Top
Image Alt

شرط العدالة، وموقف الفقهاء منه

  /  شرط العدالة، وموقف الفقهاء منه

شرط العدالة، وموقف الفقهاء منه

العدالة هي صفة العدل، والإنسان العدل هو القائم بالفرائض والأركان, الذي لم يرتكب كبيرة ولم يصر على صغيرة، فهو عفيف عن المحارم، متوقٍّ للمآثم، بعيدٌ عن الريب، مأمونٌ وقت الرضا والغضب، صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، مجتنبٌ لِمَا يخل بمروءة أمثاله. والعدالة معتبرة في كل ولاية عند جمهور الفقهاء، لكنهم اختلفوا فيها: هل هي شرط جواز, أم شرط صحة؟

فالشافعية والحنابلة والمالكية ذهبوا إلى أن شرط العدالة معتبرٌ في كل من تجوز توليته القضاء، وصحة ولايته معًا، فهي شرط جواز وشرط صحة، أي: شرط فيمن نوليه القضاء, وهي شرط في نفاذ ما يقضي به من أحكام. فالجمهور -الشافعية والحنابلة والمالكية- ذهبوا إلى أن شرط العدالة معتبر في كل من جاز توليته القضاء، بحيث إذا ولي الفاسق القضاء أثم مولِّيه وبطلت ولايته، ولا ينفذ شيء من قضائه ولو صادف الحق؛ لأنه متهم في دينه، والقضاء طريق الأمانات.

أما الحنفية في ظاهر الرواية، ومعهم طائفة من المالكية, فجعلوا العدالة شرط جواز لا شرط صحة، أي: هي شرط عند اختيار القاضي، لكن لو أن الإمام أو الوالي أو من بيده التولية ولى قاضيًا ولم يكن عدلًا، فهل ينفذ حكمه؟ نعم، يرى الحنفية ومن وافقهم أن حكمه ينفذ، فالمعنى: أنه إذا ولي الفاسق القضاء أثم موليه، ولكن تصح ولايته وينفذ قضاؤه، على أن نفاذ كل قضاء مشروط بموافقة الشرع، أي: لا خوف على الشرع من قضاء هذا الفاسق؛ لأنه إن قضى بما يُخالف الشرع لا ينفذ قضاؤه وينقض.

يقول أحد علماء الحنفية وهو الكاساني, وكذلك المرغيناني أيضًا: العدالة في القاضي شرط كمال وأفضلية -أي: الأفضل والأحسن- ليست ضرورية، يحسن بالإمام ألا يختار الفاسق، فإن اختاره للقضاء فولايته جائزة وأحكامه نافذة، ولو كانت شرط جواز لكانت ولايته باطلة عنده، وأحكامه لاغية غير معتبرة، والمحدود في القذف مثلًا لا يجيز الحنفية له أن يتولى القضاء حتى لو تاب؛ لأنه مرفوض شهادته، كجزء من العقاب، وهذا بناء على قاعدتهم: من تُقبل شهادته يصلح للقضاء، ومن لا تقبل شهادته لا تجوز توليته للقضاء، والمحدود أي: أقيم عليه حد القذف، فشهادته غير مقبولة بنص القرآن الكريم، يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون} [النور: 4].

أي: إن الحنفية تناقضوا في هذا، فالمفروض ألا يقبلوا شهادة القاذف الذي حُدَّ في حد القذف, فهو لا تقبل شهادته؛ وعليه لا يقبل تعيينه القضاء، لكنهم أجازوا هذا التعيين واعتبروا أن العدالة شرط كمال وليست شرطًا لتوليته القضاء، أو لصحة ما حكم به من أحكام. والراجح: تولي القاذف القضاء إذا تاب، فما دام تاب تاب الله عليه، وهو رأي الجمهور؛ لأن التأبيد في قوله: {وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا} هو مدة دوامهم على القذف، أما إذا تاب القاذف فإن الله تعالى يتوب عليه وتُقبل شهادته، وللإمام -أو للأمير- أن يوليه القضاء أيضًا.

error: النص محمي !!