• العربية
Top
Image Alt

شرط تحمل الحديث

  /  شرط تحمل الحديث

شرط تحمل الحديث

وقبل الحديث عنه طرق تحمل الحديث، نذكر بشرط تحمل الحديث وشروط أدائه. أولًا: شرط تحمل الحديث: يُشترط فيمن يتحمل الحديث أن يكون عند التحمل مميزًا، وإن لم يصل إلى سن البلوغ، والتمييز يختلف من شخص لآخر، فكم من صبي استظهر القرآن الكريم كاملًا وهو دون الثامنة من عمره، وكم من بالغ لا يميز ولا يحفظ شيئًا، وإن كان البعض قد خالف في ذلك، فخلافهم غير معتبر؛ لأنه لا حجة لهم فيما ذهبوا إليه، وما ذهبوا إليه مخالف لما عليه العمل. المذهب الأول: مذهب الجمهور: ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجوز للصبي المميز أن يتحمل الحديث، ولكن لا يؤدي إلا بعد البلوغ، ومن أقوى ما يُستدلُّ به لذلك أن الصحابة رضي الله عنهم قبلوا رواية صغار الصحابة مثل: الحسن والحسين، وابن عباس وأنس، وابن الزبير، والنعمان بن بشير وعائشة وغيرهم }، ولم يفرقوا بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعد البلوغ، وأجمعوا على ذلك. وهذا هو الصحيح الذي عليه العمل في كتب السنة، حتى الكتب التي صُنفت في الصحيح المجرد كالصحيحين للإمامين الجليلين البخاري ومسلم، فلم يتأخروا عن التخريج لصغار الصحابة، ولم يفرقوا بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعد البلوغ، وممن نصَّ على أنه تحمل قبل البلوغ وقَبِِل الأئمة ما تحمله قبل البلوغ بدون توقف أو تردد، ولم يجعلوا ذلك سببًا لرد حديثه عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، ومحمود بن الربيع، وعائشة، وغيرهم. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((أقبلت راكبًا على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف؛ فلم ينُكر ذلك علي))، الحديث أخرجه الإمام البخاري ومسلم. قال الحافظ ابن حجر عقب قول الإمام البخاري: “متى يصح سماع الصغير” وفي رواية “الصبي الصغير”، مقصود الباب الاستدلال على أن البلوغ ليس شرطًا في التحمل، قال الكرماني: “ومعنى الصحة جواز قبول مسموعه”، قال الحافظ: “وهذا تفسير لثمرة الصحة لا لنفس الصحة”، وأشار الإمام البخاري بهذا إلى اختلاف وقع بين أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين رواه الخطيب في (الكفاية) عن عبد الله بن أحمد وغيره، أن يحيى قال: “أقل سن التحمل خمس عشرة سنة، لكون ابن عمر رُدَّ يوم أحد، إذ لم يبلغها، فبلغ ذلك أحمد، فقال: بل إذا عقل ما يسمع وإنما قصة ابن عمر في القتال”. ثم أورد الخطيب أشياء مما حفظها جمع من الصحابة، ومن بعدهم في الصغر، وحدثوا بها بعد ذلك وقُبلت عنهم، وهذا هو المعتمد. وما قاله ابن معين إن أراد به تحديد ابتداء الطلب بنفسه فمقبول، وإن أراد به رد حديث من سمع اتفاقًا، أو عُني به فسمع وهو صغير؛ فلا. وقد نقل ابن عبد البر الاتفاق على قبول هذا أي: من اعتني به فسمع وهو صغير، وفيه دليل على أن مراد ابن معين الأول. وأما احتجاجه بأن النبي صلى الله عليه وسلم ردَّ البراء وغيره يوم بدر ممن كان لم يبلغ خمس عشرة فمردود؛ لأن القتال يُقصد به مزيد القوة والتبصير في الحرب، فكانت مظنته سن البلوغ، والسماع يُقصد فيه الفهم، فكانت مظنته التمييز. وفيه ما ترجم له أن التحمل لا يُشترط فيه كمال الأهلية، وإنما يُشترط عند الأداء، عن أنس رضي الله عنه قال: ((انتهى إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا