Top
Image Alt

شركة الأعمال، وشروطها، وأحكامها

  /  شركة الأعمال، وشروطها، وأحكامها

شركة الأعمال، وشروطها، وأحكامها

المقصود بشركة الأعمال أو الأبدان أن يشترك اثنان على أن يتقبلا، أي: أن يضمنا في ذمتهما عملًا من الإعمال، يعني: من الإعمال المشروعة، ويكون الكسب بينهما كالخياطة والحدادة والنجارة، والغزل والنسيج إلى آخره؛ سواء كان نصيب كل منهما مساويًا للآخر، نصف ونصف أو متفاوتًا عنه فيأخذ أحدهما الربع، ويأخذ الآخر ثلاثة أرباع، أو ثلث وثلثان.

وبعض الشركات الحديثة هي في الواقع من هذا النوع، كشركات  التنقيب عن البترول؛ فهي شركات أعمال، وشركات  التفريغ والشحن، من شركات الأعمال.

وشركة الأعمال -بهذا المفهوم- جائزة ومباحة عند الحنفية والمالكية والحنابلة؛ لأن المقصود منها تحصيل الكسب، وهو ممكن بالتوكيل، يعني: يمكن أن يؤكل كل منهما الآخر، فيقول: وكلتك في المشاركة معي، يعني: تتقبل عني وأتقبل عنك، واتفقْ لي وأتفقُ لك ونعمل معًا، والربح بيننا، فلا مانع من هذا، يعني: هي جائزة عند جمهور الفقهاء.

الغرض منها تحصيل الربح، وهذا أمر مشروع، وهو ممكن بالتوكيل، والاشتراك في الربح، يعني: يرفع من غرره أن يتفقا على الوكالة، أو أن تكون الوكالة مفهومة ضمنًا.

وقد تعامل الناس بها منذ قديم، وقد أشترك ابن مسعود، وعمار بن ياسر، وسعد بن أبي وقاص رضي الله  عنه يوم بدر، إذا أخذوا أسيرًا كان السلب الذي مع هذا الأسير ملكًا للجميع؛ فاتفقوا على هذا، ويقول سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله  عنه: ((فأصاب سعد أسيرين، أما أنا وعمار فلم نصب شيئا، فلم ينكر النبي صلى الله عليه  وسلم علينا))، يعني: لما علم النبي صلى الله عليه  وسلم باتفاقنا لم ينكر علينا، ولم يقل لنا: إن هذا التصرف لا يجوز، هذا نوع من المشاركة في الأعمال ينتج عنة ثمرة وهى الربح أو المكسب لسلب الأسير أو القتيل.

وهذا الحديث رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، فهؤلاء مشاركون فيما يصيبون من سلب المحاربين، وقد علم بذلك النبي صلى الله عليه  وسلم وأقرهم عليه.

وقد اشترط المالكية لصحة شركة الأعمال شروطًا ثلاثة:

أول شيء: اتحاد الصنعة، يعني إذا كان هذا حدادًا يكون الآخر حدادًا، إذا كان هذا نجارًا يكون الآخر نجارًا، إذا كان أحدهما نساجًا يكون الآخر نساجًا، يعني اتحاد الصنعة أو الحرفة أو حتى أن يكون بين الحرفتين إذا اختلفا يكون بينهما نوع من التلازم أو التقارب كأن يكون مثلًا أحدهما غزَّالًا والآخر نسَّاجًا… إلخ، يكون بين الحرفتين اتحاد، أو نوع من التقارب بحيث يكمل كل من العاملين عمل الآخر.

اشترط المالكية أيضًا اتحاد المكان الذي يعملان فيه، ويكون الربح الذي يأخذه كل منهما مناسبًا لعمله عرفًا، يعني من الممكن أن يشترطا التساوي في المكسب، أو في الدخل، ومن الممكن إذا كان عمل أحدهما أكثر أو أهم عرفًا، أن يكون له نصيبًا أكثر، في الدخل، فهذا جائز.

وتوسع الحنابلة في هذه الشركة -شركة الأعمال- لدرجة أنهم أجازوها في المباحات مع أن الحنفية والمالكية لا يجيزونها في المباحات، أي: الأمور المباحة للجميع ويمكن الحصول عليها، كالاحتطاب، أو الاحتشاش، يعني: جز الحشيش، أو قطع الحشيش الأخضر، أو قطع الحطب من أشجار الغابات، أو كالصيد.

وذهب الشافعية، وزفر من الحنفية: إلى أنها –أي: شركة الأعمال- غير جائزة، فلا يجوز أن يشترك اثنان حرفتهما واحدة في أن يتقبلا أعمالًا؛ لأن هذا النوع من الشركة لا يقوم على مال، والأصل عند الشافعية أن الشركة لا تكون شركة إلا إذا كانت في الأعمال، لكن ليس من الضروري أن تكون الشركة في الأعمال، والغرض حصول الربح، والربح يحصل بالمال ويحصل بالعمل أيضًا، ويحصل بالضمان، فمن الممكن الرد على حجة الشافعية في هذا.

واحتج الرافضون أيضًا من الشافعية، وزفر، إلى أن في شركة الأعمال غرر، فقد تأتي أعمال وقد لا تأتي، وقد يعمل أحدهما أكثر من الآخر، وقد يعمل أقل وقد يكون أحدهما أدق أو أكثر خبرة، والربح أيضًا مجهول، فقد يأتي ربح وقد لا يأتي، وهذه الأمور المجهولة قد تؤدي إلى النزاع، لكن الرد عليهم: بأن الجهالة هنا أو الغرر ليس هدفًا، وليس كثيرًا، وليس مقصودًا، إنما قد يعرض ويتبع الأصل، لكن الأصل في شركة الأعمال أنها جائزة.

error: النص محمي !!