عن حدِّ الجهالة.

قال شيخ الإسلام ابن حجر متعقِّبًا على هذا: وكأنَّ الحازمي فهم ذلك -يعني: فهم قول الحاكم بأن الصحابي يكون له راويان ثقتان… إلخ- من قول الحاكم كالشهادة على الشهادة؛ لأنه قال في آخِر كلامه: ثم يتداوله أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا، كالشهادة على الشهادة. والشهادة على الشهادة يُشترط فيها اثنان ينقلان هذا الأمر؛ لأنّ الشهادة عمومًا يُشترط فيها التَّعدُّد. يعني: لابدَّ أن يكون شاهدان على الأمر، كما في قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة: 282].

وأجيب عن ذلك: باحتمال أنه لا يريد بالتشبيه كلَّ الوجوه. يعني: عندما قال: “كالشهادة على الشهادة” لا يريد بهذا  التشبيه أن تكون الرواية تمامًا كالشَّهادة على الشَّهادة، وإنَّما هناك بعض وجوه التقاء، ككون الرَّاوي أو الشاهد يُتقن أو يضبط ما شهد به، وأن يكون عدلًا… إلخ.

وهناك وجوه تختلف فيها الرواية عن الشهادة، منها مثلًا: أنه تُقبل الرواية من امرأة واحدة، ولا تُقبل الشهادة من امرأة واحدة، كما قال القرآن الكريم: {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة: 282]. وهكذا فالرواية تختلف عن الشهادة في بعض الوجوه، وتتَّفق معها في بعض الوجوه. فاحتمال أن يكون تشبيهُ الحاكم الرِّواية هذه بالشهادة في بعض الوجوه لا في كل الوجوه، حتى لا تشمل مسألة التَّعدُّد، إنما شبه في كون المسلم حافظًا مشهورًا بالعدالة في روايته… إلخ.

وأجيب: باحتمال أن يُريد بالتَّشبيه بعضَ الوجوه لا كلَّها، كالاتِّصال واللِّقاء والضَّبط وغيرها…

وقال أبو عبد الله بن الموَّاق: ما حمل الغسانيُّ عليه كلامَ الحاكم وتبعه عليه عياض وغيره -يعني في قوله: لم يشترط الحاكم أن يكون لكل خبر راويان عن الصَّحابي، وإنما اشترط أن يكون للصحابي راويان نقلًا هذا الحديث أو نقل أحدهما هذا الحديث والآخَر نقل حديثًا آخر- ليس بالبَيِّن، ولا أعلم أحدًا روى عنهما أنهما صرحا بذلك، ولا وجود له في “كتابيْهما”، ولا خارجًا عن “كتابيْهما”.

وقد رأينا -عندما كنا نتكلم عن أقسام الصَّحيح-: أنَّ في (البخاري) وفي (مسلم) أحاديث عن صحابة ليس لهم إلا راوٍ واحد مطلقًا، سواء في الحديث الذي رَوَوهُ أو في غيره.

فإن قال قائل: ذلك عرفه -يعني: الغساني” من مذهبهما بالتصفح لتصرفهما في “كتابيْهما”, فلم يُصب؛ لأنّ الأمريْن معًا في “كتابيْهما”. يعني: رواية التابعي مثلًا عن صحابي لا يروي عنه غيرُ التابعيِّ هذا، ورواية تابعي عن صحابي له راويان ولكن لم يروِ هذا الحديث إلا تابعي واحد عن هذا الصحابي، والتابعي الآخرروى حديثًا آخر عن ذلك الصَّحابيِّ، فالأمران معًا في “كتابيْهما”.