غلام في الغلمان فسلم عليَّ، ثم أخذ بيدي، فأرسلني برسالة وقعد في ظل جدار -أو قال: إلى جدار- حتى رجعت إليه))، الحديث أخرجه أبي داود. ففي هذا الحديث، دليل على جواز تحمل الصبي المميز؛ لأن أنس تحمل الحديث وهو صغير دون البلوغ، وقبله منه العلماء، عن محمود بن الربيع قال: ((عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو))، والمراد بقوله عقلت أي: حفظت، مجة والمج: إرسال الماء من الفم، وفعله الرسول صلى الله عليه وسلم مع محمود بن الربيع مداعبة له ومباركة عليه. ففي هذه الأحاديث وغيرها، وهي كثيرة دليل على جواز تحمل الصبي المميز، وقبول ما تحمله قبل البلوغ بعد البلوغ، وأن شرط التحمل إنما هو التمييز، وليس البلوغ أو سن معين، والله أعلم. عن عبد الله بن أحمد قال: “سألت أبي متى يجوز سماع الصبي للحديث؟ فقال: إذا عقل وضبط، قلت: فإنه بلغني عن رجل سميته أنه قال: لا يجوز سماعه حتى يكون له خمس عشرة سنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رد البراء وابن عمر استصغرهم يوم بدر، فأنكر قوله هذا وقال: بئس القول، يجوز سماعه إذا عقل، فكيف يصنع بسفيان بن عيينة، ووكيع، وذكر أيضًا قومه”، أخرجه الخطيب في (الكفاية). قال أبو عبد الله المروزي: “قال ابن خلاد: ليس المعتبر في كتب الحديث البلوغ ولا غيره، بل يعتبر فيه الحركة والنضاجة، والتيقظ، والضبط”، قال الخطيب: “أراد أبو عبد الله بذلك أن الكبير قد يضبط كتابه غير أنه لا يعرف علل الأحاديث، واختلاف الروايات، ولا يعقل المعاني، واستنباطها، فمثل هذا يكتب عنه لصدقه، وصحة كتابه، وثبوت سماعه”. قال أبو بكر بن عياش: “قال رجل للأعمش: هؤلاء الغلمان حولك، قال: اسكت هؤلاء يحفظون عليك أمر دينك”، قال الخطيب: “وقد تقدمت منا الحكاية عن بعض أهل العلم أن السماع يصح بحصول التمييز، والإصغاء فحسب، ولهذا بكروا بالأطفال في السماع من الشيوخ الذين علا إسنادهم، وممن سمع وهو دون البلوغ سوى ما ذكرنا سفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح، ومالك بن أنس، والشافعي، وغيرهم كثير }”. قال الإمام الذهبي: “طلب مالك العلم وهو حدث بعد موت القاسم وسالم”، قال الذهبي: “طلب الشافعي العلم، وهو ابن عشر سنين”، قال الآمدي: “إذا تحمل الرواية قبل البلوغ، وكان ضابطًا لها، وأداها بعد البلوغ وظهور رشده في دينه؛ فإنها مقبولة؛ لأنه لا خلل في تحمله ولا في أدائه”. ويدل على قبول روايته -أي: رواية المميز- الإجماع والمعقول: أما الإجماع فمن وجهين: الوجه الأول: أن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على قبول رواية ابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير، وغيرهم من أحداث الصحابة مطلقًا، من غير فرق بين ما تحملوه في حال الصغر وبعد البلوغ. الوجه الثاني: إجماع السلف والخلف على إحضار الصبيان مجالس الحديث، وقبول روايتهم لما تحملوه في حالة الصبا بعد البلوغ. أما المعقول فهو: أن التحرز في أمر الشهادة أكثر منه في الرواية، ولهذا اختلف في قبول شهادة العبد، والأكثر على ردِّها، ولم يُختلف في قبول رواية العبد. وقد أجمعنا على أن ما تحمله الصبي من الشهادة قبل البلوغ إذا شهد به بعد البلوغ قُبلت شهادته، فالرواية أولى بالقبول. قال ابن الصلاح: “يصح التحمل -أي: تحمل الحديث- قبل وجود الأهلية، فتُقبل رواية من تحمل قبل الإسلام وروى بعده، وكذلك رواية من سمع قبل البلوغ وروى بعده، ومنع من ذلك قوم فأخطئوا؛ لأن الناس قبلوا رواية أحداث الصحابة كالحسن بن علي، وابن عباس، وابن الزبير، والنعمان بن بشير، وأشباههم من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ، وما تحملوه بعد البلوغ، ولم يزالوا قديمًا وحديثًا يُحضرون الصبيان مجالس التحديث والسماع، ويعتدون بروايتهم لذلك”، والله أعلم. قال ابن الصلاح: “وينبغي بعد أن صار الملحوظ إبقاء سلسلة الإسناد أن يُبكَّر بإسماع الصغير في أول زمان يصح فيه سماعه، وأما الاشتغال بكتابة الحديث وتحصيله وضبطه، وتقييده فمن حين يتأهل لذلك ويستعد له، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص، وليس منحصرًا في سن مخصوص كما سبق ذكره آنفًا، عن قوم والله أعلم”. قال ابن الصلاح: “اختلفوا في أول زمان يصح فيه سماع الصغير”، ثم روى بإسناده عن القاضي عياض بن موسى اليحصوبي قال: “حدد أهل الصنعة في ذلك أن أقله سن محمود بن الربيع”، قال ابن الصلاح: “التحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث، والمتأخرون يكتبون لابن خمس فصاعدًا سمع، ولمن لم يبلغ خمسًا أحْضِرَ، والذي ينبغي في ذلك أن يعتبر في كل صغير حاله على الخصوص، فإن وجدناه مرتفعًا عن حال من لا يعقل فهمًا للخطاب وردًّا للجواب ونحو ذلك؛ صححنا سماعه وإن كان دون خمس، وإن لم يكن كذلك لم نصحح سماعه، وإن كان ابن خمس بل ابن خمسين”. المذهب الثاني: ذهب بعض العلماء إلى أن البلوغ شرط لتحمل الحديث، وممن نُقل عنهم ذلك يحيى بن معين، ويزيد بن هارون، وأهل الكوفة، وأهل الشام، قال يحيى بن معين: “حد الغلام في كتابة الحديث أربع عشرة سنة، أو خمس عشرة سنة”، وذكر الخطيب أن أهل الكوفة لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا بعد استكمال عشرين سنة، ويشتغل قبل ذلك بحفظ القرآن الكريم والتعبد، وأهل البصرة يكتبون لعشر سنين، وأهل الشام لثلاثين. قال ابن خلاد: “قال أبو عبد الله الزبيري: يُستحب كتب الحديث في العشرين؛ لأنها مجتمع العقل. قال: وأحب أن يشتغل دونها بحفظ القرآن الكريم والفرائض”، قال الخطيب البغدادي -رحمه الله-: “قال قوم الحد في السماع خمس عشرة سنة، وقال غيرهم: ثلاث عشرة، وقال الجمهور: يصح السماع لمن سنه دون ذلك، وهذا هو عندنا الصواب”، ثم روى الخطيب بإسناده عن نعيم بن حماد، قال: “سمعت ابن عيينة يقول: لقد أتى هشام بن حسان عظيمًا بروايته عن الحسن، قيل لنعيم لما؟ قال: لأنه كان صغيرًا، قلت: لعل هشام بن حسان كان صغيرًا لا يضبط ما يسمع”، وإلا فقد روى الخطيب بإسناده عن سفيان بن عيينة أنه تحمل الحديث، وكان في العاشرة من عمره، وكان يجالس علماء الأمصار وهو في هذا السن من عمره. عن النضر الهلالي قال: “كنت في مجلس سفيان بن عيينة، فنظر إلى صبي دخل المسجد، فكأن أهل المسجد تهاونوا به لصغر سنه، فقال سفيان -رحمه الله تعالى-: {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مّن قَبْلُ فَمَنّ اللّهُ عَلَيْكُمْ} [النساء: 94]، ثم قال: يا نضر لو رأيتني ولي عشر سنين طولي خمسة أشبار إلى أن قال: أختلف إلى علماء الأمصار مثل الزهري، وعمرو بن دينار، أجلس بينهم كالمسمار”، إلى آخر ما ذكر. وقد أجاب الإمام أحمد على ما قاله يحيى بن معين مبينًا أن اشتراط هذا السن ليس في تحمل الحديث، بل في الجهاد، لما فيه من المشقة، أما التحمل فيكفي فيه التمييز، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: “قيل لأبي في هذا -أي: في قول ابن معين- فقال: كيف تعمل بوكيع وغيره، وأحسب عبد الله أن أباه قال: إن حد الغلام إذا ضبط ما يسمع، قال: إنما ذلك في القتال”، يعني ابن خمس عشرة سنة أو كلامًا ذا معناه. أما عن قولهم عن أهل الكوفة وأهل الشام، فإن عادتهم غير ملزمة لغيرهم، وليست شرطًا لقبول الرواية، ولا يلزم من فقدانها البطلان، ومن يمنع الصبي المميز من تحمل الحديث عليه أن يمنع ذلك بدليل أو إجماع العلماء على ذلك لا برأيه، وليس معهم دليل ولا إجماع بل الجمهور الأعظم من العلماء على خلافهم. أما عن قول الزبيري فإنه استحب ذلك، ولم يجعله شرطًا للقبول، قال الحافظ السخاوي: “منع قوم القبول في مسألة الصبي أي: تحمل الصبي خاصة، فلم يقبلوا ممن تحمل قبل البلوغ؛ لأن الصبي مظنة عدم الضبط، هو ووجه للشافعية، وعليه أبو منصور محمد بن المنذر المراكشي، الفقيه الشافعي، فكان يمتنع من الرواية أشد الامتناع، ويقول: مشايخنا سمعوا وهم صغار لا يفهمون، وكذلك مشايخهم، وأنا لا أرى الرواية عمن هذا سبيله، وكذا كان ابن المبارك يتوقف في تحديث الصبي معللًا ذلك بأنه لا يفقه ما يتحمله، فلما ألحَّ عليه حماد بن زيد أن يحدث الغلام الذي امتنع من تحديثه أولًا قائلًا له: إنه سيكون آخر من يحدث عنك في الدنيا، حدثه، وكان هذا الغلام آخر من حدث عن ابن المبارك”، ولو كان البلوغ عند ابن المبارك شرطًا لصحة التحمل ما حدث هذا الغلام، ولكن ما دخل الفقه والفهم بتحمل الحديث. إن الراوية ما هي إلا ضبط المسموع ونقله، أما فهم الحديث وفقهه فهذا أمر آخر، فقد يتحمل الكبير وهو لا يفقه ما تحمله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)). قال الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- وهو يرد على من قال: إن البلوغ شرط لتحمل الحديث: “حفظ سهل بن سعيد الساعدي، عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث وكان يقول: كنت ابن خمس عشرة سنة حين قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان السماع لا يصح إلا بعد العشرين؛ لسقطت رواية كثير من أهل العلم سوى من هو في عداد الصحابة ممن حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصغر، فقد روى الحسن بن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم ومولده في سنة اثنتين من الهجرة، وكذلك عبد الله بن الزبير بن العوام، والنعمان بن بشير إلى أن قال: وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة وهي بنت ست سنين، وابتنى بها وهي بنت تسع، وروت عنه ما حفظته في ذلك الوقت؛ لذلك ينبغي أن يبكر طالب العلم بسماع الحديث، ولا يضيع وقته بل عليه أن يستثمر فترة الصبى فإن الذهن يكون فيها صافيًا، وقدرة الطالب على تحصيل العلم كبيرة لقلة الشواغل الصارفة عن تحصيل العلم، وما يُحفظ في سنٍّ مبكر فإنه يكون بعيدًا عن النسيان. قال الحافظ السخاوي: قال الحسن: “طلب الحديث في الصغر كالنقش في الحجر”، قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى-: “وينبغي أن يغتنم التحصيل في وقت الفراغ، وحال الشباب، وقوى البدن، ونباهة الخاطر، وقلة الشواغل قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة، فقد روينا عن عمر رضي الله عنه أنه قال: تفقهوا قبل أن تسودوا”. وقال الشافعي -رحمه الله-: “تفقه قبل أن ترأس، فإن رأست؛ فلا سبيل إلى التفقه”.

error: النص محمي !!