Top
Image Alt

شرط العلم

  /  شرط العلم

شرط العلم

أيضًا من الصفات التي اختلف فيها العلماء صفة العلم؛ فبعضهم يقول عنه: الاجتهاد، لكن سنتناوله تحت صفة العلم.

والعلم شرط عند الفقهاء بالاتفاق؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ((القضاة ثلاثة؛ قاضيان في النار، وقاض في الجنة، قاضٍ عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاض قضى بجهل فهو في النار، وقاضٍ عرف الحق فجار فهو في النار)). فمن تحقق فيه شرط القضاء وهو العلم والعدل، فهو في الجنة، ومَن لم يتحقق فيه شرط القضاء فكان جاهلًا أو غير عادل، فهو في النار.

لكن الفقهاء اختلفوا في المراد بالعلم:

فمنهم من قال: إن المراد بالعلم المشترط في القاضي هو الاجتهاد؛ فالاجتهاد شرط جواز وصحة، فلا يقبل قضاء عامي -أي: غير المجتهد- ولو تولى القضاء فولايته غير صحيحة ولا جائزة، وأحكامه غير نافذة حتى لو صادف الحق؛ إذ لا ولاية له, أي: لا ولاية صحيحة له، قال بهذا الحنابلة وابن حزم، وادَّعى الإجماع عليه، وكذا قال به الشافعية، وقالوا: إذا لم يوجد مجتهد فهذا هو مكان قضاء الضرورة، وحكى القاضي عبد الوهاب المالكي بأنه مذهب مالك، وبعض الحنفية أيضًا.

والمراد بالاجتهاد عند هؤلاء الأئمة -وهم الجمهور- من فيه الأهلية والقدرة على استنباط الحكم من مصادر التشريع؛ وذلك بأن يعرف من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحقيقة والمجاز، والأمر والنهي، والمجمل والمبين، والمحكم والمتشابه، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والمستثنى والمستثنى منه… إلى آخره.

ويعرف من السنة صحيحها وسقيمها ومتواترها من آحادها ومرسلها من متصلها ومنقطعها، ويعرف ما أجمع عليه العلماء وما اختلفوا فيه، وحال الرواة قوةً وضعفًا, تعديلًا وتجريحًا، ويعرف أقوال العلماء من الصحابة فَمَن بعدهم من الأئمة، ويعرف القياس وحدوده، وشرطه وكيفية الاستنباط، ويعرف لسان العرب لغةً ونحوًا… إلى آخر هذه الأمور التي تؤهله لأن يكون مجتهدًا.

وخالف جمهور الحنفية وبعض المالكية هذا الشرط، أي: أن يكون القاضي قد وصل إلى رتبة الاجتهاد، فأجازوا إلى غير المجتهد في القضاء أن يتولى القضاء، لكن استحبوا وفضلوا أن يكون مجتهدًا، ونُقل هذا عن الإمام مالك أيضًا.

هذا لما ضعف الوازع الديني عند الناس، وضعفت الهمم عن طلب العلم وتحصيله والرحلة إليه، وتغيَّر الزمان وأهله، فعزف الناس عن طلب العلم والإقبال عليه، ولم يوجد في العصر واحد تتوافر فيه صفات المجتهد المطلق، فأفتى فقهاء المذاهب بجواز تولي المقلد في القضاء؛ محافظةً على حقوق الناس من الضياع، لكن ليس معنى ذلك أن يتولى القضاء العامي الذي لا يعرف شيئًا من العلم، وقال أبو عبد الله محمد بن فرج المالكي: واتفق مالك وأبو حنيفة والشافعي -رحمهم الله تعالى- أنه لا يحق لحاكم أن يحكم بين الناس حتى يكون عالمًا بالحديث والفقه معًا، مع عقل وورع. وكان مالك -رحمه الله- يقول في الخصال التي لا يصلح القاضي إلا بها: لا أراها تجتمع اليوم في أحد، فإذا اجتمع منها في الرجل خصلتان رأيتُ أن يولى؛ العلم والورع.

إذًا: للعلماء اختلاف في توافر صفة الاجتهاد؛ فمنهم من ذهب إلى أن الاجتهاد شرط جواز وصحة، ومعنى هذا: أنه إذا ولي شخص جاهل أو غير عالم -غير مجتهد- فقضاؤه باطل, وحكمه غير نافذ.

وهؤلاء استدلوا بأدلة منها -على سبيل المثال لا الحصر- قوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59] إلى آخر الآية, فإن الرد إلى الله معناه الرد إلى كتاب الله، والرد إلى الرسول الرد إلى سنته، ولا يتأتى الرد إلى الكتاب والسنة إلا مِن المجتهد، فلا بد أن يكون مجتهدًا حتى يمكنه الفصل في النزاع.

استدلوا أيضًا بقول الله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ }[ص: 26] فهذا أمر لسائر الحكام، وفي نص شريعتنا ما هو مساوٍ له، قال تعالى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ} [المائدة: 42] أي: بالعدل, ولا يمكن الحكم بالحق أو بالقسط إلا مِن المجتهد العالم بأحكام الشرع؛ لأن الجاهل لا يعرف الحق ولو قيل: إنه يسأل غيره، فإن الأمرَ سوف يختلط عليه؛ لأنه لا يستطيع تحديد ما يسأل فيه أو موضوع السؤال، كما أنه لا يعرف مَن يسأل ومَن لا يسأل.

فأما المقلد فإنه لا يعرف الحق كذلك؛ لأن الحق لا يُعرف إلا بدليل، يقول الله تعالى: {إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَـذَا أَتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون} [يونس: 68], أي: ما عندكم دليل على ما تدعون، ويقول -جل وعلا-: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] أي: لا تتبع ما ليس لك به علم، والمقلد لا يدري أن ما حفظه عن إمامه هو الحق أو لا.

فعلماء الأصول لا يسمون المقلد عالمًا، وإنما يسمونه عاميًّا، كما أن بعض العلماء يحرمون الإفتاء بالتقليد.

ثم إن الحوادث كثيرة وهي غير محصورة، والنصوص محدودة ومحصورة، فلا يمكن أن يجد القاضي في كل حادثة نصًّا خاصًّا بها، فيضطر إلى الاستنباط للوصول إلى الحكم، فلو لم يكن مجتهدًا لما استطاع الوصول إلى الحكم، فيقف القضاء وتتعطل مصالح الناس، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83], إن الذين يستطيعون أن يستنبطوا هذه الأحكامَ إنما هم العلماء المجتهدون.

واستدل الجمهور أيضًا على صحة قولهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا معاذ بن جبل, عندما أرسله إلى اليمن قاضيًا: ((بِمَ تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله, لِمَا يرضي الله ورسولَه)), وهذا واضح بأن القاضي لا بد أن يكون مجتهدًا.

والتقليد ضرورة لا يُباح إلا لمن اضطر إليه، أما إذا كان لدى الإنسان أهلية لأخذ الأحكام من مصادرها الأصلية، فإنه يحرم عليه أن يقلد إمامًا أو صاحبًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم يتعبدنا بقول فلان أو فلان، إنما تعبدنا بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

أما إذا كان الإنسان غير قادر على أخذ الأحكام من مصادرها الأصلية، فإنه يكون مضطرًّا إلى التقليد، والضرورة تُقدَّر بقدرها، فهي مقصورة على المقلد، ومِن ثَم لا يكون له أن يلزم المتقاضين بما التزمه هو برأي مَن قلده.

أيضًا استدل أصحاب هذا الرأي إلى أن ولي الأمر كوصي اليتيم بالنسبة للرعية، ومن ثَمَّ فعلى ولي الأمر أن يمنع من لا يحسن الطب من ممارسته؛ لما في ذلك من ضياع لمصالح الرعية، وكذلك ينبغي على ولي الأمر أن يمنع مِن تولي القضاء مَن لا تتوافر فيه شروطه، ومن شروطه الاجتهاد، وأنه إذا سمح بتولي الجهلاء والعامة في القضاء؛ فسد القضاء وفسدت بالتالي حياة الناس.

هذا ما استدل به أصحاب القول الأول, فماذا عما استدل به أصحاب القول الثاني الذين ذهبوا إلى أنه ليس من الضروري في نفاذ حكم القاضي، أن يكون مجتهدًا، وأنه يكفي أن يكون مقلدًا؟

استدل الحنفية, ومن وافقهم على جواز تولي المقلد للقضاء بأمور؛ منها:

تقليد المقلد أو حتى الجاهل يحصل به الغرض من القضاء، والغرض من القضاء إنما هو قطع المنازعات، والفصل في الخصومات، وإيصال الحق إلى مستحقه، وبهذا يمكن للمقلد -أو حتى الجاهل- أن يصل إلى هذا الهدف وهذه الغاية المقصودة، قال بعضهم: لكن مع هذا لا ينبغي أن يُقلد الجاهل بالأحكام، أي: لا ينبغي ولا يفضل إذا كان عندنا شخص عالم وشخص جاهل، نولي القضاء لعالم؛ لأن الجاهل بنفسه يفسد أكثر مما يصلح، فيقضي بالباطل من حيث لا يشعر، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القضاة ثلاثة -كما سبق أن ذكرنا.