وإن كان الغسَّاني أخذه -وتبعه عياض في ذلك- من كون ذلك أكثريًَّا في “كتابيْهما” -يعني الأكثر عند الشيخيْن أنهما لم يرويا إلا عن صحابيٍّ روى عنه راويان، وعن تابعيٍّ روى عنه راويان فأكثر- فلا دليل فيه على كونهما اشترطاه أيضًا. يعني: لم يشترطا ذلك أيضًا. ولعلَّ وجود ذلك أكثريًّا: أن الأحاديث التي رويت عن الصَّحابة الَّذين لهم راويان فأكثر هي الأحاديث الكثيرة، أما الأحاديث التي نُقلت عن بعض الصحابة الذين ليس لهم إلا راوٍ واحد فهي قليلة؛ هذا بطبيعة الحال.

فإذا جاءت هكذا في الصحيحيْن، فهذا هو الواقع، وليس عن اشتراطٍ منهما؛ فهما قد وجدا أحاديث كثيرة فأكثرا منها، ووجدا أحاديث قليلة فأخذا منها دون اشتراطٍ لذلك. وليس من الإنصاف إلزامهما بهذا الشرط من غير أن يثبت عنهما ذلك، مع وجود إخلالهما به، لأنهما إذا صح عنهما اشتراط ذلك كان في إخلالهما به درك عليهما، يعني: مأخذ عليهما.

قال الحافظ ابن حجر: وهذا كلامٌ مقبول وبحثٌ قويٌّ، أنَّ هذا ليس من شرطهما، وإنَّما كثر في الصَّحيحيْن أحاديث الصَّحابة الذين لكل واحد أكثر من راوٍ.

وقلَّ في الصَّحيحيْن أحاديث صحابة ليس لهم أو لكل واحدٍ منهم إلا راوٍ واحد، كما هو موجود في الواقع العملي في “الكتابيْن” وفي غيرهما…

وقال الحافظ في مقدمة (شرح البخاري): ما ذكره الحاكم من هذا الشرط، وإن كان منتقضًا في حقِّ بعض الصَّحابة الَّذين أخرج لهم، إلا أنَّه مُعتبرٌ في حقِّ مَن بعدَهم. يعني: إذا استثنينا الصَّحابة، نجد أنَّ مَن بعدَهم لكلِّ واحدٍ منهم راوٍ واحد، كالأتباع وأتباع الأتباع، وهكذا… فليس في الكتاب حديثٌ أصلًا مِن رواية مَن ليس له إلا راوٍ واحدٍ قط، يعني من غير الصَّحابة.

شرط: الإتقان والملازمة عند البخاري ومسلم:

قال الحازمي في (شروط الأئمَّة الخمسة) ما حاصلُه:

شرطُ البخاريِّ:

شرطُ البخاريِّ: أن يُخرجَ ما اتَّصل إسنادُه بالثِّقات المُتقنين، المُلازمين لمن أخذوا عنه ملازمةًً طويلة. وأنَّه قد يُخرج أحيانًا عن أعيان الطبقة التي تلي هذه الطبقة في الإتقان.

يعني: الطبقة الأولى: الثقات المتقنين الملازمين لمن أخذوا عنه ملازمة طويلة، والملازمة -ولا شكَّ- هي أدعى إلى الإتقان والمراجعة والتَّصحيح وزيادة الحفظ والضبط.

ولكنَّه قد يُخرج أحيانًا عن أعيان الطبقة التي تلي هذه في الإتقان والملازمة لمن روى عنه، فلم يلزموه إلا ملازمةً يسيرة، على عكس الطبقة الأولى الَّذين لازموه ملازمةً طويلة.  

هذا شرط البخاريِّ.

شرط مسلم:

أمَّا شرط مسلم، فهو: أن يُخرِّج حديثَ هذه الطَّبقة الثَّانية الذين يَلُون الطَّبقة الأولى في الإتقان والملازمة. وقد يُخرج حديث من لم يسلم من غوائل الجَرح، إذا كان طويلَ الملازمة لمن أخذ عنه، كحمَّاد بن سلمة في ثابتٍ البنانيِّ وأيُّوب.

error: النص محمي !!