أيضًا لأن التزام مذهب معين من المذاهب المدونة كمذهب أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي، هذا أدنى وأقرب إلى السياسة وأنفى للتهمة، وهو ما يتوافر بتولية المقلد، فأما أن المقلد أبعد من التهمة فلأنه لا يستطيع أن يقضي إلا بالراجح من مذهب إمامه الذي وُلي أساسًا على أن يحكم به، فلا تكون عنده فرصة للتلاعب أو التغيير أو الهوى، وأما أن المقلد أدنى إلى السياسة فلأنه من مصلحة الناس أن يجعل القضاء مقيدًا بمذهب من المذاهب المعينة؛ حتى لا يشتطّ القضاة.

على أي حال، ناقش الجمهور ما استدل به الحنفية, أي: ردوا على قولهم: إن تقليد المقلد يحصل به الغرض، فرُدَّ عليهم بأن الغرض من القضاء ليس فصل الخصومات على أي نحو، بل المراد فصل الخصومات بالحق، وإنهاء النزاع بالقسط، لكن المقلد قد يحصل منه إنهاء النزاعات, لكن ليس عن طريق الحق.

أيضًا قولهم: إن التزام مذهب معين أدنى إلى السياسة وأنفى للتهمة، يُردّ عليه بأن الله تعالى تعبَّد الناس أن يحكموا بحكمه لا بحكم الأئمة، قال: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49].

والراجح من كلام أهل العلم في هذه المسألة, والذي يظهر لنا من كلام الحنفية أنهم لا يقصدون بالجاهل العامي المحض، وإنما يقصدون به المقلد الذي ليس بمجتهد مطلق؛ بدليل مقابلتهم الجاهل بالمجتهد، فيكون المراد بالجاهل الذي على علم، ولكنه مقلد لإمام معتبر، كالإمام أبي حنيفة أو الإمام مالك أو الإمام الشافعي… إلى آخره, وهذا ما ذهب إليه بعض مَن كتبوا في تاريخ القضاء.

وعلى هذا فلا بد من العلم للقاضي، وليس بلازم أن يكون مجتهدًا مطلقًا، وإن وجد المجتهد المطلق فيقدم على غيره، كما أن هذا العصر تيسرت فيه سبل العلم؛ حيث انتشرت الكتب, فالوقت الآن بعد طبع الكتب ونشرها وتحقيقها، أصبح من اليسير -أو من الأسهل- أكثر من ذي قبل وجود المجتهد، خصوصًا المجتهد في الأحكام القضائية.

وعلى هذا يترجح أن يكون العلم الحاصل عند القاضي عن طريق التقليد لأحد الأئمة المجتهدين، فالاجتهاد ليس شرطًا في القاضي، وهذا ما عناه الحنفية، أما كون القاضي لا يعلم الأحكام الشرعية ولا يستطيع القضاء بالحق؛ لأنه جاهل، فهذا لا يجوز قضاؤه وحكمه، وهذا ما عناه العلماء، فيبدو أن الخلاف هنا خلاف شكلي.

والكل متفق على أنه لا بد أن يكون لدى القاضي من العلم ما يؤهّله للفصل في الخصومات والنزاعات بطريق الحق، سواء كان هو في حد ذاته مجتهدًا -وهذا أولى- أو أن يكون مقلدًا لأحد المجتهدين المعتبرين؛ ولذلك يُشترط في القاضي أن يكون عالمًا، وهذا ما جعلنا نعالج هذه القضيةَ تحت عنوان: “العلم”, ولم نعالجها تحت عنوان: “الاجتهاد”، خصوصًا وأن الاجتهاد -بمعنى الاجتهاد المطلق- قد يكون صعبًا إلى حدٍّ ما، وإن كانت الظروف المعاصرة تساعد على وجود الاجتهاد أكثر من غيرها، لكن لا بأس بتولية العالم حتى ولو كان مقلدًا لأحد الأئمة الكبار.

error: النص محمي !!